معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تطوّر الفقه عند الشيعة في القرنين الرابع والخامس ..

تطوّر الفقه عند الشيعة في القرنين الرابع والخامس


مراحل تطور الفقه عند الامامية :
لقد عكف الشيعة بعد لحوق النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) بالرفيق الأعلى على دراسة الفقه ، وجمع مسائله وتبويب أبوابه وضمّ شوارده ، وأقبلوا عليه إقبالاً تامّاً قلّ نظيره لدى الطوائف الإسلاميّة الاُخرى ، حتّى تخرّج من مدرسة أهل البيت وعلى أيدي أئمّة الهدى ، عدّة من الفقهاء العظام لا يستهان بهم ، فبلغوا الذروة في الفقاهة والإجتهاد نظراء : زرارة ابن أعين ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وأبي بصير الأسدي ، ويزيد بن معاوية ، والفضيل بن يسار ، وهؤلاء من أفاضل خرّيجي مدرسة أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) ، فأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء ، وانقادت لهم بالفقه والفقاهة . 
ويليهم في الفضل والفقاهة ثلّة اُخرى ، وهم أحداث خرّيجي مدرسة أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) نظراء : جميل بن درّاج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحمّاد بن عثمان ، وحمّاد بن عيسى ، وأبان بن عثمان ، كما أقرّت العصابة على فقاهة ثلّة اُخرى من تلاميذ أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا ( عليهما السلام ) نظراء : يونس بن عبد الرحمان ، وصفوان بن يحيى ، ومحمّد بن أبي عمير ،
____________________________
(1) المصدر السابق .
(2) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 128 ـ 129 ، ومن أراد الوقوف على المزيد من ذلك فليراجع المصدر المذكور
من ص 126 ـ 219 .

وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، والحسين بن عليّ بن فضال ، وفضالة بن أيّوب (1) .
هؤلاء أبطال الشيعة في الفقه والحديث في القرنين الأوّل والثاني من الهجرة ، وقد تخرّجوا من مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) وأخذوا منهم الفقه واُصول الإجتهاد والإستنباط .
نعم لا ينحصر المتخرّجون من مدرستهم في هؤلاء الذين ذكرناهم ، فقد تخرّج من تلك المدرسة جماعة كثيرة تجاوزت المئات بل الآلاف ، وقد ضبطت أسماءهم وخصوصيّاتهم وكتبهم ، الكتب الرجاليّة والفهارس العلميّة .
ومع أنّ كتب الرجال والفقه تنصّ على مكانتهم في الفقاهة ، ومدى استنباطهم الأحكام الشرعيّة ، غير أنّ كتبهم في القرون الثلاثة الاُولى كانت مقصورة على نقل الروايات بأسنادها ، والإفتاء في المسائل بهذا الشكل ، مع تمييز الصحيح عن السقيم ، والمتقن عن الزائف .
وتطلق على كتبهم عناوين : الأصل ، الكتاب ، النوادر الجامع ، المسائل ، أو خصوص باب من أبواب الفقه ، كالطهارة ، والصلاة ، وما شابه ذلك .
هذه الكتب المدونة في القرون الثلاثة بمنزلة « المسانيد » عند العامّة ، فكلّ كتاب من هذه الرواة يعدّ مسنداً للراوي ، قد جمع فيه مجموع رواياته عن الإمام أو الأئمّة في كتابه ، وكان الإفتاء بشكل نقل الرواية بعد إعمال النظر ومراعاة ضوابط الفتيا وهكذا مضى القرن الثالث .
وبإطلالة أوائل القرن الرابع طلع لون جديد في الكتابة والفتيا ، وهو الإفتاء بمتون الروايات مع حذف أسنادها ، والكتابة على هذا النمط مع إعمال النظر والدقّة في تمييز الصحيح عن الزائف فخرج الفقه ـ في ظاهره ـ عن صورة نقل الرواية ، واتّخذ لنفسه شكل الفتوى المحضة ، وأوّل من فتح هذا الباب على وجه الشيعة بمصراعيه هو والد الشيخ الصدوق ، « عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه » المتوفّى عام 329 هـ ، فألّف كتاب « الشرائع » لولده الصدوق ، وقد عكف فيه على نقل متون ونصوص الروايات ، وقد بثّ الصدوق هذا الكتاب في متون كتبه : كالفقيه ، والمقنع والهداية ، كما يظهر ذلك من الرجوع إليها .
ولقد استمرّ التأليف على هذا النمط ، فتبعه ولده الصدوق المتوفّى عام 381 ، فألّف
____________________________
(1) راجع رجال الكشّي ص 206 و 322 و 466 .


« المقنع والهداية » ، وتبعه شيخ الاُمّة ومفيدها « محمد بن النعمان » المتوفّى عام 413 في
« مقنعته » ، وتلميذه شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى عام 460 في « نهايته » .
ولمّا کانت متون هذه الكتب والمؤلفات مأخوذة من نفس الروايات والاُصول ،
وقعت متونها موضع القبول من قبل الفقهاء فعاملوها معاملة الكتب الحديثيّة ، وعوّلوا
عليها عند إعوازهم إلى النصوص على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ،
وكان سيّدنا الاُستاذ آية الله البروجردي المتوفّى عام ( 1380 هـ ) يسمّي تلك
الكتب بـ « المسائل المتلّقاة » ، وسمّاها بعض الأجلّة بـ : « الفقه المنصوص » .
ومع أنّ هذا النمط من الفقه كان نمطاً جديداً ، وثورةً على الطريقة القديمة السائدة
طيلة قرون ، فإنّه لم يكن رافعاً للحاجة وسادّا للفراغ ، لأنّ هناك حاجات وأحداث لم ترد
بعينها في متون الروايات وسنن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) ، وإن كان يمكن استنباط
أحكامها من العمومات والإطلاقات والاصول الواردة في الكتاب والسنّة ، فعند ذلك يجب
أن تكون هناك ثورة جديدة قويّة تسدّ هذا الفراغ ، وتغني المجتمع الإسلامي من الرجوع
إلى غير الكتاب والسنّة .
ولذلك قام في أوائل القرن الرابع لفيف من فقهاء الشيعة بإبداع منهج خاص في
الفقه ، وهو الخروج عن حدود عبائر النصوص والألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ، أو
عرض المسائل على القواعد الكليّة الواردة في ذينك المصدرين ، مع التحفظ على الاُصول
المرضيّة عند أئمّة الشيعة من نفي القياس والإستحسان ، ونفي الإعتماد على كلّ نظر
ورأي ليس له دليل في الكتاب والسنّة .
وهذا اللون من الفقه وإن كان سائداً بين فقهاء العامّة ، لكنّه كان مبنيّاً على اُسس
وقواعد زائفة ، كالعمل بالقياس وسائر المصادر الفقهيّة ، غير المرضيّه عند أئمّة الشيعة .
وأوّل من فتح هذا الباب بمصراعيه في وجه الاُمّة ، هو شيخ الشيعة وفقيهها الأجلّ ،
الذي يعرّفه شيخ الرجاليّين ، وحجّة التاريخ بقوله : الحسن بن عليّ بن أبي عقيل أبو محمد
الحذّاء ، فقيه متكلّم ثقة ، له كتب في الفقه والكلام منها : كتاب « المتمسّك بحبل آل
الرسول » ، كتاب مشهور في الطائفة ، وقيل : ما ورد الحاج من خراسان إلّا طلب واشترى
منه نسخاً ، وسمعت شيخنا أبا عبد الله ( المفيد ) رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل
رحمه الله (1) .
____________________________
(1) فهرس النجاشي ص 35 .

