معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حوزة النجف ..
الكاتب : فيصل نور ..

حوزة النجف

      حوزة النجف العلمية الشيعية، هي مجموعة من مدارس العلوم الدينية وعلمائها الذين تولوا تعليم علوم مدرسة أهل البيت لطلابها وتربيتهم.
     تخرج من هذه الحوزة العديد من الفقهاء وكبار علماء الشيعة؛ ولهذا تحظى حوزة النجف بأهمية فائقة مقارنة بسائر الحوزات العلمية الشيعية في مدرسة أهل البيت.
     اختلفت كلمة الباحثين في تحديد الجذور التاريخية للمدرسة النجفية حيث أرجعها فريق من الباحثين إلى سنة 448 هـ المقارن لهجرة الطوسي من بغداد إلى حاضرة النجف، فيما ذهب فريق آخر إلى القول بأنّ الطوسي حينما حلّ فيها، كانت حلقات الدرس والبحث قائمة بجوار مرقد أمير المؤمنين. وذلك اعتماداً على الشواهد والقرائن التالية :
     ما ذكره ابن طاووس، حول رحلة عضد الدولة البويهي إلى النجف سنة 371 هـ والذي جاء فيه : وتوجّه إلى المشهد الغروي يوم الإثنين، ثاني يوم وروده زار الحرم الشريف، وطرح في الصندوق دراهم، فأصاب كلُّ واحد منهم إحدى وعشرين درهما، وكان عدد العلويين ألف وسبعمائة إسم، وفرّق على المجاورين وغيرهم (خمسه آلاف درهم)، وعلى القراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم.
     ما ذكره النجاشي من أنّه التقى قبل ذلك بعلماء الشيعة في النجف كالمحدّث الكبير هبة الله بن أحمد الكاتب الشهير بابن برنية، واستجازة النجاشي من أبي عبد الله الخُمري فقد قال في معرض حديثه عن كتاب "عمل السلطان" للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد الله الخُمري الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سنة أربعمائة.
     ما جاء في ترجمة النجاشي لأبي الحسن إسحاق بن حسن العقراني التمّار حسبما يقول: "رأيته بالكوفة وهو مجاور، وكان يروي كتاب الكليني عنه.
     حضور بعض الشخصيات العلمية والدينية الكبيرة في النجف كالصدوق وسماعه الحديث عن محمد بن علي بن فضل الدهقان، مضافاً إلى إقامة بعض نقباء الشيعة كابن سدرة في النجف، مع وجود بعض البيوتات العلمية كآل الطحّان.
     كلّ ذلك له دلالات على وجود حركة علمية في النجف وفي تلك الأزمنة قبل انتقال الطوسي إليها.
     أما بعد انتقال الطوسي إليها، أخذت تزدهر بشكل ملحوظ فهو متفق عليه.
 
عصر المؤسس الطوسي :
     يُؤرخ لهذه المرحلة بفترة ما بين نزوح الطوسي إلى النجف (عام 448 هـ) ووفاته (عام 460 هـ). لقد تتلمذ الطوسي من قبل على يد المفيد (ت : 413 هـ) والمرتضى (ت : 436 هـ)، ولما توفي المرتضى تفرّد بالإمامة والرئاسة، وكانت داره في الكرخ مأوى الناس، ومقصد الوفّاد.
     عندما دخل الملك السلجوقي طغرل بيك بغداد اشتعلت نار الفتن الطائفية فيها حتى أدّى الأمر -مع بدايات وصوله إلى بغداد سنة 447 هـ- إلى إحراق المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي وكبس دار بالكرخ وأخذ ما وجد من كتاباته وكرسي درسه، وكان الطوسي حينها في النجف. بعد ذلك وبرفقة من التحق به من طلاب العلم توطّن هناك فتحول النجف إلى مركز للعلم عند أبناء الطائفة الإمامية، حتى أخذت الرحال تُشدّ إليها، وأصبحت مهبط الباحثين عن علوم آل البيت ومقصدهم.
     وكان قد أملى كتابه المعروف بالأمالي أو مجالس الطوسي هناك مما يكشف عن مستوى الانضباط العلمي الذي عمّ المدينة في عصره. وقد تمثّلت الخطوة الكبيرة الأخرى التي أقدم عليها الطوسي بالنجف في الاهتمام بشأن الدراسات المتقدمة وتوجيه الطلبة نحو الفقه الاستدلالي.
 
عصر الركود :
     يُؤرَخ لهذه الحقبة من تاريخ المدرسة النجفية في الفترة ما بين وفاة الطوسي وبدايات القرن العاشر الهجري، وقد ساعدت في الركود مجموعة من العوامل؛
     رغم نجاحات الطوسي في مجالي الفقه والأصول وجهوده الكبيرة في الدفاع عن منهج الفقه التفريعي وإحكام قواعد الاستدلال والاستنباط والدعوة لها، إلا أنّ عظمة شخصيته ومكانته العلمية هيمنتا على الوسط الشيعي، فمضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة، ولم يكن من الهيّن على أحد منهم أن يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلاً مسلماً، ويعتبرون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسراً على وإهانة له، مكتفين بشرح آرائه واستجلاء غوامضها، حتى قال الشهيد الثاني، كما يروي ذلك ولده في كتاب المعالم ناقلاً عن أبيه: إنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ، كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به.
     نلاحظ أنّ بهجرته إلى النجف قد انفصل -في أكبر الظن- عن حلقاته العلمية في بغداد، وبدأت تنشأ في النجف حوزة فتية حوله من أبناءه والراغبين في الالتحاق بالدراسات الفقهية من مجاوري القبر الشريف أو أبناء البلاد القريبة منه كالحلة ونحوها، وعليه فكان من الطبيعي أنّ الحوزة الجديدة التي نشأت في النجف لا ترقى إلى مستوى التفاعل المتقدّم مع ما أنجزه الطوسي في الفكر العلمي.
     وأما الحوزة الأساسية القديمة في بغداد فانقطع التواصل بينها والطوسي في المهجر، فانتقاله إلى النجف وإنْ هيَّأته للقيام بدور علمي جديد -لِما أتاحت له من التفرّغ- لكنها فصلته عن حوزته الأصلية، ولهذا لم تتسرب إنجازاته العلمية والفقهية إلى تلك الحوزة في بغداد بعد ذلك الحين.
     من العوائق الأخرى هي انهيار الدولة البويهية التي كانت تمثل الظهير والداعم الرئيسي للمراكز العلمية ولأصحاب الفكر والمعرفة، خاصة مع كون البديل تمثل في الحكومة السلجوقية التي لم تألُ جهداً في التضييق على الشيعة وعلمائها.
     من العوامل التي تصدّت لتطوير المدرسة النجفية، ظهور محمد بن إدريس الحلي (ت : 598 هـ) في مدينة الحلة وتمكّنه من خطف الأبصار وتوجيه بوصلة الفكر والعطاء العلمي صوب مدينة الحلّة، والتخفيف من بريق الحوزة النجفية لوضع حدٍ لتبعية حصيلة آراء شيخ الطائفة وما يترتب على عمله الاجتهادي، فاستطاع بمبادرته هذه من تفعيل المبتغى من منهج الطوسي في الاجتهاد والاستنباط القائم على النقد والتحليل وعدم الانبهار بآراء العلماء مهما كان مستواهم العلمي.
 
عصر المحقق الأردبيلي :
     واكبت المدرسة النجفية لفترات طويلة رَكْب النشاط العلمي، فقد برز فيها شخصيات علمية كبيرة، كأبي علي الطوسي (ابن الطوسي) (ت : 515 هـ)، المعروف في الوسط الشيعي بالمفيد الثاني وكان قد ترك من المصنفات كتاب المرشد إلى سبيل المتعبد وكتاب الأمالي.
     ومنهم: ابن شهر آشوب المازندراني، وأبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (صاحب تفسير مجمع البيان)، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الطحّان. وأبو الوفاء عبد الجبار الرازي وأبو محمد الحسن بن بابويه القمّي وأبو عبد الله محمد بن هبة الله الطرابلسي والأخيران معاصران له، وجملة من تلامذة أبيه في النجف.
     ومن الشخصيات العلمية الرفعية التي ترعرعت في المدرسة النجفية نجم الأئمة رضي الدين محمد الأسترآبادي (ت : 686 هـ)، صاحب كتاب شرح كافية ابن الحاجب وشارح قصائد ابن أبي الحديد.
     ومنهم عبد الرحمان ابن العتائقي (صاحب كتاب الإيماقي في شرح الإيلاقي وشرح وتعريب الزبدة في الطب)، وكان الرجل من علماء الحلة ثم النجف.
     ومنهم (صاحب كتاب التنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع) الفقيه الكبير المقداد بن عبد الله السيوري الشهير بالفاضل المقداد و(ت : 826 هـ.
     تمكنت المدرسة النجفية من استعادة مكانتها واسترداد مجدها وريادتها العلمية في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، فطرأت عليها ظروف فاعلة ومؤثرة وساهمت فيها مجموعة من العوامل التي ساعدت على ذلك، من قبيل ما قام به الحكّام الصفويون من مدّ قنوات المياه إليها وتسهيل وصولها إلى ربوع المدينة، مضافاً إلى الاهتمام بالجانب الأمني وبناء القلاع والأسوار المحيطة بالمدينة. إلا أن الازدهار العلمي ليس نتيجة العوامل المادية والأمنية فحسب. ومما يؤيد ذلك أنّ الحكام الذين سبقوا الصفويين كالايلخانيين والجلايريين كانوا قد بذلوا جهوداً سياسية كبيرة لتعزيز مكانة النجف وجعلها في مصاف بغداد السنية، لكن لم يحالفهم الحظ والنجاح في إحداث نقلة عملية نوعية في الوسط العلمي.
     لقد كان للمولى أحمد الأردبيلي (ت : 993 هـ) والشهير بالمقدّس والمحقق الأردبيلي الدور الكبير في التطوير العلمي والازدهار المعرفي في أوساط المدرسة النجفية، وخاصّة بعد رواج منهجه الفقهي القائم على تتبع جميع زوايا الأحاديث والاهتمام بصحيحة السند منها - وإن كان العلماء القدامى قد أعرضوا عنها وأهملوها - والاعتماد عليها، حتى لو كانت النتيجة المستوحاة منها مخالفة لمشهور العلماء، الأمر الذي مكّنه من استقطاب الكثير من الطلاب والفضلاء إلى حلقة درسه.
     وقد تخرج من مدرسته الكثير من الأعلام، منهم : شمس الدين محمد بن علي العاملي سبط الشهيد الثاني (صاحب كتاب مدارك الأحكام) (ت : 1009 هـ)، والحسن بن زين الدين ابن الشهيد الثاني المعروف بـ (صاحب المعالم) (ت : 1011 هـ) وقد خصّ حسن مقدمة كتابه "معالم الدين وملاذ المجتهدين" بأصول الفقه، وجعل بقية الكتاب خاصاً بأبواب الفقه إلا أنّه لم يتمكن من إتمامه. وقد حظيت المقدمة منذ صدورها خلال القرون المتوالية باهتمام الفقهاء والأصوليين، وتمكنت من اكتساح الكتب الثلاثة المعتمدة في الدراسة الحوزوية قبلها المتمثلة "بشرح العميدي على تهذيب العلامة، وشرح العلامة لمختصر ابن الحاجب وشرح العضُدي على مختصر ابن الحاجب" واستمر الكتاب متألقاً حتى عقود قريبة كأحد أبرز الكتب الأصولية المتداولة في مجال أصول الفقه.
 
