أدلة الشيعة على نفي التحريف
( 1 )
آيات من القرآن الكريم
والقرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء ، وما كان كذلك كان تبياناً لنفسه أيضاً ، فلنرجع إليه لنرى هل فيه دلالة على نقصانه أو بالعكس .
أجل إنّ في القرآن الحكيم آيات تدل بوضوح على صيانته من كلّ تحريف ، وحفظه من كل تلاعب ، فهو ينفي كل اشكال التصرّف فيه ، ويعلن أنّه لا يصيبه ما يشينه ويحط من كرامته حتى الأبد .
وتلك الآيات هي :
1 ـ قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » (39) .
واذا كان القرآن العظيم لا يأتيه « الباطل » من بين يديه ولا من خلفه فإنّ من
____________________________
(39) سورة حم السجدة ( فصلت ) 41 : 40 ـ 41 .
أظهر مصاديق « الباطل » هو « وقوع النقصان فيه » .
فهو إذاً مصون من قبل الله تعالى عن ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة .
2 ـ قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » (40) .
والمراد من « الذِّكْرَ » في هذه الآية الكريمة على الأصح هو « القرآن العظيم »
فالله سبحانه أنزله على نبيّه الكريم ، وتعهّد بحفظه منذ نزوله الى الأبد من كل ما يتنافى
وكونه منهاجاً خالداً في الحياة ودستوراً عاماً للبشرية جمعاء .
ومن الواضح انّ من أهم ما يتنافى وشأن القرآن العظيم وقدسيته الفذة وقوع
التحريف فيه وضياع شيء منه على الناس ، ونقصانه عما أنزله عزوجل على نبيّه
صلّی الله عليه وآله وسلّم .
3 ـ قوله تعالى : « لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا
قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ » (41) .
فعن ابن عباس وغيره في قوله تعالى : « إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ » انّ المعنى : إنّ
علينا جمعه ، وقرآنه عليك حتى تحفظه ويمكنك تلاوته ، فلاتخف فوت شيء منه (42) .
õ õ õ õ õ
( 2 )
الأحاديث عن النبي والأئمّة عليهم السلام
والمصدر الثاني من مصادر الأحكام والعقائد الإسلاميّة هو السنّة النبوية
الشريفة الواصلة إلينا بالطرق والأسانيد الصحيحة .
ولذا كان على المسلمين أن يبحثوا في السنّة عما لم يكن في الكتاب ، وأن يأخذوا
منها تفسير ما أبهمه وبيان ما أجمله ، فيسيروا على منهاجها ، ويعملوا على وفقها ، عملاً
بقوله سبحانه « مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا » (43) وقوله تعالى
____________________________
(40) سورة الحجر 15 : 9 .
(41) سورة القيامة 75 : 16 ـ 19 .
(42) مجمع البيان للطبرسي 5 : 397 .
(43) سورة الحشر 59 : 7 .
« وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ » (44) .
وعلی هذا فإنّا لما راجعنا السنّة وجدنا الأحاديث المتكثرة الدالّة بأقسامها
العديدة على إنّ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو ما اُنزل على النبي صلّى الله عليه
وآله وسلّم من غير زيادة ونقصان ، وانه كان محفوظاً مجموعاً على عهده ، صلّى الله عليه
وآله وسلّم وبقي كذلك حتى الآن ، وانّه سيبقى على ما هو عليه إلى الأبد .
وهذه الأحاديث على أقسام وهي :
القسم الأول
أحاديث العرض على الكتاب
لقد جاءت الأحاديث الصحيحة تنصّ على وجوب عرض الخبرين المتعارضين
بل مطلق الأحاديث على القرآن الكريم ، فما وافق القرآن اُخذ به وما خالفه اُعرض عنه ،
فلولا أنّ سور القرآن وآياته مصونة من التحريف ومحفوظة من النقصان ما كانت هذه
القاعدة التي قررها الأئمّة من أهل البيت الطاهرين آخذين إياها من جدهم رسول الله
صلّی الله عليه وآله وسلّم ولا امكن الركون إليها والوثوق بها .
ومن تلك الأحاديث المذكورة :
قول الإمام الرضا عليه السلام : « . . . فما ورد عليكم من خبرين مختلفين
فاعرضوهما على كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما
وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي صلّى الله عليه
وآله . . . » (45) .
وقول الإمام الصادق عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام : « إنّ على كلّ
حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله
فدعوه » (46) .
وقول الإمام الهادي عليه السلام : « . . . فاذا وردت حقائق الأخبار والتمست
____________________________
(44) سورة النجم 53 : 3 ـ 4 .
(45) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2 : 20 .
(46) الأمالي للشيخ الصدوق : 367 .
شواهدها من التنزيل ، فوجد لها موافقاً وعليها دليلاً ، كان الإقتداء بها فرضا لا يتعداه إلّا
أهل العناد . . . » (47) .
وقول الإمام الصادق عليه السلام : « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان
فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله
فذروه . . . » (48) .
وقول الإمام الصادق عليه السلام : « . . . ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب
والسنّة ، وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق
العامة . . . » (49) .
فهذه الأحاديث ونحوها تدل على إنّ القرآن الموجود الآن هو نفس ما أنزله الله
عزوجل على النبي ، صلّی الله عليه وآله وسلّم . من غير زيادة ولانقصان ، لانّه لو لم يكن
كذلك لم يمكن أن يكون القرآن مرجعاً للمسلمين يعرضون عليه الاحاديث التي تصل
إليهم عن النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم فيُعرف بذلك الصحيح ويؤخذ به ، والسقيم
فيُعرض عنه ويُترك .
القسم الثاني
حديث الثقلين
ولم تَمرّ على النبي الكريم والقائد العظيم محمد صلّی الله عليه وآله وسلّم فرصة
إلّا وانتهزها للوصيّة بالكتاب والعترة الطاهرة والأمر باتباعهما والإنقياد لهما والتمسك
بها .
لذا تواتر عنه صلّی الله عليه وآله وسلّم حديث الثقلين الذي رواه جمهور علماء
المسلمين بأسانيد متكثرة متواترة ، وألفاظ مختلفة متنوعة عن أكثر من ثلاثين صحابي
وصحابية ، وأحد ألفاظه :
« اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتّم بهما لن
____________________________
(47) تحف العقول للحراني : 343 .
(48) الرسائل للشيخ الأنصاري : 446 .
(49) الرسائل للشيخ الأنصاري : 445 .
تضلوا بعدي أبدا . . . » (50) .
وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدوّناً في عهده صلّی الله عليه وآله
وسلّم بجميع آياته وسوره حتى يصح إطلاق إسم الكتاب عليه ، ولذلك تكرر ذكر
الكتاب في غير واحد من سوره الشريفة .
كما انّه يقتضي بقاء القرآن كما كان عليه على عهده صلّی الله عليه وآله وسلّم
إلى يوم القيامة ، لتتمّ به ـ وبالعترة ـ الهداية الأبدية للاُمة الإسلامية والبشرية جمعاء ، ما
داموا متمسكين بهما ، كما ينصّ عليه الحديث الشريف بألفاظه وطرقه ، وإلّا للزم القول
بعدم علمه صلّی الله عليه وآله وسلّم بما سيكون في اُمته ، أو إخلاله بالنصح التام لاُمته ،
وهذا لا يقول به أحد من المسلمين .
القسم الثالث
الأحاديث الواردة في ثواب قراءة السور في
الصلوات وغيرها
وقد وردت طائفة من الأحاديث في فضيلة قراءة سور القرآن الكريم في
الصلوات وغيرها ، وثواب ختم القرآن وتلاوته في شهر رمضان وغير ذلك .
ولو كان تطرق النقصان في ألفاظ القرآن لم يبق مجال للإعتماد على شيء من
تلك الأحاديث والعمل بها من أجل الحصول على ما تفيده من الأجر والثواب ،
لاحتمال أن تكون كلّ سورة أو كلّ آية محرفة عما كانت نازلة عليه .
ومن تلك الأحاديث :
____________________________
(50) حديث الثقلين من جملة الاحاديث التي لا يشك مسلم في صدورها من النبي صلّی الله عليه وآله
وسلّم . فقد رواه عنه أكثر من ثلاثين من الصحابة واورده من علماء أهل السنّة ما يقارب الـ 500
شخصية من مختلف طبقاتهم منذ زمن التابعين حتى عصرنا الحاضر من مؤرخين ومفسرين ومحدّثين غيرهم .
وهذا الحديث يدل بوضوح على عصمة الأئمة من العترة ووجوب اطاعتهم وامتثال أوامرهم والاهتداء
بهديهم في الاُمور الدينية والدنيوية ، والأخذ بأقوالهم في الأحكام الشرعية وغيرها .
كما يدل على بقائهم وعدم خلو الأرض منهم إلى يوم القيامة كما هو الحال بالنسبة إلى القرآن .
وقد بحثنا هذا الحديث مسنداً ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابنا « خلاصة عبقات الأنوار في إمامة
الأئمة الأطهار » الذي طبع منه حتى الآن تسعة أجزاء .
قول الإمام الباقر عن أبيه عن جده عن رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم :
« من قرأ عشر آيات في ليلة لم يُكتب من الغافلين ، ومن قرأ خمسين آية كُتب
من الذاكرين ، ومن قرأ مائة آية كُتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية كُتب من
الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كُتب من الفائزين ، ومن قرأ خمسمائة آية كُتب من
المجتهدين ، ومن قرأ ألف آية كُتب له قنطار . . . » (51) .
وقول الإمام الباقر عليه السلام : « من أوْتَر بالمعوذتين ، وقل هو الله أحد قيل
له : يا عبد الله أبشر فقد قبل الله وتِرْك » (52) .
وقول الإمام الصادق عليه السلام : « . . . وعليكم بتلاوة القرآن ، فان
درجات الجنّة على عدد آيات القرآن ، فاذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن إقرأ
وارق ، فكلما قرأ آية رقى درجة . . . » (53) .
وقول الإمام الصادق عليه السلام : « الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن
يقرأ ليلة الجمعة بالجمعة وسبح إسم ربك الأعلى . . . فاذا فعل ذلك فانما يعمل بعمل
رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم ، وكان جزاؤه وثوابه على الله الجنة » (54) .
وقول الإمام الباقر عليه السلام : « من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة واقل
من ذلك واكثر ، وختمه يوم الجمعة ، كتب الله له من الأجر والحسنات من أول جمعة
كانت إلى آخر جمعة تكون فيها ، وان ختمه في سائر الايام فكذلك » (55) .
إلى غير ذلك من الأحاديث وما أكثرها ، وقد ذكر الفقهاء ـ رضي الله تعالى
عنهم ـ تفصيل ما يستحب أن يُقرأ في الصلوات الخمس من سور القرآن (56) .
كما روى الشيخ الصدوق ـ رحمه الله تعالى ـ ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن
بحسب الأحاديث الواردة عن الأئمّة عليهم السلام (57) .
____________________________
(51) الأمالي للشيخ الصدوق : 59 ـ 60 ، الكافي 2 : 448 .
(52) الأمالي للشيخ الصدوق : 60 ، ثواب الاعمال للشيخ الصدوق 157 .
(53) الأمالي 359 .
(54) ثواب الأعمال : 146 .
(55) ثواب الأعمال : 125 .
(56) راجع جواهر الكلام 9 : 400 ـ 416 .
(57) ثواب الاعمال : 130 ـ 158 .
وبهذا القسم من الأحاديث استدل الشيخ الصدوق على ما ذهب إليه من عدم
تحريف القرآن (58) .
القسم الرابع
الأحاديث الآمرة بالرجوع إلى القرآن الكريم واستنطاقه
وهي كثيرة جداً ، نكتفي هنا منها بما جاء في كتب وخطب أمير المؤمنين عليه
الصلاة والسلام .
قال عليه السلام في خطبة له ينبّه فيها على فضل الرسول والقرآن :
« أرسله على حين فترة من الرّسل ، وطول هجعة من الاُمم وانتقاض من المبرم
فجاءهم بتصديق الذي بين يديه ، والنور المقتدى به ، ذلك القرآن .
فاستنطقوه ولن ينطق ، ولكن اخبركم عنه ، الّا إنّ فيه علم ما يأتي ، والحديث
عن الماضي ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم » (59) .
وقال عليه السلام :
« واعلموا ان هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضلّ ،
والمحدّث الذي لا يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان :
زيادة في هدى أو نقصان في عمى ، واعلموا انّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا
لاحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم ، فإنّ
فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغيّ والضلال ، فاسألوا الله به وتوجهوا
إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنّه ما توجه العباد إلى الله بمثله .
واعلموا إنّه مشفّع مشفّع ، وقائل مصدّق ، وإنّه من شفع له القرآن يوم القيامة
شفّع فيه ، ومن محَلَ به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنّه ينادي مناد يوم القيامة : إلّا
إنّ كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير حرثة القرآن ، فكونوا من حرثته
واتباعه ، واستدلّوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه أرائكم ،
____________________________
(58) الإعتقادات للشيخ الصدوق : 93 .
(59) نهج البلاغة : 223 / 158 .
واستغشوا فيه أهواءكم » (60) .
وقال عليه السلام في كتاب له إلى الحارث الهمداني ـ رضي الله عنه ـ :
« وتمسّك بحبل القرآن واستنصحه ، واحلّ حلاله ، وحرّم حرامه . . . » (61) .
وقال عليه السلام « ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لاتطفأ مصابيحه ، وسراجاً
لا يخبو توقّده وبحراً لا يدرك قعره ، ومنهاجاً لا يضل نهجه ، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه ،
وفرقاناً لا يخمد برهانه ، وحقاً لاتخذل أعوانه فهو معدن الإيمان وبحبوحته ، وينابيع العلم
وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر
لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل
لا يضل نهجها القاصدون ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعاً لقلوب الفقهاء ومحاج
لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونوراً ليس معه ظلمة وحبلاً وثيقاً عروته ،
ومعقلاً منيعاً ذروته ، وعزاً لمن تولّاه ، وسلماً لمن دخله ، وهدى لمن إئتمّ به ، وعذراً لمن
إنتحله وبرهاناً لمن تكلم به ، وشاهداً لمن خاصم به ، وفلجاً لمن حاجّ به ، وحاملاً لمن
حمله ، ومطيّة لمن أعمله ، وآية لمن توسّم ، وجُنّة لمن إستلام ، وعلماً لمن وعى ، وحديثاً
لمن روى ، وحكماً لمن قضى » (62) .
وقال عليه السلام : « فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق ، حجّة الله على خلقه ،
أخذ عليهم ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، أتم نوره ، واكمل به دينه ، وقبض نبيّه صلّى الله
عليه وآله وسلم وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ، فعظّموا منه سبحانه ما عظّم
من نفسه ، فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه ، إلّا وجعل
له علماً بادياً وآية محكمّة تزجر عنه أو تدعو إليه . . . » (63) .
فهذه الكلمات البليغة وامثالها تنصّ على إنّ الله تعالى جعل القرآن الكريم نوراً
يستضاء به ، ومنهاجاً يعمل على وفقه ، وحكماً بين العباد ، ومرجعاً في المشكلات ،
ودليلاً عند الحيرة ، ومتبعاً عند الفتنة .
____________________________
(60) نفس المصدر 202 / 176 .
(61) نفس المصدر 459 / 69 .
(62) نفس المصدر 315 / 198 .
(63) نهج البلاغة 265 / 183 .
وكل ذلك يقتضي أن يكون ما بأيدينا من القرآن هو نفس القرآن الذي نزل
على الرسول الأعظم صلّی الله عليه وآله وسلّم ، وعرفه أمير المؤمنين وسائر الأئمّة
والصحابة والمسلمون أجمعون .
القسم الخامس
الأحاديث التي تتضمن تمسّك الأئمّة من أهل البيت بمختلف
الآيات القرآنية المباركة
وروى المحدّثون من الإماميّة أحاديث متكاثرة جداً عن الأئمّة الطاهرين
تتضمن تمسّكهم بمختلف الآيات عند المناظرات وفي كل بحث من البحوث ، سواء في
العقائد أو الأحكام أو المواعظ والحكم والأمثال .
فهم عليهم السلام تمسّكوا بالآيات القرآنية « في كل باب على ما يوافق القرآن
الموجود عندنا ، حتى في الموارد التي فيها آحاد من الروايات بالتحريف ، وهذا أحسن
شاهد على إنّ المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم عليهم السلام كذا نزل هو
التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل » (64) .
القسم السادس
الأحاديث الواردة عنهم عليهم السلام في إنّ ما بأيدي الناس
هو القرآن النازل من عند الله
وصريح جملة من الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت ، انهم عليهم السلام
كانوا يعتقدون في هذا القرآن الموجود بانّه هو النازل من عند الله سبحانه على النبي
صلّی الله عليه وآله وسلّم ، وهذه الأحاديث كثيرة ننقل هنا بعضها :
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
« كتاب ربكم فيكم ، مبيناً حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه
ومنسوخه ورخصه وعزائمه ، وخاصه وعامه ، وعبره وامثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه
____________________________
(64) الميزان في تفسير القرآن 12 : 111 .
ومتشابهه ، مفسراً مجمله ، ومبيناً غوامضه ، بين مأخوذ ميثاق في علمه ، وموسّع على العباد
في جهله ، وبين مثبت في الكتاب فرضه ، ومعلوم في السنّة نسخه وواجب في السنّة
أخذه ، ومرخّص في الكتاب تركه ، وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله ومباين بين
محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه ، وبين مقبول في أدناه ، موسع
في اقصاه » (65) .
وقال عليه السلام : « أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا
شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول
صلّی الله عليه وآله وسلّم عن تبليغه وادائه ؟ والله سبحانه يقول : « مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ
مِن شَيْءٍ » وقال : « تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ » . وذكر انّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ،
وانّه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه : « وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا
كَثِيرًا » وان القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ، ولا تكشف الظلمات
إلّا به » (66) .
وعن الريان بن الصلت قال : « قلت للرضا عليه السلام يا إبن رسول الله ما
تقول في القرآن ؟
فقال : كلام الله ، لا تتجاوزوه ، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا » (67) .
وجاء فيما كتبه الإمام الرضا عليه السلام للمأمون في محض الإسلام وشرائع
الدين :
« وإنّ جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين ، والتصديق به وبجميع
من مضى قبله من رسل الله وانبيائه وحججه .
والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي « لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » وانه المهيمن على الكتب كلّها ، وانه حق من فاتحته إلى
خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصه وعامه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ،
____________________________
(65) نهج البلاغة 44 / 1 .
(66) نفس المصدر 61 / 18 .
(67) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2 : 57 . الأمالي 546 .
وقصصه واخباره ، لايقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله » (68) .
وعن علي بن سالم عن أبيه قال : « سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام
فقلت له : يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن ؟
فقال : هو كلام الله ، وقول الله ، وكتاب الله ، ووحي الله وتنزيله ، وهو الكتاب
العزيز الذي « لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » (69) .
القسم السابع
قول عمر بن الخطاب : حسبنا كتاب الله
ومن الرزايا العظيمة والكوارث المؤلمة التي قصمت ظهر المسلمين وأدت إلى
ضلال أكثرهم عن الهدى الذي أراده لهم الله ورسوله ، ذلك الخلاف الذي حدث عند
رسول الله صلّی الله عليه وآله وفي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف بين صحابته
الحاضرين عنده في تلك الحال .
ومجمل القضية هو : إنّ النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم لما حضرته الوفاة وعنده
رجال من صحابته ـ فيهم عمر بن الخطاب ـ قال : هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ،
وفي لفظ اخر : أئتوني بالكتف والدواة ـ أو : اللوح والدواة ـ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا
بعده أبدا .
فقال عمر : إنّ النبي قد غلب عليه الوجع (70) ، وعندكم القرآن ، حسبنا
كتاب الله !
وفي لفظ آخر : فقالوا : إنّ رسول الله يهجر . ـ من دون تصريح باسم المعارض ـ !
فاختلف الحاضرون ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا
بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر !
____________________________
(68) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق 2 : 130 .
(69) الأمالي : 545 .