وهذا شيخ الطائقة الطوسي يعرّفه ويعرّف كتابه المذكور في فهرسه ، ويقول : وهو
من جملة المتكلّمين ، إماميّ المذهب ، ومن كتبه كتاب « المتمسّك بحبل آل الرسول » في الفقه
وغيره ، وهو كتاب كبير حسن (1) .
ويقول العلّامة : ونحن نقلنا أقواله في كتبنا الفقهيّة ، وهو من جملة المتكلّمين وفضلاء
الإماميّة ،
ويصف كتابه « المتمسّك بحبل آل الرسول » بأنّه كتاب مشهور عندنا (2) ، وقد نقل
آراءه العلّامة في « مختلف الشيعة » في جميع أبواب الفقه ، وهذا يكشف عن أنّ الكتاب
المذكور كتب على أساس الإستنباط ، وردّ الفروع إلى الاُصول ، والخروج عن دائرة ألفاظ
الحديث ، عملاً بقول الصادق : علينا إلقاه الاُصول إليكم ، وعليكم التفريع (3) .
ولعلّه لأجل هذا قال العلّامة بحر العلوم في « فوائده الرجاليّة » : هو أوّل
من هذّب الفقه واستعمل النظر ، وفتق البحث في الاُصول والفروع في ابتداء الغيبة
الكبرى ، وبعده الشيخ الفاضل « ابن الجنيد » (4) .
وقال صاحب « روضات الجنّات » أيضاً : إنّ هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع
أساس النظر في الأدلّة ، وطريق الجمع بين مدارك الأحكام بالإجتهاد الصحيح ، ولذا يعبّر
عنه وعن الشيخ أبي عليّ بن الجنيد في كلمات فقهاء أصحابنا : بالقديمين ، وقد بالغ في الثناء
عليه أيضاً صاحب « السرائر » وغيره وتعرّضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنّفاتهم (5) .
والتاريخ وإن لم يضبط عام وفاته ، غير أنّه من معاصري الشيخ الكليني المتوفّى عام
328 هـ ، ومن مشايخ جعفر بن محمّد بن قولويه ، المتوفّى عام 386 هـ ،
والثاني هو محمّد بن أحمد بن جنيد ، أبو عليّ الكاتب الإسكافي ، الذي قال النجاشي
عنه : وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر ، صنّف فأكثر ، ثم ذكر فهرس كتبه ومنها : كتاب
« تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة » ، وكتاب : « الاحمدي للفقه المحمّدي » (6) .
____________________________
(1) الفهرس للشيخ ص 79 ، ضبط الشيخ اسم أبيه « عيسى » ، والنجاشي « عليّ » والثاني أقرب إلى الصواب .
(2) الخلاصة ص 40 .
(3) السرائر قسم المستطرفات ص 477 في ما أورده من جامع البزنطي ، صاحب الرضا .
(4) الفوائد الرجاليّة ج 2 ص 222 .
(5) روضات الجنّات ج 2 ص 259 .
(6) رجال النجاشي ص 273 .


ويصف الشيخ الطوسي كتاب « تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة » : بأنّه كتاب كبير
على عشرين مجلّداً ، يشتمل على عدّة من كتب الفقه على طريقة الفقهاء (1) .
وقوله : على طريقة الفقهاء إشارة إلى أنّه كان كتاباً على نمط الكتب الفقهيّة
الإستدلاليّة ، نظير الكتب الفقهيّة للعامّة .
ولأجل ذلك يقول صاحب « روضات الجنّات » : أنّ هذا الشيخ تبع الحسن بن أبي
عقيل العماني فأبدع أساس الإجتهاد في أحكام الشريعة .
ويقول : ونقل عن « إيضاح العلّامة » أنّه قال : وجدت بخطّ السيّد السعيد محمّد بن
معد ، ما صورته : وقع إليّ من هذا الكتاب ـ أي كتاب « تهذيب الشيعة » ـ مجلّد واحد ، وقد
ذهب من أوّله أوراق ، وهو كتاب النكاح ، فتصفّحته ولمحت مضمونه فلم أر لأحدٍ من هذه
الطائفة كتاباً أجود منه ، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ، ولا أدقّ معنىً ، وقد استوفى منه الفروع
والاُصول ، وذكر الخلاف في المسائل واستدلّ بطريق الإماميّة وطريق مخالفيهم ، وهذا
الكتاب إذا اُمعن النظر فيه وحصّلت معانيه علم قدره ومرتبته ، وحصّل منه شيء كثير
ولا يحصّل من غيره .
ثم يقول العلّامة : قد وقع إليّ من مصنّفات هذا الشيخ المعظّم الشأن كتاب
« الأحمدي في الفقه المحمّدي » ، وهو مختصر هذا الكتاب ، جيّد يدلّ على فضل هذا الرجل و
كماله ، وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره ، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب
« مختلف الشيعة في أحكام الشريعة » (2) .
وبذلك يعلم أنّ استعمال القياس في فقهه كان لأجل الإستدلال على طريق
المخالفين ، ولعلّه إلى ذلك ينظر الشيخ حيث يقول في « عدته » : لمّا كان العمل بالقياس
محظوراً في الشريعة عندهم لم يعملوا به أصلاً ، وإذا شذّ واحد منهم عمل به في بعض
المسائل ، على وجه المحاجّة لخصمه ، وإن لم يكن اعتقاده رووا قوله وأنكروا عليه (3) .
الثالث : شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي ، المولود عام
385 هـ ، المتوفّى 460 هـ ، فقيه الشيعة وزعيمهم في القرن الخامس بعد السيّد المرتضى
الشهير بعلم الهدى ، فقد قام بتأليف كتاب على هذا النمط وأسماه كتاب « المبسوط » ، وألّفه
____________________________
(1) فهرس الشيخ ص 160 .
(2) روضات الجنّات ج 6 ص 145 ـ 147 ، نقلاً عن إيضاح العلّامة ، وقد نقله بعض الأجلّة عن خلاصة العلّامة ،
وهو ليس بصحيح .
(3) عدّة الاُصول ج 1 ص 339 الطبعة الحديثة .

بعد كتابه المسمّى « بالنهاية » الذي كتبه على النمط الأوّل من التأليف ،
قال في مقدّمة « المبسوط » : كنت عملت على قديم الوقت كتاب « النهاية » ، وذكرت
جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم واُصولها من المسائل ، وفرّقوه في كتبهم ، ورتّبته ترتيب
الفقه ، وجمعت فيه النظائر . . . ولم أتعرّض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب ، و
ترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها ، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ
المنقولة ، حتّى لا يستوحشوا من ذلك وعملت بآخره مختصر جمل العقود ، وفي العبارات
سلكت فيه طريق الإيجاز والإختصار ، وعقود الأبواب في ما يتعلّق بالعبادات ، ووعدت فيه
أن أعمل كتاباً في الفروع خاصّة ، يضاف إلى كتاب « النهاية » ، ويجتمع مع ما يكون كاملاً
كافياً في جميع ما يحتاج إليه .
ثم رأيت أنّ ذلك يكون مبتوراً يصعب فهمه على الناظر فيه ، لأنّ الفرع إنّما يفهمه
إذا ضبط الأصل معه ، فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي
فصّلوها الفقهاء ، وهي نحو من ثلاثين كتاباً ، أذكر كلّ كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه
من الألفاظ ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعيه والآداب ، وأعقد فيه الأبواب واُقسّم
فيه المسائل ، وأجمع بين النظائر واستوفيه غاية الاستيفاء ، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها
المخالفون (1) .
وقد لخّصنا عبارة الشيخ في مقدّمته ، وقد أوضح فيها طريقته الحديثة ، التي اجتمعت
فيه مزيّة التفريع والتكثير ، والإجابة على الحاجات الجديدة ، وبيان أحكام الحوادث مع
عدم الخروج عن حدود الكتاب والسنّة ، بل الرجوع إليهما في جميع الأبواب .
وقد نال هذا الكتاب القيّم رواجاً خاصاً ، وهو أحد الكتب النفيسة للشيعة الإماميّة
في الفقة ، وقد طبع في ثمانية أجزاء .
كما أنّ للشيخ الطوسي كتاباً آخر وهو كتاب « الخلاف » ، سلك فيه مسلك الفقه
المقارن .
والحقّ أنّ شيخ الطائفة قد اُوتي موهبة عظيمة وفائقة ، فخدم الفقه الإسلامي
بألوان الخدمة ، فتارة كتب كتاب « النهاية » على طريقة « الفقه المنصوص » أو « المسائل
المتلقّاة » ، كما كتب « المبسوط » على نهج الفقه التفريعي ، وأثبت أنّ الشيعة مع نفيهم للقياس
والإستحسان قادرون على تفريع الفروع ، وتكثير المسائل ، وتبيين أحكامها من الكتاب
____________________________
(1) المبسوط ج 1 ص 2 ـ 3 .



والسنّة ، مع التحفّظ على اُصولهم بالإجتهاد .
ثم ألّف كتاب « الخلاف » على نمط الفقه المقارن ، فأورد فيه آراء الفقهاء في عصره
والعصور الماضية ، وهو من أحسن الكتب وأنفسها ، كما أنّه ابتدع نوعاً رابعاً في التأليف ،
فأخرج اُصول المسائل الفقهيّة بأبرع العبارات وأقصرها ، وأدرجها في فصول وعقود
خاصّة ، أسماها « الجمل والعقود » ، وقد أشار إليها في مقدّمته إذ قال : وأنا مجيب إلى ما سأل
الشيخ الفاضل أدام الله بقاه من إملاء مختصر ، يشتمل على ذكر كتب العبادات ، وذكر
عقوداً وأبواباً وحصر جملها ، وبيان أفعالها ، وأقسامها إلى الأفعال والتروك وما يتنوّع من
الوجوب والندب ، وأضبطها بالعدد ، ليسهل على من يريد حفظها ، ولا يصعب تناولها
ويفزع إليه الحافظ عند تذكّره ، والطالب عند تدبّره .
فهذه الألوان الأربعة في كتب الشيخ يسدّ كلّ منها ناحية من النواحي الفقهيّة .