علماء هذه الفترة ونتاجاتهم العلمية :
     رغم قصر هذه المرحلة من عمر الحوزة النجفية، أنّها أنجبت طائفة من الأعلام والكتّاب، منهم:

  1. محي الدين بن محمود النجفي (ت : 1030 هـ) كان ماهراً بالشعر والأدب.

  2. ركن الدين القهبائي، من تلامذة مدرسة المحقق الأردبيلي كان متبحراً بعلمي الدراية والرجال ومن أشهر مصنفاته كتاب مجمع الرجال.

  3. الملا عبد الله اليزدي (ت : 980 هـ)، (صاحب الحاشية) على قسم المنطق من كتاب تهذيب المنطق والكلام للتفتازاني، وقد اعتمد الكتاب متناً دراسياً في الوسط الحوزوي.

  4. أبو الحسن الفتوني العاملي النجفي (ت : 1140 هـ)، لقّب بأفقه المحدثين وصاحب المؤلفات الكثيرة منها: مرآة الأنوار في التفسير، وضياء العالمين في الكلام. ويعد كتابه هذا من أشمل الكتب الكلامية في بابه. وله كتاب آخر تحت عنوان "تنزيه القميين" نفى فيه نسبة القول بالتشبيه والرؤية للمحدثين القميين.

 
ظهور الأخبارية وأفولها :
     شهدت المدرسة النجفية - كسائر المدارس الشيعية - في العقد الرابع من القرن الحادي عشر ظهور المدرسة الأخبارية، التي رفع لواءها الميرزا محمد أمين الأسترآبادي (ت : 1033 هـ)، وكان قد تتلمذ في النجف على يد كلّ من صاحب المعالم وصاحب المدارك وحصل منهما على إجازة في الرواية. وقد وجّه في كتابه "الفوائد المدنية" الذي صدر سنة 1030 هـ نقداً لاذعاً للمنهج الفقهي والأصولي المعتمد والقائم على تراث الطوسي.
     واتهم كبار الطائفة ومجتهديها بالانحراف عن طريق الأئمة من أمثال ابن الجنيد الإسكافي وابن أبي عقيل والمفيد والمرتضى والطوسي فضلاً عن العلامة الحلي، فوجّه إليهم البدعة والعمل بالقياس واعتماد قواعد الكلام وأصول الفقه القائمة على معطيات العقل البشري.
     وقد انتشرت المدرسة الأخبارية في حاضرة النجف وغيرها من حواضر ومدن العراق وإيران والبحرين وتمكنت من استقطاب كبار الفقهاء وجرّهم إلى تبني مقولتها.
     وقد وجهّت المدرسة الأخبارية ضربة للمدرسة الأصولية عامّة والمدرسة النجفية على وجه التحديد، إلا أنّ الضربة هذه لم تُقعد الحركة الأصولية عن الحركة بل واصل الاتجاه الأصولي طريقه حتى شهدت المدرسة النجفية في تلك المرحلة ظهور علماء كبار وجهابذة مبرّزين كفخر الدين الطريحي النجفي (ت : 1085 هـ) صاحب الكتاب المعروف بـ"مجمع البحرين" في مفردات القرآن والحديث؛ ومنهم المحقق المعروف والمصنف الشهير بالفاضل الشيرواني (ت : 1098 أو 1099 هـ) الذي رحل إلى أصفهان مشتغلاً بالتأليف والتدريس فصدر له "شرح شرائع الإسلام" و"حاشية على شرح التجريد للقوشجي"، وتخرّج على يديه كبار العلماء كالميرزا عبد الله الأفندي صاحب كتاب "رياض العلماء وحياض الفضلاء"، وحسن البلاغي صاحب كتاب "تنقيح المقال"، والمولى محمد أكمل الأصفهاني والد الوحيد البهبهاني.
     وقد برزت عوامل أخرى مساعدة في ترسيخ الركود العلمي كالصراع الصفوي العثماني الدائر على الساحة العراقية والخشية من الهجرة نحو الديار العراقية معززاً بالموقف الذي اتخذته السلطات العثمانية تجاه رجال الشيعة وعلمائها، مضافاً إلى الحوادث الطبيعية كانتشار الوباء والأمراض القاتلة وغير ذلك. كلّ ذلك ساعد في انحسار حركة الهجرة من وإلى النجف وانتقال مركز التشيع منها إلى مدينة كربلاء.
 
البهبهاني والتصدّي للحركة الأخبارية :
     لعب الأصولي الكبير محمد باقر بن محمد أكمل الشهير بالوحيد البهبهاني (ت : 1205 هـ) دوراً بارزاً في التصدّي للحركة الأخبارية التي أخذت تتّسع رقعتها في النجف وكربلاء بحيث بلغ بها الأمر - قبل انتقال الوحيد البهبهاني إليها - إلى أنّ من يريد أن يمسك كتاباً للأصوليين يخشى التنجّس به فيمسكه بخرقة، مبالغاً في نجاستها، وذلك على حد تعبير تلميذ البهبهاني أبو علي الحائري (ت : 1216 هـ).
     إنّ الحركة التي قادها البهبهاني في كربلاء أثمرت في النجف، مع قدوم تلميذه محمد مهدي بن مرتضى الشهير ببحر العلوم و(ت : 1212 هـ)، وقد تخطت الحوزة النجفية تلك المرحلة، وتجاوزت التقلبات التي حصلت في العصر الأخباري وصولاً إلى مرحلة جديدة.
     ولا ينبغي تجاهل حقيقة ما وهي النقود التي أبدتها المدرسة الأخبارية والملاحظات التي سجلتها والتراث الفكري الذي خلّفته، خاصّة النتاج الفكري للفقيه المعروف يوسف البحراني من خلال كتابه الفقهي الحدائق الناضرة، كلها لعبت دوراً بارزاً في تعزيز الرقي العلمي التي حصلت في تلك المرحلة.
 
عصر الازدهار :
     يمكن تحديد عصر الإزدهار بالفترة ما بين القرن الثالث عشر وبدايات القرن الخامس عشر الهجري. وقد بدأت ملامح هذا العصر بالظهور مع الحركة الفكرية التي قام بها العلامة بحر العلوم بالتزامن مع كبار علماء وفقهاء مدرسة الوحيد البهبهاني. فقد بذل تلامذة البهبهاني ومدرسته، جهوداً كبيرة في الإجابة على الشبهات التي أثارها النهج الأخباري وإثبات ضرورة البحث الأصولي ومكانة القواعد الأصولية في عملية الاستنباط. كما تجلّت ثمرة تلك الجهود الكبيرة ببلوغ علم أصول الفقه، ذروته في التكامل وانفتاح أبواب جديدة في البحث الفقهي نقداً وتحليلاً، مضافاً إلى الحدّ من جموح الاتجاه الأخباري.
     وقد انتجت المدرسة النجفية الكثير مستغلة الأسباب :
مؤلفات بحر العلوم التي ساعدت في تعزيز المدرسة الأصولية على الساحة العلمية.
     وصول الدور بعد بحر العلوم إلى جعفر بن خضر النجفي المعروف بكاشف الغطاء لتصدّى زعامة الإمامية ورئاسة الحوزة النجفية، حيث تمكّن من التصدّي للميرزا محمد النيسابوري (ت : 1232 هـ) الذي بذل قصارى جهده وتوسل بكلّ السبل بما فيها الاستعانة بالحكومة القاجارية لإقصاء الأصوليين من الساحة العلمية، فألف جعفر رسالته الموسومة بـ"كشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد عدوّ العلماء، وأرسل نسخة منها إلى السلطان القاجاري فَتْحْعَلي شاه.
     بذل الجهود من قبل ثلة من علماء المدرسة النجفية في دعم الاتجاه الأصولي والرد على الشبهات التي أثارته الأخبارييون من أمثال :
     محمد تقي الأصفهاني (ت : 1248 هـ) في كتابه "هداية المسترشدين في شرح معالم الدين؛ ومحمد حسين الأصفهاني في الفصول الغروية؛ ومحمد باقر الشفتي (ت : 1260 هـ) في كتاب "الزَهْرة البارقة"؛ ومحمد إبراهيم الكلباسي (ت : 1261 هـ) في "إشارات الأصول"؛ ومحمد الطباطبائي سبط البهبهاني وصهر بحر العلوم في كتابه "مفاتيح الأصول"؛ والميرزا القمي في "قوانين الأصول"، وقد توّج العطاء الأصولي بما سطّره الأنصاري (ت : 1281 هـ) في كتابه "فرائد الأصول" المشهور بالرسائل.
 
مكانة الأنصاري في المدرسة النجفية :
     يعد الأنصاري من تلامذة محمد المجاهد وعلي كاشف الغطاء ومحمد حسن النجفي المشهور بصاحب الجواهر، وقد تصدّى لزعامة الحوزة بعد رحيل أستاذه صاحب الجواهر سنة 1266 هـ). ويعد كتابه "الرسائل" من أشهر المصنفات الأصولية في الوسط الشيعي؛ لما توفر فيه من أبحاث مبتكرة وتنظيم لمباحث الحجّة وفتحه لآفاق جديدة أمام المجتهدين. وقد شقّ الكتاب طريقه في الوساط العلمية ليكون في رأس قائمة المتون الأصولية المعتمدة في الدراسة الحوزوية عند السطوح العالية والذي اعتمد من قِبل الكثير من الأساتيذ والمجتهدين كمنطلق لأبحاثهم الأصولية.
 