(70) قال سيدنا شرف الدين : « وقد تصرّفوا فيه ، فنقلوه بالمعنى ، لانّ لفظه الثابت : انّ النبي يهجر لكنهم
ذكروا انّه قال : إنّ النبي قد غلب عليه الوجع ، تهذيباً للعبارة ، واتقاء فظاعتها . . » النصّ والاجتهاد :
143 .
فلما اكثروا ذلك عنده صلّی الله عليه وآله وسلّم قال لهم : قوموا عنّي (71) .
ولسنا نحن الآن بصدد محاسبة هذا الرجل لكلامه هذا الذي غيّر مجرى
التأريخ ، وحال دون ما أراده الله والرسول لهذه الامة من الخير والصلاح والرشاد ، إلى
يوم القيامة ، حتى إنّ ابن عباس كان يقول ـ فيما يروى عنه ـ :
« يوم الخميس وما يوم الخميس » ثم يبكي (72) .
وكان رضي الله عنه يقول :
« انّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم وبين
أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم » (73) .
وانّما نريد الإستشهاد بقوله : « إن عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله » الصريح
في وجود القرآن عندهم مدوّناً مجموعاً حينذاك ، ويدّل على ذلك انّه لم يعترض عليه
أحدٌ ـ لا من القائلين قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً ، ولا من غيرهم ـ بانَّ سور القرآن
وآياته متفرقة مبثوثة ، وبهذا تم لعمر بن الخطاب والقائلين مقالته ما أرادوا من الحيلولة
بينه صلّی الله عليه وآله وسلّم وبين كتابة الكتاب .
õ õ õ
3 ـ الإجماع
4 ـ تواتر القرآن
5 ـ صلاة الإمامية
6 ـ كون القرآن مجموعاً على عهد النبي
7 ـ إهتمام النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم والمسلمين بالقرآن
( 3 )
الإجماع
ومن الأدلّة على عدم نقصان القرآن : إجماع العلماء في كل الأزمان (74) .
____________________________
(71) راجع جميع الصحاح والمسانيد والتواريخ والسير وكتب الكلام تجد القضية باختلاف ألفاظها وأسانيدها .
(72) صحيح البخاري 2 : 118 .
(73) نفس المصدر ج 1 كتاب العلم .
(74) كشف الغطاء وغيره .
ومن المعلوم أنّ الإجماع حجّة لدى المسلمين ، امّا عند الإمامية فلأنّه كاشف
عن رأي المعصوم عليه السلام (75) .
( 4 )
تواتر القرآن
ومن الأدلّة على عدم نقصان القرآن تواتره من طرق الإماميّة بجميع حركاته
وسكناته ، وحروفه وكلماته ، وآياته وسوره ، تواتراً قطعياً عن الأئمّة الطاهرين
عليهم السلام عن جدهم رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم (76) .
فهم يعتقدون بان هذا القرآن الموجود بأيدينا هو المنزل على رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم بلا زيادة ولا نقصان .
( 5 )
صلاة الإمامية
ومن الأدلّة على إعتقاد الإماميّة بعدم سقوط شيء من القرآن الكريم :
صلاتهم لانّهم يوجبون قراءة سورة كاملة (77) بعد الحمد في الركعة الاُولى والثانية (78)
من الصلوات الخمس اليوميّة من سائر سور القرآن عدا الفاتحة ، ولا يجوز عند جماعة كبيرة
منهم القِران بين سورتين (79) .
وصلاتهم بهذه الكيفيّة والأحكام دليل ظاهر على إعتقادهم بكون سور القرآن
بأجمعها زمن الرسول صلّی الله عليه وآله وسلّم على ما هي عليه الآن ، والّا لما تسنى لهم
____________________________
(75) يراجع بهذا الصدد كتب اُصول الفقه .
(76) أجوبة مسائل جار الله شرف الدين ، مجمع البيان عن السيد المرتضى .
(77) أجوبة مسائل جار الله ، وهذا هو المشهور بين الفقهاء ، بل ادعى جماعة عليه الإجماع .
(78) أما في الثالثه والرابعة فهو بالخيار إن شاء قرأ الحمد وان شاء سبح إجماعاً ، وان اختلفوا في أفضليّة أحد
الفردين .
(79) جواهر الكلام والرياض وغيرهما . وقد ذكر جماعة من الفقهاء والمفسرين إستثناء سورتي ( الضحى وألم
نشرح ) وسورتي ( الفيل والإيلاف ) من هذا الحكم ، مصرّحين بوجوبِ قران كل سورة منها بصاحبتها .
هذا القول (80) .
( 6 )
كون القرآن مجموعاً على عهد النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم
ومن الأدلّة على عدم وجود النقص في القرآن ثبوت كونه مجموعاً على عهد
الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم على ما هو عليه الآن من الجمع والترتيب
والتنسيق ، وإنّ جماعة من الصحابة ختموا القرآن على عهده ، وتلوه ، وحفظوه ، يجد
اسماءهم من راجع كتب علوم القرآن وإنّ جبرئيل كان يعارضه صلّی الله عليه وآله
وسلّم به كل عام مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين (81) .
وكل هذا الذي ذكرنا دليل واضح على إنّ القرآن الموجود بين أيدينا هو نفس
القرآن الذي كان بين يدي الرسول صلّی الله عليه وآله وسلّم وصحابته على عهده فما
بعد ، من غير زيادة ولا نقصان .
( 7 )
اهتمام النبي صلّی الله عليه وآله والمسلمين بالقرآن
وهل يمكن لأحد من المسلمين إنكار إهتمام النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم
بالقرآن ؟
لقد كان حريصا على نشر سور القرآن بين المسلمين بمجرد نزولها ، مؤكداً عليهم
حفظها ودراستها وتعلّمها ، مبيناً لهم فضل ذلك وثوابه وفوائده في الدنيا والآخرة .
فحثه صلّی الله عليه وآله وسلّم وترغيبه بحفظ القرآن في الصدور والقراطيس
ونحوها ، وامره بتعليمه وتعلّمه رجالاً ونساءً واطفالاً مما ثبت بالضرورة بحيث لا مجال
لإنكار المنكر وجدال المكابر .
____________________________
(80) أجوبة مسائل جار الله لشرف الدين
(81) روى ذلك عن رسول الله صلّی الله عليه واله وذكره ابن ابي الحديد في شرح النهج طبع بيروت
2 : 863 .
وأمّا المسلمون ، فقد كانت الدواعي لديهم لحفظ القرآن والعناية به متوفّرة ، ولذا
كانوا يقدّمونه على غيره في ذلك ، لانّه معجزة النبوة الخالدة ومرجعهم في الأحكام
الشرعيّة والاُمور الدينية ، فكيف يتصور سقوط شيء منه والحال هذه ؟
نعم ، قد يقال : انّه كما كانت الدواعي متوفّرة لحفظ القرآن وضبطه وحراسته ،
كذلك كانت الدواعي متوفّرة على تحريفه وتغييره من قبل المنافقين وأعداء الإسلام
والمسلمين ، الذين خابت ظنونهم في أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو آية من آياته .
ولكن لا مجال لهذا الإحتمال بعد تأييد الله سبحانه المسلمين في العناية
والإهتمام بالقرآن ، وتعهّده بحفظه بحيث «لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،
تنزيل من حكيم حميد» .
أحاديث التحريف في كتب الشيعة
قد ذكرنا في الفصل الأول شطرا من تصريحات كبار علماء الإمامية في القرون
المختلفة في أن القرآن الكريم الموجود بين أيدينا مصون من التحريف ، وما لم نذكره أكثر
منه بكثير ، وربما نقف على تصريحات أو أسماء لجماعة آخرين منهم في غضون البحث.
وعرفت في الفصل الثاني أدلة الإمامية على نفي التحريف وهي :
1 ـ آيات من القرآن العظيم.
2 ـ أحاديث عن النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام ، وهي على أقسام.
3 ـ الإجماع.
4 ـ تواتر القرآن.
5 ـ صلاة الإمامية.
6 ـ كون القرآن مجموعا على عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم.
7 ـ عناية النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام والمسلمين بالقرآن.
8 ـ قول عمر بن الخطاب : حسبنا كتاب الله.
هذا ، ولم ينكر أحد من أولئك الأعلام وجود أحاديث في كتب الشيعة ، تفيد
بظاهرها سقوط شئ من القرآن ، بل نص بعضهم على كثرتها ـ كما توجد في كتبهم
روايات ظاهرة في الجبر والتفويض وفي التشبيه والتجسيم ونحو ذلك ـ لكنهم أعرضوا
عن ذلك الأحاديث ونفوا وقوع التحريف في القرآن ، بل ذهب البعض منهم إلى فهم
إجماع الطائفة على ذلك ، ومجرد إعراضهم عن حديث يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار ،
كما تقرر في أصول الفقه.
ونحن في هذا المقام نبحث حول سبب إعراضهم عن أخبار التحريف ، وقبل
الخوض في البحث نقول :
هناك في كتب الإمامية روايات ظاهرة في تحريف القرآن ، لكن دعوى
كثرتها لا تخلو من نظر ، لأن الذي يمكن قبوله كثرة ما ذل على التحريف بالمعنى
الأعم (1) وقد جاء هذا في كلام الشيخ أبي جعفر الطوسي فإنه ـ بعد أن استظهر عدم
النقصان من الروايات ـ قال : (غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة
بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شي منه من موضع إلى موضع) وأما ما دل على
التحريف بالمعنى الأخص الذي نبحث عنه وهو (النقصان) فلا يوافق على دعوى
كثرته ، ومن هنا وصفت تلك الروايات في كلمات بعض المحققين كالشيخ جعفر
كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي بالشذوذ والندرة.
وروايات الشيعة في هذا الباب يمكن تقسيمها إلى قسمين :
الأول : الروايات الضعيفة أو المرسلة أو المقطوعة. والظاهر أن هذا القسم هو
الغالب فيها ، ويتضح ذلك بملاحظة أسانيدها ، ويكفي للوقوف على حال أحاديث
الشيح الكليني فيها ـ ولعلها هي عمدتها ـ مراجعة كتاب (مرآة العقول) للشيخ محمد باقر
__________________
(1) يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك :
أ ـ نقل الشئ عن موضعه وتحويله إلى غيره.
ب ـ النقص أو الزيادة في الحروف أوفي الحركات مع حفظ القرآن وعدم ضياعه ، وإن لم يكن متميزا في
الخارج عن غيره.
ج ـ النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفظ على نفس القرآن المنزل.
د ـ التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل.
ه ـ التحريف بالزيادة ، بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل.
و ـ التحريف بالنقيصة ، بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن المنزل.
وموضوع بحثنا هو التحريف بالمعنى الأخير ، ونعني بالمعنى الأعم ما يعم جميع المعاني المذكورة.
المجلسي ، الذي هو أهم كتب الحديث لدى الإمامية ، ومن أشهر شروح (الكافي)
وأهمها.
ومن الأعلام الذين دققوا النظر في أسانيد هذه الروايات ونصوا على عدم
اعتبارها : الشيخ البلاغي في (آلاء الرحمن) والسيد الخوئي في (البيان) والسيد
الطباطبائي في (الميزان). ومن المعلوم عدم جواز الاستناد إلى هكذا روايات في أي
مسألة من المسائل ، فكيف بمثل هذه المسألة الأصولية الاعتقادية!؟
والثاني : الروايات الواردة عن رجال ثقات وبأسانيد لا مجال للخدش فيها.
وينقسم هذا القسم إلى طائفتين :
الأولى : ما يمكن حمله وتأويله فيها على بعض الوجوه ، بحيث يرتفع التنافي
بينها وبين الروايات والأدلة الأخرى القائمة على عدم التحريف.
والثانية : ما لا يمكن حمله وتوجيهه.
وبهذا الترتيب يتضح لنا أن ما روي من جهة الشيعة بنقصان آي القرآن قليل
جدا ، لأن المفروض خروج الضعيف سندا والمؤول دلالة عن دائرة البحث.
وأول ما في هذه الروايات أنها مصادمة للضرورة ، ففي كلمات عدة من أئمة
الإمامية دعوى الضرورة على كون القرآن مجموعا على عهد النبوة ، فقد قال السيد
المرتضى : (إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع
العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة ... إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه
في صحة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة) (2).
وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء : (لا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار
النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها) (3).
وقال السيد شرف الدين العاملي : (إن القرآن عندنا كان مجموعا على عهد
الوحي والنبوة ، مؤلفا على ما هو عليه الآن ... وهذا كله من الأمور الضرورية لدى
__________________
(2) المسائل الطرابلسيات ، نقلا عن مجمع البيان للطبرسي 1 : 15.
(3) كشف الغطاء في الفقه ، ونقله عنه شرف الدين في أجوبة المسائل : 33.
المحققين من علماء الإمامية) (4).
وقال السيد الخوئي : (إن من يدعي التحريف يخالف بداهة العقل) (5).
فإن نوقش في هذا ، فلا كلام في مخالفة روايات التحريف لظاهر الكتاب
حيث قال عز من قائل : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ليكون قدوة للأمة
وبرنامجا لأعمالها ، ومستقى لأحكامها ومعارفها ، ومعجزة خالدة. ومن المعلوم المتسالم
عليه : سقوط كل حديث خالف الكتاب وإن بلغ في الصحة وكثرة الأسانيد ما بلغ ،
وبهذا صرحت النصوص عن النبي والأئمة عليهمالسلام ، ومن هنا أعرض علماء
الإمامية الفطاحل ـ الأصوليون والمحدثون ـ عن هذه الأحاديث ... قال المحدث الكاشاني
في (الصافي) : (إن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده) (6).
فإن نوقش في هذا أيضا فقيل بأنه استدلال مستلزم للدور ، أو قيل بأن الضمير
في (له) عائد إلى النبي صلىاللهعليهوآله ، فإن هذه الروايات تطرح لما يلي :
أولا : إنها موافقة للعامة ، فإن القول بالتحريف منقول عن الذين يقتدون بهم
من مشاهير الصحابة ، وعن مشاهير أئمتهم وحفاظهم ، وأحاديثه مخرجة في أهم كتبهم
وأوثق مصادرهم كما سيأتي في بابه ، وهذا وجه آخر لسقوط أخبار التصريف عند فرض
التعارض بينها وبين روايات العدم ، كما تقرر ذلك في علم أصول الفقه.
ثانيا : إنها شاذة ونادرة والروايات الدالة على عدم التحريف مشهورة أو
متواترة ، كما في كلمات الأعلام كالشيخ كاشف الغطاء وغيره ، وسيأتي الجواب عن
شبهة تواتر ما دل على التحريف ، فلا تصلح لمعارضة تلك الروايات ، بل مقتضى
القاعدة المقررة في علم الأصول لزوم الأخذ بالأشهر ورفع اليد به عن الشاذ النادر.
ثالثا : إنه بعد التنزل عن كل ما ذكر فلا ريب في أن روايات التحريف أخبار
آحاد ، وقد ذهب جماعة من أعلام الإمامية على عدم حجية الآحاد مطلقا ، ومن يقول
بحجيتها لا يعبأ بها في المسائل الاعتقادية ، وهذا ما نص عليه جماعة.
__________________
(4) أجوبه مسائل جار الله : 30.
(5) البيان : 27
(6) تفسير الصافي 1 : 46.
(من روايات التحريف)
لم ينكر أحد من علماء الشيعة أن عدة منهم ذهبوا إلى القول بنقصان القرآن
الموجود بين أيدينا ، وأن قسما منه أسقط وحذف من قبل الذين تصدوا لجمعه
صدر الإسلام من الصحابة.
كما لم ينكر أحد وجود أحاديث في كتب الشيعة تفيد بظاهرها سقوط شئ
من القرآن ، بل صرح بعض العلماء بكثرة تلك الأحاديث ، وهي الأحاديث التي
تمسك بها أولئك القائلون بالتحريف ، آخذين بظواهرها ، معتقدين صحتها.
ولا بد أولا من عرض أهم تلك الأحاديث بنصوصها ، ثم النظر في مدى
دلالتها على مطلوبهم ووجوه الجواب عنها ثانيا ، ثم ذكر الرواة والقائلين بتحريف القرآن
بصراحة ثالثا.
وأهم الأحاديث التي يستند إليها القائلون بتحريف القرآن هي الأحاديث
التالية :
1 ـ عن جابر ، قال :
(سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول : ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن
كله كما أنزل إلا كذاب ، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب
عليهالسلام والأئمة من بعده عليهمالسلام) (7).
2 ـ عن جابر ، عن أبي جعفر عليهالسلام أنه قال :
(ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير
الأوصياء) (8).
3 ـ عن سالم بن سلمة ، قال :
(قرأ رجل أبي عبد الله عليهالسلام ـ وأنا استمع ـ حروفا من القرآن ليس
على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله عليهالسلام :
مه ، كف عن هذه القراءة ، إقرأ كما يقرأ الناس ، حتى يقوم القائم فإذا
__________________
(7) الكافي 1 : 178 ، ورواه الصفار في بصائر الدرجات : 13 ،
(8) الكافي 1 : 178 ، بصائر الدرجات : 213.
قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حده ، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليهالسلام.
وقال : أخرجه علي إلى الناس حين فرغ منه وكتبه ، فقال لهم : هذا كتاب الله
تعالى كما أنزله على محمد صلىاللهعليهوآله ، وقد جمعته بين اللوحين ، فقالوا : هو ذا عندنا
مصحف جامع فيه القرآن ، لا حاجة لنا فيه ، فقال : أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا
أبدا ، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه) (9).
4 ـ عن ميسر ، عن أبي جعفر عليهالسلام ، قال :
(لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص عنه ، ما خفي حقنا على ذي حجى ، ولو قد
قام قائمنا فنطق صدقه القرآن) (10).
5 ـ عن الأصبغ بن نباتة ، قال :
(سمعت أمير المؤمنين عليهالسلام يقول : نزل القرآن أثلاثا : ثلث فينا وفي
عدونا وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام) (11).
وعن أبي عبد الله عليهالسلام قال :
(إن القرآن نزل أربعة أرباع : ربع حلال ، وربع حرام ، وربع سنن وأحكام ،
وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم ، وفصل ما بينكم) (12).
وعن أبي جعفر عليهالسلام ، قال :
(نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدونا ، وربع سنن وأمثال ،
وربع فرائض وأحكام) (13).
6 ـ عن محمد بن سليمان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي الحسن عليهالسلام ،
قال :
(قلت له : جعلت فداك ، إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما
نسمعها ، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟
__________________
(9) الكافي 2 : 462.
(10) تفسير العياشي 1 : 13.
(11) الكافي 2 : 459.
(12) الكافي 2 : 459.
(13) الكافي 2 : 459.
فقال : لا ، إقرؤوا كما تعلمتم ، فسيجيئكم من يعلمكم) (14).
7 ـ عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال :
(إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن ، كانت فيه أسماء الرجال
فألقيت ، إنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى ، يعرف ذلك الوصاة) (15).
8 ـ عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال :
(لو قد قرئ القرآن كما أنزل لألفينا في مسمين) (16).
9 ـ عن البزنطي ، قال : (دفع إلي أبو الحسن عليهالسلام مصحفا فقال
ـ وقال ـ : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه (لم يكن الذين كفروا ...) فوجدت فيه
ـ فيها ـ اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، قال : فبعث إلي ابعث
إلي بالمصحف) (17).
10 ـ عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام ، قال :
(نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد صلىاللهعليهوآله هكذا : وإن كنتم في
ريب مما نزلنا على عبدنا ـ في علي ـ فأتوا بسورة من مثله) (18).
11 ـ عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال :
(من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد
صلىاللهعليهوآله وأزواجه ، ثم قال : سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من
قريش وغيرهم ، يا ابن سنان : إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب ،
وكانت أطول من سورة البقرة ، ولكن نقصوها وحرفوها) (19).
12 ـ عن أبي عبد الله عليهالسلام قال :
(أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم ، فمحت قريش ستة وتركوا
__________________
(14) الكافي 2 : 453.
(15) تفسير العياشي 1 : 12.
(16) تفسير العياشي 1 : 13.