( نشأته العلمية ، أساتذته وتلاميذه ، تآليفه القيّمة ، حديث عن كتاب
المهذّب ) .
قد سبق منّا البحث في العدد السابق من هذه النشرة عن تطور الفقه
عند الشيعة الإمامية في القرنين : الرابع والخامس ، وقمنا بترجمة الأقطاب الثلاثة
منهم الذين ساهموا في تطوير الفقه وتكامله والآن نلفت نظر القاریء إلى رابعهم
ونقول :
الرابع : الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن
برّاج الطرابلسي ، تلميذ السيد المرتضى ، وزميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف
بالقاضي تارة ، وبابن البرّاج اُخرى ، فقيه عصره ، وقاضي زمانه ، وخليفة الشيخ
في الشامات .
وهو أحد الفقهاء الأبطال في القرن الخامس بعد شيخيه : المرتضى والطوسي ،
صاحب كتاب « المهذّب » في الفقه وغيره من الآثار الفقهية فهو ـ قدّس سرّه ـ اقتفى
خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب والتفريع ، ويعدّ الكتاب من الموسوعات
الفقهية البديعة في عصره .
وهذا الكتاب هو الذي يزفّه الطبع إلى القراء الكرام في العالم الإسلامي ،
وسوف تقف على مكانة الكتاب وكيفية التصحيح والتحقيق في آخر هذه المقدّمة .
ولأجل ذلك يجب علينا البحث عن المؤلف والكتاب حسبما وقفنا عليه في



غضون الكتب ومعاجم التراجم ، وما أوحت إلينا مؤلفاته ، وآثاره الواصلة إلينا .
وقبل كل شيء نذكر أقوال أئمّة الرجال والتراجم في حقّه ، فنقول :
1 ـ يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرس عنه : القاضي سعد الدين
أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن برّاج ، وجه الأصحاب ، وفقيههم ، وكان
قاضياً بطرابلس ، وله مصنّفات ، منها : « المهذب » و « المعتمد » و « الروضة » و
« المقرّب » و « عماد المحتاج في مناسك الحاج » أخبرنا بها الوالد ، عن والده ، عنه (1) .
2 ـ ويقول ابن شهرآشوب في « معالم العلماء » (2) : أبو القاسم عبد العزيز بن
نحرير بن عبد العزيز ، المعروف بابن البرّاج ، من غلمان (3) المرتضى رضي الله عنه ، له
كتب في الاصول والفروع ، فمن الفروع : الجواهر ، المعالم ، المنهاج ، الكامل ، روضة
النفس في أحكام العبادات الخمس ، المقرّب ، المهذّب ، التعريف ، شرح جمل العلم
والعمل للمرتضى رحمه الله (4) .
3 ـ وقال الشهيد في بعض مجاميعه ـ في بيان تلامذة السيد المرتضى ـ : ومنهم
أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن برّاج ، وكان قاضي طرابلس ، ولاه القاضي جلال
الملك رحمه الله .
وكان اُستاذ أبي الفتح الصيداوي ، وابن رزح [ كذا ] ، من أصحابنا .
وقال الشيخ علي الكركي في إجازته للشيخ برهان الدين أبي إسحاق
إبراهيم بن علي ـ في حقّ ابن البرّاج ـ : الشيخ السعيد ، خليفة الشيخ الإمام أبي جعفر
محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية ، عزّ الدين عبد العزيز بن نحرير بن البرّاج
قدّس سرّه (5) .
4 ـ وقال بعض تلامذة الشيخ علي الكركي ، في رسالته المعمولة في ذكر
أسامي مشائخ الأصحاب : ومنهم الشيخ عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي ، صنّف
____________________________
(1) بحار الأنوار ج 102 ص 441 ، وقد طبع فهرس منتجب الدين في هذا الجزء من أجزاء البحار .
(2) معالم العلماء ص 80 .
(3) المراد من الغلمان في مصطلح الرجاليّين هو الخصّيص بالشيخ ، حيث أنّه تلمذ عليه وصار من
بطانة علومه .
(4) معالم العلماء ص 80 .
(5) رياض العلماء ج 3 ص 144 .


كتباً نفيسة منها : المهذّب ، والكامل ، والموجز ، والإشراق ، والجواهر ، وهو تلميذ الشيخ
محمد بن الطوسي .
5 ـ وقال الأفندي في الرياض : وقد وجدت منقولاً عن خط الشيخ البهائي ،
عن خط الشهيد أنّه تولّى ابن البرّاج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة ،
وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته على السيد المرتضى كلّ شهر إثنا ديناراً
ولابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير ، وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته جميعاً .
6 ـ ونقل عن بعض الفضلاء أنّ ابن البرّاج قرأ على السيد المرتضى في شهور
سنة تسع وعشرين وأربعمائة إلى أن مات المرتضى ، وأكمل قراءته على الشيخ الطوسي ،
وعاد إلى طرابلس في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ، وأقام بها إلى أن مات ليلة
الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وقد نيف
على الثمانين (6) .
7 ـ ونقل صاحب الروضات عن « أربعين الشهيد » ، نقلاً عن خطّ صفيّ
الدين المعد الموسوي : إنّ سيدنا المرتضى ـ رضي الله عنه ـ كان يجري على تلامذته
رزقاً ، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله أيام قراءته عليه كل شهر إثنا عشر
ديناراً وللقاضي كلّ شهر ثمانية دنانير ، وكان وقف قرية على كاغذ الفقهاء (7) .
8 ـ وقال عنه التفريشي في رجاله : فقيه الشيعة الملقّب بالقاضي ، وكان
قاضياً بطرابلس (8) .
9 ـ وقام المولى نظام الدين القريشي في نظام الأقوال : عبد العزيز ابن البرّاج ،
أبو القاسم ، شيخ من أصحابنا ، قرأ على المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين و
أربعمائة وكمل قراءته على الشيخ الطوسي ، وعبر عنه بعض ـ كالشهيد في الدروس و
غيره ـ بالقاضي ، لأنّه وليَ قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين ، مات ليلة الجمعة
لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة (9) .
10 ـ وقال الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل : . . . وجه الأصحاب
____________________________
(6) رياض العلماء ج 3 ص 141 ـ 142 .
(7) روضات الجنّات ج 4 ص 230 .
(8) نقد الرجال ص 189 .
(9) رياض العلماء ج 3 ص 145 ، نقلاً عن نظام الأقوال .

وفقيدههم ، وكان قاضياً بطرابلس ، وله مصنّفات ، ثمّ ذكر نفس ما ذكره منتجب
الدين في فهرسه ، وابن شهرآشوب في معالمه ، والتفريشي في رجاله (10) .
11 ـ وقال المجلسي في أوّل البحار : وكتاب المهذّب وكتاب الكامل وكتاب
جواهر الفقه للشيخ الحسن المنهاج ، عبد العزيز بن البرّاج ، وكتب الشيخ الجليل ابن
البرّاج كمؤلّفها في غاية الإعتبار (11) .
12 ـ وقال التستري في مقابس الأنوار : الفاضل الكامل ، المحقّق المدقق ،
الحائز للمفاخر والمكارم ومحاسن المراسم ، الشيخ سعد الدين وعزّ المؤمنين ، أبو القاسم
عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي الشامي نوّر الله مرقده السامي ،
وهو من غلمان المرتضى ، وكان خصّيصاً بالشيخ وتلمذ عليه وصار خليفته في البلاد
الشامية ، وروى عنه وعن الحلبي ، وربما استظهر تلمذته على الكراجكي وروايته عنه
أيضاً (12) .
وصنّف الشيخ له ـ بعد سؤاله ـ جملة من كتبه معبّراً عنه في أوائلها بالشيخ
الفاضل ، وهو المقصود به والمعهود ، كما صرّح به الراوندي في « حلّ المعقود » ، وكتب
الشيخ أجوبة مسائل له أيضاً ، وكان من مشائخ ابن أبي كامل ، والشيخ حسكا ،
والشيخ عبد الجبّار ، والشيخ محمّد بن علي بن محسن الحلبي ، وروى عنه ابناه الاُستاذان
أبو القاسم وأبو جعفر اللذان يروي عنهما القطب الراوندي وابن شهرآشوب والسروي
وغيرهم ، وله كتب منها : المهذّب ، والجواهر ، وشرح جمل المرتضى ، والكامل ، و
روضة النفس ، والمعالم ، والمقرّب ، والمعتمد ، والمنهاج وعماد المحتاج في مناسك
الحاجّ ، والموجز ، وغيرها ، ولم أقف إلّا على الثلاثة الاُول ، ويعبّر عنه كثيراً بابن
البرّاج (13) .
13 ـ وقال المتتبع النوري : . . . الفقيه العالم الجليل ، القاضي في طرابلس
الشام في مدّة عشرين سنة ، تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة ، وكان يجري السيد عليه
____________________________
(10) أمل الآمل ج 2 ص 152 ـ 153 .
(11) بحار الأنوار ج 1 ص 20 و 38 .
(12) سيوافيك من صاحب رياض العلماء خلافه وأنّ الذي تتلمذ عليه هو تلميذ القاضي لانفسه ، و
أنّ الاشتباه حصل من الوحدة في الاسم واللقب .
(13) مقابس الأنوار ص 7 ـ 9 .