الميرزا محمد حسن الشيرازي :
     تمكنت مدرسة الأنصاري الأصولية والفقهية من إرساء قواعدها وتحكيم أسسها في الساحة العلمية من خلال الجهود التي قام بها تلامذة الأنصاري وعلى رأسهم الميرزا محمد حسن الشيرازي. وكان الميرزا قد انتقل بعد رحيل إلى مدينة سامراء وأسس هناك حوزة سامراء العلمية التي تمكنت من استقطاب الكثير من فقهاء النجف وفضلائها، متمحورين حول الميرزا الشيرازي - الذي أصبح حينها مرجع الشيعة على الإطلاق - مما أدى إلى ترصين ودعم أسس مدرسة الأنصاري الأصولية. ولم تكن المدرسة السامرائية رغم البعد المكاني بمعزل عن الحوزة النجفية طيلة نصف قرن من الزمن.
 
دور الآخوند الخراساني :
     شهدت المدرسة النجفية ظهور الكثير من الشخصيات العلمية التي لعبت دوراً مهماً في الساحة الأصولية إلا أنّ الدور الذي لعبه الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني المتوفى 1329 هـ) بقي مميزاً بين أقرانه. ومع كونه من خريجي مدرسة الأنصاري إلا أنّه عرف باستقلاله الفكري وطرحه للكثير من النظريات التي يختلف فيها مع ورجال مدرسته. وقد تصدّى للبحث والتدريس، واختص بعلم أصول الفقه ومهر فيه، فعكف عليه طلبةُ العلم من مختلف الأرجاء، لما امتاز به من نزوع إلى التحقيق والاقتصار على لباب المسائل. حضر عليه المئات، بينهم العشرات من بارعي الفقهاء والمجتهدين، منهم :

  1. أحمد بن علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء (المتوفّى 1344 هـ)

  2. محمد بن محمد باقر الفيروز آبادي (المتوفّى 1345 هـ)

  3. مرتضى بن عباس آل كاشف الغطاء النجفي (المتوفّى 1349 هـ)

  4. محمد جواد بن حسن البلاغي (المتوفّى 1352 هـ)

  5. أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني (المتوفّى 1358 هـ)

  6. محمد حسين الأصفهاني الكمباني (المتوفّى 1361 هـ)

  7. الأغا ضياء الدين العراقي (المتوفّي 1361 هـ)

  8. أبو الحسن الأصفهاني (المتوفّى 1365 هـ)

  9. محسن بن عبد الكريم الأمين العاملي (المتوفّى 1371 هـ)

  10. محمد تقي بن أسد اللّه الخوانساري (المتوفّى 1371 هـ)

  11. صدر الدين بن إسماعيل الصدر (المتوفّى 1373 هـ)

  12. محمد حسين بن علي آل كاشف الغطاء (المتوفّى 1373 هـ)

  13. عبد الحسين بن قاسم الحلي (المتوفّى 1375 هـ)

  14. حسين الطباطبائي البروجردي (1292 - 1380 هـ)

  15. عبد الهادي الشيرازي (المتوفّى 1382 هـ) وغيرهم.

     وصنّف كتابه الشهير كفاية الأصول الذي يعتبر كتاباً تجديدياً في مرحلته التاريخية ويتّسم بالإيجاز في المطالب والتلخيص في العبارة. وقد اعتنى به العلماء والمحقّقون شرحاً وتعليقاً وتدريساً، ولايزال يدرّس الحوزات العلمية في منتصف القرن الخامس عشر.
 
العلوم المتداولة :
الفقه والأصول :

     تمحورت الدراسة الحوزوية فقهاً وأصولاً بعد الأنصاري حول آثار وآراء الآخوند الخراساني خاصّة وأنّ زمام المرجعية والنظام العام في الحوزة النجفية ألقي على عاتق خريجي مدرسة الخراساني، إضافة إلى تحوّل حاضرة النجف إلى مركز التشيع العلمي بعد الجهود التي بذلها العلمان الأصوليان البهبهاني والأنصاري.
     فقد تمكنت من استقطاب الكثير من بغاة العلم وأصول الفقه من شتّى بقاع العالم كأصفهان وطهران وخراسان والكثير من مدن العراق ولبنان والهند وباكستان وافغانستان لمواصلة مشوارهم الدراسي والرقي العلمي من جهة، ومن جهة أخرى نرى المدرسة النجفية تبعث بخريجيها من العلماء إلى الكثير من المدن والبلدان ليقوموا بدورهم في تنشيط الحركة العلمية وتأسيس مراكز علمية.
 
الكتب الفقهية المؤلفة :
     شهد النتاج الفقهي النجفي في تلك الفترة عودة المنهج الأصولي الاستنباطي، وظهرت مولفات فقهية استدلالية كثيرة من قبيل :
     مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للفقيه المعروف محمد جواد العاملي (ت : 1226 هـ)، تلميذ البهبهاني الذي جمع في كتابه هذا آراء فقهاء الشيعة الإمامية بطريقة مختصرة ومرتبة ترتيباً جديداً وبصياغة سلسة.
     مسند الشيعة في أحكام الشريعة، للملا أحمد النراقي (ت : 1245 هـ)، من تلامذة بحر العلوم وكاشف الغطاء النجفي، ويُعد الكتاب من الكتب الفريدة في بابه، ويكشف عن شامّة استدلالية عميقة ومعالجة متعددة الابعاد والزوايا للمسائل الفقهية واستقصاء واسع لآراء الفقهاء والمجتهدين.
     جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، الذي يُعد من الموسوعات الفقهية التي لا نظير لها في الوسط الإمامي حيث تمكن المؤلف محمد حسن النجفي المشهور بصاحب الجواهر و(ت : 1266 هـ)، من إستقصاء الآراء الفقهية، تتبعها نقداً وتمحيصاً، وكان المؤلف من تلامذة محمد جواد العاملي وجعفر كاشف الغطاء.
     وقد شهدت تلك الفترة الزمنية صدور مجموعة من الكتب الفقهية من قبيل رسالة "نجاة العباد في يوم المعاد" للشيخ صاحب الجواهر التي اهتم بها الكثير من العلماء ودوّنوا حولها التعليقات والشروح الكثيرة، وذلك قبل صدور كتاب "العروة الوثقى"، وما يزال بعض الفقهاء يجعلونها منطلقاً لبيان فتاواهم الفقيه التي يسجلونها على هامش تلك الرسالة.
     من أبرز المتون الفقهية التي أنتجتها المدرسة النجفية في تلك الحقبة كتاب المكاسب للأنصاري الذي اعتمد كمتن دراسي لمرحلة السطوح العالية. بل اعتمد معياراً لمعرفة المستوى الفقهي والاجتهادي لطلاب الحوزة. ويعالج الكتاب باب "البيع" من الفقه والمواضيع المتمحورة حوله بطريقة استدلالية معمقة مع عرض مفصل للآراء المطروحة في المسألة، مزينة بتطبيقات كثيرة ودقيقة للقواعد الأصولية والفقهية المطروحة. وقد حظي الكتاب باهتمام من قبل المجتهدين والفقهاء شرحاً وتعليقاً.
     شهدت هذه الحقبة تدوين الكثير من الحواشي والتعليقات والتقريرات، وقد امتاز - غالباً - بهذه المهمة تلامذة الأنصاري المباشرون وغير المباشرين.
     العروة الوثقى، وتعد من أشهر الكتب الفتوائية التي سجّل فيها محمد كاظم اليزدي الطباطبائي فتاواه الفقهية بطريقة شاملة وبعبارات سلسلة وبتنظيم جيّد وتفريعات كثيرة خاصّة في باب المسائل المستحدثة إلى عصر المؤلف. وقد تمكن الكتاب من التفوق على رسالة "نجاة العباد" لصاحب الجواهر في الوسط العلمي ليحلّ محله. وقد تمكنت كلّ من رسالة "وسيلة النجاة" لأبي الحسن الأصفهاني، ورسالة "منهاج الصالحين" لمحسن الحكيم، من شقّ الطريق ليصبح كل واحدة منهما محوراً للدرس والتحقيق العلمي والاستدلالي.
 
علم الرجال :
     حظي علم الرجال- لما له من أهمية في عملية الاستدلال الفقهي وغيره من الدراسات العلمية - بمكانة خاصّة في المدرسة النجفية حيث تصدّى الكثير من أعلامها للخوض في غمار هذا البحر وتدوين عيون المصنفات الرجالية، كرسالة "عديمة النظير في أحوال أبي بصير" للرجالي المعروف أبو تراب الخوانساري. وكتاب تنقيح المقال للمولى عبد الله المامقاني، وموسوعة "معجم رجال الحديث" للخوئي.
 