(17) الكافي 2 : 461 ، وانظر البحار 92 : 54.
(18) الكافي 1 : 345.
(19) ثواب الأعمال : 100 ، وعنه في البحار 92 : 50.
أبا لهب) (20).
13 ـ عن ابن نباتة قال :
(سمعت عليا عليهالسلام يقول : كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة
يعلمون الناس القرآن كم أنزل ، قلت : يا أمير المؤمنين أوليس هو كم أنزل؟
فقال : لا ، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وما ترك
أبو لهب إلا للإزراء على رسول الله صلىاللهعليهوآله لأنه عمه) (21).
14 ـ عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليهالسلام (في قول الله عزوجل : من
يطع الله ورسوله ـ في ولاية علي والأئمة من بعده ـ فقد فاز فوزا عظيما. هكذا
نزلت) (22).
15 ـ عن منخل ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال (نزل جبرئيل على محمد
صلىاللهعليهوآله بهذه الآية هكذا : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ـ في علي ـ
نورا مبينا) (23).
16 ـ عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله في قوله :
(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات ـ في محمد وعلي وفاطمة والحسن
والحسين والأئمة من ذريتهم ـ فنسي ...) (24).
فهذه طائفة من تلك الأحاديث ، ولنلق الأضواء عليها واحدا واحدا ، لنرى ما
قبل في الجواب عن كل واحد أو ما جاء فيه من تأويل.
الحديث الأول : رواه الشيخ الكليني والشيخ الصفار ، كلاهما بسند فيه
(عمرو بن أبي المقدام) وقد اختلف علماء الرجال فيه على قولين ، كما اعترف بذلك
بعضهم (25).
__________________
(20) رجال الكشي 247 ، وعنه في البحار 92 : 54.
(21) الغيبة للنعماني : 318.
(22) الكافي 1 : 342.
(23) الكافي 1 : 345.
(24) الكافي 1 : 344.
(25) تنقيح المقال 2 : 323.
الحديث الثاني : رواه الشيخان الكليني والصفار أيضا بسند فيه (المنخل بن
جميل الأسدي) وقد ضعفه أكثر علماء الرجال ، بل كلهم ، وقالوا : إنه فاسد العقيدة ،
وإنه يروي الأحاديث الدالة على الغلو في الأئمة عليهمالسلام (26).
هذا ، بالإضافة إلى أنه يمكن تفسير هذا الحديث وسابقه بمعنى آخر يساعد عليه
اللفظ فيهما.
ولذا فقد قال السيد الطباطبائي في الخبرين ما نصه :
(قوله عليهالسلام : إن عنده القرآن كله ... إلى آخره ، الجملة وإن كانت
ظاهرة في لفظ القرآن ومشعرة بوقوع التحريف فيه ، لكن تقييدها بقوله : (ظاهره
وباطنه) يفيد أن المراد هو العلم بجميع القرآن من حيث معانيه الظاهرة على الفهم
العادي ومعانيه المستبطئة على الفهم العادي.
وكذا قوله في الرواية السابقة (وما جمعه وحفظه ... إلى آخره) حيث قيد الجمع
بالحفظ ، فافهم) (27).
وقد أورد السيد علي بن معصوم المدني هذين الخبرين ضمن الأحاديث التي
استشهد بها على أن أمير المؤمنين عليهالسلام والأوصياء من أبنائه علموا جميع ما في
القرآن علما قطعيا بتأييد إلهي وإلهام ورباني وتعليم نبوي ، وذكر أن الأحاديث في ذلك
متواترة بن الفريقين ، وعليه إجماع الفرقة الناجية ، وأنه قد طابق العقل في ذلك
النقل (28).
وقد روى الشيخ الصفار القمي حديثا آخر في معنى الحديثين المذكورين هذا
نصه بسنده :
(جعفر بن أحمد ، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم ، عن محمد علي القريشي ،
عن محمد بن الفضيل ، عن الثمالي ، عن أبي جعفر عليهالسلام ، قال : ما أحد من هذه
الأمة جمع القرآن إلا وصي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم) (29). ولكن في سنده
__________________
(26) تنقيح المقال 3 : 247.
(27) حاشية الكافي 1 : 228.
(28) شرح الصحيفة السجادية 401.
(29) بصائر الدرجات للصفار ، وعنه في البحار 92 : 48 ، وانظر مرآة العقول المجلد 2 : 535.
(محمد بن علي القرشي) (30).
الحديث الثالث : فإن راويه هو (سالم بن سلمة) أو (سالم بن أبي سلمة)
ومراجعة واحدة لكتب الرجال تكفي للوقوف على رأيهم في هذا الرجل. فقد ضعفه ابن
الغضائري والنجاشي والعلامة الحلي والشيخ المجلسي وغيرهم (31). ويفيد الحديث
مخالفة القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين عليهالسلام مع القرآن الموجود بين أيدينا ، وسيأتي
الكلام على ذلك في فصل (الشبهات) كما يفيد أيضا مخالفة القرآن الكريم على عهد
سيدنا الإمام المهدي عليهالسلام لهذا القرآن ، وسيأتي الكلام على هذا أيضا في الفصل
المذكور.
الحديث الرابع : هو من روايات الشيخ العياشي في تفسيره (32) ، وقد رواه عنه
الشيخ الحر العاملي على النحو التالي :
(وعن ميسر ـ أي وروى العياشي عن ميسر ـ عن أبي جعفر عليهالسلام قال :
لولا أن كتاب الله نقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى ، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه
القرآن) (33).
ويبطل هذا الحديث إجماع المسلمين كافة على عدم وقوع الزيادة في القرآن ،
وقد ادعى هذا الإجماع السيد المرتضى وشيخ الطائفة والشيخ الطبرسي رضي الله تعالى
عنهم.
وقال سيدنا الجد الميلاني (هذا ... على أن أحدا لم يقل بالزيادة) وقال السيد
الخوئي في بيان معاني التحريف : (الخامس : التحريف بالزيادة ، بمعنى أن بعض
المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل ، والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع
المسلمين ، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة) (34).
الحديث الخامس : وقد صرح الشيخ المجلسي ـ رحمهالله ـ بأنه مجهول (35).
__________________
(30) تنقيح المقال 3 : 151.
(31) نفس المصدر 2 : 4.
(32) تفسير العياشي 1 : 13.
(33) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 : 43.
(34) البيان : 218.
(35) مرآة العقول 12 : 517.
وفي الأول من تالييه : إنه مرسل (36).
وفي الثاني منهما بأنه : موثق (37).
وظاهر هذه الأحاديث ـ وإن أنكر ذلك جماعة كالمجلسي والفيض وشارح
الكافي ـ منافاة بعضها للبعض ، كما اعترف بذلك السيد عبد الله شبر (38) وأوضح ذلك
السيد هاشم معروف الحسني دراساته.
الحديث السادس : ضعفه الشيخ المجلسي (39) ، وأوله المحدث الكاشاني في
الوافي : على أن المراد من تلك الآيات ، ما كان مأخوذا من الوحي من قبيل التفسير
وتبيين المراد ، لا من القرآن الكريم على حقيقته حتى يقال إنه يدل على نقصان
القرآن.
الحديث السابع : وهو من روايات الشيخ الصفار القمي والشيخ العياشي ،
وسيأتي الكلام عن رواياتهما على أنهما روياه عن (إبراهيم بن عمر) وقد اختلفوا في
تضعيفه وتوثيقه على قولين (40).
ومن الممكن القول : بأن تلك الأسماء التي ألقيت إنما كانت مثبتة فيه على
وجه التفسير لألفاظ القرآن ، وتبيين الغرض منها ، لا أنها نزلت في أصل القرآن كذلك ،
كما قيل في نظائره.
الحديث الثامن : رواه الشيخ العياشي مرسلا عن داود بن فرقد عمن أخبره ،
عنه السلام. وقد يجاب عنه أيضا بمثل ما يجاب به عن الأحاديث الآتية.
الحديث التاسع :
رواه الشيخ الكليني عن البزنطي ، وقد قال الشيخ المجلسي أنه مرسل (41).
واعترف شارح الكافي بكونه : مرفوعا.
__________________
(36) نفس المصدر 12 : 517.
(37) نفس المصدر 12 : 517.
(38) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار 1 : 294.
(39) مرآة العقول.
(40) تنقيح المقال 1 : 27.
(41) مرآة العقول 12 : 521.
وروى نحوه الشيخ الكشي عنه أيضا. (42) ، وسيأتي ما في رواياته.
هذا ... ولقد قال المحدث الكاشاني بعده ما نصه :
(لعل المراد أنه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيرا للذين
كفروا وللمشركين ، مأخوذة من الوحي ، لا إنها كانت من أجزاء القرآن ...
وكذلك كل ما ورد من هذا القبيل عنهم عليهمالسلام (43)).
الحديث العاشر : ونظائره التي رواها الشيخان القمي والكليني وغيرهما ، من
الأحاديث. الدالة على حذف اسم أمير المؤمنين علي عليهالسلام و (آل محمد) وكلمة
(الولاية) وأسماء (المنافقين) ... وغير ذلك.
ويغنينا عن النظر في أسانيد هذه الأحاديث واحدا واحدا اعتراف المحدث
الكاشاني بعدم صحتها ، وحملها على فرض الصحة على أنه بهذا المعنى نزلت وليس المراد
أنها كذلك نزلت في أصل القرآن فحذف ذلك.
ثم قال ـ رحمهالله تعالى ـ : (كذلك يخطر ببالي في تأويل تلك الأخبار إن
صحت ...) (44).
وقال السيد الخوئي ـ دام ظله ـ :
(والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : إنا قد أوضحنا فيما تقدم أن بعض
التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن ، وليس من القرآن نفسه ، فلا بد من حمل هذه
الروايات على أن ذكر أسماء الأئمة في التنزيل من هذا القبيل ، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا
بد من طرح هذه الروايات ، لمخالفتها للكتاب والسنة والأدلة المتقدمة على نفي التحريف.
وقد دلت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة
وإن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه وضربه على الجدار).
وقال أيضا : (ومما يدل على أن اسم أمير المؤمنين عليهالسلام لم يذكر صريحا في
القرآن : حديث الغدير ، فإنه صريح في أن النبي صلىاللهعليهوآله إنما نصف عليا
بأمر الله ، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك ، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس ،
__________________
(42) رجال الكشي : 492.
(43) الوافي : 2 : 273.
(44) نفس المصدر 2 : 274.
ولو كان اسم (علي) مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصف ، ولا إلى تهيئة ذلك
الاجتماع الحافل بالمسلمين ولما خشي رسول الله صلىاللهعليهوآله من إظهار ذلك ،
ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ).
وقال بالنسبة إلى هذا الحديث بالذات :
(على أن الرواية الأخيرة المروية في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه ، فإن
ذكر اسم علي عليهالسلام في مقام إثبات النبوة والتحدسي على الإتيان بمثل القرآن
لا يناسب مقتضى الحال).
قال : (ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي ،
قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن قول الله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم).
وقال فقال : نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهمالسلام.
فقلت له : إن الناس يقولون : فما له لم يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله؟
قال عليهالسلام : فقولوا لهم : إن رسول الله صلىاللهعليهوآله نزلت عليه
الصلاة ولم يسم لهم ثلاثا ولا أربعا ، حتى كان رسول الله صلىاللهعليهوآله هو الذي
فسر لهم ذلك.
فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات وموضحة للمراد
منها) (45) هذا ، وقد تقدم عن الشيخ البهائي قوله :
(وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم المؤمنين عليهالسلام منه في بعض
المواضع ، مثل قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ـ في علي ـ) وغير ذلك فهو
غير معتبر عند العلماء) (46).
الحديث الحادي عشر : فيجاب عنه ـ بعد غض النظر عن سنده ـ بأن الشيخ
الطبرسي ـ رحمهالله ـ وغيره رووه عن ابن سنان بدون زيادة (ثم قال ...) (47).
__________________
(45) البيان 178 ـ 179.
(46) نقله عنه في آلاء الرحمن : 26.
(47) مجمع البيان المجلد 4 : 334.
على أن نفس هذا الحديث ، وكذا الحديثان الآخران (48) عن رسول الله صلى الله
عليه وآله دليل على أن سورة الأحزاب كانت مدونة على عهده صلىاللهعليهوآله
وسلم.
كما يجاب عنه ـ إن صح ـ بما أجيب عن نظائره فيما تقدم.
ولنا أن نطالب ـ بعد ذلك كله ـ من يصحح هذا الحديث ويعتمد عليه أن
يثبت لنا أين ذهبت هذه الكثرة من الآيات؟ وأن يذكر كيفية سقوطها ـ أو إسقاطها ـ
من دون أن يعلم سائر المسلمين؟
أليس كانت الدواعي متوفرة على أخذ القرآن وتعلمه كلما نزل من السماء؟
أليس كانت السورة تنتشر بمجرد نزولها بأمر النبي (49) صلىاللهعليهوآله بين المسلمين
وتتواجد في بيوتهم؟
الحديث الثاني عشر : من روايات الشيخ الكشي ، وسيأتي الكلام عنها بصورة
عامة.
الحديث الثالث عشر : فإن سنده غير قوي كما يتضح ذلك لمن راجعه ، ثم إن
الشيخ النعماني نفسه قد روى حديثين آخرين :
أحدهما : عن أمير المؤمنين عليهالسلام أيضا ، قال : (كأني أنظر إلى شيعتنا
بمسجد الكوفة ، وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل) (50).
والثاني منهما : عن أبي عبد الله الصادق عليهالسلام ، قال : (كأني بشيعة
علي في أيديهم المثاني يعلمون القرآن) (51).
وهذان الحديثان يعارضان الحديث المذكور.
وأوضح من ذلك قول الإمام الباقر عليهالسلام : (إذا قام القائم من آل محمد
ضرب فساطيط لمن يعلم الناس القرآن على ما أنزله الله عزوجل ، فأصعب ما يكون على
__________________
(48) نفس المصدر ، ورواه أهل السنة في كتبهم المعتبرة. أنظر منها الدر المنثور 5 : 179 عن جملة من كتب
الحديث.
(49) ونقل هذا في بعض المصادر عن نهاية الأصول للعلامة الحلي.
(50) الغيبة للنعماني : 317.
(51) الغيبة للنعماني : 318.
من حفظه اليوم ، لأنه يخالف فيه التأليف) (52).
وليتأمل في قوله عليهالسلام : (لأنه يخالف فيه التأليف) فإنه يفيد فيما
سيأتي.
أما الأحاديث المتبقية ـ 14 / 15 / 16 ـ فقد ضعفها الشيخ المجلسي جميعها (53) ،
بالإضافة إلى أنه يجاب عنها بما يجاب عن نظائرها.
__________________
(52) روضة الواعظين : 265.
(53) مرآة العقول 5 : 14 ، 29 ، 29.
الفصل الرابع
شبهات حول القرآن
على ضوء أحاديث الإمامية
وهناك شبهات تعرض للناظر في أحاديث الشيعة الإمامية حول القرآن
الحكيم ، فعلينا بالرغم من ثبوت بطلان تلك الأحاديث المتقدمة وأمثالها ، وعدم
صلاحيتها للاستناد إليها بالأدلة المذكورة على عدم وقوع التحريف في القرآن ،
وبالأجوبة السالفة عن كل منها ، أن نتعرض لتلك الشبهات ، ونبين وجه اندفاعها :
الشبهة الأولى : تواتر أحاديث تحريف القرآن.
لما رأى بعض محدثي الإمامية كثرة الأحاديث المفيد نقصان القرآن ، ووجد
كثيرا منها في المجاميع الحديثية المعروفة ، عرضت لهم شبهة تواتر تلك الأحاديث
ـ ولا سيما الأخباريون الظاهريون ممن يرى صحة كل حديث منسوب إلى أئمة الهدى
عليهمالسلام من غير تحقيق ـ.
1 ـ ومن هؤلاء المحدث الجزائري ، فإنه قال في وجوه رده على القول بتواتر
القراءات : (الثالث : إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي ، وكون الكل قد نزل به
الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع
التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعرابا) (54).
ولكن يرده تصريح جماعة من كبار العلماء المحققين ـ وفيهم الأخباريون
الفطاحل ـ بأن أحاديث التحريف أخبار آحاد لا يمكن الركون إليها والاعتماد عليها في
هذه المسألة الاعتقادية.
فقد قال شيخ الطائفة : (غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة
والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شئ منه من موضع إلى موضع ، طريقها
الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها).
__________________
(54) الأنوار النعمانية 2 : 357.
وقال الشيخ المجلسي : (إن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع
على الله تعالى بصحتها).
وكذا قال غيرهما من أعلام الطائفة.
على أن كلام هذا المحدث نفسه يدل على أن دعواه تلك بعيدة كل البعد عما
نحن بصدده ، لأنه يدعي التواتر في أحاديث التحريف بمختلف معانيه كلاما ومادة
وإعرابا.
ومن المعلوم : إن طائفة من الأحاديث جاءت ظاهرة في أن المسلمين حرفوا
القرآن من جهة المعنى دون اللفظ ، وحملوا آياته على خلاف مراد الله تعالى ، وإن طائفة
أخرى من الأحاديث جاءت ظاهرة في وقوع التحريف في القرآن نتيجة اختلاف
القراءات ، إلى غير ذلك من طوائف الأحاديث الراجعة إلى تحريف القرآن ، وتبقى
الطائفة الدالة منها على التحريف بمعنى (نقصان القرآن) وهو موضوع بحثنا ، وقد ذكرنا
نحن طائفة من أهم تلك الأحاديث ونبهنا على ما فيها.
2 ـ الشيخ المجلسي في كتابه (مرآة العقول) فإنه قال بعد حديث قال إنه
موثق : (ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن
وتغييره. وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى ، وطرح جميعها يوجب رفع
الاعتماد على الأخبار رأسا ، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار
الإمامة ، فكيف يثبتونها بالخبر).
ويرده كلامه هو في (بحار الأنوار) وقد تقدم نصه ، على أن قوله : (وكثير من الأخبار
الصحيحة صريحة في نقص القرآن) غريب ، فإن السيد المرتضى قال : (نقلوا أخبارا
ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته).
كما أنكر صحتها الطوسي شيخ الطائفة والمحدث الكاشاني ، بل هو نفسه حيث
قال : (إن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها)
ومن قبلهم قال شيخ المحدثين ما نصه : (إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه
صلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذاك ... ومن
نسب إلينا إنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب).
ولو كانت أحاديث النقيصة صحيحة ومقبولة لما قال الصدوق ذلك كما
لا يخفى. وأما قوله : (وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأسا) ففيه أن
قبول جميعها أيضا يوجب رفع الاعتماد على الأحاديث رأسا ، على أنه ـ رحمهالله ـ قد
حكم في أكثر الأحاديث المخرجة في (الكافي) والمفيدة نقص القرآن إما بالضعف وإما
بالإرسال ، كما تقدم ذلك كله.
ومن العجيب قوله : (بل ظني ...) إذا إثبات الإمامية ليس دليله منحصرا
بالأحاديث حتى يقال ذلك ، وكيف أن تلك الأحاديث لا تقصر عن أحاديث
الإمامة؟ وهل يقصد الكثرة في الورود؟ أو القوة في الدلالة ، أو الصحة في الأسانيد؟!
3 ـ المحدث الحر العاملي ، فإنه قال بعد أن روى حديثين عن تفسير العياشي :
(أقول : هذه الأحاديث وأمثالها دالة على النص على الأئمة عليهمالسلام وكذا التصريح
بأسمائهم ، وقد تواترت الأخبار بأن القرآن نقص منه كثير وسقط منه آيات لما
تكتب) ، ويكفي لدفع دعوى التواتر هذه نصوص العلماء ، وما تقدم نقله عنه في
الفصل والأول.
ولعل قوله ـ رحمهالله ـ بعد ذلك : (وبعضهم يحمل تلك الأخبار على أن ما
نقص وسقط كان تأويلا نزل مع التنزيل ، وبعضهم على أنه وحي لا قرآن) يدل على
أنه لا يعتقد بوقوع التحريف في القرآن الشريف.