في كل شهر دينار ( الصحيح ثمانية دنانير ) ، وهو المراد بالقاضي على الإطلاق لسان
الفقهاء ، وهو صاحب المهذّب والكامل والجواهر وشرح الجمل للسيد والموجز
وغيرها . . . توفّي ـ رحمه الله ـ ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة 481 هـ ، وكان
مولده ومنشأه بمصر (14) .
14 ـ وقال السيد الأمين العاملي : وجه الأصحاب ، وكان قاضياً بطرابلس ،
وله مصنّفات ، . . . كتاب في الكلام ، وكان في زمن بني عمّار (15) .
15 ـ وقال الحجّة السيد الصدر عنه : القاضي ابن البرّاج ، هو الشيخ
أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البرّاج ، وجه الأصحاب وفقيههم ،
إمام في الفقه ، واسع العلم ، كثير التصنيف ، كان من خواصّ تلامذة السيد المرتضى ،
حضر عالي مجلس السيد في شهور سنة 429 إلى أن توفّي السيد .
ثم لازم شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي حتى صار خليفة الشيخ وواحد أهل
الفقه ، فولّاه جلال الملك قضاء طرابلس سنة 438 ، وأقام بها إلى أن مات ليلة
الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، وقد نيف على الثمانين ،
وكان مولده بمصر وبها منشأه (16) .
إلى غير ذلك من الكلمات المشابهة والمتردافة الواردة في كتب التراجم
والرجال التي تعرف مكانة الرجل ومرتبته في الفقه وكونه أحد أغيان الطائفة في
عصره ، وقاضياً من قضاتهم في طرابلس .
غير أنّ من المؤسف أنّ أرباب التراجم الّذين تناولوا ترجمة الرجل عمدوا إلى
نقل الكلمات حوله آخذين بعضهم من بعضهم من دون تحليل لشخصيته ، ومن دون
أن يشيروا إلى ناحية من نواحي حياته العلمية والإجتماعية .
ولأجل ذلك نحاول في هذه المقدمة القصيرة تسليط شيء من الضوء على
حياته ، وتحليلها حسبما يسمح لنا الوقت .
õ õ õ
____________________________
(14) المستدرك ج 3 ص 481 .
(15) أعيان الشيعة ج 7 ص 18 .
(16) تأسيس الشيعة لفنون الإسلام ص 304 .

 
 
أضواء على حياة المؤلف :
ميلاده : لم نقف على مصدر يعيّن تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق ، غير
أنّ كلمة الرجاليّين والمترجمين له اتّفقت على أنّه توفّي عام 481 هـ وقد نيف
على الثمانين ، فعلى هذا فإنّ أغلب الظنّ أنّه ـ رحمه الله ـ ولد عام 400 هـ أو قبل
هذا التاريخ بقليل .
هو شاميّ لا مصريّ :
وأمّا موطنه فقد نقل صاحب « رياض العلماء » عن بعض الفضلاء أنّه
كان مولده بمصر ، وبها منشأه (17) .
وأخذ منه صاحب « المقابيس » كما عرفت ، ولكنّه بعيد جداً .
والظاهر أنّه شاميّ لامصريّ ، ولو كان من الديار المصرية لزم أن ينتحل
المذهب الإسماعيلي ، وينسلك في سلك الإسماعيليّين ، لأنّ المذهب الرائج في مصر ـ
يومذاك ـ كان هو المذهب الإسماعيلي ، وكان الحكّام هناك من الفاطميّين يروجون
لذلك المذهب ، فلوكان المترجم له مصريّ المولد والمنشأ فهو بطبع الحال إذا لم يكن
سُنيّاً ، يكون إسماعيليّاً ، وبما أنّه يعدّ من أبطال فقهاء الشيعة الإمامية لزم أن يشتهر
انتقاله من مذهب إلى مذهب ، ولذاع وبان ، مع أنّه لم يُذكر في حقّه شيء من
هذا القبيل .
هذا هو القاضي أبوحنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي ، الفقيه الفاطميّ
الإسماعيليّ ، مؤلف كتاب « دعائم الإسلام » المتوفّى في القاهرة في جمادى الثانية عام
363 هـ قد عاش بين الفاطميّين وألّف على مذهبهم ، ومات عليه ، وصلّى عليه المعزّ
لدين الله .
فالظاهر أنّ ابن برّاج شاميّ ، وقد انتقل بعد تكميل دراسته إلى مولده ـ البلاد
الشامية ـ للقيام بواجباته ، وحفظ الشيعة من الرجوع إلى محاكم الآخرين .
õ õ õ
____________________________
(17) رياض العلماء ج 3 ص 143 .


 
 
الرزق بحسب الدرجة العلمية :
قد وقفت في غضون كلمات الرجاليّين والمترجمين أن السيد المرتضى كان
يجري الرزق على الشيخ الطوسي اثني عشر ديناراً وعلى المؤلّف ثمانية دنانير ، وهذا
يفيد أنّ المؤلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة والبراعة بعد الشيخ الطوسي في
مجلس درس السيد المرتضى ، كيف وقد اشتغل الشيخ بالدراسة والتعلّم قبله بخمسة
عشر عاماً ، لأنّه تولّد عام 400 هـ أو قبله بقليل وولد الشيخ الطوسي عام 485 هـ .
وحتى لو فرض أنّهما كانا متساويين في العمر ومدّة الدراسة ولكنّ براعة
الشيخ وتضلّعه ونبوغه ممّا لا يكاد ينكر ، وعلى كل تقدير فالظاهر أنّ هذا السلوك
من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية .
هو الزميل الأصغر للشيخ :
لقد حضر المؤلف درس السيد المرتضى ـ رحمه الله ـ عام 429 هـ ، وهو ابن
ثلاثين سنة أو ما يقاربه ، فقد استفاد من بحر علمه وحوزة درسه قرابة ثمان سنين ،
حيث أنّ المرتضى لبّىٰ دعوة ربّه لخمس بقين من شهر ربيع الاوّل سنة 436 (18) .
فعند ما لبّى الاُستاذ دعوة ربّه ، حضر درس الشيخ إلى أن نصب قاضياً في
طرابلس عام 438 ، وعلى ذلك فقد استفاد من شيخه الثاني قرابة ثلاث سنوات ،
ومع ذلك كلّه فالحقّ أنّ القاضي ابن برّاج زميل الشيخ في الحقيقة ، وشريكه في التلمّذ
على السيد المرتضى ، وأنّه بعد ما لبّىٰ السيد المرتضى دعوة ربّه وانتهت رئاسة الشيعة
ـ في بغداد ـ إلى الشيخ الطوسي ، حضر درس الشيخ الطوسي توحيداً للكلمة ، وتشرّفاً
وافتخاراً ، كما قبل من جانبه الخلافة والنيابة في البلاد الشامية .
ويدلّ على أنّ ابن البرّاج كان زميلاً للشيخ لا تلميذاً له اُمور :
1 ـ عند ما توفّي اُستاذه السيد المرتضى رحمه الله ، كان القاضي ابن برّاج قد
بلغ مبلغاً كبيراً من العمر ، يبلغ الطالب ـ في مثله ـ مرتبة الإجتهاد ، وهو قرابة
الأربعين ، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذ ، بل هو
____________________________
(18) فهرس النجاشي ص 193 .

لأجل ما ذكرناه قبل قليل .
2 ـ إنّ السيد المرتضى عمل كتاباً باسم « جمل العلم والعمل » في الكلام
والفقه على وجه موجز ، ملقياً فيها الاُصول والقواعد في فنّ الكلام والفقه .
وقد تولّى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه ،
وهو ما عبّر عنه بـ « تمهيد الاُصول » وقد طبع الكتاب بهذا الاسم وانتشر .
بينما تولّى القاضي ابن برّاج ـ المترجم له ـ شرح القسم الفقهي .
ومن هذا يظهر زمالة هذين العلمين ، بعضهما لبعض في المجالات العلمية ،
فكل واحد يشرح قسماً خاصّاً من كتاب اُستاذهما .
3 ـ إنّ شيخنا المؤلف ينقل في كتابه « شرح جمل العلم والعمل »
عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الأجناس الزكوية ماهذا عبارته : « وقد ذكر
في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي الله عنه ، من الرواية الواردة ، من الدرهم
أو الثلثين ، والأحوط إخراجها بقيمة الوقت ، وهذا الذي استقرّ تحريرنا له مع شيخنا
أبي جعفر الطوسي ، ورأيت من علمائنا من يميل إلى ذلك » (19) .
وهذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث والتحرير .
4 ـ نرى أنّ المؤلف عند ما يطرح في كتابه « المهذّب » آراء الشيخ يعقبه بنقد
بنّاء ومناقشة جريئة ، وهذا يعطي كونه زميلاً للشيخ لا تلميذاً آخذاً ، ونأتي لذلك
بنموذجين :
أولاً ـ فهو يكتب في كتاب الأيمان من « المهذّب » إذا ما حلف الرجل على
عدم أكل الحنطة فهل يحلف إذا أكلها دقيقاً أولاً ، ما هذا عبارته :
كان الشيخ أبو جعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ قد قال لي يوماً في الدرس : إنْ
أكلها على جهتها حنث ، وإنْ أكلها دقيقاً أو سويقاً لم يحنث .
فقلت له : ولِمَ ذلك ؟ ! وعين الدقيق هي عين الحنطة ، وإنّما تغيّرت
بالتقطيع الذي هو الطحن .
فقال : قد تغيّرت عمّا كانت عليه ، وإن كانت العين واحدة ، وهو حلف ان
لا يأكل ما هو مسمّى بحنطة لا ما يسمّى دقيقاً .
____________________________
(19) شرح جمل العلم والعمل ص 268 ، وقد حقّق نصوصه الاُستاذ مدير شانه چى دام ظلّه .