العلوم العقلية :
     لم يصل العطاء العقلي في المدرسة النجفية إلى المستوى الرفيع الذي وصلت إليه في مجال الدراسات النقلية والفقه والأصول ولا إلى تلك المرتبة السامية في مجال الاجتهاد والاستنباط؛ بل هناك ما يشير إلى وجود موقف رافض ومعارض للفلسفة والعلوم العقلية. إلا أن ذلك لم يمنع من وجود محاولات حثيثة بذلت من قبل بعض الأعلام لنشر العلوم والمعارف العقلية كمحمد تقي الكلبايكاني (ت : 1292 هـ).
     وما إن وصل إلى النجف تلميذ الحاج الملا هادي السبزواري الآخوند حسين قلي الهمداني (ت : 1311 هـ)، حتى تمكّن من نشر أفكار ونظريات مدرسة الحكمة المتعالية لصدر المتألهين الشيرازي بين تلامذته ومريديه. ورغم النزعة العرفانية لحسين البادكوبي (ت : 1358 هـ)، لكنّه تمكن من ترك بصماته الكبيرة على الساحة العلمية ونشر العلوم العقلية في المدرسة النجفية.
     وكان قد تلقى الفلسفة في طهران ثم رحل إلى النجف متتلمذاً على يد كبار علمائها في الفقه والأصول؛ وبعد الفراغ منها شرع في تدريس العقليات والمتون الفلسفية، وقد تمكن من تربية جيل من العلماء يقف في طليعتهم العلامة الطباطبائي.
     والجدير أنّ قليلاً من المشايخ والأساتذة من خريجي المدرسة النجفية - قبل الانتقال إلى النجف أو بعد العودة إلى موطنهم - قاموا بتدريس العلوم العقلية والفلسفية في كلّ من طهران وأصفهان، لكنها ألقت نتاجاتهم في مجالي الفقه والأصول بظلالها على تلك العلوم، ومن هؤلاء :
     الآخوند الخراساني، الذي تتلمذ في الفلسفة على يد كلّ من الملا هادي السبزواري والميرزا أبو الحسن جلوه، وقد انعكس ذلك جلياً في كتابه المعروف بكفاية الأصول.
     محمد حسين الأصفهاني الذي سار على نفس المنوال وانعكس ذلك بوضوح على نتاجه الأصولي.
     المولى مهدي النراقي وابنه أحمد النراقي اللذان قاما بشرح الكثير من المتون الفلسفية.
     وكان للمجتهدَين الكبيرين وخريجي المدرسة النجفية في النصف الثاني من القرن الرابع عشر كالميرزا أحمد الآشتياني ومحمد تقي الآملي نشاط بارز في تدريس الفلسفة في الحوزة الطهرانية وتدوين الشروح والتعليقات على بعض المتون الفلسفية.
 
العلوم النقلية في العقود الأخيرة :
     شهدت المدرسة النجفية في العقود الأخيرة تحدّياً من قبل الفلسفة الغربية بسبب النظريات والفرضيات التي أثارتها ولاسيما في مجال الفلسفة المادية، الأمر الذي اقتضى الإجابة والرد عليها. وقد تمثل الرد في مجموعة من الكتب منها كتاب نقد فلسفة دارون لمحمد رضا مسجد شاهي (ت : 1362 هـ) وكان قد فرغ من كتابته عام 1331 هـ في النجف، ومنها كتاب "أنوار الهدى" لمحمد جواد البلاغي (ت : 1352 هـ) والكتابان في الردّ على المادية والطبيعيين، وقد ركز الكتابان على تفنيد نظرية التطور وتمسّك أتباع المدرسة المادية بها لإثبات مدعياتهم. ومن المؤلفات التي اهتمت بهذه القضية كتاب تفسير مواهب الرحمة للمرجع المعاصر عبد الأعلى السبزواري (ت : 1414 هـ).
 
دور محمد جواد البلاغي :
     لعب محمد جواد البلاغي دوراً كبيراً في الدفاع عن التشيع، وكان في قمّة المدافعين والمنافحين عن الفكر الديني. فقد شهدت الساحة الفكرية مضافاً إلى ما ذكر والجدال التقليدي الشيعي السنّي وظهور المدرسة الأخبارية، ظهورَ مجموعة من الفرق في الوسط الإسلامي كالقاديانية، والبابية والبهائية. مضافاً إلى الحركة التبشيرية التي قاد لواءها المبشرون النصارى بدعم من الاستعمار الغربي، ففي تلك الظروف المعقدة شمّر البلاغي عن ساعد الجدّ للخوض في غمار هذا المعترك فقرر تعلّم اللغتين الانجليزية والعبرية، وكان ثمرة جهوده صدور مجموعة من المؤلفات كالرحلة المدرسة في ردّ اليهود والنصارى. ومصابيح الهدى في نقد القاديانية ونصائح الهدى في رد البابية والبهائية.
 
أبو الحسن الأصفهاني :
     ومن الأعلام الذين تصدّوا للحركة التبشيرية أبو الحسن الأصفهاني الذي انتدب مجموعة من فضلاء الحوزة العلمية، وأرسلهم إلى مدن وقصبات العراق، منهم حبيب بن محمد المهاجر الذي توجّه إلى مدينة الكوت مرشداً ومبلّغا للأحكام، ثم سار إلى مدينة العمارة - منتدبا من قبل زعيم الطائفة أبو الحسن الأصفهاني - لمقاومة الحملة التبشيرية التي نمت هناك بواسطة الاستعمار البريطاني، فشرع في إنشاء مستشفى، ومطبعة، وإصدار مجلة سمّاها (الهدى)، وتأسيس مدارس حملت اسم المجلة، وسمت مكانته، واتسع نفوذه ليشمل مناطق شاسعة من جنوب العراق، حتى وجد المبشّرون أنفسهم معزولين تماماً، فاضطروا إلى الرحيل. وكانت المدرسة النجفية قد شهدت ظهور الشيخية الذي اقتضى صدور مجموعة من الردود والمصفنات المفندة لها. فيما تصدّى أعلام المدرسة النجفية للرد على ما أسموه بالحركة الوهّابية وكان في طليعتم جعفر كاشف الغطاء في كتابه "منهج الرشاد لمن أراد السداد" الذي يُعد أوّل مصنف في ردّ عليهم.
 
المدّ الشيوعي وردة الفعل النجفية :
     تمكنت الشيوعية من التمدد في العراق إلى حد استطاعت معه النفوذ إلى الوسط الشبابي بل اختراق بعض الخطوط الحصينة واستقطاب مجموعة من أبناء العلماء وبعض طلبة العلوم الدينية، الأمر الذي أثار قلق كبار علماء المدرسة النجفية فرأوا من الضروري الوقوف بوجه هذا التيار الجارف من خلال تشكيل مؤسسات علمية وتربوية تُعنى بمعالجة هذه القضية في جميع قصبات ومدن العراق وبدعم وإرشاد من محسن الحكيم. وكان لمحمد باقر الصدر الدور الكبير في هذه المواجهة ومواصلة مسيرة الصراع والتحدّي من خلال كتبه القيّمة فلسفتنا واقتصادُنا والبنك اللاربوي.
 
النشاط السياسي :
     لم ينحصر نشاط المدرسة النجفية بالبعد العلمي وبيان المعارف الدينية، بل خاضت أعلامها في غمار الحراك السياسي خاصّة مع إطلالة العصر القاجاري، حيث واجه العالم الإسلامي في تلك البرهة ظاهرتَي الاستعمار والاستبداد، وقد تصدّت الحوزة النجفية التي مثلت أكبر المراكز الشيعية العلمية، لتلك الظواهر التي تجلت بوضوح على الساحتان الإيرانية والعراقية وذلك في الحوادث التي شهدتها البَلَدان.
 
الحرب الروسية الإيرانية :
     تعد الحرب الإيرانية الروسية من الحوادث المصيرية التي شهدها الشعب الإيراني في زمن السلطان فتحعلي شاه (حكم ما بين 1212 - 1250 هـ)، وقد توسل البلاط القاجاري على إثرها بالعلماء ومراجع الدين لمساعدته في خوض تلك المعركة الشرسة، والذي أدى إلى إصدار جعفر كاشف الغطاء وغيره من أعلام مدرستي النجف وكربلاء، حكماً بوجوب الجهاد. والحكم بوجوب مشاركة المجتهدين في الجهاد الدفاعي، بل ذهب أكثر من ذلك حينما أذن - إنطلاقا من منصبه كنائب للأئمة - لـ"فَتْحْ علي شاه" بالتصرّف في الحقوق الشرعية لدعم المعركة. وقام بتأليف كتابه الموسوم "غاية المراد في أحكام الجهاد" لحث الجماهير على الجهاد ودفعهم نحو الدفاع عن البلاد وذلك بطلب من العباس ميرزا ولي العهد القاجاري. وقد لعب سائر علماء النجف دوراً تاريخياً في تحريض الجماهير للالتحاق بساحات القتال ضد القوات الروسية لاستئناف المعركة الثانية وتحرير الأراضي المحتلة حتى أن البعض منهم أصدر حكما بوجوب الجهاد. ولا يقلل من قيمة ذلك الحراك، اندحار القوات الاسلامية وتراجعها أمام الجيوش الغازية.
 
واقعة التنباك :
     يمكن التعبير بأن قضية التنباك هي أول إصطدام بين علماء الدين والحكام والتي تمثّلت في تدخل الحوزة النجفية على وجه الخصوص في الشأن السياسي بشكل مباشر وهي كانت نقلة نوعية في التعامل بين المؤسستين الدينية من جهة والحكومية هي الأخرى وقد ألقت بثقلها على الساحة الإيرانية بشكل واسع، وإن كان مقرّ القيادة آنذاك في سامراء بعد ما هاجر إليها الميرزا حسن الشيرازي من النجف.
 
الحركة الدستورية :
     إن الحركة الدستورية (المشروطة) تُمثل ذروة النشاط السياسي للحوزة النجفية، حيث تولى الحراك السياسي في تلك البرهة ثلاثة من كبار المراجع هم : الحاج الميرزا حسين الخليلي الطهراني، والملا عبد الله المازندراني والملا الآخوند الخراساني. وقد تجلّى ذلك بما صدر عنهم من بيانات وفتاوى وبرقيات ورسائل قصيرة تارة ومفصّلة تارة أخرى. وكان هؤلاء الأعلام الثلاثة قد وقفوا في بادئ الأمر إلى جانب المعارضين للحكومة القاجارية وللسياسات الفاسدة لأمين السلطنة الصدر الأعظم لمظفر الدين شاه وأصدروا بياناً مشتركاً يدين تلك السياسات.
     وحينما اعتصم كبار علماء طهران وبعض الجماهير في السفارة البريطانية أبرقوا إلى الشاه يطالبونه بالسماح للمعتصمين بالعودة إلى طهران. ثم تَواصَل دعمهم للمشروطة في المراحل اللاحقة لها. وما إن وصل محمد علي شاه إلى سدة الحكم وظهرت الخلافات بين المشروعة والمشروطة، حتى وقف هؤلاء الأعلام بقوّة إلى جانب دعاة المشروطة "الدستورية" رافضين مواقف المعارضين لها.
 