وكأنه إنما يدعي التواتر في هذه الأحاديث للاحتجاج بها على وجود النصوص
العامة على إمامة الأئمة عليهمالسلام ولذا فإنه قال : (وعلى كل حال فهو حجة في
النص ، وتلك الأخبار متواترة من طريق العامة والخاصة) (55).
والخلاصة أنه لا مجال لدعوى التواتر في أحاديث تحريف القرآن بهذا المعنى
المتنازع فيه.
الشبهة الثانية : إختلاف مصحف علي عليهالسلام مع المصحف الموجود.
وتفيد طائفة من أحاديث الشيعة أن عليا أمير المؤمنين عليهالسلام اعتزل الناس
__________________
(55) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 : 43.
بعد وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآله ليجمع القرآن العظيم ، وفي حديث رواه الشيخ
علي بن إبراهيم القمي ـ رحمهالله تعالى ـ في تفسيره : إن عمله ذاك كان بأمر من النبي
صلىاللهعليهوآله ، وقال : لا أرتدي حتى أجمعه ، حتى روي أنه عليهالسلام لم يرتد
رداءه إلا للصلاة إلى أن فرغ من هذه المهمة.
وأضافت تلك الأحاديث ـ ومنها الحديث الثالث من الأحاديث المتقدمة
وحديثان رواهما الشيخ أبو منصور الطبرسي في (الاحتجاج) ـ أنه عليهالسلام حمل
ذلك المصحف الذي جمعه إلى الناس وأخبرهم بأنه الذي نزل من عند الله سبحانه على
النبي الكريم صلىاللهعليهوآله ، ولكن الناس ردوه وأعرضوا عنه زاعمين أنهم في
غنى عنه ، فعند ذلك قال الإمام عليهالسلام : إنكم لن تروه بعد اليوم.
والذي يستنتجه الناظر في هذه الأحاديث مخالفة ما جمعه الإمام عليهالسلام مع
القرآن الموجود ، ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفا لبعض ذلك المصحف لما حمله إليهم ، ولما
دعاهم إلى تلاوته والأخذ به وجعله القرآن المتبع لدى جميع المسلمين.
ومن هنا تأتي الشبهة في هذا المصحف الذي بين أيدينا ، إذا لا يشك مسلم في
أعلمية الإمام عليهالسلام بالكتاب ودرايته بحقائقه وأسراره ودقائقه.
ولكن هذه الشبهة تندفع ـ بعد التسليم بصحة هذه الأخبار ـ بما ذكره جماعة من
أن القرآن الكريم كان مجموعا على عهد النبي صلىاللهعليهوآله على ما هو عليه الآن ،
ولم يكن في عهده مبثوثا متفرقا هنا وهناك حتى يحتاج إلى جمع ، ويؤيد ذلك أن غاية
ما تدل عليه هذه الأحاديث هو المخالفة بين المصحفين إجمالا ، وهي كما يحتمل أن تكون
بالزيادة والنقصان في أصل الآيات والسور المنزلة ، كذلك يحتمل أن تكون :
أولا : بالاختلاف في الترتيب والتأليف ، كما يدل عليه حديث (روضة
الواعظين) وذهب إليه جماعة ، فقد قال السيد الطباطبائي : (إن جمعه عليهالسلام
القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شئ من الحقائق
الدينية الأصلية أو الفرعية ، إلا أن يكون في شئ من ترتيب السور أو الآيات من السور
التي نزلت نجوما ، بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية.
ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عما
جمعه واستغنائهم عنه ، كما روي عنه عليهالسلام في موارد شتى ، ولم ينقل عنه
عليهالسلام فيما روي من احتجاجاته أنه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدل على
ذلك ، وجبههم على إسقاطها أو تحريفها) (56).
وثانيا : بالاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة الأحاديث القدسية ، بأن
يكون مصحف الإمام عليهالسلام مشتملا عليها ، ومصحفهم خاليا عنها ، كم
ذهب إليه شيخ المحدثين الصدوق حيث قال : (وقد نزل من الوحي الذي ليس
بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية ، وذلك قول جبرئيل
عليهالسلام للنبي صلىاللهعليهوآله : إن الله تعالى يقول لك : يا محمد دار خلقي ،
ومثل قوله : عش ما شئت فإنك ميت ، واحبب ما شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما
شئت فإنك ملاقيه ، وشرف المؤمن صلاته بالليل وعزه كف الأذى عن الناس).
قال : (ومثل هذا كثير ، كله وحي وليس بقرآن ، ولو كان قرآنا لكان مقرونا
به وموصولا إليه غير مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين عليهالسلام جمعه ، فلما جاء به
قال : هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم ، لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف ،
قالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول : فنبذوه وراء
ظهورهم واشتروا به ثمانا قليلا ، فبئس ما يشترون) (57).
وثالثا : بالاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة التأويل والتفسير ، بأن يكون
مصحفه عليهالسلام مشتملا على تأويل الآيات وتفسيرها ، والمصحف الموجود خال عن
ذلك كما ذهب ، إلى ذلك جماعة.
قال الشيخ المفيد : (ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين
عليهالسلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا منزلا ، وإن لم
يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا ،
قال الله تعالى : (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني
علما) فسمى تأويل القرآن قرآنا ، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير إختلاف ، وعندي
__________________
(56) الميزان 12 : 116.
(57) الاعتقادات : 93.
أن هذا القول أشبه) (58).
وقال المحدث الكاشاني : (ولا يبعد أيضا أن يقال : إن بعض المحذوفات كان
من قبيل التفسير والبيان ، ولم يكن من أجزاء القرآن ، فيكون التبديل من حيث المعنى ،
أي : حرفوه وغيروه في تفسيره وتأويله ، أعني : حملوه على خلاف ما هو به ، فمعنى قولهم
عليهمالسلام : (كذا أنزلت) أن المراد به ذلك ، لا أنها نزلت مع هذه الزيادة في
لفظها ، فحذف منها ذلك اللفظ.
ومما يدل على هذا ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر عليهالسلام
أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا
حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال بعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم
تركهم للرعاية ... الحديث.
وما رواه العامة : أن عليا عليهالسلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.
ومعلوم أن الحكم بالنسخ لا يكون إلا من قبيل التفسير والبيان ، ولا يكون جزاءا
من القرآن ، فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات أيضا كذلك) (59).
وإلى ذلك ذهب السيد الخوئي ـ دام ظله ـ (60).
وقال الزنجاني : (ويظهر من بعض الرويات أن عليا أمير المؤمنين عليهالسلام
كتب القرآن وقدم المنسوخ على الناسخ. خرج ابن أشته في المصاحف عن ابن سيرين :
أن عليا عليهالسلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ وأن ابن سيرين قال : تطلبت
ذلك وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه. وقال ابن حجر : قد ورد عن علي
عليهالسلام أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلىاللهعليهوآله
وخرجه ابن أبي داود.
وفي شرح الكافي عن كتاب سليم بن قيس الهلالي : أن عليا عليهالسلام بعد
وفاة النبي صلىاللهعليهوآله لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلفه فلم يخرج من
__________________
(58) أوائل المقالات في المذاهب المختارات ، وكذا قال في غيره كما سيأتي عن تاريخ القرآن.
(59) الصافي 1 : 46 ، علم اليقين : 130.
(60) البيان : 197.
بيته حتى جمعه كله ، وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.
ذكر الشيخ الإمام محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتاب الارشاد والرسالة
السروية : أن عليا قدم في مصحفه المنسوخ على الناسخ ، وكتب فيه تأويل بعض الآيات
وتفسيرها بالتفصيل.
يقول الشهرستاني في مقدمة تفسيره : كان الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ
متفقين على أن علم القرآن مخصوص لأهل البيت عليهمالسلام ، إذ كانوا يسألون علي بن
أبي طالب هل خصصتم أهل البيت دوننا بشئ سوى القرآن؟ فاستثناء القرآن
بالتخصيص دليل على إجماعهم بأن القرآن وعلمه وتنزيله وتأويله مخصوص بهم) (61).
وقال بعض الأعلام من أهل السنة : إن قرآن علي كان يشتمل على علم
كثير (62) ، بل عن الإمام عليهالسلام نفسه أنه قال للزنديق : أنه أحضر الكتاب كملا
مشتملا على التنزيل والتأويل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، لم يسقط منه
حرف) (63).
الشبهة الثالثة : القرآن في عهد الإمام المهدي عليهالسلام.
ومن الأحاديث المتقدمة وغيرها ما يفيد أن القرآن الكريم على عهد الإمام
الحجة المهدي المنتظر عليهالسلام يختلف عما هو عليه الآن ، وهذا يقضي ـ بلا ريب ـ إلى
الشك في هذا القرآن الموجود.
ولكن هذه الشبهة أيضا مندفعة ، لعلمنا بضعف تلك الأحاديث ، ومخالفتها
للكتاب والسنة والاجماع.
على أن المستفاد من هذه الأحاديث اختلاف قراءة أهل البيت عليهمالسلام
مع القراءات المشهورة ، إلا إنهم كانوا يمنعون عن تلك القراءة ، ويأمرون شيعتهم
بقراءة القرآن كما يقرأ الناس حتى يظهر المهدي عليهالسلام (64).
__________________
(61) تاريخ القرآن : 25 ـ 26.
(62) التسهيل لعلوم التنزيل 1 : 3.
(63) الصافي 1 : 42.
(64) نص على ذلك فقهاؤنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في موسوعاتهم الفقهية في مبحث القراءة من كتاب الصلاة ،
ولهم هناك بحوث طويلة.
وبعد ، فليس لأصحاب الشبهة إلا أن يزعموا أن القرآن على عهده عليهالسلام
هو نفس ما جمعه الإمام أمير المؤمنين ـ كما هو ظاهر بعض الأحاديث ـ إذا القول بأنه غيره
باطل قطعا ، فالشبهة هذه إذا مبتنية على الشبهة السابقة ، وهي مندفعة باندفاعها.
فالصحيح أن القرآن في عهده لا يختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث
الألفاظ ، وعلى ذلك علماؤنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ بل قد صرح شارح
(الكافي) بأنه : (يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر
ويشهر به) (65).
الشبهة الرابعة : كائن في هذه الأمة ما كان في الأمم السالفة
إن التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل ، وقد ورد في الأحاديث عن النبي
الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه : (كائن في أمته ما كان في الأمم السالفة) بل
قال المحدث العاملي ـ بعد أن روى طرفا من تلك الأحاديث عن أكابر المحدثين
كالصدوق والكليني ـ : (والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة بين الشيعة
والسنة) (66).
وقال السيد الطباطبائي : (هي متضافرة أو متواترة) (67).
ومقتضى المماثلة المذكورة ينبئ عن وقوع التحريف في القرآن الكريم كما
وقع في العهدين ، وهذا يوجب الشك في هذا القرآن الموجود بين المسلمين. وقد أجاب
السيد الخوئي ـ دام ظلة الشريف ـ (68) عن هذه الشبهة بوجوه نلخصها فيما يلي :
الأول : (إن هذه الأحاديث أخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا ، ودعوى
التواتر فيها جزافية لا دليل عليها ، ولم يذكر من هذه الروايات شئ في الكتب
الأربعة) ، ولكن إنكار تواتر هذه الأحاديث لا يفيد في الشبهة.
وقوله : (لم يذكر ...)
__________________
(65) الفصول المهمة للسيد شرف الدين : 166.
(66) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة : 111 ، أنظر من لا يحضره الفقيه ص : 54 الطبعة القديمة.
(67) الميزان 12 : 120.
(68) البيان 220 ـ 221.
فيه : إن منها ما أخرجه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ، فقد قال المحدث
العاملي أنه رحمهالله : (قال في باب فرض الصلاة ، قال النبي صلىاللهعليهوآله :
يكون في هذه الأمة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، والقذة
بالقذة) (69).
الثاني : لو سلم تواتر هذه الأحاديث في السند وصحتها في الدلالة لما ثبت بها
أن التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن ، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة ولكن
تجويز وقوع ذلك سواء الماضي أو المستقبل ، ينافي ما تقدم من الأدلة القويمة والشواهد
الرصينة على امتناعه ، لا سيما وأن الله سبحانه قد وعد وضمن حفظ القرآن إلى يوم
القيامة.
الثالث : إن المراد بالمماثلة والمشابهة ليس من جميع الوجوه ، وأنها المراد بها
المماثلة من بعض الوجوه.
وبهذا الجواب اكتفى السيد الطباطبائي (70) وهو الصحيح ، فإن كثير من
القضايا التي وقعت في الأمم السالفة لم تقع في هذه الأمة ، وبعضها لن يقع أصلا ،
ومنها ما سيقع في المستقبل قطعا.
__________________
(69) الايقاظ : 99.
(70) الميزان 12 : 121 ـ 122.
الفصل الخامس
الرواة لأحاديث التحريف من
الشيعة
لقد كان بحثنا حتى الآن يدور حول الأحاديث التي وردت في كتب الشيعة
الإمامية وهي تفيد ـ بظاهرها ـ تحريف القرآن ، بمعنى نقصانه وضياع شئ مما نزل على
النبي صلىاللهعليهوآله.
والآن يجدر بنا أن ننظر في الكتب التي أخرجت تلك الأحاديث فيها ،
والعلماء الذين رووها ، لنرى مدى صحة التمسك بهذه الأحاديث من هذه الجهة.
وقبل الخوض في البحث يجب أن ننبه على أمور :
أولا : إن رواية الخبر مطلقا أعم من قبوله والاعتقاد بمضمونه ، فقد عني محدثوا
الشيعة منذ القرون الأولى بجمع الروايات الواصلة إليهم عن الأئمة ، وتبويبها وتنظيمها ،
صونا لها من الضياع والنسيان وما شابه ذلك ، من غير نظر في متونها وأسانيدها ولذا
تجد في روايات الواحد منهم ما يعارض ما رواه الآخر ، بل تجد ذلك في أخبار الكتابين
بل الكتاب الواحد للمؤلف الواحد ، وترى المحدث يروي في كتابه الحديثي خبرا ينص
على عدم قبول مضمونه في كتابه الاعتقادي ، لذلك ، فالرواية أعم من القبول
والتصديق بالمضمون.
فلا يجوز نسبة مطلب إلى راو أو محدث بمجرد روايته أو نقله لخبر يدل على ذاك
المطلب ، إلا إذا نص على الاعتقاد به أو أورده في كتب التزم بصحة أخباره ، أو ذكره
في كتاب صنفه في بيان اعتقاداته.
وهل يوجد عند الشيعة كتاب التزم فيه مؤلفه بالصحة من أوله إلى آخره؟
الجواب : لا ، وهذا هو الأمر الثاني.
ثانيا : إنه لا يوجد كتاب واحد من بين كتب الشيعة وصفت أحاديثه جميعها
بالصحة ، وقوبلت بالتسليم والقبول لدى الفقهاء والمحدثين ، ولذا نجد أن أحاديث الشيعة
ـ وحتى الواردة في الكتب الأربعة (71) ، التي عليها المدار في استنباط الأحكام الشرعية
قد تعرضت لنقد علماء الرجال وأئمة الجرح والتعديل ، فكل خبر اجتمعت فيه
شرائط الصحة ، وتوفرت فيه مقتضيات القبول أخذ به ، وكل خبر لم يكن بتلك المثابة رد
أيا كان مخرجه وراويه والكتاب الذي أخرج فيه (72).
ولنأخذ مثالا على ذلك كتاب (الكافي) (73) ، الذي هو أهم الكتب الأربعة
وأوثقها لدى هذه الطائفة ، وهو الذي أثنى عليه العلماء والمحدثون والفقهاء وتلقوه بيد
الاحترام والتعظيم ، فإن العلماء وزعوا أحاديثه وهي (16199) حديثا على أساس
تصنيف الأحاديث إلى الأقسام الخمسة (74) على النحو التالي :
الصحيح منها : 5072 حديثا.
والحسن : 144 حديثا.
والموثق : 1118 حديثا.
والقوي : 302 حديثا.
والضعيف : 9485 حديثا (75).
فقد لوحظ أن أكثرها عددا الأحاديث الضعيفة ، ويمكن الاطلاع على ذلك
بمراجعة كتاب (مرآة العقول في شرح الكافي) (76) للشيخ المجلسي ، فإنه شرح الكتاب
المذكور على أساس النظر في أسانيده ، فعين الصحيح منها والضعيف والموثق والمرسل
على ضوء القواعد المقررة لتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها.
__________________
(71) هي : الكافي للكليني ، من لا يحضره الفقيه للصدوق ، التهذيب والاستبصار للطوسي.
(72) مقباس الهداية في علم الرواية.
(73) يقع في ثمانية أجزاء : اثنان منها في الأصول ، وخمسة منها في الفروع والثامن الروضة.
(74) وهي علي أقسام ، ويراجع للوقوف على تعريف كل قسم وأقسامه كتب الدراية لدى الشيعة ككتاب
الدراية للشيخ الشهيد الثاني ، والوجيزة للشيخ البهائي وشروح الوجيزة ، ومقياس الهداية لشيخنا الجد المامقاني
وغيرها.
(76) دراسات في الكافي والصحيح للحسني ، عن المستدرك للمحدث النوري 3 : 541.
(76) وكذا فعل المحدث الجزائري في شرح التهذيب ، قال المحدث النوري : (والعجب من العلامة المجلسي
وتلميذه المحدث الجزائري مع عدم اعتمادهما بهذا النمط الجديد خصوصا الثاني ، وشدة إنكاره على من أخذه
بينا في شرحيهما على التهذيب والأول في شرحه على الكافي أيضا على ذلك فصنعا بهما ما أشار إليه في
الرواشح ، ولم أجد محملا صحيحا لما فعلا) المستدرك 3 : 771.
وهذا كله دليل على أن أحاديث (الكتب الأربعة) غير قطعية الصدور عن
النبي صلىاللهعليهوآله والأئمة عليهمالسلام عند الإمامية ، إلا أنه يبدو أنه هناك
جماعة قليلة ذهبوا إلى القول بذلك ، ولكنه قول مردود :
قال المحقق الشيخ الأنصاري : (ذهب شرذمة من متأخري الأخباريين فيما
نسب إليها إلى كونها قطعية الصدور).
قال : (وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلا التحرز عن حصول هذا
الوهم لغيرهم كما حصل لهم ، وإلا فمدعى القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ، وقد
كتبنا في سالف الزمان في رد هذا القول رسالة تعرضنا فيها لجميع ما ذكروه وبيان
ضعفها بحسب ما أدى إليه فهمي القاصر) (77).
وقال شيخنا الجد المامقاني : (وما زعمه بعضهم من كون أخبارها ـ أي الكتب
الأربعة ـ كلها مقطوعة الصدور ، استنادا إلى شهادات (78) سطرها في مقدمة الحدائق ،
لا وجه له كما أوضحناه في محله) (79).
وتبعهما السيد الخوئي حيث قال : (ذهب جماعة من المحدثين إلى أن روايات
الكتب الأربعة قطعية الصدور وهذا القول باطل من أصله ، إذا كيف يمكن دعوى
القطع لصدور رواية رواها واحد عن واحد ولا سيما أن في رواة الكتب الأربعة من هو
معروف بالكذب والوضع على ما ستقف عليه قريبا وفي موارده إنشاء الله تعالى) (80)
ومن قبلهم قال السيد المجاهد الطباطبائي بعد كلام طويل : (وبالجملة :
دعوى قطعية ما في الكتب الأربعة مما لا ريب في فسادها) (81). فهذه الكلمات
وغيرها صريحة في عدم قطعية صدور أحاديث الكتب الأربعة ، وأما بالنسبة إلى تاريخ
تصنيف الأحاديث ، فقد قال المحدث البحراني : (قيل : إن أول من نوع الأخبار هو
(العلامة) أو شيخه (ابن طاووس) ـ رحمهماالله ـ وأما المتقدمون فكانوا يأخذون بجميع
__________________
(77) الرسائل : 67.
(78) أجاب عنها السيد حسن الصدر في شرح الوجيزة في علم الدراية.
(79) مقباس الهداية الطبوع في آخر تنقيح المقال في علم الرجال.
(80) معجم رجال الحديث 1 : 36.
(81) مفاتيح الأصول للسيد محمد الطباطبائي الحائري.