فقلت له : هذا لم يجز في اليمين ، فلو حلف : لا أكلت هذه الحنطة ما دامت
تسمّى حنطة ، كان الأمر على ما ذكرت ، فإنّما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من
هذه الحنطة .
فقال : على كل حال قد حلف أن لا يأكلها وهي على صفة ، وقد تغيّرت
عن تلك الصفة ، فلم يحنث .
فقلت : الجواب هاهنا مثل ما ذكرته أولاً ، وذلك : إن كنت تريد أنّه حلف
أن لا يأكلها وهي على صفة ، أنّه أراد على تلك الصفة ، فقد تقدّم ما فيه ، فإن كنت
لم ترد ذلك فلا حجّة فيه .
ثم يلزم على ما ذكرته أنّه لو حلف أن لا يأكل هذا الخيار وهذا التفّاح ، ثم
قشّره وقطّعه وأكله لم يحنث ، ولا شبهة في أنّه يحنث .
فقال : من قال في الحنطة ما تقدّم ، يقول في الخيار والتفّاح مثله .
فقلت له : إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته من
أنّ العين واحدة ، اللهم إلّا إن شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفّاح وهو
على ما هو عليه ، فإنّ الأمر يكون على ما ذكرت ، وقد قلنا إنّ اليمين لم يتناول ذلك .
ثم قلت : إنّ الإحتياط يتناول ما ذكرته ، فأمسك (20) .
ثانياً ـ ما جاء في كتاب الطهارة ، عند ما إذا اختلط المضاف بالماء المطلق
وكانا متساويين في المقدار ، فذهب القاضي إلى أنّه لا يجوز استعماله في رفع الحدث ،
ولا إزالة النجاسة ، ويجوز في غير ذلك ، ثم قال :
وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ قال لي يوماً في الدرس : هذا
الماء يجوز استعماله في الطهارة وإزالة النجاسة .
فقلت له : ولِمَ أجزت ذلك مع تساويهما ؟
فقال : إنّما أجزت ذلك لأنّ الأصل الإباحة .
فقلت له : الأصل وإن كان هو الإباحة ، فأنت تعلم أنّ المكلّف مأخوذ بأن
لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلّا بالماء المطلق ، فتقول أنت : بأنّ
هذا الماء مطلق ؟ !
____________________________
(20) المهذّب ، كتاب الكفارات ج 2 ص 419 و 420 .

فقال : أفتقول أنت بأنّه غير مطلق ؟
فقلت له : أنت تعلم أنّ الواجب أن تجيبني عمّا سألتك عنه قبل أن تسألني بـ
« لا » او « نعم » ثم تسألني عمّا أردت ، ثمّ إنني أقول بأنّه غير مطلق .
فقال : ألست تقول فيها إذا اختلطا وكان الأغلب والأكثر المطلق فهما
مع التساوي كذلك ؟
فقلت له : إنّما أقول بأنّه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب ، لأنّ
ما ليس بمطلق لم يؤثّر في إطلاق اسم الماء عليه ، ومع التساوي قد أثّر في إطلاق
هذا الاسم عليه ، فلا أقول فيه بأنّه مطلق ، ولهذا لم تقل أنت بأنّه مطلق ، وقلت فيه
بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر والأغلب ، ثم إنّ دليل الإحتياط تناول ما ذكرته ،
فعاد إلى الدرس ولم يذكر فيه شيئاً (21) .
وهذا المنط من البحث والنقاش والأخذ والرد في أثناء الدرس يرشد إلى
مكانة القاضي في درس الشيخ الطوسي وأنّ منزلته لم تكن منزلة التلميذ بل كان
رجلاً مجتهداً ذا رأي ربّما قدر على إقناع اُستاذه وإلزامه برأيه .
5 ـ إنّ الناظر في ثنايا كتاب « المهذّب » يرى بأنّ المؤلف ـ المترجم له ـ يعبّر
عن اُستاذه السيد المرتضى بلفظة « شيخنا » بينما يعبّر عن الشيخ الطوسي بلفظة
« الشيخ أبو جعفر الطوسي » لا بـ « شيخنا » والفارق بين التعبيرين واضح وبيّن .
وهذا وإن لم يكن قاعدة مطّردة في هذا الكتاب إلّا انّها
قاعدة غالبية . نعم عبّر في « شرح جمل العلم والعمل » عنه بـ « شيخنا » كما نقلناه .
6 ـ ينقل هو رأي الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ بلفظ « ذُكر » أي قيل ، وقد
وجدنا موارده في مبسوط الشيخ ـ رحمه الله ـ ونهايته .
ولا شكّ أنّ هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن
اُستاذه .
وعلى كل تقدير فرحم الله الشيخ والقاضي بما أسديا إلى الاُمّة من الخدمات
العلمية ، ووفّقنا للقيام بواجبنا تجاه هذين العلمين ، والطودين الشامخين ، سواء أكانا
زميلين أو اُستاذاً وتلميذاً .
____________________________
(21) المهذّب ، كتاب الطهارة ص 24 ـ 25 .


 
 
استمراد الإجتهاد والمناقشة في آراء الشيخ :
لقد نقل صاحب المعالم عن والده ـ الشهيد الثاني ـ رحمه الله بأنّ أكثر
الفقهاء الّذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه
وحسن ظنّهم به ، فلمّا جاء المتأخّرون وجدوا أحكاماً مشهورة قد عمل بها الشيخ
ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء ، وما دروا أنّ مرجعها إلى الشيخ وأنّ الشهرة إنّما
حصلت بمتابعته .
قال الوالد ـ قدس الله نفسه ـ : وممّن اطلع على هذا الذي تبيّنته وتحقّقته من
غير تقليد : الشيخ الفاضل المحقّق سديد الدين محمود الحمصي ، والسيد رضيّ الدين بن
طاووس ، وجماعة .
وقال السيد ـ رحمه الله ـ في كتابه المسمّى بـ « البهجة لثمرة المهجة » : أخبرني
جدّي الصالح ـ قدس الله روحه ـ ورّام بن أبي فراس ـ قدس الله روحه ـ أنّ الحمصي
حدّثه أنّه لم يبق مفتٍ للإمامية على التحقيق بل كلّهم حاكٍ ، وقال السيد عقيب
ذلك : والآن فقد ظهر لي أنّ الذي يُفتىٰ به ويُجاب على سبيل ما حفظ من كلام
المتقدّمين (22) .
ولكن هذا الكلام على إطلاقه غير تام ، لما نرى من أنّ ابن البرّاج قد عاش
بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة ، وألّف بعض كتبه كالمهذّب بعد وفاة الشيخ
وناقش آراءه بوضوح ، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على إطلاقه : « لم يبق مفت
للإمامية على التحقيق بل كلهم حاك » .
وخلاصة القول أنّ في الكلام المذكور نوع مبالغة ، لوجود مثل هذا البطل
العظيم ، وهذا الفقيه البارع .
مدى صلته بالشيخ الطوسي :
قد عرفت مكانة الشيخ ومنزلته العلمية ، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر إليه بنظر
الإكبار والإجلال ، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ ألّف بعض كتبه لأجل التماسه
____________________________
(22) معالم الدين ـ الطبعة الجديدة ـ المطلب الخامس في الإجماع ص 408 .