قصف المجلس وموقف العلماء :
     ما كان موقف علماء النجف قبل قصف السلطات لمجلس الشورى في طهران بالمدافع بتلك القوّة والصرامة؛ إلا أن عملية القصف هذه أحدثت تحولاً كبيراً ونهضة جادّة في المواقف الرافضة للاستبداد. ولاريب أنّ قمع الأحرار ونفي الزعامات الدينية والروحية قد ألقى مسؤولية الدفاع عن الحركة الدستورية، على كاهل علماء الدين ومراجع النجف خاصة مع إصرار التيار المستبد على تعارض الدستورية مع الدين والشريعة الاسلامية على حد زعمهم.
     في حين أن مبتغى علماء النجف من وراء دعم الدستورية، كان مكافحة الاضطهاد والطغيان والهيمنة الأجنبية، وتوفير الرعاية الاجتماعية وتحسين الحالة المعيشية لعامة الناس وتطبيق القوانين بالشريعة الإسلامية. وكان الميرزا النائيني قد عكس نظرياً مبررات موقف العلماء المدافعين عن الحركة الدستورية وأدلتهم في كتابه "تنبيه الأمّة وتنزيه الملة" الذي يعدّ أشهر تصنيف مؤيد للمشروطة صدر في زمانه.
     رغم جهود علماء النجف المبذولة لدعم الحركة الدستورية وموقفهم الرافض للاستبداد، إلا أنّ سلوكيات بعض قادة الدستورية بعد الاستيلاء على طهران ونهاية فترة الاستبداد الصغير، أدّت إلى إقصاء العلماء عن المشاركة السياسية في القضايا والتقليل من دعهم للمشروطة؛ وذلك بسبب موقف قادة الحركة الدستورية الذين كانوا لا يرون ضرورة الرجوع إلى العلماء إلا في بعض القضايا من قبيل الموقف من الملا قربان علي الزنجاني وفضل الله النوري، الذي ساهم في توفير الأرضية المناسبة وإضفاء الشرعية على موقف متطرفي الحركة الدستورية ضد هذين العلمين.
     فيما تراهم لا يعيرون أهمية تذكر لموقف العلماء في قضايا أخرى كتنفيد الأصل الثاني لملحق الدستور والتعارض الصارخ مع أحكام الشريعة الإسلامية. الأمر الذي أرغم علماء النجف ينحون منحى آخر، ويتخذون موقفاً حاداً تجاه المقالات التي صدرت في مجلة الحبل المتين التي تنتقد رجال الدين، وبعض التصرفات المشينة لحسن تقي زادة - أحد قادة الحزب الديمقراطي - ضد المبادئ الإسلامية.
     والجدير بالذكر أنّ كلمة العلماء في النجف لم تتوحد في قضية الدستورية خاصّة بعد إعدام فضل الله النوري ومقتل عبد الله البهبهاني ونَفْي قُربانْعَلي الزنجاني حيث توسعت الفجوة بين حماة الدستورية وقادتهم في ايران من جهة وبينهم ومعارضي الحركة من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى استقواء شوكة الفريق الثاني.
 
الإنذار الروسي سنة 1950 م :
     أثارت الأزمة التي اعقبت التحذير الروسي عام 1950 م بعد الخطوات الاصلاحية التي قام بها مورجان شوستر الأمين العام لصندوق النقد الايراني، انتباه السياسيين والنخبة للتوجّه نحو الحوزة العلمية في النجف، وعلى إثرها دعت المرجعيات الدينية الشعب الايراني إلى الصمود، وأصدرت أمراً يقضي بتحريم البضاعة الروسية واعتبار الجهاد الاقتصادي رديفا للجهاد العسكري واعتبروه بمثابة التضحية تحت لواء إمام العصر والزمان؛ وقاموا بمراسلة الحكومتين الروسية والبريطانية لمعالجة القضية ودفع الخطر.
     وكان العلماء قد قرروا التوجّه صوب إيران بمعية الجماهير الإيرانية والعشائر العراقية وأساتذة الحوزة وطلابها، والتصدّي للاعتداء الروسي، وعند ما التفّت الجماهير حول رجال الدين وقرر الآخوند الخراساني التحرّك نحو إيران حصل ما لم يكن متوقعاً بموت الآخوند المفاجئ في ليلة ما قبل المغادرة. الأمر الذي أثار شكوكاً في القضية من أنه قُتل بتخطيط مسبق، وبهذا الحدث أسدل الستار على مرحلة من مراحل تاريخ الحوزة النجفية السياسي.
 
التدخّل الاستعماري :
     كان للانتهاك الروسي والبريطاني الاستعماري للأراضي الإيرانية وتدخل هاتين الدولتين في شؤون البلدان الإسلامية الأثر الكبير في إثارة الغضب الشعبي. ومن جهة أخرى كان لانطلاقة الحرب العالمية الأولى بمحورية كلّ من روسيا والبريطانيين الأثر في جرّ الدولة العثمانية إلى ساحة الحرب، الأمر الذي أدى إلى فتوى الجهاد من قبل علماء النجف ونشوب الثورة العراقية ضد البريطانيين.
     وكان الداعي لتدخل العلماء وإصدار فتوى الجهاد، الحفاظ على أراضي المسلمين من دنس أقدام الغزاة الكافرين. ورغم أنّ الحرب قد جعلت اهتمام العلماء مُنصباً على الأحداث الإيرانية والعراقية إلا أنّ النصيب الأوفر كان للشأن العراقي لما امتازت به الساحة العراقية حينها من حراك وثورة ضد المستعمر الانجليزي، ومن هنا لم يكن للحوزة النجفية موقف صارم تجاه ثورة حسين جاهكوتاهي وعبد الحسين اللاري في جنوب إيران، وإنتفاضة الميرزا كوجكخان جنكلي في شمال إيران ومحمد خياباني في آذربيجان.
 
الإحتجاج على ترحيل مهدي الخالصي :
     أعقبت عملية الترحيل التي تعرّض لها مهدي الخالصي إلى الحجاز بأمر من القوات البريطانية، اعتراضاً شديداً من قبل علماء النجف وخرج على إثرها كلّ من الميرزا النائيني وأبو الحسن الاصفهاني من العراق قاصدين الأراضي الإيرانية اعتراضاً على إبعاد الخالصي، وقد حاول السلطان الإيراني رضا خان البَهْلَوي، انتهاز الفرصة لتعزيز مكانته وتحقيق آماله في السلطة بالتظاهر بالطاعة للعلماء وكسب ودّهم. بعرض الهدايا المقدمة له من العلماء للأنطار بعد عودتهم إلى العراق، وكان يسعى للوصول إلى السلطة مستفيداً من المكانة الرفيعة للعلماء في الوسط الاجتماعي، فالتقى بالعَلَمين الميرزا النائيني وأبو الحسن الأصفهاني في مدينة قم، معلنا عن التزامه بالعمل ضمن الإطار الذي يرتضيه العلماء وضرورة إشرافهم على البرلمان واعترافه الرسمي بالمذهب الجعفري وحصل بذلك على تأييدهم لتعزيز سلطنته.
 
موقف حوزة النجف من سياسة الحاكم الإيراني :
     شهد العصر البَهلَوي الأب، إعراض العلماء في النجف وعدم ميلهم للتدخل في القضايا السياسية، وقد اكتفى النائيني برسالة نصح وجّهها لرضا شاه. فيما لم يبد أبو الحسن الأصفهاني أيّ دعم وإسناد للعلماء المعترضين في داخل البلاد. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى الهزائم المتتالية في المعترك السياسي، والضغوط التي مارستها الحكومة العراقية على العلماء لضبط النفس وعدم الانجرار لمجابهة الحكومة الإيرانية.
 
إنطلاقة الثورة الإيرانية ونفي قائدها إلى النجف :
     ارتبطت الحركة السياسية في النجف مرة أخرى بالقضايا والأحداث على الساحة الإيرانية في قيام ثورة الخامس عشر من خرداد [5 حزيران 1963] وحتى قيام الثورة سنة 1978 م. فبعد أنْ تمّ اعتقال الخميني وبهاء الدين المحلاتي والحاج حسن القمّي إثر أحداث الخامس عشر من خرداد أصدر كلّ من مراجع النجف محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، والعلماء والمراجع في قم ومشهد والأهواز وهمدان بيانات أدانوا فيها موقف السلطة الحاكمة وطالبوا باطلاق سراح العلماء الثلاثة مطالبين السلطة بالإصغاء لمطالب العلماء.
     ما إنْ أطلق سراح الخميني في شهر مارس سنة 1964 م، حتى تمّ اعتقاله ثانيةً في نفس العام بسبب موقفه الرافض للائحة الكابيتولاسيون - التي تمنح الأمريكان الحصانة أمام القضاء الايراني - ومن ثمّ ترحيله إلى تركيا ومنها إلى النجف بمسعى من مراجع وعلماء العراق وايران للسماح له بالانتقال إلى النجف بعد عدة شهور. وكانت الحكومة الايرانية تأمل بتضاءل مرجعية الخميني أمام مستوى مرجعيات النجف وتراجع نفوذه في الوسط الديني والاجتماعي تدريجياً إلى أن يمحو صيته في نهاية المطاف. لكنه تمكن من الجمع بين التصدّي لقيادة الثورة بمواصلة مسيرة الثورة الإسلامية والاهتمام بشؤون المرجعية ومتابعة دروسه وكتاباته العلمية مربياً لجيل من العلماء والفضلاء الايرانيين وغيرهم وتوجيه بوصلتهم نحو محاربة النظام البلهوي وقد واصل حراكه العلمي والسياسي حتى الأيام الأخيرة التي أبعد فيها من النجف بتنسيق بين الحكومتين الايرانية والعراقية.
 
هجوم الانجليز وفتوى الجهاد :
     لقد توجهت الجماهير العراقية والحكومة العثمانية باتجاه النجف مطالبة المساعدة من علمائها، بعد أنْ دخلت القوات البريطانية العراق عام 1914 م من جنوب البلاد واحتلت مدينة البصرة.
     فاستجابوا لهم وتحركت مجموعة كبيرة في المحرم من سنة 1333 هـ متوجهة من النجف إلى بغداد بقيادة كبار العلماء ومصطفى الكاشاني وشيخ الشريعة الأصفهاني وعلي الداماد ومحمد سعيد الحبوبي، وكان محمد كاظم اليزدي زعيم الحوزة في حينه قد بعث بولده إلى ساحة المعارك ممثلاً عنه إلى جانب سائر العلماء.
     وقد تشكلت جموع غفيرة من المجاهدين قوامها طلاب العلوم الدينية من العرب والإيرانيين. وأوكلت قيادة فرق المجاهدين إلى واحد أو اثنين من علماء النجف. فيما قام فريق من الحوزة النجفية بالتوجّه صوب العشائر العراقية لحثهم على الجهاد والنهوض بوجه المستعمر الانجليزي. فبالنتيجة تمكنت قوات المجاهدين من إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الانجليزية في مدينة الكوت سنة 1916 م/ 1334 هـ. إلا أن القوات المحتلة تمكنت فيما بعد من احتلال بغداد ومناطق شمالي العراق وغيرها من المدن والقصبات.
 