الأخبار المدونة في (الكتب الأربعة) وغيرها من (الأصول) معتقدين بصحتها أجمع.
وهذا مما دعا إلى الخلاف بين الأخباريين والمجتهدين) (82).
وتقدم عن المحدث النوري تعبيره عن هذا التنويع ب (النمط الجديد) فهذان
المحدثان وغيرهما يزعمان أن هذا التنويع يختص بالمتأخرين المجتهدين وأن قدماء
الأصحاب كانوا يعتقدون بصحة أحاديث (الأصول الأربعمائة) التي منها ألفت
(الكتب الأربعة).
ولكن الظاهر أن هذه الدعوى لا أساس لها من الصحة ، فقد أجاب عنها
شيخنا الجد ـ رحمهالله تعالى ـ بقوله : (وقد زعم القاصرون من الأخباريين اختصاص
هذا الاصطلاح بالمتأخرين الذين أولهم (العلامة) رحمهالله علي ما حكاه جمع منهم
الشيخ البهائي رحمهالله في (مشرق الشمسين) أو (ابن طاووس) كما حكاه بعضهم ،
فأطالوا التشنيع عليهم بأنه اجتهاد منهم وبدعة.
ولكن الخبير المتدبر يرى أن ذلك جهل منهم وعناد ، لوجود أصل الاصطلاح
عند القدماء ألا ترى إلى قولهم : لفلان كتاب صحيح ، وقولهم : أجمعت العصابة على
تصحيح ما يصح عن فلان ، وقول الصدوق رحمهالله : كلما صححه شيخي فهو عندي
صحيح ، وقولهم : فلان ضعيف الحديث ، ونحو ذلك.
فالصادر من المتأخرين تغيير الاصطلاح إلى ما هو أضبط وأنفع تسهيلا للضبط
وتمييزا لما هو المعتبر منها عن غيره) (83).
وأما قول المحدث البحراني : (فأما المتقدمون ...) ففيه : إن الأمر ليس
كذلك ، بل ربما طعن الشيخ المفيد والشيخ الصدوق في بعض أحاديث الشيخ
الكليني ، وطعن الشيخ الطوسي في بعض أحاديث الصدوق والكليني (84).
__________________
(82) تلخيص مقدمات الحدائق للمؤلف.
(83) مقباس الهداية في علم الدراية.
(84) راجع : مفاتيح الأصول ، وأوثق الوسائل ، وقد بحث صاحب هذا الكتاب الموضع من جميع جوانبه من ص
122 إلى ص 136 فراجعه فإنه جدير بالملاحظة.
هذا وذهب السيد الخوئي في (رجاله) إلى أن أخبار الكتب الأربعة ليس قطعية الصدور ، بل ليس كلها
صحيحا ، وأثبت أن المتقدمين ، من المحدثين أيضا كانوا يعتقدون نفس هذا الاعتقاد بالنسبة إلى (الأصول)
و (الكتب الأربعة) ، واستنتج من جميع ذلك : أن أخبار هذا الكتاب لا بد من النظر في سند كل منها ، فإن
فإذا كان الأمر كذلك فيما بينهم ـ وهم أصحاب الكتب الأربعة ـ فكيف
بالمتأخرين منهم المجددين لفكرة تنويع الأحاديث ، والنظر في الأسانيد الواردة في كافة
الكتب.
وهذا بحث واسع متشعب الأطراف نكتفي منه بهذا المقدار بمناسبة المقام فمن
أراد التوسع فيه فليراجع مظانه من كتب الدراية والرجال.
والخلاصة : إن المحققين من الإمامية على أن وجود أي حديث في أي كتاب
من كتب الشيعة لا يبرر بمجرده الأخذ به والاعتقاد بصحة مدلوله ، إذ ليس عندهم
كتاب التزم فيه مؤلفه بالصحة أبدا ، بحيث يستغني بذلك الباحث عن النظر في
أسانيد أحاديثه والفحصة عن رجاله وما قيل فيهم من الجرح والتعديل.
وهذا بخلاف أهل السنة فإن لهم كتبا سموها ب (الصحاح) وأهمها عند
أكثرهم (صحيح البخاري) إعتقد جمهورهم بصحة ما أخرج فيها ، وقالوا في كتبهم
الرجالية : من خرج له في الصحيح فقد جاز القنطرة ، كما التزم أصحابها وبعض
أصحاب (المسانيد) في كتبهم بالصحة.
ثالثا : إنه على فرض وجود هكذا كتاب لدى الشيعة فإنه لا يجوز أن ينسب
معتقد مؤلفه إلى الطائفة كلها لأنه قد يكون قوله بصحة تلك الأخبار أو ذهابه إلى أحقية
ذاك المعتقد مبنيا على أسس غير صحيحة لدى غيره كالقول بقطعية صدور أخبار
الكتب الأربعة المذكورة سابقا والمنسوب إلى مجموعة من متأخري الأخباريين وهو
باطل كما عرفت وستعرف ، فإنه يستلزم القول بالتحريف ـ لوجود ما يدل عليه فيها ، بعد
عدم قبول حملها على بعض الوجوه ـ إذن لا يجوز إضافة معتقد لأحد العلماء وإن كان في
غاية الشهرة والجلالة إلا في حال موافقة جمهور علماء الطائفة معه فيه أو قولهم بصحة كل
ما ورد في ذلك الكتاب كما هو الحال عند أهل السنة بالنسبة إلى الصحاح الستة
والصحيحين بصورة خاصة.
رابعا : إن مما لا ريب فيه وجود أحاديث مزورة باطلة تسربت إلى الآثار
__________________
توفرت فيه شروط لحجية أخذ به وإلا فلا ، كما فعل الشيخ المجلسي والمحدث الجزائري بالنسبة إلى (الكافي)
و (التهذيب).
الإسلامية بصورة عامة ، فقد تهاون الصحابة ـ إلا القليل منهم ـ في صدر الإسلام في
تدوين الأحاديث النبوية ، بل قد امتنع بعضهم من ذلك وكرهه ومنع الآخرين
بالأساليب المختلفة ، لأغراض مذكورة ليس هذا موضع إيرادها.
ثم لما أخذوا بالتدوين خبطوا خبط عشواء ، وخلطوا الغث بالسمين ، الصحيح
بالسقيم وأخذوا من أفواه أناس مشبوهين ، وكتبوا عن أفراد كذابين ، حتى كثرت
الأحاديث المدسوسة والموضوعة على لسان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، الأمر الذي
اضطر علماء الحديث من أهل السنة إلى وضع كتب تمكنوا فيها من جمع مقدار كبير من
تلك الموضوعات ، ومن ناحية أخرى ألفوا كتبا أوردوا فيها الأحاديث الصحيحة
فحسب ، وذلك بحسب اجتهاداتهم وآرائهم في الرجال وغير ذلك.
ولكن الواقع أن أولئك وهؤلاء لم يكونوا موفقين كل التوفيق في عملهم ذاك
ولم يكونوا معصومين من الخطأ ، بل لم يكن بعضهم مخلصا في قيامه بتلك المهمة ، إذا لم
تخل الكتب التي وضعوها لجمع (الموضوعات) من الأحاديث الصحيحة ، كما لم
تسلم الكتب التي سموها ب (الصحاح) من الأحاديث الموضوعة هذا حال الأحاديث
لدى أهل السنة باختصار.
وكذا الحال في أحاديث الإمامية ، فما أكثر الأحاديث المدسوسة في كتبهم من
قبل المخالفين وأصحاب المذاهب والآراء الفاسدة ، ولقد كان في زمن كل إمام من الأئمة
عليهم الصلاة والسلام من يضع الأحاديث على لسان وينسبها إليه وينشرها بين الشيعة
ويضعها في متناول أيدي روايتهم حتى تسربت إلى مجاميعهم الحديثية ، فقد قال الإمام
الصادق عليهالسلام : (إن لكل رجل منا رجل يكذب عليه) (85).
ولذا فإنهم عليهمالسلام جعلوا الكتاب والسنة ميزانا لأحاديثهم يعرض
عليهما ما روي عنهم فما وافقهما أخذ به ، وما خالفهما رد على صاحبه.
فالذي نريد أن نقوله هنا هو : أن احتمال الدس والتزوير يدفع حجية كل خبر
ويمنع من الاعتماد عليه ويفسد اعتباره (حتى ما كان منها صحيح الإسناد ، فإن صحة
السند وعدالة رجال الطريق إنما يدفق تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في أصولهم
__________________
(85) المعتبر في شرح المختصر للمحقق الحلي.
وجوامعهم ما لم يرووه) (86).
وإذ انتهينا مما مهدناه نقول : إن الذي أنتجه بحثنا الطويل وفحصنا الدقيق في
كتب الشيعة الإمامية هو : أن المعروف والمشهور بينهم هو القول بعدم تحريف الكتاب ،
فإنه رأي حوالي 85 % من أعلام هذه الطائفة ، منذ أكثر من ألف سنة حتى يومنا
الحاضر ، بين مصرح بذلك ومؤلف فيه ومؤول لما ينافيه بظاهره ، بل هو رأي من
كتب في الإمامة ولم يتعرض للتحريف.
وإن من أهم الكلمات في هذا الباب قولا وقائلا كلمة الشيخ محمد بن علي بن
بابويه المقلب بالصدوق المتوفى سنة (381 ه) المتقدمة في (الفصل الأول) (87)
وذلك :
أولا : لقرب عهده بزمن الأئمة عليهمالسلام وأصحابهم ، فلو كان الأئمة
وتلامذتهم قائلين بالتحريف لم قال ذلك.
وثانيا : لكون من علماء الحديث بل رئيس المحدثين ، فلو كانت الأحاديث
الظاهرة في التحريف مقبولة لدى الطائفة لما قال ذلك.
وثالثا : لأنها كلمة صريحة وقاطعة جاءت في رسالة اعتقادية كتبها على ضوء
الأدلة المتينة من الكتاب والسنة في حال أنه بنفسه يروي بعض أخبار التحريف في
كتبه الحديثية مثل (ثواب الأعمال) و (عقاب الأعمال).
ورابعا : لموافقة الأعلام المتأخرين عنه إياه في هذا الاعتقاد ، لا سيما الشيخ
المفيد الذي كتب شرحا علي عقائد الصدوق وخالفه في كثير من المسائل.
وكيف ينسب إلى الشيعة قول يتفق على خلافه :
أبو جعفر الصدوق (381).
والمفيد البغدادي (413).
والشريف المرتضى (436).
والشريف الرضي (406).
__________________
(86) الميزان في تفسير القرآن 12 : 115.
(87) والكلمة هي (إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في
أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك ... ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب).
وأبو جعفر الطوسي (460).
وأبو علي الطبرسي (548).
وابن شهرآشوب (588).
وابن إدريس الحلي (598).
والعلامة الحلي (726).
والزين البياضي (877).
والمحقق الكركي (940).
والشيخ فتح الله الكاشاني (988).
والشيخ بهاء الدين العاملي (1030).
والعلامة التوني (1071).
والفاضل الجواد.
والسيد نور الله التستري (1019).
والفيض الكاشاني (1091).
والشيخ الحر العاملي (1104).
والشيخ محمد باقر المجلسي (1111).
والسيد علي خان المدني (1118).
والسيد الموسوي الخونساري (1157).
والسيد بحر العلوم (1212).
والشيخ كاشف الغطاء (1228).
السيد الأعرجي الكاظمي ، شارح الوافية (1228).
والسيد محمد الطباطبائي (1242).
والكرباسي ، صاحب الإشارات (1262).
والسيد حسين التبريزي (1299).
والسيد مهدي صاحب منهاج الشريعة في الرد على ابن تيمية (1300)؟
وإليه ذهب المتأخرون أمثال :
المحقق التبريزي صاحب (أوثق الوسائل في شرح الرسائل).
والسيد محمد باقر الطباطبائي صاحب (المنظومة في علم الكلام).
والسيد محمد حسين الشهرستاني صاحب (رسالة في حفظ الكتاب الشريف
عن شبهة القول بالتحريف).
والشيخ محمد النهاوندي الخراساني صاحب التفسير.
والشيخ محمد حسن الآشتياني صاحب حاشية الرسائل.
والشيخ محمود بن أبي القاسم صاحب (كشف الإرتياب في عدم تحريف
الكتاب).
والسيد محمد الشهشهاني صاحب (العروة الوثقى).
والشيخ محمد حسن المامقاني صاحب (بشرى الوصول).
والشيخ عبد الله المامقاني صاحب (تنقيح المقال).
والشيخ أبي الحسن الخنيزي صاحب (الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة
والإمامية).
والشيخ محمد جواد البلاغي صاحب (آلاء الرحمن في تفسير القرآن).
والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء صاحب (أصل الشيعة وأصولها).
والشيخ عبد الحسين الرشتي النجفي صاحب (كشف الاشتباه في الرد على
موسى جار الله).
والسيد محسن الأمين العاملي صاحب (نقض الوشيعة في الرد على موسى
جار الله).
والسيد عبد الحسين شرف الدين صاحب (أجوبة مسائل جار الله).
والشيخ عبد الحسين الأميني صاحب (الغدير).
والشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب (النقد اللطيف).
والسيد هبة الدين الشهرستاني صاحب (تنزيه التنزيل).
والسيد محمد هادي الميلاني جدنا الراحل في فتوى له.
والشيخ محمد علي الأوردبادي الغروي صاحب (بحوث في علوم القرآن).
والشيخ أبو الحسن الشعراني صاحب (الحاشية على الوافي).
والشيخ محمد رضا المظفر صاحب (عقائد الإمامية).
والسيد محمد حسين الطباطبائي صاحب (الميزان في تفسير القرآن).
والسيد أبو القاسم الخوئي ـ دام ظله ـ صاحب (البيان في تفسير القرآن).
نعم هناك في بعض الكلمات نسبته إلى (المحدثين) من علماء الشيعة ، وقد
بذلنا الجهد في التحقيق حول مدى صحة هذه النسبة ، وراجعنا ما توفر لدينا من الكتب
والكلمات بإمعان وإنصاف ، فلم نجد دليلا على ذلك ولا وجها مبررا له ، بل هو حدس وتخمين
أو ذهول عن الواقع إن لم يكن تعصب.
والتحقيق : إن (المحدثين) من الشيعة الإمامية الرواة لأخبار التحريف على
ثلاث طوائف :
فطائفة يروون من الأخبار الظاهرة في التحريف في كتبهم الحديثية
ولا يعتقدون بمضامينها ، بل يؤولونها أو يجمعون بينها وبين ما يدل على النفي ببعض
الوجوه ، ومنهم من ينص على اعتقاده بخلافها أو بما يستلزم هذا الاعتقاد ، وعلى رأسهم
الشيخ الصدوق.
وطائفة يروونها ولا وجه لنسبة القول بالتحريف إليهم إلا أنهم يروونها وعلى
رأسهم الشيخ إن لم نقل بأنه من الطائفة الأولى الكليني.
وطائفة يروونها وينصون على اعتقادهم بمداليلها وإيمانهم بمضامينها ، وعلى
رأسهم الشيخ علي بن إبراهيم القمي إن تمت النسبة إليه.
وبهذا يتبين أنه لا يجوز نسبة القول بالتحريف إلا إلى هذه الطائفة من
(المحدثين) من الإمامية ، وقد وافقهم من شذ من (الأصوليين) على تفصيل وهو الشيخ
النراقي.
ومن الواضح أنه لا ينسب رأي عدة قليلة من أعلام الطائفة تقدر بحوالي
5 % إلى الطائفة كلها في مسألة من المسائل.
لا مجال لإنكار وجود أخبار التحريف في المجاميع الحديثية للشيعة الإمامية ،
فقد رواها علماء الحديث في كتبهم ، كغيرها من الأخبار الواصلة إليهم بالأسانيد
المعتبرة أو غير المعتبرة ، إنما الكلام في قبول تلك الأخبار سندا ودلالة ، وفي جواز
نسبة القول بالتحريف إلى رواتها ومخرجيها.
وقد عرفت من قبل أن الرواية أعم من التصحيح والاذعان بالمضمون ، وأن
لا كتاب عند الشيعة التزم مؤلفه فيه بالصحة من أوله إلى آخره وتلقت الطائفة
أخباره كلها بالقبول ، كما هو الحال عند أهل السنة بالنسبة إلى الكتب التي سموها
بالصحاح وبعض الكتب الأخرى ـ كما سيأتي في الباب الثاني.
وعلى ضوء هذه الأمور ـ التي ستجد أصدق الشواهد عليها وأوضح المصاديق
لها ـ قسمنا علماء الشيعة الراوين لأخبار التحريف إلى :
من يروي هذه الأخبار وهو ينفي التحريف وهم الأكثر.
ومن يرويها وهو يقول بالتحريف أو يجوز نسبة القول به إليه وهم قليلون
جدا.
وبين الطائفتين طائفة ثالثة ، يروون هذه الأخبار ولكن لا وجه لنسبة القول
بالتحريف إليهم ، وعلى رأسهم الشيخ الكليني إن لم يترجح القول بأنه من الطائفة
الأولى.
(الطائفة الأولى)
1 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الملقب بالصدوق ، المتوفى
سنة 381 ه
وقد أجمعت الطائفة على تقدمه وجلالته ، ووصفه الشيخ أبو العباس
النجاشي «شيخنا وفقيهنا ، وجه الطائفة بخراسان ، وكان ورد بغداد وسمع منه
شيوخ الطائفة وهو حدث السن» (1) وعنونه الشيخ الطوسي قائلا : «كان محمد بن
علي بن الحسين حافظا للأحاديث ، بصيرا بالفقه والرجال ، ناقدا للأخبار ، لم ير في
القميين مثله في حفظه وكثرة علمه» (2) وذكره شيخنا الجد المامقاني ، بقوله :
«شيخ من مشايخ الشيعة ، وركن من أركان الشريعة ، رئيس المحدثين ، والصدوق فيما
يرويه عن الأئمة عليهمالسلام» (3).
ولد بدعاء الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه ، كما نص عليه أعلام
الطائفة ، «وصدر في حقه من الناحية المقدسة بأنه فقيه خير مبارك ، فعمت بركته
ببركة الإمام عليهالسلام وانتقع به الخاص والعام وبقيت آثاره ومصنفاته مدى
الأيام ، وعم الانتفاع بفقهه وحديثه الفقهاء الأعلام» (4).
رحل في طلب العلم ونشره إلى البلاد القريبة والبعيدة كبلاد خراسان
وما وراء النهر والعراق والحجاز ، وألف نحوا من ثلاثمائة كتاب. إحدى هذه
المصنفات كتاب الاعتقادات ، الذي قال فيه بكل وضوح وصراحة : «إعتقادنا في
القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه ، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم. وأنه القصص الحق وأنه لقول فصل وما هو
بالهزل ، وأن الله تبارك وتعالى محدثه ومنزله وربه حافظه والمتكلم به.
إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلىاللهعليهوآله
__________________
(1) رجال النجاشي
(2) فهرست الطوسي
(3) تنقيح المقال 3 : 154
(4) تنقيح المقال 3 : 154
وسلم هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ومبلغ
سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة ، وعندنا أن «الضحى» و «ألم نشرح» سورة
واحدة ، و «لايلاف» و «ألم تر كيف» سورة واحدة «(5)
يقول رحمهالله : إن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه أي : أن كل ما
أوحي إليه بعنوان» القرآن «هو ما بين الدفتين» لا أن هذا الموجود «ما بين
الدفتين» بعضه ، وهو ما في أيدي الناس فما ضاع عنهم شئ منه ، فالقرآن عند
الشيعة وسائر «الناس» واحد ، غير أن القرآن الموجود عند المهدي عليهالسلام ـ وهو
ما كتبه علي عليهالسلام ـ يشتمل على علم كثير.
ثم يقول : «ومن نسب إلينا إنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب» (6)
ومنه يظهر أن هذه النسبة «إلينا» أي : إلى الطائفة الشيعية قديمة جدا ، وأن ما
تلهج به أفواه بعض المعاصرين من الكتاب المأجورين أو القاصرين ليس بجديد ، فهو
«كاذب» وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إذن ، يحرم نسبة هذا القول إلى
«الطائفة» سواء كان الناسب منها أو من غيرها.