وسؤاله .
فها هو الشيخ الطوسي يصرح في كتابه « المفصح في إمامة أمير المؤمنين » ، بأنّه
ألّف هذا الكتاب لأجل سؤال الشيخ ابن البرّاج منه ، فيقول :
سألت أيها الشيخ الفاضل ـ أطال الله بقاءك وأدام تأييدك ـ إملاء كلام
في صحة إمامة أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، صلوات الله عليه (23) .
كما أنّهُ ألّف كتابه « الجمل والعقود » بسؤاله أيضاً حيث قال :
أمّا بعد فأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل ـ أدام الله بقاءه ، من إملاء
مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات (24) .
ونرى أنّه ألّف كتابه الثالث « الإيجاز في الفرائض والمواريث » بسؤال
الشيخ أيضاً فيقول :
سألت أيّدك الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث (25) .
ولم يكتف الشيخ بذلك ، فألّف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضاً إذ يقول :
أمّا بعد فإنّي قد أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه ، من جمع
كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، وعن
الأئمة من بعده إلى زمن القائم ـ عليهم السلام ـ ، ثم أذكر من تأخّر زمانه عن الأئمة من
رواة الحديث (26) .
ويقول المحقّق الطهراني في مقدّمته على « التبيان » ، عند البحث عن « الجمل
والعقود » :
قد رأيت منه عدّة نسخ في النجف الأشرف ، وفي طهران ، ألّفه بطلب من
خليفته في البلاد الشامية ، وهو القاضي ابن البّراج ، وقد صرّح في هامش بعض الكتب
القديمة بأنّ القاضي المذكور هو المراد بالشيخ ، كما ذكرناه في الذريعة ج 5
ص 145 (27) .
____________________________
(23) الرسائل العشر ص 177 .
(24) الرسائل العشر ص 155 .
(25) الرسائل العشر ص 269 .
(26) رجال الشيخ ص 2 .
(27) التبيان ج 1 مقدمة المحقق الطهراني ص ( ث ) .


ويقول المحقق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب « الرسائل
العشر » :
وفي هامش النسخة من كتاب « الجمل والعقود » التي كانت بأيدينا ، قد قيد
أنّ الشيخ هو ابن البرّاج .
وعلى ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة
هو الشيخ القاضي ابن البرّاج ، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في أول كتاب
الفهرس حيث قال :
ولمّا تكرر من الشيخ الفاضل ـ أدام الله تأييده ـ الرغبة في ما يجري هذا
المجرى ، وتوالى منه الحثّ على ذلك ، ورأيته حريصاً عليه ، عمدت إلى كتاب يشتمل
على ذكر المصنفات والاصول ولم افرد أحدهما عن الاخر . . . ، وألتمس بذلك القربة إلى
الله تعالى ، وجزيل ثوابه ، ووجوب حق الشيخ الفاضل ـ ادام الله تأييده ، وأرجو
أن يقع ذلك موافقاً لما طلبه إن شاء الله تعالى (28) .
ونرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعني « الغيبة » حيث يقول :
فإنّي مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل ـ أطال الله بقاه ، من إملاء كلام في
غيبة صاحب الزمان (29) .
وربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس ، هو الشيخ المفيد ،
ولكنّه غير تام لوجهين .
أولاً : إنّه ـ قدّس سرّه ـ قد عيّن تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول
عمره حيث قال :
فإن قيل ادّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات ، مع بقائه ـ على
قولكم ـ كامل العقل تامّ القوة والشباب ، لأنّه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة
سبع وأربعين وأربعمائة . . .
ومن المعلوم أنّ الشيخ المفيد قد توفي قبل هذه السنة بـ 34 عامّاً .
أضف إلى ذلك أنّه يصرح في أول كتاب الغيبة بأنّه « رسمه مع
____________________________
(28) فهرس الشيخ ص 24 .
(29) الغيبة ص 78 .

ضيق الوقت ، وشعث الفكر ، وعوائق الزمان ، وطوارق الحدثان » ، وهو يناسب
اُخريات إقامة الشيخ في بغداد ، حيث حاقت به كثير من الحوادث المؤسفة المؤلمة ، حتى
ألجأت الشيخ إلى مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف ، حيث دخل طغرل بك
السلجوقي بغداد عام 447 ، واتّفق خروج الشيخ منها بعد ذلك عام 448 ، فقد أحرق
ذلك الحاكم الجائر مكتبة الشيخ والكرسي الذي يجلس عليه في الدرس ، وكان ذلك
في شهر صفر عام 449 (30) .
أضف إلى ذلك أنّ شيخ الطائفة ألّف كتاباً خاصاً باسم « مسائل ابن
البرّاج » ، نقله شيخنا الطهراني في مقدمة « التبيان » عن فهرس الشيخ (31) .
أساتذته :
لا شكّ أنّ ابن البرّاج ـ رحمه الله ـ أخذ أكثر علومه عن اُستاذه السيد
المرتضى ـ رحمه الله ـ ، وتخرّج على يديه ، وحضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي
سمعت ، غير أنّنا لم نقف على أنّه عمّن أخذ أوليات دراساته في الأدب وغيره .
وربما يقال أنّه تتلمذ على المفيد ، كما في « رياض العلماء » (32) وهو بعيد
جداً ، لأنّ المفيد توفّي عام 413 هـ ، والقاضي بعد لم يبلغ الحلم لأنّه من مواليد 400 أو
بعام قبله ، ومثله لا يقدر على الاستفادة من بحث عالم نحرير كالمفيد ـ رحمه الله ـ .
وقد ذكر التستري صاحب المقابيس أنّه تلمذ على الشيخ أبي الفتح محمد بن
علي بن عثمان الكراجكي ، أحد تلاميذ المفيد ثم السيد ، ومؤلف كتاب « كنز الفوائد »
وغيره من المؤلفات البالغة ثلاثين تأليفاً (33) .
وقال في الرياض ناقلاً عن المجلسي في فهرس بحاره : إنّ عبد العزيز بن البرّاج
الطرابلسي من تلاميذ أبي الفتح الكراجكي ، ثم استدرك على المجلسي بأنّ تلميذه
هو القاضي عبد العزيز بن ابي كامل الطرابلسي ، لا عبد العزيز بن نحرير (34) .
____________________________
(30) لاحظ المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173 ، والكامل لابن الأثير ج 8 ص 81 .
(31) التبيان ص أ ـ ب .
(32) رياض العلماء ج 3 ص 413 .
(33) ريحانة الأدب ج 5 ص 40 .
(34) رياض العلماء ج 3 ص 142 .


غير أنّ التستري لم يذكر على ما قاله مصدراً ، نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ
عن مثله .
وربما يقال بتلمذه على أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري ، صهر
الشيخ المفيد وخليفته ، والجالس محلّه الذي وصفه النجاشي في رجاله بقوله : بأنّه
متكلّم فقيه قيم بالأمرين جميعاً (35) .
ولم نقف على مصدر لهذا القول ، سوى ما ذكره الفاضل المعاصر الشيخ
كاظم مدير شانه چي في مقدمة كتابه لشرح « جمل العلم والعمل » للقاضي ابن برّاج .
وربما عدّ من مشايخه أبو الصلاح تقيّ الدين بن نجم الدين المولود عام 347
والمتوفّى عام 447 ، عن عمر يناهز المائة ، وهو خليفة الشيخ في الديار الحلبية ، كما كان
القاضي خليفته في ناحية طرابلس .
كما يحتمل تلمذه على حمزة بن عبد العزيز الملقب بسلار المتوفّى عام 463 ،
المدفون بقرية خسروشاه من ضواحي تبريز ، صاحب المراسم ولم نجد لذلك مصدراً و
إنّما هو وما قبله ظنون واحتمالات ، وتقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر « مدير
شانه چي » ، وعلى ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبي عبد الله جعفر بن
محمد الدويريستي ، ثقة عين ، عدل ، قرأ على شيخنا المفيد ، والمرتضى
علم الهدى (36) .
وقد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبد الرحمان الرازي ، والشيخ المقریء
ابن خشاب ، ونقله عن فهرس منتجب الدين ، غير أنّا لم نقف على ذلك في فهرس
منتجب الدين وإنّما الوارد فيه غير ذلك .
____________________________
(35) النجاشي ص 288 ، وهذا الشيخ هو الذي اشترك مع النجاشي في تغسيل السيد المرتضى ،
يقول الشيخ النجاشي عند ترجمة المرتضى : وتوليت غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة
الجعفري وسلار بن عبد العزيز ، وبذلك يظهر أنّه كان حيّاً عام وفاة المرتضى ، وهو 436 هـ فلا يصح القول
بأنّه توفّي عام 433 ، بل هو توفّي إمّا في 443 ، أو 463 .
وليعلم أنّ الشيخ أبا يعلى غير محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي ، وهو الذي يقول فيه الشيخ
منتجب الدين : فقيه ، عالم ، واعظ له تصانيف منها : الوسيلة ، الواسطة ، الرائع في الشرائع ، المعجزات ، مسائل
في الفقه ، ( البحار ج 102 ص 271 ) .
(36) فهرس منتجب الدين ص 215 ـ 216 .