الاعتراض على احتلال العراق :
     قاد الانزعاج من الهيمنة الأجنبية على البلاد الاسلامية إلى تشكيل مجموعة من الاتحادات والتكتلات الدينية في النجف بقيادة رجال الدين وبعض البيوتات العلمية الشهيرة، ومن أبرزها جمعية النهضة الإسلامية التي قام بتأسيس جناحها السياسي غالباً شخصيات علمائية كبيرة كمحمد علي بحر العلوم ومحمد جواد الجزائري. وقد انطلقت الشرارة الأولى للثورة في النجف بعد اغتيال الحاكم السياسي فيها "وليم مارشال" سنة 1918 م من قبل الجناح السرّي للجمعية. وكانت ردّة الفعل البريطانية عنفية جدّاً فقامت بقمع الثورة بقوّة. إلا أنّ الثورة النجفية كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت، ومهدت للثورة العراقية الكبرى سنة 1920 م والدور الذي لعبته النجف في تلك الثورة.
     وكانت الحكومة البريطانية فقد قررت اجراء استفتاء شعبي يوفر لها الأرضية في مواصلة احتلالها للعراق إلا أنّها واجهت رفضاً علمائياً وشعبياً كبيراً. وقد أصدر الميرزا محمد تقي الشيرازي فتوى حرم فيها ركون المسلمين لحكم الكافرين وبعث ببرقية إلى حاكم مكة يطالب فيها بتأسيس حكومة عراقية بقيادة حاكم مسلم عربي.
     وبعد وفاة محمد كاظم اليزدي وتصدي الميرزا محمد تقي الشيرازي لزعامة التشيع والمرجعية اشتدت وتيرة الحراك الثوري. وبعد اعلان الوصايا واعتبار العراق محمية بريطانية عقد الميرزا الشيرازي مجلساٌ استشارياً من العلماء ضمّ بعض علماء النجف وكان أبو القاسم الكاشاني من أنشط أعضائه. وبعد رحيل الشيرازي تصدّى لزعامة الشيعة شيخ الشريعة الأصفهاني فواصلت النجف ريادتها وقيادتها للثورة.
 
الحوزة النجفية بعد الثورة :
     كانت النجف تدار بعد الثورة بصورة مستقلة من قبل "الهيئة العلمية الدينية العليا" التي تعد من أهم المکونات التي لعبت دوراً مهماً في قيادة المرحلة، وتضمّ ثلاثة من أبرز العلماء هم : عبد الكريم الجزائري ومحمد جواد البلاغي ومحمد علي بحر العلوم. وقد بيّن القادة في النجف وكربلاء أهداف ثورتهم أمام الرأي العام العالمي، وأنّهم دعاة لتحرير بلادهم واستقلالها من نير الطغاة المستعمرين، معتمدين في ذلك على المساعدات التي يقدمها مراجع التقليد والدعم الشعبي من الجماهير ورؤساء القبائل وبعض التجار.
     وكان الانجليز قد دقّوا إسفين الفرقة في صفوف الثوار عبر طلب التفاوض الذي رفضه أكثر أعضاء الهيئة العلمية الدينية العليا وعلى رأسهم شيخ الشريعة الأصفهاني. وقد توالت الحملات البريطانية العنيفة مما أجبر الثوار على التسليم وأدى إلى اعتقال الكثير من العلماء الثوريين في النجف وكربلاء، وهروب البعض منهم كأبي القاسم الكاشاني. وقد انعكس ذلك سلباً على الحركة السياسية في الوسط الحوزوي، حيث توقفت بذلك النشاطات السياسية لفترات من الزمن، خاصة وأن الشيعة لاقت الويلات.
 
الحوزة النجفية واحتلال فلسطين :
     سجلت الحوزة النجفية موقفا ايجابياً قبال الاحتلال الإسرائيلي لفسلطين وخاصة بعد حرب اسرائيل ضد العرب عام 1967 م، تَمثّل بإصدار بيانات من قبل المراجع مُدينين الاحتلال وداعين لنصرة الشعب الفلسطيني والحثّ على مواجهة الغزاة.
 
الحوزة النجفية مع الشيوعيين :
     لم تقف الحوزة العلمية النجفية مكتوفة الأيدي قبال انتشار الفكر الشيوعي في العالم الاسلامي ثم تبعه البعثيّون وتصدّيهم للحكم، وقد تمثلت ردّة الفعل بالمعارضة العلنية لهذين الحزبين مما كلّفها الكثير من الملاحقات والاعتقالات أو الاغتيالات بين صفوف الطلبة والفضلاء في الحوزة.
 
تأسيس حزب الدعوة الإسلامية :
     مثّل تأسيس حزب الدعوة الإسلامية في العقود الأخيرة انعطافة كبرى في العمل السياسي للحوزة النجفية. وكان تأسيس الحزب قد تمّ على يد فريق من العلماء الشباب كمحمد باقر الصدر ومرتضى العسكري وذلك عام 1957 م. وكان الهاجس الكبير الذي حرك المؤسسين هو التحدّي الفكري والثقافي والعقائدي والشبهات المثارة أمام الإسلاميين، ولم تمض فترة طويلة حتى انجر الحزب للخوض في المعترك السياسي. وكان قادة حزب الدعوة والإخوان المسلمين فرع العرق قد اتفقوا سنة 1960 م على تأسيس دولة إسلامية يتكاتف الشيعة والسنّة على إقامتها.
     وقد تمكن حزب الدعوة الإسلامية بسبب النشاط المكثف لأعضائه من استقطاب الكثير من الشبان إلى صفوف الحزب، وقد تصدّى مفكرو الحزب للاتجاهين الشيوعي والقومي مما أثار حفيظتهم، ثم تعرّض على إثرها محمد باقر الصدر للاعتداءات المتكررة التي قام بها القوميّون في النجف. وكان محسن الحكيم من الشخصيات القليلة التي ساعدت وبقوّة على كسر طوق الانعزال والانزواء السياسي عن الحوزة العلمية النجفية.
 
نشاط محمد باقر الصدر :
     شرع محمد باقر الصدر بنشاطه السياسي في العقد السابع من القرن العشرين وكان حينها من مبرّزي أساتذة الحوزة النجفية، الأمر الذي أثار انتباه المحافل السياسية الشيعية في العراق. وكان لموقف الرفض الذي قاده العلماء غالباً التأثير المباشر في توفير الأرضية للتحرّك باتجاه اسقاط حزب البعث الحاكم، والذي تجلّت بوادره في انتفاضة صفر سنة 1397 هـ التي جعلت السلطة الحاكمة تستشعر مدى تأثير القيادة العلمائية على الساحة السياسية وتحريك الشارع الإسلامي، ومن هنا سعت إلى تضييق الخناق على الشخصيات العاملة ووضع العراقيل في طريق الحركة. وكانت انتفاضة رجب قد انطلقت من بيت الصدر على يد مريديه وتلامذته إلا أنّ مصيرها لم يكن بأحسن حال من سابقاتها. وقد انتهت القضية باعتقال وإعدام الصدر وأخته العلوية بنت الهدي. وقد أعلن الخوئي عن ادانته لهذه القضية وطالب بالسماح للصدر بمغادرة العراق، إلا أنّ السلطات رفضت ذلك وأغلقت حساباتهم المصرفية كما اعتقلت بعض تلامذته ثم قامت بإعدامه مع أخته وعدد من مُريديه المعتقلين. وعلى إثرها ضاقت دائرة الخناق على العلماء وطلاب العلوم الدينية، سيّما بعد انتصار الثورة الخمينية في ايران عام 1979 م، مما اضطر البعض منهم إلى الهجرة من النجف ليواصلوا نشاطهم الجهادي والعلمي من المهجر.
 
قواعد المنهج الدراسي وآلياته :
     لم تفرض الحوزة العلمية قواعد خاصّة لتلقي العلم كالعمر والمستوى الدراسي الأكاديمي وما شاكلها، بل للطالب حرية اختيار الأستاذ، الأمر الذي يفرض على المشايخ والأساتذة الاستعداد الكامل والتهيؤ التامّ على المستويين العلمي والبياني؛ ليتمكنوا من استقطاب الطلاب على حلقات دروسهم لو أرادوا لها النجاح والاستمرارية. علماً أنّ الأستاذ لا يتقاضى مرتباً شهرياً بإزاء ما يلقيه من دروس ومحاضرات وإنمّا يتكفل مراجع التقليد بتوفير ما يؤمن له الحد الممكن من ضروريات المعيشة. ويمثل الطالب الركن الثاني من أركان العملية التعليمية ويكفي في حضورهم عند حلقات الدرس تمكنّهم من بعض المؤهلات واستعدادهم لتلقي المادة الدراسية المتوخاة من العلوم الدينية.
     ويتمّ تأمين مستلزمات الطلاب عن طريق مراجع التقليد والموقوفات والهبات مضافاً إلى الدعم الذي تقدمه المؤسسات الخيرية وأسر الطلبة أنفسهم. وهناك من يُقدّم مساعدات غير نقدية كالقرطاسية والمَلبس وغيرها من المواد التي يحتاجها الطالب. وهناك بعض المدراس تقوم بين الفينة والأخرى بتقديم وجبات طعام كمدرسة قوام. فيما يفضل بعض الطلاب والمدرسين العمل لكسب المال بنفسه لتأمين حاجاته.
 