ثم قال رحمهالله : «وما روي من ثواب قراء كل سورة من القرآن ، وثواب
من ختم القرآن كله ، وجواز قراءة سورتين في ركعة نافلة ، والنهي عن القرآن بين
السورتين في ركعة فريضة ، تصديق لما قلناه في أمر القرآن ، وأن مبلغه ما في أيدي
الناس ، وكذلك ما ورد من النهي عن قراءة كله في ليلة واحدة وأن لا يجوز أن
يختم في أقل من ثلاثة أيام ، تصديق لما قلناه أيضا بل نقول إنه قد نزل الوحي الذي
ليس بقرآن ، ما لو جمع إلى القرآن ولكان مبلغة مقدار سبع عشرة ألف آية ، ومثل هذا
كثير ، وكله وحي وليس بقرآن ولو كان قرآنا لكان مقرونا به وموصولا إليه غير
مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين جمعه فلما جاء به قال : هذا كتاب ربكم كما
أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف ، فقالوا : لا حاجة لنا فيه ،
عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول :» فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به
__________________
(5) الاعتقادات ـ مخطوط وملحق بكتاب النافع يوم الحشر للمقداد السيوري ـ 92
(6) الاعتقادات : 93
ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (7) (8).
ومع هذا كله نرى الشيخ الصدوق يروي في بعض كتبه مثل «ثواب
الأعمال» ما هو ظاهر في التحريف ، بل يروي في كتابه «من لا يحضره الفقيه»
الذي يعد أحد الكتب الحديثية الأربعة التي عليها مدار البحوث في الأوساط العلمية
واستنباط الأحكام الشرعية في جمع الأعصار ، وقال في مقدمته :» لم أقصد فيه قصد
المصنفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته
وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي «ـ من ذلك ما لا يقبله ولا يفتي به أحد
من الطائفة ، وهو ما رواه عن سليمان بن خالد ، قال :» قلت لأبي عبد الله
عليهالسلام : في القرآن رجم؟ قال : نعم ، قلت : كيف؟ قال الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة (9)
ورواه الشيخان الكليني والطوسي أيضا عن عبد الله بن سنان بسند صحيح
بحسب الاصطلاح ، كما ستعرف.
والخبران يدلان على ثبوت الرجم على الشيخ والشيخة مع عدم الإحصان
أيضا ، ولا قائل بذلك منا كما في مباني تكملة المنهاج الذي أجاب عن الخبرين
قائلا : «ولا شك في أنهما وردا مورد التقية ، فإن الأصل في هذا الكلام هو عمر بن
الخطاب ، فإنه ادعى أن الرجم مذكور في القرآن وقد وردت آية بذلك وقد تعرضنا
لذلك في كتابنا (البيان) في البحث حول التحريف وأن القرآن لم يقع فيه
تحريف» (10)
ولهذا ونظائره أعضل الأمر على العلماء حتى حكي في المستمسك عن بعض
المحققين الكبار أنه قال بعدول الصدوق في أثناء الكتاب عما ذكره في أوله ، وأشكل
عليه بأنه لو كان كذلك لنوه به من حيث عدل ، وإلا لزم التدليس ولا يليق
__________________
(7) سورة آل عمران 187
(8) الاعتقادات : 93
(9) من لا يحضره الفقيه 4 : 26
(10) مباني تكملة المنهاج 1 : 196 ، سيأتي البحث حول هذه الآية المزعومة في الباب الثاني (السنة
والتحريف) بالتفصيل فانتظر.
بشأنه ، وللتفصيل في هذا الموضوع مجال آخر.
وكيف كان فإن كلام الشيخ الصدوق ـ رحمهالله ـ في «الاعتقادات» مع
العلم بروايته لأخبار التحريف في كتبه وحتى في «من لا يحضره الفقيه» لخير مانع
من التسرع في نسبة قول أو عقيدة إلى شخص أو طائفة مطلقا ، بل لا بد من التثبت
والتحقيق حتى حصول الجزم واليقين
كما أن موقفه الحازم من القول بالتحريف ونفيه القاطع له ـ مع العلم بما
ذكر ـ لخير دليل على صحة ما ذهبنا إليه فيما مهدناه وقدمناه قبل الورود في البحث
حول معرفة آراء الرواة لأخبار تحريف القرآن ، وستظهر قيمة تلك الأمور الممهدة
وثمرتها ـ لا سيما بعد تشييدها بما ذكرناها حول رأي الشيخ الصدوق ـ في البحث حول
رأي الطائفة الثالثة وعلى رأسهم الشيخ الكليني
2 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، المتوفى سنة 460
قال عنه العلامة الحلي في «الخلاصة» : شيخ الإمامية ووجههم ، ورئيس
الطائفة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ثقة ، عين صدوق عارف بالأخبار والرجال والفقه
والأصول والكلام ، والأدب ، وجميع الفضائل تنسب إليه ، صنف في كل فنون
الإسلام ، وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ، الجامع لكمالات النفس في
العلم والعمل (11) وقال السيد بحر العلوم في (رجاله) : «شيخ الطائفة المحقة ،
ورافع أعلام الشريعة الحقة ، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين عليهمالسلام ، وعماد
الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ، محقق الأصول والفروع
ومهذب فنون المعقول والمسموع ، شيخ الطائفة على الإطلاق ، ورئيسها الذي تلوى
إليه الأعناق ، صنف في جميع علوم الإسلام ، وكان القدوة في ذلك والإمام» (12)
فإنه رحمهالله ـ من أكبر أساطين الإمامية النافين لتحريف القرآن الشريف
حيث يقول : «أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به ، لأن الزيادة فيه مجمع
على بطلانها وأما النقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو
__________________
(11) خلاصة الأقوال في معرفة أحول الرجال.
(12) الفوائد الرجالية
الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى ، وهو الظاهر في الروايات
غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن
ونقل شئ منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ، فالأولى
الإعراض عنها وترك التشاغل بها (13)
فالكلام في نقصان القرآن مما لا يليق بالقرآن ، فيجب تنزيهه عنه.
والقول بعدم النقصان هو الأليق بالصحيح من مذهبنا
وما روي في نقصانه آحاد لا توجب علما ، فالأولى الإعراض عنها وترك
التشاغل بها.
وهذه الكلمات تؤكد ما ذكرناه من أن الرواية شئ والأخذ بها شئ
آخر ، لأن الشيخ الطوسي الذي يقول بأن أخبار النقصان لا توجب علما فالأولى
الإعراض عنها وترك التشاغل بها ، ويروي بعضها في كتابه «اختيار معرفة
الرجال» (14) بل يروي في تهذيب الأحكام ـ وهو أحد الكتب الأربعة ـ قضية رجم
الشيخ والشيخة بسند صحيح (15)
أما في كتابه «فالخلاف» فالظاهر أن استدلاله به من باب الإلزام ، لأنه
ـ بعد أن حكم بوجوب الرجم على الثيب الزانية ـ حكى عن الخوارج أنهم قالوا : لا
رجم في شرعنا ، لأنه ليس في ظاهر القرآن ولا في السنة المتواترة ، فأجاب بقوله
«دليلنا إجماع الفرقة ، وروي عن عمر أنه قال : لولا أنني أخشى أن يقال زاد عمر في
القرآن لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف» (16) إذن رواية الحديث ونقله لا
يعني الاعتماد عليه والقول بمضمونه والالتزام بمدلوله
3 ـ الشيخ محمد محسن الفيض الكاشاني ، المتوفى سنة 1091. قال عنه
الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل : «كان فاضلا عالما ماهرا حكيما متكلما محدثا
__________________
(13) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي
(14) أنظر : الفائدة الثامنة من الفوائد المذكورة في خاتمة الجزء الثالث من تنقيح المقال في علم الرجال ،
لمعرفة أن الكتاب المعروف برجال الكشي الموجود الآن هو للشيخ الطوسي
(15) التهذيب 10 : 3
(16) الخلاف 2 : 438
فقيها محققا شاعرا أديبا حسن التصنيف «(17) ووصفه الأردبيلي في جامع الرواة
» العلامة المحقق المدقق ، جليل القدر عظيم الشأن ، رفيع المنزلة ، فاضل كامل
أديب متبحر في جميع العلوم (18) وقال المحدث البحراني في لؤلؤة البحرين : «كان
فاضلا محدثا إخباريا صلبا» (19) وترجم له الخونساري في روضات الجنات فقال :
«وأمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول والإحاطة بمراتب المعقول
والمنقول وكثرة التأليف والتصنيف مع جودة التعبير والترصيف أشهر من أن يخفي
في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد» (20)
وقد روى الفيض الكاشاني أحاديث في نقصان القرآن في كتابيه «الصافي
في تفسير القرآن» و «الوافي» عن كتب المحدثين المتقدمين كالعياشي والقمي
والكليني ، فقال في «الصافي» بعد أن نقل طرف منها : «المستفاد من جميع هذه
الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهمالسلام أن القرآن الذي
بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلىاللهعليهوآله» (21)
لكن هذا المحدث الأخباري الصلب ـ كما عبر الفقيه الأخباري الشيخ
يوسف البحراني ـ لم يأخذ بظواهر تلك الأحاديث ولم يسكت عنها ، بل جعل يؤولها
في كتابيه ـ كما تقدم نقل بعض كلماته (22) فقال في الوافي في نهاية البحث : «وقد
استوفينا الكلام في هذا المعنى وفيما يتعلق بالقرآن في كتابنا الموسوم (علم اليقين)
فمن أراده فليرجع إليه» (23)
وفي هذا الكتاب ذكر أن المستفاد من كثير من الروايات أن القرآن بين
أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل ، ثم ذكر كلام الشيخ علي بن إبراهيم ، وروايتي الكليني
عن ابن أبي نصر وسالم بن سلمة ، ثم قال : «أقول : يرد على هذا كله إشكال وهو
__________________
(17) أمل الآمل.
(18) جامع الرواة 2.
(19) لؤلؤة البحرين.
(20) روضات الجنات 5.
(21) الصافي في تفسير القرآن.
(22) راجع القسم الأول من البحث في نشرة «تراثنا» العدد 6 ص 135.
(23) الوافي.
أنه على ذلك التقدير لم يبق لنا اعتماد على شئ من القرآن ، إذ على هذا يحتمل
كل آية منه أن تكون محرفة ومغيرة ، ويكون على خلاف ما أنزله الله فلم يبق في
القرآن لنا حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية به ، وأيضا قال
الله عزوجل : وإنه لكتاب عزيز ، وأيضا قال الله عزوجل : إنا نحن نزلنا الذكر
وأيضا فقد استفاض عن النبي والأئمة حديث عرض الجزء المروي عنهم على كتاب
الله ثم قال : «ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال ـ والعلم عند الله ـ أن مرادهم
بالتحريف والتغيير والحذف إنما هو من حيث المعنى دون اللفظ أي : حرفوه وغيروه
في تفسيره وتأويله ، أي حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر ، بمعني قولهم :
كذا أنزلت ، أن المراد به ذلك لا ما يفهمه الناس من ظاهره ، وليس مرادهم أنها
نزلت كذلك في اللفظ ، فحذف ذلك إخفاء للحق ، وإطفاء لنور الله.
ومما يدل على هذا ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي جعفر أنه كتب في
رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده «
ثم أجاب عن الروايتين وقال :» ويزيد ما قلناه تأكيدا ما رواه علي بن إبراهيم في
تفسيره بإسناده عن مولانا الصادق قال : إن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال
لعلي : القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ولا
تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة» ثم ذكر كلام الشيخ الصدوق في «الاعتقادات»
بطوله ثم قال : «وأما تأويل أهل البيت أكثر الآيات القرآنية بفضائلهم ومثالب
أعدائهم فلا إشكال فيه ، إذ التأويل لا ينافي التفسير ، وإرادة معنى لا تنافي إرادة
معنى آخر ، وسبب النزول لا يخصص» (24) ثم استشهد لذلك بخبر في الكافي عن
الصادق عليهالسلام ، وسنورد محل الحاجة من عبارته كاملة فيما بعد
4 ـ الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ، المتوفى في سنة 1104
قال الشيخ يوسف البحراني عنه : «كان عالما فاضلا محدثا إخباريا» (25)
قال الخونساري «شيخنا الحر العاملي الأخباري ، هو صاحب كتاب وسائل
__________________
(24) علم اليقين 1 : 562 ـ 569
(25) لؤلؤة البحرين.
الشيعة ، وأحد المحمدين الثلاثة المتأخرين الجامعين لأحاديث هذه الشريعة «(26)
وقال المامقاني :» هو من أجلة المحدثين ومتقي الأخباريين (27)
روى بعض أخبار تحريف القرآن في كتابيه «إثبات الهداة بالنصوص
والمعجزات» و «وسائل الشيعة» وسائل عن الكتب الأربعة وغيرها
لكنه ـ رحمهالله ـ من المحدثين النافين للتحريف بصراحة كما تقدم في الفصل
الأول (28)
5 ـ الشيخ محمد باقر المجلسي ، المتوفى سنة 1111
قال الحر العاملي عنه «مولانا الجليل محمد باقر بن مولانا محمد تقي
المجلسي ، عالم فاضل ماهر ، محقق ، مدقق ، علامة ، فهامة ، فقيه ، متكلم ، محدث ،
ثقة ثقة ، جامع للمحاسن والفضائل ، جليل القدر ، عظيم الشأن» (29) وقال
البحراني : «العلامة الفهامة ، غواص بحار الأنوار ، ومستخرج لآلئ الأخبار وكنوز
الآثار ، الذي لم يوجد له في عصره ولا قبله ولا بعده قرين في ترويج الدين وإحياء
شريعة سيد المرسلين ، بالتصنيف والتأليف والأمر والنهي وقمع المعتدين
والمخالفين ... وكان إماما في وقته في عالم الحديث وسائر العلوم وشيخ الإسلام بدار
السلطنة أصفهان» (30)
روى المجلسي في كتابه «بحار الأنوار» أحاديث نقصان القرآن الكريم عن
الكافي للكليني وغيره ، بل لعله استقصى كافة أحاديث التحريف بمختلف معانيه.
لكنا نعلم بأن كتابه «بحار الأنوار» على جلالة وعظمته موسوعة قصد منها
جمع الأخبار المروية عن أهل البيت عليهمالسلام وحصرها في كتاب واحد ، صونا لها
من التشتت والضياع والتبعثر ، ولذا نرى أنه لم يصنع فيه ما صنع في كتابه «مرآة
العقول» في شرح كتاب الكافي للكليني ، حيث نظر في الأسانيد والمتون نظرة علمية
__________________
(26) روضات الجنات 6.
(27) تنقيح المقال 3.
(28) راجع القسم الأول من البحث في نشرة «تراثنا» العدد 6 ص 136.
(29) أمل الآمل
(30) لؤلؤة البحرين.
تدل على طول باعه وسعة اطلاعه وعظمة شأنه في الفقه والحديث والرجال وغيرها
من العلوم
هذا مضافا إلى أنه ـ رحمهالله ـ نص بعد نقل الأخبار على ما تقدم نقله
من الاعتقاد بأن القرآن المنزل من عند الله هو مجموع ما بين الدفتين من دون زيادة أو
نقصان
(الطائفة الثانية)
1 ـ واشهر هذه الطائفة هو الشيخ علي بن إبراهيم القمي ، صاحب التفسير
المعروف باسمه ، في الحديث والثبت المعتمد في الرواية عند علماء الرجال (31)
ومن أعلام القرن الرابع.
فقد جاء في مقدمة التفسير ما هذا لفظه : «وأما ما هو محرف منه فهو قوله :
لكن الله يشهد بما أنزل إليك ـ في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون. وقوله : يا
أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ـ في علي ـ فإن لم تفعل فما بلغت رسالته
وقوله : إن الذين كفروا ـ وظلموا آل محمد حقهم ـ لم يكن الله ليغفر لهم. وقوله :
وسيعلم الذين ظلموا ـ آل محمد حقهم ـ أي منقلب ينقلبون. وقوله : ولو ترى ـ الذين
ظلموا ـ آل محمد حقهم ـ في غمرات الموت ، ومثله كثير نذكره في مواضعه» (32)
وذكر الشيخ الفيض الكاشاني عبارته في «علم اليقين» ، وعلى هذا
الأساس نسب إليه الاعتقاد بالتحريف في «الصافي» في تفسير القرآن «لكن هذا
يبتنى على أن يكون مراد القمي من» ما هو محرف منه «هو الحذف والاسقاط
للفظ ... وأما إذا كان مراده ذكره الفيض نفسه من» أن مرادهم بالتحريف
التغيير والحذف إنما هو من حيث المعنى دون اللفظ أي حرفوه وغيروه في تفسيره
وتأويله أي حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر «فلا وجه لنسبة القول
بالتحريف ـ بمعنى النقصان ـ إلى القمي ، بعد عدم وجود تصريح منه بالاعتقاد
__________________
(31) ترجمته في تنقيح المقال 2 : 260
(32) تفسير القمي 1 : 10
بمضامين الأخبار الواردة في تفسيره ، والقول بما دلت عليه ظواهرها ، بل يحتمل إرادته
هذا المعنى كما يدل عليه ما جاء في رسالة الإمام إلى سعد الخير فيما رواه الكليني.
مضافا إلى أن القمي نفسه روى في تفسيره بإسناده عن مولانا الصادق
عليهالسلام قال : «إن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال لعلي عليهالسلام : القرآن
خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما
ضيعت اليهود التوراة» (33)
ويؤكد هذا الاحتمال كلام الشيخ الصدوق ، ودعوى الإجماع من بعض
الأكابر على القول بعدم التحريف
ثم إن الأخبار الواردة في تفسير القمي ليست كلها للقمي ـ رحمهالله ـ بل
جلها لغيره ، فقد ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني ، إن القمي اعتمد في تفسيره على
خصوص ما رواه عن الصادق عليهالسلام ، وكان جله مما رواه عن والده إبراهيم
ابن هاشم عن مشايخه البالغين الستين رجلا ...
قال : «ولخلو تفسيره هذا عن روايات سائر الأئمة عليهمالسلام عهد تلميذه
الآتي ذكره والراوي لهذا التفسير ، عنه على إدخال بعض روايات الإمام الباقر
عليهالسلام التي أملاها على أبي الجارود في أثناء التفسير ، وذلك التصرف وقع منه
من أوائل سورة آل عمران إلى آخر القرآن» (34)
وهذه جهة أخرى تستوجب النظر في أسانيد الأخبار الواردة فيه لا سيما ما
يتعلق منها بالمسائل الاعتقادية المهمة كمسألتنا.
2 ـ السيد نعمة الله التستري الشهير بالمحدث الجزائري ، الترجم له في
كتب التراجم والرجال مع الاطراء والثناء
قال الحر العاملي : «فاضل عالم محقق علامة ، جليل القدر ، مدرس» (35)
وقال المحدث البحراني : «كان هذا السيد فاضلا محدثا مدققا واسع الدائرة في
__________________
(33) تفسير القمي 2
(34) الذريعة 4 : 303
(35) أمل الآمل 2 : 336.
الاطلاع على أخبار الإمامية وتتبع الآثار المعصومية (36) وكذا قال غيرهما
وقد ذهب هذا المحدث إلى القول بنقصان القرآن عملا بالأخبار الظاهرة
فيه ، مدعيا تواترها بين العلماء ، وقد تقدم نص كلامه والجواب عنه في فصل
(الشهاب) (37)
ولا يخفي أن الأساس في هذا الاعتقاد كون الرجل من العلماء
الإخباريين ، ولذا استغرب منه المحدث النوري اعتماده على تقسيم الأخبار وتنويعها
في شرحه لتهذيب الأحكام ، وإذا تمت المناقشة في الأساس انهدام كل ما بني عليه
3 ـ الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي ، المتوفى سنة 1244 ، وهو من كبار
الفقهاء الأصوليين ، وله مصنفات ومؤلفات كثيرة ، من أشهرها : مناهج الأحكام
ـ في الأصول ـ ، ومستند الشيعة ـ في الفقه ـ ، ومعراج السعادة ـ في الأخلاق –
قال الشيخ النراقي بعد أن ذكر أدلة المثبتين والنافين : «والتحقيق : إن
النقص واقع في القرآن ، بمعنى أنه قد أسقط منه شئ وإن لم يعلم موضعه بخصوصه ،
لدلالة الأخبار الكثيرة ، والقرائن المذكورة عليه من غير معارض ، وأما النقص في
خصوص المواضع وإن ورد في بعض الأخبار إلا أنه لا يحصل منها سوى الظن ، فهو
مظنون ، وأما غير المواضع المنصوصة فلا علم بالنقص فيها ولا ظن ، وأما الاحتمال
فلا دافع له ولا مانع ، وإن كان مرجوحا في بعض المواضع
وأما الزيادة فلا علم بوقوعها بل ولا ظن ، بل يمكن دعوى العلم على عدم
زيادة مثل آية أو آيتين فصاعدا ، وأما التغيير والتحريف في بعض الكلمات عمدا أو
سهوا فلا يمكن نفيه وإن لم يمكن إثباته علما كالاختلاف في الترتيب» (38)
وكأن هذا الذي ذكره وجعله هو التحقيق ، جمع بين مقتضى القواعد
الأصولية وبين الأخبار الواردة في المسألة ، لكن ما ورد من الأخبار دالا على وقوع
النقص في القرآن من غير تعيين لموضعه بخصوصه قليل جدا وما دل على وقوعه في
__________________
(36) لؤلؤة البحرين : 111
(37) راجع القسم الثاني من البحث في نشرة «تراثنا» العدد 7 ـ 8
(38) مناهج الأحكام.
خصوص المواضع بعد تماميته سندا وجوازا الأخذ بظاهره لا يحصل منه سوى الظن
كما قال وهو لا يغني من الحق شيئا في مثل مسألتنا وحينئذ لا يبقى إلا الاحتمال
وهو مندفع بالأدلة المذكورة على نفي التحريف ومع التنزل عنها يدفعه أصالة العدم
4 ـ السيد عبد الله بن السيد محمد رضا الشبر الحسيني الكاظمي ، المتوفى
سنة 1242 ، الترجم له في كتب الرجال بالثناء والاطراء ، قال الشيخ القمي :
«الفاضل النبيل والمحدث الجليل ، والفقيه المتبحر الخبير ، العالم الرباني والمشتهر في
عصره بالمجلسي الثاني ، صاحب شرح المفاتيح في مجلدات ، وكتاب جامع المعارف
والأحكام ـ في الأخبار شبه بحار الأنوار ـ وكتب كثيرة في التفسير والحديث والفقه
وأصول الدين وغيرها» (39)
وقد ذكرنا هذا السيد في الطائفة الثانية لكلام له جاء في كتاب «مصابيح
الأنوار» ثم لاحظنا أنه في تفسيره يفسر الآيات المستدل بها على نفي التحريف
بمعنى آخر ، ولم يشر إلى عدم التحريف في بحثه حول القرآن ووجوه إعجازه في كتابه
«حق اليقين في معرفة أصول الدين»
وأما نص عبارته في كتاب «مصابيح الأنوار» فهي «الحديث 153 : ما
رويناه عن ثقة الإسلام في (الكافي) والعياشي في تفسيره بإسنادهما عن أبي جعفر
عليهالسلام قال : نزل القرآن على أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدونا وربع سنن
وأمثال ، وربع فرائض وأحكام. وزاد العياشي : ولنا كرائم القرآن.
بيان : هذا الحديث الشريف فيه مخالفة لما اشتهر بين الأصحاب وصرحوا
به : من أن الآيات التي يستنبط منها الأحكام الشرعية خمسمائة آية تقريبا
ولما ذهب إليه أكثر القراء (40) من أن سور القرآن بأسرها مائة وأربعة عشر
سورة ، إلى أن ستة آلاف وستمائة وستة وستون آية ، وإلى أن كلماته سبع
وسبعون ألف وأربعمائة وثلاثون كلمة ، وإلى أن حروفه ثلاثمائة ألف واثنان
__________________
(39) الكنى والألقاب 2 : 323
(40) وكذا جاء أيضا في «الوافي» و «مرآة العقول» نقلاه عن «المحيط الأعظم في تفسير القرآن» للسيد
حيدر الآملي ، من علماء القرن الثامن ، عن أكثر القراء
وعشرون ألف وستمائة وسبعون حرفا ، وإلى أن فتحاته ثلاث وتسعون ألف
ومائتان وثلاث وأربعون فتحة ، وإلى أن ضماته أربعون ألف وثمانمائة وأربع
ضمات ، وإلى أن كسراته تسع وثلاثون ألفا وخمسمائة وستة وثمانون كسرة ، وإلى
أن تشديداته تسعة عشر ألف ومائتان وثلاث وخمسون تشديدة ، وإلى أن مداته ألف
وسبعمائة وإحدى وسبعون مدة
وأيضا يخالف ما روياه بإسنادهما عن الأصبغ بن نباتة قال : سمعت
أمير المؤمنين عليهالسلام يقول : نزل القرآن أثلاثا : ثلث فينا وفي عدونا ، وثلث سنن
وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام
وما رواه العياشي بإسناده عن خيثمة عن أبي جعفر عليهالسلام قال :
القرآن نزل أثلاثا : ثلث فينا وفي أحبائنا وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا ،
ثلث سنن ومثل ، ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية
لما بقي من القرآن شئ ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات
والأرض ، ولكل قوم آية يتلونها من خير أو شر».
ثم قال رحمهالله : «ويمكن رفع التنافي بالنسبة إلى الأول : بأن القرآن الذي
أنزل على النبي صلىاللهعليهوآله أكثر مما في أيدينا اليوم وقد أسقط منه شئ
كثير ، كما دلت عليه الأخبار المتضافرة التي كادت أن تكون متواترة ، وقد أوضحنا
ذلك في كتابنا : منية المحصلين في حقية طريقة المجتهدين
وبالنسبة إلى الثاني : بأن بناء التقسيم ليس على التسوية الحقيقية ولا على
التفريق من جمع الوجوه ، فلا بأس باختلافه بالتثليث والتربيع ولا بزيادة بعض
الأقسام على الثلث والربع أو نقص عنهما ، ولا دخول بعضها في بعض ، والله
العالم» (41)
5 ـ الشيخ محمد صالح بن أحمد المازندراني
قال الحر العاملي : «فاضل عالم محقق ، له كتب منها شرح الكافي ، كبير
__________________
(41) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار 2 : 294 ـ 295
حسن ...» (42) وقال الخونساري : «كان من العلماء المحدثين والعرفاء المقدسين
ماهرا في المعقول والمنقول ، جامعا للفروع والأصول (43)
فإنه يستفاد من كلام له في شرح الكافي أخذه بظواهر ما ورد فيه ، وربما
ذكر الوجوه والمعاني الأخرى التي ذكرها المحدثون لتلك الأخبار على وجه
الاحتمال ، بل رأينا منه أحيانا تكلفا لابقاء بعضها على ظاهره
قال ـ رحمهالله في شرح حديث الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر
البزنظي (44) وكأن هذا المصحف المدفوع إليه هو الذي جمعه أمير المؤمنين
عليهالسلام بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآله وأخرجه وقال : هذا هو القرآن الذي
أنزله سبحانه ، وردة قومه ولم يقبلوه ، وهو الموجود عند المعصوم من ذريته كما دلت
عليه الأخبار»
ثم قال : «وفي هذا الخبر دلالة على وجود مصحف غير هذا المشهور بين
الناس ، وعلى وجود التحريف والتغيير والحذف فيما أنزله الله تعالى من القرآن على
محمد صلىاللهعليهوآله
ورفعه لا يضر ، لاعتضاده بأخبار أخر من طرقنا ، وهي كثيرة مذكورة في
كتاب الروضة وغيره»
قال ـ وهو يقصد تقوية ذلك بأحاديث أهل السنة ـ : «وقد دلت الأخبار
من طرقهم أيضا على وقوع التغيير» (45)
وفي كلامه مواقع للنظر :
1 ـ قوله «كأن هذا المصحف المدفوع إليه هو الذي جمعه أمير المؤمنين»
استظهار منه ولا دليل عليه ، وإن تم فقد تقدم الكلام على ذلك في فصل الشبهات
__________________
(42) أمل الآمل 2 : 276
(43) روضات الجنات
(44) الكافي 2 : 461 ، ونص الحديث :
عن البزنطي ، قال : دفع إلي أبو الحسن ـ عليهالسلام ـ مصحفا وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت
فيه : «لم يكن الذين كفروا» فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، قال : فبعث إلي : ابعث إلي بالمصحف
(45) شرح الكافي 11 : 71 ـ 72
في القسم السابق من هذا البحث
2 ـ قوله : «وفي هذا الخبر دلالة» فيه : إن دلالته غير تامة ، كيف والمحدثون
أنفسهم يفسرونه بمعان أخر كما تقدم؟!
3 ـ قوله : «رفعه لا يضر» اعتراف منه بأن حديث البزنظي هذا مرفوع كما
تقدم وعدم إضراره محل بحث وخلاف
4 ـ قوله : «لاعتضاده بأخبار أخر من طرقنا» فيه أن تلك الأحاديث في
الأغلب بين ضعيف ومرسل وشاذ نادر ، وهل يعتضد الحديث المرفوع بالضعيف أو
بالنادر؟!
5 ـ قوله : «وهي كثيرة» فيه أنه لو سلم فإن الكثرة من هذا القبيل لا
تجدي نفعا ، ولا تفيد لإثبات معتقد أو حكم
6 ـ قوله : «مذكورة في كتاب الروضة وغيره» فيه : أن مما ذكر في كتاب
الروضة هو الحديث الذي يفيد عدم نقصان القرآن في ألفاظه بوضوح ، وقد استشهد
به المحدث الكاشاني وغيره كما تقدم
7 ـ قوله : «وقد دلت الأخبار من طرقهم أيضا» فيه : أن تلك الأحاديث
ليست حجة قاطعة علينا ، على أن علماء الشيعة يردون أو يؤولون أحاديثهم الدالة على
ذلك ، فكيف بأحاديث أهل السنة؟!
وبعد ، فإنا نستظهر من كلام الشيخ المازندراني أنه من القائلين بنقصان
القرآن ، ولكن حكى السيد شرف الدين والشيخ الأوردبادي ـ رحمهماالله تعالى ـ أنه
قال في شرح الكافي : «يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر
به» فإن كان هذا القول له حقا عد في الطائفة الأولى ، والله العالم
8 ـ الشيخ ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ، المتوفى سنة 1320 ه ـ ، من
أعلام القرن الرابع عشر ، ومن مشاهير محدثي الشيعة الإمامية ، توجد ترجمته في كتب
الشيخ آغا بزرك الطهراني ، والشيخ عباس القمي وغيرهما من أصحاب التراجم
والرجال
وهو المشتهر بهذا القول في المتأخرين ، وله فيه كتاب «فصل الخطاب»
الذي سبب تنديد بعض الجهلة والأعداء بالشيعة والتهويس عليهم ، ذاهلين عن أنه
رأي شخصي من هذا المحدث العظيم وليس رأي الطائفة فإن أساطين هذه الطائفة
في القرون المختلفة يذهبون إلى صيانة القرآن عن كل أشكال التلاعب ، وقد أوردنا
طرفا من كلماتهم في الفصل الأول.
ويؤكد ما ذكرناه ـ من أنه رأي شخصي ـ أن علماء الشيعة المعاصرين له
والمتأخرين عنه تناولوا كتابه بالرد والنقد ، كالسيد محمد حسين الشهرستاني والشيخ
محمود العراقي وغيرهما ، وللشيخ البلاغي بعض الكلام في هذا الباب في مقدمة
تفسيره «آلاء الرحمن»
(الطائفة الثالثة)
وهم المحدثون الذين أوردوا في مصنفاتهم جميع ما رووه أو طرفا منه مع
عدم الالتزام بالصحة سندا ومتنا ودلالة ، فهم يروون أحاديث نقصان القرآن كما
يروون أحيانا أحاديث الغلو والجبر والتفويض والتجسيم ، وما شاكل ذلك مما لا
يعتقدون به ولا يذهبون إليه ، وقد ذكرنا أن الرواية أعم من الاعتقاد.
وعلى أساس الأمور الأربعة التي ذكرناها من قبل ـ مع الالتفات إلى كلام
الصدوق ابن بابويه ... وغير ذلك ـ نقول بعدم صحة نسبة القول بالتحريف إلى هذه
الطائفة من الرواة فضلا عن نسبته إلى الطائفة استنادا إلى رواية هؤلاء لتلك
الأخبار ، مضافا إلى نقاط متعلقة بهم أو بأخبارهم سنشير إليها
ومن هذه الطائفة :
1 ـ الشيخ محمد بن مسعود العياشي ، صاحب التفسير المعروف ، ترجم له
الشيخ النجاشي فقال : «ثقة صدوق ، عين من عيون هذه الطائفة ، وكان يروي
عن الضعفاء كثيرا ، وكان في أول عمره عامي المذهب ، وسمع حديث العامة
فأكثر» (46) وقال الشيخ الطوسي : أكثر أهل المشرق علما وأدبا وفضلا وفهما
ونبلا في زمانه صنف أكثر من مائتي مصنف ، ذكرناها في الفهرست ، وكان له
__________________
(46) رجال النجاشي
مجلس للخاصي ومجلس للعامي ، رحمهالله «(47) وقال شيخنا الجد المامقاني : وربما
حكي من بعض شراح التهذيب ـ والظاهر أنه المحقق الشيخ محمد نجل الشهيد الثاني ـ
أنه قدح في توثيقه بكونه في أول عمره عاميا ، فلا يعلم أن الجرح والتعديل للرجال
الذي ينسب إليه هل كان قبل التبصر أو بعده (48)
فهو ـ وإن كان ثقة في نفسه ـ يروي عن الضعفاء كثيرا ، أخبار تفسيره
مراسيل كما هو معلوم ، ويتلخص عدم صحة نسبة القول بالتحريف إليه ، وعدم جواز
الاعتماد على أخبار تفسيره في هذا المضمار
2 ـ الشيخ محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي ، الثقة الثبت المعتمد
عند جمع علماء الرجال ، ولا حاجة إلى نقل نصوص كلماتهم
روى هذا الشيخ بعض الأخبار المذكورة سابقا في كتابه» بصائر
الدرجات «ولكن لا وجه لنسبة القول بالتحريف إليه ، وقد تكلمنا هناك على
تلك الأخبار سندا ومتنا على ضوء كلمات علماء الحديث والرجال ، ومن الضروري
النظر في أسانيد أخبار كتابه» بصائر الدرجات «ومعانيها كسائر الكتب الحديثية
3 ـ الشيخ أبو عمر ومحمد بن عمر الكشي صاحب كتاب الرجال
قال النجاشي» كان ثقة عينا ، روى عن الضعفاء كثيرا ، وصحب
العياشي ، وأخذ عنه وتخرج عليه في داره التي كانت مرتعا للشيعة وأهل العلم ، له
كتاب الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة (49) وقال الشيخ أبو علي الرجالي :
«ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعا لرواة العامة والخاصة ،
خالطا بعضهم ، فعمد إليه شيخ الطائفة ـ طاب مضجعه ـ فلخصه وأسقط منه
الفضلات» (50)
وعلى ضوء ما تقدم ليس الشيخ الكشي من القائلين بالتحريف ، ولا يجوز
الاستناد إلى الأخبار الواردة في (رجاله) لأنه كان يروي عن الضعفاء كثيرا على ما
__________________
(47) رجال الشيخ الطوسي
(48) تنقيح المقال
(49) رجال النجاشي
(50) رجال أبي علي
نص عليه النجاشي ، وكان من أصحاب العياشي ، والمتخرجين عليه كما نصوا
عليه ، وقد تقدم أن العياشي ـ وإن كان ثقة جليلا ـ كان يروي عن الضعفاء كثيرا
أيضا ، فلا اعتبار بكل أخبار هذا الكتاب حتى بعد تهذيب الشيخ إياه ، لكون نظره
إلى الرجال المذكورين فيه لا الأخبار المروية في غضونه.
4 ـ الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني ، الثقة الجليل عند علماء الرجال
والجرح والتعديل (51)
له في كتابه «الغيبة» رواية صريحة في مخالفة القرآن على عهد الإمام المهدي
عليهالسلام للقرآن الموجود الآن ، وقد بينا في محله وجه التعارض بين روايته تلك مع
روايتين أخريين له ، ... ثم نقلنا حديثا عن «روضة الواعظين» يوضح المراد من
تلك الأحاديث الثلاثة.
وذكرنا هناك أن سند ذلك الحديث الصريح غير قوي ، كما بينا في
الكلام على (الشبهة الثالثة) أنه لا يمكن الاعتماد على ما ظاهره مخالفة القرآن في
عهد الإمام المنتظر عجل الله فرجه لهذا القرآن (52)
والحق أنه لا سبيل إلى نسبة القول بالتحريف إليه ، كلامه في مقدمة
كتابه لا يدل على التزامه بالصحة وإن توهم ذلك فليراجع.
5 ـ الشيخ أحمد بن علي الطبرسي ، المتوفى سنة 548 صاحب كتاب
«الاحتجاج على أهل اللجاج» من مشايخ ابن شهرآشوب ومن أجلاء أصحابنا
المتقدمين ، عالم فاضل محدث ثقة (53)
روى في كتابه المذكور ما يفيد التحريف ، ومن ذلك ما رواه في
احتجاجات سيدنا أمير المؤمنين عليهالسلام مع المهاجرين والأنصار المتضمن مخالفة
مصحفة الذي جمعه المصحف الذي اتخذوه ، وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على
(الشبهة الثانية)
__________________
(51) تنقيح المقال
(52) أنظر : معالم العلماء أمل الآمل 2 : ، روضات الجنات ، تنقيح المقال ، الكنى والألقاب ،
(53) راجع القسم الثاني من البحث في نشرة «تراثنا» العدد 7 ـ 8
وكتاب الاحتجاج وإن كان من الكتب الجليلة إلا أن أكثر أخباره
مراسيل كما صرح بذلك الشيخ المجلسي في مقدمة البحار ، والشيخ الطهراني في
الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
وعلى هذا فلا يصلح ما رواه في هذا الباب للاعتماد ولا دليل على أن
ينسب إليه هذا الاعتقاد ، وإن جاء في كلام بعض علمائنا الأمجاد.
6 ـ السيد هاشم البحراني ، من مشاهير محدثي الإمامية وكان على جانب عظيم من
الجلالة يضرب به المثل في الورع والتقوى ، وله تصانيف كثيرة منها البرهان في تفسير
القرآن ، توفي سنة 1107 ه (54).
روى هذا المحدث الجليل في كتابه المذكور طائفة من الأخبار الظاهرة في
نقصان القرآن عن العياشي وأمثاله ، لكن تفسيره المذكور يشتمل على أنواع الأخبار
وأقسامها ، وكأنه ـ رحمهالله ـ قصد من تصنيفه جمع الروايات الواردة في تفسير الآيات
ووضع كل حديث في ذيل الآية التي يناسبها ، بل كانت هذه طريقته في جميع كتبه ،
فقد قال المحدث البحراني ما نصه : «وقد صنف كتبا عديدة تشهد بشدة تتبعه
واطلاعه ، إلا أني لم أقف له على كتاب فتاوى في الأحكام الشرعية بالكلية ولا
في مسألة جزئية وإنما كتبه مجرد جمع وتأليف ، ولم يتكلم في شئ منها مما وقفت
عليه على ترجيح في الأقوال أو بحث أو اختيار مذهب وقول في ذلك المجال ، ولا
أدري أن ذلك لقصور درجته عن رتبة النظر ولاستدلال أم تورعا عن
ذلك ...» (55)
«تحقيق حول رأي الكليني»
إن أشهر رواة الأحاديث التي ذكرناها وغيرها وأعظمهم هو الشيخ محمد
ابن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329 روى تلك الأخبار في كتابه «الكافي» الذي هو
أهم الكتب الأربعة المشهور بين الشيعة الإمامية
__________________
(54) أنظر لؤلؤة البحرين : 63 أمل الآمل 2 : 341 ، الكنى والألقاب 3 : 93
(55) لؤلؤة البحرين : 63
لقد كان ـ وما زال ـ التحقيق حول رأي الشيخ الكليني في المسألة موضع
الاهتمام بين العلماء والكتاب ، لما له ولكتابه من مكانة مرموقة متفق عليها بين
المسلمين ، فنسب إليه بعض المحدثين من الشيعة القول بالتحريف اعتمادا على ظاهر
كلامه في خطبة كتابه «الكافي» ، ونفى ذلك آخرون وحاول بعض الكتاب
القاصرين نسبة القول بذلك إلى الطائفة عامة والتشنيع عليها ـ بزعمه ـ بعد وصف
«الكافي» «الصحيح» ، لكنها محاولة يائسة كما سنرى.
لقد تقدم في القسم الثاني من هذا البحث ذكر أهم الأخبار التي رواها
الكليني في «الكافي» وبينا ما في كل منها من مواقع النظر أو وجوه الجواب ، بحيث
لا يبقى مجال للقول بأنها تدل على تحريف القرآن.
والتحقيق حول رأي الكليني وما يتعلق بذلك يتم بالبحث في عدة جهات :
أولا : في ترجمته وشأن كتابه
لقد ترجم علماء الشيعة للكليني بكل ثناء وإطراء وتعظيم وتفخيم ، فقد
قال أبو العباس النجاشي : «شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم ، وكان أوثق
الناس في الحديث وأثبتهم ، صنف الكتاب الكبير المعروف بالكليني ، يسمى
(الكافي) في عشرين سنة» (56) وقال الشيخ الطوسي : «ثقة عارف بالأخبار ، له
كتب ، منها كتاب الكافي (57) وقال ابن شهرآشوب :» عالم بالأخبار ، له كتاب
(الكافي) يشتمل على ثلاثين كتابا «(58) وقال المامقاني : أمر محمد بن يعقوب في
العلم والفقه والحديث والثقة والورع وجلالة الشأن وعظيم القدر وعلو المنزلة
وسمو المرتبة أشهر من أن يحيط به قلم ويستوفيه رقم (59).
وقال الشيخ بهاء الدين العاملي :» ولجلالة شأنه عده جماعة من علماء العامة
كابن الأثير في كتاب جامع الأصول من المجددين لمذهب الإمامية على رأس المائة
__________________
(56) رجال النجاشي :
(57) الفهرست للطوسي
(58) معالم العلماء :
(59) تنقيح المقال :
الثالثة ، بعد ما ذكر أن سيدنا وإمامنا أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهالسلام
هو المجدد لهذا المذهب على رأس المائة الثانية» (60).
أما كتابه «الكافي» فهو أهم كتب الشيعة الاثني عشرية وأجلها وأعظمها
في الأصول والفروع والمعارف الإسلامية وإليه يرجع الفقيه في استنباطه للأحكام
الشرعية ، وعليه يعتمد المحدث في نقله للأخبار والأحاديث الدينية ، ومنه يأخذ
الواعظ في ترهيبه وترغيبه.
إلا أنه قد تقرر لدى علماء الطائفة حتى جماعة من كبار الأخباريين لزوم
النظر في سند كل خبر يراد الأخذ به في الأصول أو الفروع ، إذ ليست أخبار الكتب
الأربعة ـ أولها الكافي ـ مقطوعة الصدور عن المعصومين بل في أسانيدها رجال
ضعفهم علماء الفن ولم يثقوا برواياتهم. ومن هنا قسموا أخبار الكتب إلى الأقسام
المعروفة ، واتفقوا على اعتبار «الصحيح» وذهب أكثرهم إلى حجية «الموثق» ،
وتوقف بعضهم في العمل «الحسن» وأجمعوا على وجود الأخبار «الضعيفة» في
الكتب الأربعة المعروفة ، وقد ذكرنا هذه الحقيقة في الأمور الأربعة ببعض التفصيل ،
ونزيد تأكيدا هنا بذكر مثالين أحدهما : أن الكليني روى في «الكافي» أن يوم
ولادة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول
ـ ولذا نسبت إليه القول بذلك ـ ولم يوافقه أحد من علماء الشيعة عليه فيما نعلم ، بل
ذهبوا إلى أنه اليوم السابع عشر منه. والثاني : أن الكليني روى في (الكافي) كتاب
(الحسن بن العباس بن حريش) في فضل «إنا أنزلناه في ليلة القدر» وقد ضعف
الشيخ أبو العباس النجاشي والشيخ ابن الغضائري وغيرهما الرجال وذموا كتابه
المذكور (61).
وسواء صح ما ذكروا أولم يصح فإن الغرض من ذكر هذا المطلب هو
التمثيل لما ذكرناه من رأي أكابر العلماء في روايات الكليني.
وعلى الجملة فإنه ليست أخبار «الكافي» كلها بصحيحة عند الشيعة حتى
__________________
(60) الوجيزة في علم الدراية.
(61) أنظر تنقيح المقال 1 : 286
يصح إطلاق عنوان «الصحيح» عليه ، بل فيها الصحيح والضعيف وإن كان
الصحيح قد لا يعمل به ، «الضعيف» قد يعتمد عليه ، كما هو معلوم عند أهل
العلم والتحقيق ... وهذه هي نتيجة البحث في هذه الجهة.
ثانيا : في أنه ملتزم بالصحة أولا
قد ينسب إلى الكليني القول بتحريف القرآن بدعوى اعتقاده بصدور ما
رواه عن المعصومين عليهمالسلام ، لكن هذه الدعوى غير تامة فالنسبة غير صحيحة ،
إذ إن الكليني لم ينص في كتابه على اعتقاده بذلك أصلا ، بل ظاهر كلامه يفيد
عدم جزمه به ، وإليك نص عبارته حيث قال : «فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا
يسع أحدا تمييز شئ مما اختلف الرواية فيه عن العلماء عليهمالسلام برأيه إلا على
ما أطلقه العالم عليهالسلام بقوله : اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه
وما خالف كتاب الله فردوه وقوله عليهالسلام : دعوا ما وافق القوم ، فإن الرشد في
خلافهم ، وقوله عليهالسلام : خذوا بالمجمع عليه ، فإن المجمع عليه لا ريب فيه.
ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من
رد علم ذلك كله إلى العالم عليهالسلام ، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله
عليهالسلام : بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم.
وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت «
وأشار بقوله هذا الأخير إلى قوله سابقا :
«وقلت : إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع
فنون علم الدين» (62).
هذا كلامه ـ يرحمهالله ـ وليس فيه ما يفيد ذلك ، لأنه لو كان يعتقد
بصدور جميع أحاديثه ـ لما أشار في كلامه إلى القاعدة التي قررها أئمة أهل البيت
عليهمالسلام لعلاج الأحاديث المتعارضة وهي عرض الأحاديث على الكتاب
والسنة ، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
__________________
(62) الكافي 1 : المقدمة
واستشهاده ـ رحمهالله ـ بالرواية القائلة بلزوم الأخذ بالمشهور بين الأصحاب
عند التعارض دليل واضح على ذلك ، إذ هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور الطرفين
عن النبي صلىاللهعليهوآله أو الإمام عليهالسلام.
وقوله ـ رحمهالله ـ بعد ذلك : «ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ، ولا
نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليهالسلام» ظاهر في
عدم جزمه بصدور أحاديث كتابه عن المعصوم عليهالسلام.
نعم قد يقال : إن أحاديث «الكافي» إن لم تكن قطعية الصدور فلا أقل
من صحتها إسنادا ، ذلك لأن مؤلفه قد شهد ـ نتيجة بذله غاية ما وسعه من الجهد في
التحريري والاحتياط ـ بصحة جميع أحاديث كتابه حيث قال في المقدمة : «وقلت :
أنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي
به المتعلم ، ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعلم به الآثار
الصحيحة عن الصادقين عليهمالسلام ، والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدى
فرض الله عزوجل وسنة نبيه صلىاللهعليهوآله» (63).
فإن ظاهر قوله «بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهمالسلام» اعتقاده
بصحة ما أورده في كتابه ولكن هذا ـ بغض النظر عما قالوا فيه (64) ـ لا يستلزم
وثوق الشيخ الكليني بدلالة كل حديث موجود في كتابه حتى ينسب إليه بالقطع
واليقين القول بمداليل جميع رواياته ، ويؤكد هذا قوله : «ونحن لا نعرف من جميع
ذلك» بل ويؤكده أيضا ملاحظة بعض أحاديثه.
توضيح ذلك أنه ـ رحمهالله روى ـ مثلا ـ أحاديث في كتاب الحج من
فروعه تفيد أن الذبيح كان (إسحاق) لا (إسماعيل) ، ومن تلك الأحاديث ما
رواه عن أحدهما عليهماالسلام : «وحج إبراهيم عليهالسلام هو وأهله وولده ، فمن
زعم أن الذبيح هو إسحاق فمن هاهنا كان ذبحه».
__________________
(63) الكافي 1.
(64) مفاتيح الأصول معجم رجال الحديث ، وغيرهما ، وقد جاء في المفاتيح عن المحدث الجزائري تصريحه
بأنه ليس في كلام الكليني ما يدل حكمه بصحة أحاديث كتابه
قال الكليني : «وذكر عن أبي بصير أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله
(عليهماالسلام) يزعمان أنه إسحاق فأما زرارة فزعم أنه إسماعيل (65).
قال المحدث المجلسي :» وغرضه ـ رحمهالله ـ من هذا الكلام رفع استبعاد عن
كون إسحاق ذبيحا ، بأن إسحاق كان بالشام والذي كان بمكة إسماعيل فكون
إسحاق ذبيحا مستبعد.
فدفع هذا الاستبعاد بأن هذا الخبر يدل على أن إبراهيم عليهالسلام قد حج
مع أهله وولده فيمكن أن يكون الأمر بذبح إسحاق في هذا الوقت (66).
وروى ـ رحمهالله في خبر طويل عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهماالسلام
«... قال : فلما قضت مناسكها فرقت أن يكون قد نزل في ابنها شئ
فكأني أنظر إليها مسرعة في الوادي واضعة يدها على رأسها وهي تقول : رب لا
تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل.
قال : فلما جاءت سارة فأخبرت الخبر قامت إلى ابنها تنظر فإذا أثر السكين
خدوشا في حلقه ، ففزعت واشتكت ، وكان بدء مرضها الذي هلكت فيه» (67).
قال المحدث الفيض الكاشاني هنا : «يستفاد من الخبر أن الذبيح إسحاق
لأن سارة كانت أم إسحاق دون إسماعيل ، ولقولها : لا تؤاخذني ...» (68).
وروى ـ رحمهالله ـ في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد عن أبي
الحسين عليهالسلام في حديث قوله : «وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن
يذبحه ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى» (69).
قال السيد الطباطبائي في حاشيته «وهو خلاف ما تظافرت عليه أخبار
الشيعة».
فهل هذه الأحاديث صحيحة في رأي الشيخ الكليني؟ وإذا كانت صحيحة
__________________
(65) الكافي 4 : 205 ـ 206
(66) مرآة العقول 3 : 256 ، بحار الأنوار 12 : 135
(67) الكافي 4 : 208 ـ 209
(68) الوافي
(69) الكافي 1 : 151
ـ بمعنى الثقة بالصدور ـ فهل يثق ويعتقد بما دلت عليه من كون الذبيح إسحاق؟
وإذا كان كذلك فماذا يفعل بالأحاديث التي رواها وهي دالة على كونه
إسماعيل؟ وهب أنه من المتوقفين في المقام ـ كما قال المجلسي في نهاية الأمر ـ فهل
يلتئم هذا مع الالتزام بالصحة في كل الأحاديث؟
ونتيجة البحث في هذه الجهة : عدم تمامية نسبة القول بالتحريف إلى
الكليني استنادا إلى عبارته في صدر «الكافي»
ثالثا : في إمكان نسبة القول بعدم التحريف إلى الكليني
وبعد ، فإن من الجائز نسبة القول التحريف إلى شيخ الكليني
ـ رحمهالله ـ لعدة وجوه :
1 ـ إنه كما روى ما ظاهره التحريف فقد روى ما يفيد عدم التحريف
بمعنى الاسقاط في الألفاظ ، وهو ما كتبه الإمام عليهالسلام إلى سعد الخير «وكان
من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ،
والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية» الحديث وقد
استدل به الفيض الكاشاني على أن المراد من أخبار التحريف هو تحريف المعاني
دون الألفاظ ، فيكون هذا الخبر قرينة على المراد من تلك الأخبار. ولو فرضنا
التعارض كان مقتضى فرض الخبرين المتعارضين على الكتاب ـ عملا بالقاعدة التي
ذكرها الكليني ولزوم الأخذ بالمشهور كما ذكر أيضا هو القول بعدم وقوع التحريف في
القرآن.
2 ـ إن عمدة روايات الكليني الظاهر في التحريف تنقسم إلى قسمين :
الأول ـ ما يفيد اختلاف قراءة الأئمة القراءة المشهورة.
الثاني ـ ما ظاهر سقوط أسماء الأئمة ونحو ذلك.
أما القسم الأول فخارج عن بحثنا. وأما القسم الثاني ـ فمع غض النظر
عن الأسانيد ـ فكله تأويل من أهل البيت عليهمالسلام ، والتأويل لا ينافي التفسير ،
وإرادة معنى لا تضاد إرادة معنى آخر وقد روى الكليني ما هو صريح في هذا الباب
عن الصادق عليهالسلام في قول الله عزوجل : الذين يقطعون ما أمر الله به أن
يوصل. «إنها نزلت في رحم آل محمد ، وقد يكون في قرابتك ـ ثم قال ـ ولا تكونن
ممن يقول الشئ أنه في شئ واحد»
ومقتضى القواعد التي ذكرها الكليني أن لا يؤخذ بظواهر الأخبار من
القسم الثاني.
3 ـ إن كلمات الأعلام والأئمة العظام من الشيعة الإمامية كالصدوق
والمفيد والمرتضى والطبرسي الصريحة في أن المذهب هو عدم التحريف وأن القائلين
بالتحريف شذاذ من «الحشوية» تقتضي أن لا يكون الكليني قائلا بالتحريف ،
لا سيما كلام الصدوق الصريح في «أن من نسب إلينا ... فهو كاذب» وإلا لم يقولوا
كذلك إذا لم ينسوا شأن الكليني وعظمته في الطائفة.
4 ـ إن دعوى الإجماع من جماعة من أعلام الطائفة كالشيخ جعفر كاشف
الغطاء وغيره ترجح القول بأن الكليني من نفاذة التحريف وإلا لما ادعوه مع
الالتفات إلى شخصية الكليني.
5 ـ إن الكليني ـ رحمهالله ـ روى الأخبار المفيدة للتحريف في (باب
النوادر) ، ومن المعلوم أن النوادر هي الأحاديث الشاذة التي تترك ولا يعمل بها كما
نص على ذلك الشيخ المفيد (70) فجعله تلك الأحاديث في الباب المذكور يدل على
تشكيكه بصحتها وطرحه لها.
قال السيد محمد تقي الحكيم : «ولعل روايتها في (النوادر) من كتابه دليل
تشكيكه بصدورها ورفضه لها ، وكأنه أشار بذلك لما ورد في المرفوعة من قوله
عليهالسلام : دع الشاذ النادر» (71).
وقال السيد حسين مكي العاملي : «ولأجل ما هي عليه من الضعف
وندرتها وشذوذها وغرابتها مضمونا جعلها الإمام الكليني من الأخبار الشاذة النادرة ،
فسطرها تحت عنوان (باب النوادر). وهذا دليل على أنه خدش في هذه الأخبار
وطعن فيها ولم يعتبرها ، إذ لم يغب عن ذهنه وهو من أكابر أئمة الحديث ـ ما هو معنى
__________________
(70) معجم رجال الحديث 1 : 45.
(71) الأصول العامة للفقه المقارن : 110
النادر الشاذ لغة وفي اصطلاح أهل الحديث.
فالحديث الشاذ النادر عندنا ، معشر الإمامية الاثني عشرية ، وهو الحديث
الذي لا يؤخذ به إذا عارضه غيره من الروايات المشهورة بين أهل الحديث أو خالف
مضمونا كتابا أو سنة متواترة أو حديثا مشهورا بين أهل الحديث ...».
قال : «وأما البحث في حكم النادر الشاذ من الأحاديث فهو : أنه إذا
خالف الكتاب والسنة أو كان صحيحا في نفسه ولكنه معارض برواية أشهر بين
الرواة لا يعمل به ، كما قرره علماؤنا ...» (72).
__________________
(72) عقيدة الشيعة
خاتمة الباب الأول
لقد استعرضنا في الباب الأول كل ما يتعلق «الشيعة والتحريف» ،
حيث ذكرنا كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف ، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه من
الكتاب والسنة والاجماع وغيرها. وأجوبتهم عن الروايات الواردة في كتبهم المفيدة
بظاهرها لنقصان القرآن وعن الشبهات التي قد تثار حوله على ضوء تلك
الرويات.
ولقد لاحظنا أن الروايات الموهمة للتحريف منقسمة إلى ما دل على
اختلاف قراءة أهل البيت مع القراء في قراءة بعض الآيات ، وما دل على تأويلات
لهم لبعض آخر ، وما دل على سقوط كذا آية من السورة وكذا آية من تلك.
أما القسم الأول فلا ينكر أن الأئمة عليهمالسلام يختلفون مع القراء في قراءة
كثير من الآيات والكلمات ، غير أنهم أمروا شيعتهم بأن يقرأوا كما يقرأ الناس ، وهذا
القسم خارج عن بحثنا
وأما القسم الثاني فإنه راجع إلى التأويل ولا ريب في أن أهل البيت
عليهمالسلام أدرى بحقائق القرآن ومعاني آياته من كل أحد. والأدلة على ذلك لا
تحصى ، وقد روي عن أبي الطفيل أنه قال : «شهدت عليا يقول : سلوني ، والله لا
تسألوني إلا أخبرتكم ، سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل
نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم جبل» (73).
وعن ابن سعد : «سمعت عليا يقول : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما
نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا» (74).
ولذا رووا عن ابن مسعود أنه قال : «ما من حرف إلا وله ظهر وبطن ،
__________________
(73) طبقات ابن سعد 2 : 238 الإصابة 4 / 503 ، المستدرك 2 : 466 الصواعق 1 : 127 ، كنز العمال
6 : 405 ، فيض القدير 3 : 46 ، الرياض النضرة 2 : 188.
(74) طبقات ابن سعد 2 : 238 ، كنز العمال 6 : 396 ، الصواعق : 12
وإن عليا عنده من الظاهر والباطن» (75)
وروى ابن المغازلي : أن الذي عنده علم الكتاب هو علي بن أبي طالب
عليهالسلام (76)
ومتى وردت رواية معتبرة تحكي تأويلا أو تفسيرا عنهم لآية وجب الأخذ
بها امتثالا لأمر النبي صلىاللهعليهوآله في الأحاديث المتواترة بين المسلمين بالرجوع
إليهم والانقياد لهم والأخذ عنهم والتعلم منهم.
وأما القسم الثالث فإن ما تم منه سندا نادر جدا ، على أن أهل السنة
يشاركون الشيعة في نقل مثل هذه الروايات كما سنرى.
ومن هنا لاحظنا أن أكثر من 90 % من علماء الشيعة ـ الذين عليهم
الاعتماد وإليهم الاستناد في أصولهم وفروعهم ـ ينفون النقصان عن القرآن نفيا
قاطعا ولم يقل بنقصانه إلا حوالي ال 5 % منهم ... وهي آراء شخصية لا تمثل رأي
الطائفة.
وتلخص أن مذهب عدم تحريف القرآن بمعنى النقيصة في ألفاظه ،
وقد اعترف بذلك عبد العزيز الدهلوي (77) ورحمة الله الهندي (78) وغيرهما من أعلام
أهل السنة ، وهذا هو الذي ينسب إلى أئمتنا عليهمالسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين
الذي قال : «إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن إنما هو خط
مسطور بين الدفتين ، لا ينطق بلسان ولا بدله من ترجمان».
فلننظر ما هو رأي غيره عليهالسلام من الصحابة ، وما رأي شيعتهم
المنعكس في صحاحهم ومسانيدهم وكتبهم المعتبرة ، في الباب الثاني ...
المصدر: مجلة تراثنا ..