فقد قال الشيخ منتحب الدين : الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن
أحمد الحسين النيسابوري الخزاعي ، شيخ الأصحاب بالريّ ، حافظ ، ثقة واعظ ، سافر
في البلاد شرقاً وغرباً ، وسمع الأحاديث عن المؤالف والمخالف ، وقد قرأ على السيدين
علم الهدى المرتضى ، وأخيه الرضي ، والشيخ أبي جعفر الطوسي ، والمشايخ سالار ،
وابن البرّاج ، والكراجكي ـ رحمهم الله جميعاً ـ
وقال أيضاً : الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقریء الرازي فقيه
الأصحاب بالريّ ، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلّمين من السادة والعلماء ، وقد قرأ
على الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه وقرأ على الشيخين سالار وابن
البرّاج (37) .
عام تأليف الكتاب :
قد ذكر القاضي في كتاب الإجارة تاريخ اشتغاله بكتابه باب الإجارة وهو
عام 467 (38) .
فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية ، ومزاولة طويلة شغلت عمر المؤلف مدة
لا يستهان بها ، وعلى ذلك فهو ألّف الكتاب بعد تخلّيه عن القضاء لأنّه اشتغل
بالقضاء عام 438 ، ومارسها بين عشرين وثلاثين عاماً ، فعلى الأول كتبها بعد التخلي
عنه ، وعلى الثاني اشتغل بالكتابة في اُخريات ممارسته للقضاء .
وعلى ذلك فالكتاب يتمتع بأهمّية كبرى ، لأنّه ـ رحمه الله ـ وقف في أيام
تولّيه للقضاء على موضوعات ومسائل مطروحة على صعيد القضاء ، فتناولها بالبحث
في الكتاب ، وأوضح أحكامها ، فكم فرق بين كتاب فقهي يؤلّف في زوايا المدرسة
من غير ممارسة عملية للقضاء ، وكتاب اُلّف بعد الممارسة لها أو خلالها .
ولأجل ذلك يعتبر الكتاب الحاضر « المهذّب » من محاسن عصره .
____________________________
(37) بحار الأنوار ج 102 ـ فهرس الشيخ منتجب الدين ـ ص 242 .
(38) راجع الجزء الثاني ، كتاب الاجارة قال : إذا استأجر داراً فقال المؤجر ـ وهو مثلاً في رجب ـ :
أجّرتك هذه الدار في شهر رمضان ، أو كان في مثل هذه السنة وهي سنة سبع وستين وأربعمائة ، فقال :
أجّرتك هذه الدار سنة ثمان وستين وأربعمائة ، إلى آخره .


 
 
تلاميذه :
كان شيخنا المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يؤلف في موضوعات
فقهية وكلامية ، وفي نفس الوقت كان مفيداً ومدرساً ، فقد تخرج على يديه عدّة من
الأعلام نشير إلى بعضهم :
1 ـ الحسن بن عبد العزيز بن المحسن الجبهاني ( الجهياني ) المعدل بالقاهرة ،
فقيه ، ثقة ، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي ، والشيخ ابن البرّاج ـ رحمهم الله جميعاً ـ (39) .
2 ـ الداعي بن زيد بن علي بن الحسين بن الحسن الأفطسي الحسيني الاوي ،
الذي عمّر عمراً طويلاً كما ذكره صاحب المعالم في إجازته الكبيرة ، وهو يروي
عن المرتضى ، والطوسي ، وسلار ، وابن البرّاج ، والتقيّ الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم
وجميع ما رووه واُجيز لهم روايته (40) .
3 ـ الشيخ الإمام شمس الإسلام الحسن بن حسين بن بابويه القمي ،
نزيل الري ، المدعو حسكا ، جدّ الشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقّه : فقيه ،
ثقة ، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر ـ قدّس الله روحه ـ جميع تصانيفه بالغريّ ـ على
ساكنه السلام ـ ، وقرأ على الشيخين : سلار بن عبد العزيز ، وابن البرّاج جميع
تصانيفهما (41) .
4 ـ الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري
الخزاعي .
5 ـ الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقري الرازي .
وقد توفّي بطرابلس ، ودفن في حجرة القاضي ، كما حكي عن خط جدّ
صاحب المدارك ، عن خط الشهيد وكان حياً إلى عام 503 (42) .
وقد عرفت نصّ الشيخ منتجب الدين في حقّ الرجلين .
6 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي ، فقيه ، صالح ، أدرك
____________________________
(39) فهرس منتجب الدين المطبوع في الجزء 102 من البحار ص 219 .
(40) المستدرك ج 3 ص 444 ، طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 75 .
(41) فهرس منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 219 .
(42) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 103 و 107 .

الشيخ أبا جعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ (43) .
وقال في « الرياض » : إنّه يظهر من إجازة الشيخ علي الكركي للشيخ
على الميسي وغيرها من المواضع ، أنّه يروي عن القاضي عبد العزيز بن البرّاج ـ قدس
الله روحه ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلّي (44) وينقل عنه .
وقال في تلك الإجازة في مدح ابن البرّاج هكذا : الشيخ السعيد الفقيه ،
الحبر ، العلّامة ، عزّ الدين ، عبد العزين البرّاج ـ قدّس الله سرّه ـ (45) .
7 ـ عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عزّ الدين الطرابلسي ، سميّ شيخنا
المترجم له ، يروي عن المترجم له ، والشيخ الطوسي ، وسلار ، ويروي عنه عبد الله بن
عمر الطرابلسي كما في « حجّة الذاهب » (46) .
8 ـ الشيخ كميح والد أبي جعفر ، يروي عن ابن البرّاج (47) .
9 و 10 ـ الشيخان الفاضلان الاُستاذان ابنا المؤلف : أبو القاسم (48) .
وأبو جعفر اللذان يروي عنهما الراوندي والسروي وغيرهم (49) .
11 و 12 ـ أبو الفتح الصيداوي وابن رزح ، من أصحابنا (50) .
هؤلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم ، وليست
تنحصر فيمن عددناهم .
وفي خاتمة المطاف ننبّه على اُمور :
1 ـ إنّه كثيراً ما يشتبه الاُستاذ بالتلميذ لأجل المشاركة في الاسم واللقب ،
____________________________
(43) فهرست منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 265 .
(44) ووصفه الشيخ منتجب الدين : بالحلبي كما نقلناه آنفاً .
(45) رياض العلماء ج 3 ص 144 .
(46) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 106 .
(47) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 4 .
(48) وبما أنّ كنية القاضي هو أبو القاسم ، ملازم ذلك أن يكون اسم ابنه القاسم لا أبو القاسم ،
ومن جانب آخر فإنّ التسمية بنفس القاسم وحده بلا ضمّ كلمة الأب إليه قليل في البيئات العربية ، فيحتمل
وحدة الكنية في الوالد والولد .
(49) المقابيس ص 90 .
(50) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145 .


فتعدّ بعض تصانيف الاُستاذ من تآليف التلميذ .
قال في « رياض العلماء » : وعندي أنّ بعض أحوال القاضي سعد الدين
عبد العزيز ابن البرّاج هذا ، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبد العزيز بن أبي
كامل الطرابلسي (51) .
ويظهر من الشهيد الأول في كتابه « الأربعين » ، في سند الحديث الثاني
والثلاثين ، وسند الحديث الثالث والثلاثين مغايرة الرجلين .
قال الشهيد الأول في سند الحديث الثاني والثلاثين : . . . القطب الراوندي ،
عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلّي (52) ، قال : حدّثنا الشيخ الفقيه
الإمام سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البرّاج الطرابلسي ، قال : حدثنا
السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ، إلى آخره ،
وفي سند الحديث الثالث والثلاثين . . . الشيخ أبو محمّد عبد الله بن عمر الطرابلسي ،
عن القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي ، عن الشيخ الفقيه المحقّق أبي الصلاح
تقي بن نجم الدين الحلبي ، عن السيد الإمام المرتضى علم الهدى . . . إلى آخره (53) .
ولاحظ الذريعة ج 23 ص 294 فلاشكّ ـ كما ذكرنا ـ فإنّ القاضي ابن أبي
كامل تلميذ القاضي بن نحرير .
2 ـ يظهر من غضون المعاجم أنّ بعض ما ألّفه القاضي في مجالات الفقه
كان مركزاً للدراسة ، ومحورا للتدريس ، حيث أنّ الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن
الراوندي ـ الشهير بالقطب الراوندي ـ كتب بخطّه إجازة لولده على كتاب « الجواهر
في الفقه » لابن البرّاج عبد العزيز وهذه صورتها :
قرأه على ولدي نصير الدين أبو عبد الله الحسين ـ أبقاه الله ومتّعني به ـ ، قراءة
اتقان ، وأجزت له أن يرويه عن الشيخ أبي جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنّف (54) .
ولم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب « الجواهر » ، بل كان كتابه الآخر وهو
____________________________
(51) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145 .
(52) وقد عرفت أنّ الصحيح هو « الحلبي » .
(53) الأربعون للشهيد ، في شرح الحديث الثاني والثلاثين .
(54) قد مضى أنّه من تلاميذ القاضي .