أوطان الطلاب وجنسياتهم :
     يمثل الطلاب الأجانب العدد الأكبر بين الطلاب النجفيين، وهم ينحدرون من مدن وبلدان وقوميات مختلفة، فهناك الباكستاني والهندي والأفغاني والتبتي والإيراني والعربي؛ سوري ولبناني وخليجي والأتراك من شتّى البلدان وغيرهم؛ وإن كان الحضور الفاعل للطلاب الإيرانيين هو الأوفر من بين المجموع. ومن المناطق التي عرفت برفدها الحوزة العلمية بالطلاب والفضلاء على مرّ التاريخ منطقة جبل عامل اللبنانية، من عصر الشهيد الأوّل (منتصف القرن الثامن)، وأخذ بالازدياد في عصر جواد العاملي (ت : 1226 هـ).
     والجدير بالذكر أنّ المدارس العلمية لم تتخذ - عادةً - من جنسية الطالب وهويته معياراً للقبول في صفوفها، لكن هناك بعض المدراس شيّدت خصّصياً لبعض الجنسيات كمدرسة العامليين الخاصّة للطلبة اللبنانيين، والجامع الهندي الخاصّة للطلبة الهنود والمدرسة الإيروانية الخاصّة للطلبة الأتراك. وقد شهدت المدرسة النجفية في الأعوام التي تلت سقوط النظام البعثي توافداً على صفوفها من سائر البلدان الإسلامية.
 
إحصاء الأساتذة والطلاب :
     يتأثر عدد المدرسين والطلاب في الحوزة النجفية بالعوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يشهدها العراق. فعلى سبيل المثال كان عدد طلاب المدرسة النجفية عند احتلال البريطانيين للعراق سنة 1335 هـ أكثر من عشرة آلاف طالب، ثم تراجع العدد في سنة 1376 هـ إلى قرابة الألفين.
     فعندما تشتد الأزمة ويضطرب الوضع السياسي أو الأمني يتراجع العدد حيث يهاجر البعض منهم إلى مدارس علمية أخرى وهذا ماحصل فعلا عندما أصاب النجف وباء الطاعون في أكثر من مرّة. وقد استقبلت الحوزة القمّية الكثير من طلاب وأساتذة المدرسة النجفية إثر الضغوط التي مارسها النظام البعثي ضدهم من بداية السبعينات والعقود التي تلتها.
 
المراحل الدراسية :
     لم يختلف النظام العام للدراسة في الحوزة النجفية عن سائر المراكز العلمية الشيعية من التوزيع على ثلاث مراحل هي المقدمات والسطوح والخارج. وتستغرق مرحلة المقدمات ما بين ثلاث إلى خمس سنين تبدأ بعلوم اللغة العربية حيث يدرس الطالب عادة مجموعة من المتون كمتن الآجرومية، وكتاب قطر الندى وبَلْ الصدى، وشرح ابن عقيل، فيما يدرس الطلاب غير العرب كتاب جامع المقدمات الشامل لمجموعة من الكتب (الأمثلة، شرح الأمثلة، صرف مير، التصريف، عوامل النحو، الهداية، وشرح الأنموذج والصمدية).
     ثم مواصلة دراسة الأدب العربي من خلال دراسة كتاب النهجة المرضية (شرح السيوطي لألفية ابن مالك المعروف بشرح السيوطي)، وكتاب مغني اللبيب. ومن المتون التي يدرسها الطالب كتاب المطوّل والمختصر للتفتازاني في البلاغة والمعاني والبيان، وحاشية الملا عبد الله وشرح الشمسية لقطب الدين الرازي ومنطق المظفر. مضافاً إلى كتاب تبصرة المتعلمين العلامة الحلي أو بعض الرسائل العملية في الفقه.
     وهناك من الطلاب من يحضر في الأثناء دورات تأهيلية لتلقي فنون الخطابة بطريقة عملية. أمّا مرحلة المباني والتي تعرف بمرحلة السطوح فيتم التركيز فيها على علمي الفقه وأصول الفقه حيث يدرس الطالب من المتون الفقهية كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية المعروف بشرح اللمعة للشهيد الثاني (ت : 966 هـ) ق، وكتاب المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري.
     وأمّا المتون الأصولية فتتم دراسة كتاب معالم الدين لحسن بن زين العابدين الجبعي العاملي (ت : 1011 هـ) ق، وكتاب الرسائل لمرتضى الأنصاري وكفاية الأصول للآخوند الخراساني.
     ومن المتون التي يدرسها الطالب في هذه المرحلة: كتاب دراية الحديث للشهيد الثاني أو ما يعادلها من كتب دراية الحديث؛ وكتاب منظومة الملا هادي السبزواري والأسفار الأربعة لصدر المتألهين الشيرازي في الفلسفة؛ وشرح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي وشرحه لتجريد الاعتقاد للخواجة نصير الدين الطوسي في الكلام؛ مضافاً إلى بعض الدراسات التفسيرية. وتستغرق هذه المرحلة -عادة- ما يقرب من أربع سنين.
 
الدراسات العليا (البحث الخارج) :
     تمثل مرحلة الدراسات العليا المرحلة الأخيرة في سلسلة الدرس الحوزوي، وتبدأ بعد الفراغ من مرحلتي المقدمات والسطوح لمن يريد مواصلة المشوار الدراسي والوصول إلى مرتبة الاجتهاد والتوفر على ملكة استنباط الحكم الشرعي. علماً أن المدرسة النجفية لا تخضع الطالب للاختبار في المواد التي تلقاها ولا تمنحه وثيقة علمية.
     نعم، حينما يصل الطالب إلى مرتبة رفيعة من العلم أو يصل إلى مرحلة الاجتهاد يُمنح من قبل أستاذه "إجازة" تكشف عن مستواه العلمي، وأنّه مؤهل لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية.
 
أماكن الدراسة :
     يلقي الأساتذة والمشايخ دروسهم الدينية في أماكن مختلفة، كباحات الصحن العلوي، والمساجد، وأضرحة العلماء كضريح الطوسي، وبيوت العلماء والمدرسين.
     الصحن العلوي، ويعدّ المركز الرئيسي لاجتماع الأساتذة والطلاب. وعادة ما يلقي العلماء الكبار دروسهم في مساجد خاصّة بهم.
     المدارس الدينية، تحتضن النجف الكثير من المدارس تبلغ قرابة الـ 54 مدرسة شيّدت من قبل العلماء والتجار والأمراء والولاة الصالحين على مرّ التاريخ. وتعدّ المدرسة المرتضوية من أقدم تلك المدارس التي كان حيدر الآملي يسكنها سنة 786 هـ، وأعاد الشاه الصفوي عباس الأوّل ترميمها وعمارتها مرّة أخرى. ومنها المدرسة التي شيّدها المقداد السيوري (ت : 828 هـ) ق، والتي اعاد ترميمها وعمارتها شخص يسمى سليم خان فعرفت بالمدرسة السليمية. ومن المدارس النجفية مدرسة: قوام، والقزويني، والبادكوبي، والهندي التي قام بتشييدها شخصيات حكومة وتجارية، ومنها: مدرسة الايرواني الشربياني والآخوند الخراساني والطباطبائي والبروجردي التي شيّدها مراجع الدين والعلماء ونسبت إليهم.
 
الحرية في اختيار الأستاذ :
     يُترك لطالب العلوم الدينية حرية اختيار الأستاذ. وقد تعقد الحلقة الدراسية بحضور طالب واحد، وإنْ كان المتعارف عقدها بحضور ما لايقل عن ثلاثة طلاب. ويعتمد نظام الدراسة النجفية طريقة الحلقات الذي تضرب بجذورها إلى عصر الطوسي، حيث يتكئ الأستاذ على إحدى الأسطوانات أو الجدران، فيتحلق الطلاب من حوله، ثم يشرع بإلقاء الدرس مبتدأ بالصلاة على محمد وآله، وقراءة مقطع من المتن الذي يراد دراسته مسلطاً الأضواء على المراد منه وتوضيح المراد منه مع الإصغاء إلى أسئلة الطلاب وإشكالاتهم.
 
موعد الدرس :
     يحدد الأستاذ بالتوافق مع تلامذته زمان ومكان عقد الحلقات الدراسية، وأمّا البرنامج الدراسي في الحرم فيتوزع على ثلاث فترات زمنية، تبدأ الأوّلى مع الفجر، وتنهي قبيل زوال الشمس. فيما تبدأ الثانية من العصر إلى قبيل المغرب. أما المرحلة الثالثة فتبدأ بالانتهاء من صلاة العشاء إلى أن يحين موعد إغلاق أبواب الحرم الشريف.
     نعم، تنظيم دروس أبحاث الخارج والحلقات التي يعقدها مراجع الدين الكبار بطريقة يتسنى معها للطالب الحضور عند أكثر من مجتهد في اليوم الواحد وعادة ما تستغرق الحلقة الدراسية 45 إلى 60 دقيقة. علماً أنّ اللغة المعتمدة في النجف هي اللغة العربية خاصّة في الدراسات العليا ولكن يحق للطالب الحضور عند مواطنيه من الأساتذة للتعامل بلغتهم الخاصّة.
 
العطل الرسمية :
     يتم تعطيل الدراسة الحوزوية في النجف يومي الخميس والجمعة من كلّ اسبوع، وفي شهر رمضان والأسبوعين الأوّلين من شهر محرم والأيام الأخيرة من شهر صفر لتوفير المجال أمام المبلغين والمرشدين لأداء مهمة الوعظ والإرشاد وإحياء المناسبات الدينية كرحلة النبي وشهادة الإمام الحسين. كذلك يتم تعطيل الدرس الحوزوي بمناسبة وفيات سائر الأئمة ورحيل أحد مراجع التقليد، والأعياد والمناسبات الإسلامية. وكان العرف السائد في الحوزة النجفية مواصلة الدراسة طيلة أيام السنة باستثناء ما ذكر، الا أن الخوئي منح الطلاب عطلة صيفية لمدة 45 يوماً مع التقليل من العطل السابقة.
 
المكتبات :
     تتوفر النجف على الكثير من المكتبات العامّة التي شيّدت لغاية توفير مصادر التحقيق والبحث العلمي التي تقتضيها طبيعة الحاضرة العالمية، ومن هنا كانت النجف وعلى مرّ التاريخ من أبرز المدن التي تزدان بمكتباتها العامرة.
     يضرب تاريخ البعض منها كالمكتبة الحيدرية (وتعرف بالخزانة الغروية أيضاً) بعمق التاريخ الإسلامي؛ إذ يعود تأسيسها إلى القرن الرابع الهجري، بل إلى ما قبل ذلك التاريخ، مما يعكس مدى اهتمام الفقهاء بهذا الجانب وإشرافهم على تلك الصروح العلمية كالعلامة الحلي. وقد تعرّضت المكتبة إبّان حكم النظام البعثي لإضرار كبيرة، تمكن المشرفون من تلافيها واصلاحها بعد سقوط حكومة صدام حسين لتعود تحت إشراف المرجعية الشيعية إلى سابق عهدها من العطاء العلمي. تقع المكتبة ضمن حرم الإمام أمير المؤمنين.
مكتبة الحسينية الشوشترية، وهي من أهم المكتبات النجفية التي عفت عليها يد الدهر.
مكتبة محمد حسين آل كاشف الغطاء، وهي من أبرز المكتبات النجفية التي ما زالت عامرة بعطائها يرتادها طلبة العلم ورجال التحقيق.
     هناك مجموعة من المكتبات النجفية قد اندثرت ولم يبق لها أثر يذكر، منها: مكتبة مدرسة قوام، والخليلي والآخوند الخراساني؛ فيما حافظت مكتبة محمد كاظم الطباطبائي وغيرها على مكانتها، وتمكنت من الثبات رغم العواصف التي مرّت بها.
     أسست مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام العامّة على يد عبد الحسين الأميني صاحب كتاب الغدير قبل أكثر من خمسين سنة، وتعتبر اليوم من أغنى المكتبات النجفية.
     كذلك مكتبة  محسن الحكيم التي تقع ضمن بناء المسجد الهندي. وتمتاز بتوفيرها الكتب والمصادر العلمية لطلاب العلوم الدينية ويرتادها بغاة العلم وروّاد المعرفة من سائر الأصناف.
 
تأسيس المدارس العصرية :
     قامت مؤسسة كاشف الغطاء في العقود الأخيرة بخطوات إصلاحية لطريقة ونظام الدراسة الحوزوية في النجف، فقامت بتأسيس مدارس على غرار المدارس العصرية، وكانت بدايات ذلك ترجع إلى الخطوات التي قام بها محمد رضا المظفر مؤسس "جمعية مُنْتدى النشر" في بغداد والتي عمدت إلى الجمع بين طريقة الطرح الأكاديمي والمحافظة على المحتوى الديني والحوزوي للعلوم، وكانت قد بدأت نشاطها العلمي سنة 1357 هـ ق ثم توسّع نشاطها ليعمّ النجف وسائر المدن العراقية.
     مدرسة العلامة عزّ الدين الجزائري، أسست في النجف سنة 1362 هـ، وتعد من أنجح المدارس الحوزوية العصرية، حيث اعتمدت نظاماً تعليماً متكاملاً مع برنامج واضح المعالم تحدد فيه الأيام الدراسية والعطل مع تعريض الطالب لاختبارات فصلية ومنحه شهادات علمية، والتأكيد على اعتماد طريقة تدريس عصرية وباللغة العربية الفصحى. وقد اعترفت وزارة المعارف بالمدرسة المذكورة فيما قررت وزارة الدفاع إعفاء طلبتها من الخدمة الإلزامية.
     قام المظفر سنة 1376 هـ ق بتأسيس كلية الفقه في النجف التي اعترف وزارة المعارف حينها بمعادلة شهادتها مع الشهادات العليا.
     جامعة النجف الدينية، قام بتأسيسها سنة 1956 م محمد كلانتر (ت : 2000 م). ورغم وجود الخطوات الاصلاحية لا زالت المدرسة النجفية تعتمد الطريقة التقليدية في التدريس.
 
المدارس العلمية في النجف  :

  1. مسجد الطوسي : بيته الذي تحول إلى المسجد بوصيته وإلى مدرس فيما بعد.

  2. مدرسة المقداد السيوري السليمية : تعد من أشهر وأقدم المدارس النجفية.

  3. مدرسة الصحن الشريف : تحتوى على 29 غرفة.

  4. المدرسة الغروية : تقع بجوار الصحن الشريف.

  5. مدرسة الصدر : أسسها محمد حسين خان الأصفهاني مستشار فتحعلي شاه.

  6. مدرسة كاشف الغطاء : فيها مقبرة آل كاشف الغطاء.

  7. مدرسة مهدي كاشف الغطاء (المدرسة المهدية) : ما زالت عامرة باستقبال الطلاب.

  8. مدرسة قوام (قوام الملك فَتْحعَليخان الشيرازي) : تعرف باسم مدرسة الرسول الأعظم وتمثل مركزاً لإدارة الحوزة العلمية النجفية.

  9. مدرسة الإيرواني (مهدي الإيرواني) : للطلبة الآذريين فحسب.

  10. مدرسة الخليلي (الميرزا حسين بن ميرزا خليل) : تم هدمها سنة 1412 هـ.

  11. مدرسة الشربياني (فاضل الشربياني) : عامرة تستقبل الطلاب.

  12. مدرسة الآخوند (الكبري) : تسمي بمدرسة الإمام الحسن، وهي عامرة حتى الساعة.

  13. مدرسة كوجك : هدمت سنة 1412 هـ.

  14. مدرسة القزويني (محمد آغا أمين القزويني) : ما تزال عامرة.

  15. مدرسة الآخوند (المتوسطة) : هدمت سنة 1412 هـ.

  16. مدرسة اليزدي (محمد كاظم اليزدي) : من أفضل المدارس النجفية نشاطاً.

  17. مدرسة الآخوند (الصغرى).

  18. مدرسة البخارائي (محمد يوسف البخارائي).

  19. مسجد الهندي : تعرف اليوم بمدرسة الامام الباقر وهي من المدارس النشطة.

  20. مدرسة البروجردي الكبرى : من المدارس التي تمّ هدمها.

  21. المدرسة المرتضوية : كان يسكنها فيها حيدر الآملي.

  22. مدرسة الملا عبدالله (ملا عبدالله بن شهاب الدين اليزدي) : تم ّ هدمها.\

  23. مدرسة الحكيم : ما تزال عامرة.

  24. المدرسة الشبّرية (علي شبّر).

  25. مدرسة دار الحكمة (محسن الحكيم) : هدمت سنة 1412 هـ.

  26. مدرسة الرحباوي (الحاج عباس الرحباوي) : من أفضل وأنشط المدارس النجفية.

  27. مدرسة الجوهرجي (لحاج محمد صالح الجوهرجي).

  28. مدرسة البغدادي (عبدالعزيز البغدادي) : ما تزال عامرة ونشطة.

  29. مدرسة العاملي (محمد تقي فقيه العاملي) : ما تزال عامرة ونشطة

  30. مدرسة الإمام المهدي : ما تزال عامرة.

  31. المدرسة الأفغانية (حسن الأفغاني).

  32. مدرسة اليزدي الثانية (أسد الله اليزدي نجل محمد كاظم اليزدي).

  33. مدرسة دار العلم (أبو القاسم الخوئي) قام النظام العراقي بجرفها بعد الانتفاضة الشعبانية.

  34. مدرسة الشيرازي (عبدالله الشيرازي9.

  35. مدرسة العلامة البلاغي.

  36. جامعة النجف (لحاج محمد تقي اتفاق- محمد كلانتر) : تعد من أنشط المدارس النجفية.

عدد مرات القراءة:
703
إرسال لصديق طباعة
الأربعاء 2 ذو القعدة 1446هـ الموافق:30 أبريل 2025م 01:04:09 بتوقيت مكة
كريم 
السلام عليكم ورحمة الله واقعا بحث في غاية الروعة والشمولية والتقصي للكثير من الزوايا والحيثيات في مسيرة الاجتهاد الشيعية وانا شيعي ايضا بالمناسبة تحية اعتزاز للموقع على الروح السمحه والعلمية لجعل الموقع مرفاء وملتقى لطرح الاراء والنظريات الاسلامية او غير الاسلامية واعتقد هذه خطوة تدلل على تفهم الموقع لهذه الجزئية للتعرف على النتاج الفكري للاخر بغض النظر اتفقنا ام اختلفنا وباعتبار اني شيعي اتبنى التيار الاصولي اسعى دوما على تعزيز دواعي تمسكي بالمنهج الاصولي ومن المعلوم وفي نظري المتواضع ايضا ان المنهج الاصولي بشقيه الشيعي والسني هو المطمئن اكثر في استئناس القلوب وركونها الى الدليل المتحصل من خلال النظرة العلمية بما تحويها الكلمة من تفعيل للقواعد الاصولية الفلسفية والعقلية والكلامية والمنطقية من حيث انها تعني بدراسة اي مفهوم شرعي او قاعدة اصولية او عقيدة بعرضها على ما اسلفنا لاخراجها وتنقيتها من قاذورات التخلف والمنهج البالي في الركون الى اي نص ورفض اي تحقيق في الصدور او امكانية الصدور مع القطع والجزم من خلال دراسة سريعة للتاريخ والسيرة والرجال والاحاديث سوف يستطدم الباحث بوابل من الخرافات التي دسوها هؤلاء اللعناء في الحديث والتفسير وسواها على ايدي الغلاة والمفوضة والانتهازيين لتبرير الالحاد والكفر بالاسلام فنحن نعاني ونعاني باقصى ماللكلمة من معنى من اذناب الغلاة والمفوضة لغاية هذا اليوم المذهب الشيعي الاخبارية ومن على شاكلتهم كالعلويين والرشتية والشيخية ومن لف لفهم اعتذر اذا كنت قد اطلت ولكني وجدتها فرصة للتعبير عما يختلج في نفسي من خطر هؤلاء وامثالهم على نقاوة الاسلام وبث العنف والتطرف والقتل والتحريض على القتل انا بصدد طرح رؤية ونقاش علمي ان الفكر النقي الصافي لايمكن ان يكون مصدره قبول اي كلام وكل كلام من دون ان ينقح ويحلل ويقرر حتى اراء السابقين لو قلنا تنزلا فان الاعتبار في ماهو معتبر بنفسه لابغيره وقول العالم يستدل له ولايستدل به تحية شكر مجددا للموقع فيصل نور ولى كل!المساهمين في نشر هذه الروح العلمية في البحث والحيادية وعدم طرح المجال للنظريات والتبنيات والمنهج الخرافي كالمنهج الشيعي الاخباري my email...... [email protected]
 
اسمك :  
نص التعليق :