« الكامل » كتاباً دراسيّاً أيضاً .
ولذلك نرى أنّ الشيخ أبا محمد عبدالواحد الحبشي ، من تلاميذ القاضي
عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي ، قرأ الكامل عليه .
والكامل من مؤلفات شيخنا المترجم له (55) .
3 ـ نقل صاحب الرياض أنّه تولّى القضاء في طرابلس ، لدفع الضرر عن
نفسه بل عن غيره أيضاً ، والتمكّن من التصنيف ، وقد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق
الشيعة ، وقد نصّبه على القضاء جلال الملك عام 438 هـ (56) .
4 ـ وقد عبّر العلّامة الطباطبائي في منظومته عن القاضي بالحافي ، ولم نجد له
مصدراً قبله .
قال في منظومته :

وسنّ رفع اليد بالتكبيرِ
 

 

والمكث حتى الرفع للسرير
 

والخلع للحذاء دون الاحتفاء
 

 

وسنّ في قضائه الحافي الحفاء (57) .
 

5 ـ إنّ طرابلس بلد على ساحل البحر الابيض المتوسط وهي جزء من لبنان
الفعلي ، يقع في شماله ، وهي غير طرابلس عاصمة ليبيا ، وهي أيضاً تقع على البحر
الأبيض .
تآليفه :
خلّف المترجم له ثروة علمية غنية في الفقه والكلام ، تنبیء عن سعة باعه في
هذا المجال ، وتضلّعه في هذا الفن .
وإليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم :
1 ـ الجواهر : قال في رياض العلماء : رأيت نسخة منه في بلده ساري ، من
بلاد مازندران ، وهو كتاب لطيف ، وقد رأيت نسخة اُخرى منه بإصفهان
عند الفاضل الهندي ، وقد أورد ـ قدّس سرّه ـ فيه المسائل المستحسنة المستغربة
____________________________
(55) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 168 .
(56) رياض العلماء ج 3 ص 142 وتأسيس الشيعة ص .
(57) روضات الجنّات ج 4 ص 205 والظاهر أنّ الحافي تصحيف القاضي .


والأجوبة الموجزة المنتخبة (58) .
2 ـ شرح جمل العلم والعمل .
3 ـ المهذّب .
4 ـ روضة النفس .
5 ـ المقرّب في الفقه ( الذريعة ج 22 ص 108 ) .
6 ـ المعالم في الفروع ( الذريعة ج 21 ص 197 ) .
7 ـ المنهاج في الفروع ( الذريعة ج 23 ص 155 ) .
8 ـ الكامل في الفقه ، وينقل عنه المجلسي في بحاره ( الذريعة ج 17
ص 257 ) .
9 ـ المعتمد في الفقه ( الذريعة ج 21 ص 214 ) .
10 ـ الموجز في الفقه ، وربما ينسب إلى تلميذه ابن أبي كامل الطرابلسي
( لاحظ الذريعة ج 23 ص 251 ) .
11 ـ عماد المحتاج في مناسك الحاج ( لاحظ الذريعة ج 15 ص 331 ) .
ويظهر من الشيخ ابن شهرآشوب في « معالم العلماء » أنّ كتبه تدور
بين الاُصول والفروع كما أنّ له كتاباً في علم الكلام .
ولكنّه مع الأسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية ، وذهبت أدراج الرياح ولم
يبق إلّا الكتب الثلاثة : الجواهر ، المهذّب ، شرح جمل العلم والعمل .
ويظهر من ابن شهرآشوب أنّه كان معروفاً في القرن السادس بابن البرّاج ،
وهذا يفيد بأنّ البرّاج كان شخصية من الشخصيات ، حتى أنّه نسب القاضي إلى
هذا البيت .
هذه هي كتبه وقد طبع منها « الجواهر » ضمن « الجوامع الفقهية » على وجه
غير نقيّ عن الغلط ، فينبغي لروّاد العلم إخراجه وتحقيق متنه على نحو يلائم العصر .
كما أنّه طبع من مؤلفاته « شرح جمل العلم والعمل » بتحقيق الاُستاذ كاظم
مدير شانه چي .
وها هو « المهذّب » نقدّمه إلى القراء الكرام ، بتحقيق وتصحيح وتعليق ثلّة
____________________________
(58) رياض العلماء ج 3 ص 142 .

من الفضلاء ستوافيك أسماؤهم .
وقد كان سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى البروجردي ـ قدّس الله سرّه ـ يحثّ
الطلّاب على المراجعة إلى المتون الفقهية المؤلفة بيد الفقهاء القدامى وكان يعتبر الشهرة
الفتوائية على وجه لا يقلّ عن الإجماع المحصّل .
وكان من نواياه ـ قدّس سرّه ـ طبع بعض الكتب الفقهية الأصيلة منها :
1 ـ الكافي ، للفقيه أبي الصلاح الحلبي .
2 ـ الجامع للشرائع ، ليحيى بن سعيد الحلّي .
3 ـ كشف الرموز ، للفقيه عزّ الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي ،
تلميذ المحقّق وشارح كتاب « النافع » شرحاً حسناً متوسّطاً وقد أسماه ، ـ كما عرفت ـ بـ
« كشف الرموز » .
4 ـ المهذّب ، للقاضي ابن البرّاج .
وقد طبع الأول ـ بفضل الله ـ بتحقيق الشيخ الفاضل رضا اُستادي .
وطبع « الجامع » للحلّي بتحقيق ثلّة من الأفاضل مع تقديمنا له .
وأمّا الثالث فسوف نقوم بتحقيقه وتصحيحه وطبعه بعد جمع مخطوطاته
الأصلية من المكتبات إن شاء الله .
وها هو « المهذّب » وقد حقّقت نصوصه بعد تحمّل المشاقّ في جمع مخطوطاته
الأصلية .
وقد قام بهذا الجهد العلمي ـ الذي لا يعرف مداه سوى من له إلمام بتحقيق
الكتب ـ لفيف من الفضلاء بين مستنسخ ومقابل ومحقّق نصوصه ومستخرج أحاديثه
إلى غير ذلك من الاُمور التي يقف عليها القارئ عند المراجعة وقد ذكرنا أسماءهم
في المقدّمة التي طبعت مع الكتاب في الجزء الأول والثاني .
وإليك وصف النسخ التي وقف عليها المحقّقون وعملوا على ضوئها وهي
ثمان نسخ :
1 ـ نسخة فتوغرافية اُخذت عن النسخة المخطوطة في مكتبة المرجع الديني
الأعلى السيد آقا حسين الطباطبائي البروجردي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ وهي نسخة
جديدة مصحّحة كاملة ، جيّدة الخط ، وكانت سنة استنساخها 1348 الهجرية
القمرية .



2 ـ نسخة جيدة غير مصحّحة ، وهي تشتمل على كتاب الإقرار إلى كتاب
المواريث ، وهي في خزانة كتب السيد العلّامة الحجّة الآية السيد آقا حسين الخادمي
الاصفهاني ـ قدّس الله سرّه ـ وليس فيها ذكر من سنة الإستنساخ ، 112 ق ، 19 س ،
سم .
3 ـ نسخة غير كاملة ولا مصحّحة ، جيّدة الخط ، من خزانة كتب الحجّة الآية
الحاج السيد مصطفى الصفائي الخونساري دام ظلّه ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة
إلى كتاب الزكاة ، وليس فيها ذكر من سنة الإستنساخ . . . ق ، 19 س ، 15 × 21
سم .
4 ـ نسخة غير كاملة ولا مصحّحة ، من خزانة كتب السيد المرجع الديني
النجفي المرعشي دام ظلّه ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى كتاب الزكاة ، ليس
فيها ذكر من سنة الإستنساخ ، ق ، 17 س ، 15 × 22 سم .
5 ـ نسخة عتيقه غير مصحّحة ولا كاملة ، من خزانة كتب « جامعة طهران »
ليس فيها ذكر من سنة الإستنساخ ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى آخر أبواب
الصلاة ، ق ، 57 س ، 10 × 16 سم .
6 ـ نسخة كاملة جديدة جيّدة الخط ، غير مصحّحة ، من مكتبة الخطيب
المصقع الشيخ علي أصغر مرواريد الخراساني ، وكانت سنة استنساخها 1241
الهجرية القمرية ، 348 ق ، 20 س ، 15 × 20 سم .
7 ـ نسخة مكتبة « دار القرآن الكريم » في قم المشرّفة ، لمؤسّسها آية الله
العظمى الكلبايكاني ، نسخت عام 1256 ، وهي من أول كتاب الإجارة إلى
آخر الكتاب .
8 ـ نسخة مكتبة الروضة المقدّسة الرضوية ، وهي نسخة ثمينة عتيقة جدّاً ،
من كتاب الإجارة إلى آخر الكتاب ، وقد نسخت عام 651 الهجرية ، المحفوظة
في الخزانة برقم 2598 / 388 ، وعليها علامة وقف حبيب الله الواعظ ، 217 ق ، 21
س ، 7 × 26 سم .


المصدر: جعفر السبحاني - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
411
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :