معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مناظرة الإمام الرضا مع الصابئة ..
الكاتب : فيصل نور ..

مناظرة الإمام الرضا مع الصابئة 

     من المناظرات التي كانت في مجلس الخليفة العباسي المأمون، حيث أظهر الرضا حسب إعتقاد الشيعة حقائق إيمانية توحيدية، وبيّن الاعتقاد الصحيح في الله تعالى وعلمه بالأشياء وخلقه لها ووحدانيته وكلامه.
     وإليك تمام المناظرة :
روى الصدوق قال : حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي ثم الإيلاقي رضي الله عنه قال : أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقه القمي قال : حدثنا أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجي قال : حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول : لما قدم علي بن موسى الرضا عليه السلام على المأمون أمر الفضل بن سهل ان يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر وأصحاب زردهشت ونسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم فجمعهم الفضل بن سهل ثم اعلم المأمون باجتماعهم فقال : أدخلهم على ففعل فرحب بهم المأمون ثم قال لهم : انى إنما جمعتكم لخير وأحببت ان تناظروا ابن عمى هذا المدني القادم على
فإذا كان بكره فاغدوا ولا يتخلف منكم أحد فقالوا : السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون انشاء الله قال الحسن بن محمد النوفلي : فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ دخل علينا ياسر الخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن عليه السلام فقال له : يا سيدي ان أمير المؤمنين يقرئك السلام  ويقول : فداك أخوك انه أجمع إلى أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور إلينا ان أحببت كلامهم وان كرهت ذلك فلا تتجشم وان أحببت ان نصير إليك خف ذلك علينا فقال أبو الحسن الله أبلغه السلام وقل له : قد علمت ما أردت وانا صائر إليك بكره انشاء الله قال الحسن بن النوفلي : فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي : يا نوفلي أنت عراقي ورقه العراقي غير غليظه فما عندك في جمع ابن عمك علينا ؟ أهل الشرك وأصحاب المقالات ؟ فقلت : جعلت فداك يريد الامتحان ويحب ان يعرف ما عندك ؟ ولقد بني على أساس غير وثيق البنيان وبئس والله ما بني فقال لي : وما بناؤه في هذا الباب ؟ قلت : ان أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب انكار ومباهته ان احتججت عليهم بان الله واحد قالوا : صح وحدانيته وان قلت : ان محمدا رسول الله قالوا : أثبت رسالته ثم يباهتون وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله فاحذرهم جعلت فداك قال فتبسم ثم قال لي : يا نوفلي أفتخاف ان يقطعوا على حجتي ؟ فقلت : لا والله ما خفت عليك قط وانى لأرجو ان يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى فقال لي : يا نوفلي أتحب ان تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت : نعم قال : إذا سمع إحتجاجي على أهل التورية بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى أهل الهرابذه بفارسيتهم وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له فعند يكون الندامة ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.
     فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له : جعلت فداك ان ابن عمك ينظرك وقد اجتمع القوم فما   رأيك في اتيانه فقال له الرضا : عليه السلام تقدمني فانى صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله ثم توضأ وضوء للصلاة وشرب شربه سويق وسقانا منه ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون وإذا المجلس غاص  باهله ومحمد بن جعفر وجماعه من الطالبيين والهاشميين والقواد حضور فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفا والرضا جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة ثم التفت إلى الجاثليق فقال يا جاثليق هذا ابن عمى علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن طالب صلوات الله عليهم فأحب ان تكلمه أو تحاجه وتنصفه.
فقال الجاثليق : يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتج على بكتاب انا منكره ونبي لا أومن به ؟ فقال له الرضا عليه السلام : يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به ؟
قال : الجاثليق : وهل أقدر على رفع ما نطق الإنجيل ؟ ! نعم والله أقر به على رغم أنفي.
فقال له الرضا عليه السلام : سل عما بدا لك واسمع الجواب.
فقال  الجاثليق : ما تقول في نبوه عيسى وكتابه هل تنكر منهما شيئا ؟
قال الرضا : انا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقرت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وبكتابه ولم يبشر به أمته.
قال الجاثليق : أليس إنما نقطع الاحكام بشاهدي عدل ؟
قال عليه السلام : بلى قال : فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوه محمد ممن لا تنكره النصرانية وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.
قال الرضا عليه السلام : الان جئت بالنصفه يا نصراني الا تقبل منى العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ؟
قال الجاثليق : ومن هذا العدل ؟ سمه لي؟
قال : ما تقول يوحنا الديلمي ؟
قال : بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح.
قال : فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل : ان يوحنا قال : إنما المسيح اخبرني بدين محمد العربي وبشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحواريين فأمنوا به؟
قال الجاثليق : قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه ولم يلخص متى يكون ذلك ؟ ولم تسم لنا القوم فنعرفهم.
قال الرضا عليه السلام : فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به ؟
قال : سديدا.
قال الرضا عليه السلام : لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث الإنجيل؟
قال : ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال : الست تقرأ الإنجيل ؟ قال : بلى لعمري قال : فخذ على السفر فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي وان لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي ثم قرء عليه السلام السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف ثم قال : يا نصراني انى أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم انى عالم بالإنجيل ؟ قال : نعم ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته ثم قال : ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى مريم عليه السلام فإن كذبت بما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى عليهما السلام ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك.
قال  الجاثليق : لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل وانى لمقر به.
قال الرضا عليه السلام : اشهدوا على اقراره ثم قال : يا جاثليق سل عما بدا لك.
قال الجاثليق : اخبرني عن حواري عيسى بن مريم عليه السلام كم كان عدتهم ؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا ؟
قال الرضا عليه السلام : على الخبير سقطت أما الحواريون فكانوا اثنى عشر رجلا وكان اعلمهم وأفضلهم ألوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال يوحنا الأكبر باج ويوحنا بقرقيسيا ويوحنا الديلمي برجاز وعنده كان ذكر النبي وذكر أهل بيته وأمته وهو الذي بشر أمه عيسى وبني إسرائيل به ثم قال له : يا نصراني والله انا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد وما ننقم على عيساكم شيئا ضعفه وقله صيامه وصلاته.
قال الجاثليق : أفسدت والله علمك وضعفت امرك وما كنت ظننت إلا انك اعلم أهل الاسلام.
قال الرضا عليه السلام : وكيف ذاك ؟
قال الجاثليق : من قولك : ان عيسى كان ضعيفا قليل الصيام قليل الصلاة وما أفطر عيسى يوما قط ولا نام بليل قط وما زال صائم الدهر وقائم الليل.
قال الرضا عليه السلام : فلمن كان يصوم ويصلى ؟! قال فخرس الجاثليق وانقطع. قال الرضا عليه السلام : يا نصراني أسئلك عن مسألة.
قال : سل فإن كان عندي علمها أجبتك.
قال الرضا عليه السلام : ما أنكرت ان عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى بإذن الله عز وجل.
قال الجاثليق : أنكرت ذلك من أجل ان من أحيى الموتى وابرء الأكمه والأبرص فهو رب مستحق لان
يعبد.
قال الرضا عليه السلام : فإن اليسع قد صنع مثل صنع عيسى عليه السلام مشى على الماء وأحيى الموتى وابرء الأكمه والأبرص فلم تتخذه أمته ربا ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل ولقد صنع حزقيل النبي عليه السلام مثل ما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسه وثلاثين الف رجل من بعد موتهم بستين سنه ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له : يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة اختارهم بخت نصر من سبى بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عز وجل إليهم فأحياهم هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم.
قال رأس الجالوت : قد سمعنا به وعرفناه.
قال : صدقت ثم قال : يا يهودي خذ على هذا السفر من التوراة فتلا عليه السلام علينا من التوراة آيات فاقبل اليهودي يترجج لقرائته ويتعجب ! ثم اقبل النصراني فقال : يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم ؟
قال : بل كانوا قبله.
فقال الرضا عليه السلام : لقد اجتمعت قريش على رسول الله فسألوه : أن يحيي لهم موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له : اذهب إلى الجبانه فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسئلون عنهم بأعلى صوتك : يا فلان ويا فلان ويا فلان يقول لكم محمد رسول الله : قوموا بإذن الله عز وجل فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم فأقبلت قريش يسألهم عن أمورهم ثم أخبروهم ان محمدا بعث نبيا فقالوا : وددنا انا أدركناه فنؤمن به ولقد أبرء الأكمه والأبرص والمجانين وكلمه البهايم والطير والجن والشياطين ولم نتخذه ربا من دون الله عز وجل ولم ننكر لاحد من هؤلاء فضلهم فمتى اتخذتم عيسى ربا جاز لكم ان تتخذوا اليسع وحزقيل ربا ؟ ! لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم عليه السلام من احياء الموتى وغيره وان قوما من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحده فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميما فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثره العظام الباليه فأوحى الله عز وجل إليه : أتحب ان أحييهم لك فتنذرهم ؟ قال : نعم يا رب فأوحى الله عز وجل إليه : ان ناداهم فقال : أيتها العظام الباليه قومي بإذن الله عز وجل فقاموا احياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم ثم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين أخذ الطير فقطعهن قطعا ثم وضع على كل جبل منهن جزء ثم ناداهن فأقبلن سعيا إليه ثم موسى بن عمران عليه السلام وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له : انك قد رأيت الله سبحانه : فأرناه رايته فقال : لهم انى لم أره فقالوا : لن نؤمن حتى نرى الله جهره فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقى موسى وحيدا فقال : يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وارجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به ؟ ! فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم وكل شئ ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه لان التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت فإن كان كل من أحيى الموتى وابرء الأكمه والأبرص والمجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أربابا ما تقول يا يهودي ؟ ! .
فقال الجاثليق : القول قولك ولا إله إلا الله ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال : يا يهودي اقبل على أسئلك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران عليه السلام هل تجد في التوراة مكتوبا بنبأ محمد وأمته إذا جاءت الأمة الأخيرة اتباع راكب البعير يسبحون الرب جدا جدا تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد فليفرغ بنو إسرائيل إليهم والى ملكهم لتطمئن قلوبهم فإن بأيديهم سيوفا ينتقمون بها من الأمم الكافره في أقطار الأرض أهكذا هو في التوراة مكتوب ؟
قال رأس الجالوت : نعم انا لنجده كذلك.
ثم قال للجاثليق : يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا عليه السلام ؟
قال : أعرفه حرفا حرفا.
قال لهما : أتعرفان هذا من كلامه يا قوم : اني رأيت صوره راكب الحمار لابسا جلابيب النور ورأيت راكب البعير ضوء مثل ضوء القمر.
فقالا : قد قال ذلك شعيا عليه السلام.
قال الرضا عليه السلام : يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى عليه السلام : انى ذاهب إلى ربكم وربى والبار قليطا جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت وهو الذي يفسر لكم كل شئ وهو الذي يبدأ فضائح الأمم وهو الذي يكسر عمود الكفر .
فقال الجاثليق : ما ذكرت شيئا من الإنجيل إلا ونحن مقرون به.
فقال : أتجد هذا الإنجيل ثابتا يا جاثليق ؟
قال : نعم.
قال : الرضا عليه السلام : يا جاثليق الا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذا الإنجيل ؟
فقال له : ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه إلينا يوحنا ومتى.
فقال له الرضا عليه السلام : ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه ؟ ! فإن كان هذا كما تزعم ! فلم اختلفتم في الإنجيل وإنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أياديكم اليوم فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه ولكني مفيدك علم ذلك اعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم : قتل عيسى بن مريم عليه السلام وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم ؟ فقال لهم الوقا ومر قابوس ان الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه إليكم سفرا سفرا في كل أحد فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنائس فانا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله فقعد الوقا ومر قابوس ويوحنا ومتى فوضعوا لكم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ تلاميذ الأولين أعلمت ذلك ؟
فقال الجاثليق : أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الان وبان لي من فضل علمك بالإنجيل وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي انها حق فاستزدت كثيرا من الفهم.
فقال له الرضا عليه السلام : فكيف شهادة هؤلاء عندك ؟
قال : جائزه هؤلاء علماء الإنجيل وكلما شهدوا به فهو حق.
قال الرضا عليه السلام للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيره : اشهدوا عليه.
قالوا : قد شهدنا.
 ثم قال عليه السلام : للجاثليق : بحق الابن وأمه هل تعلم أن متى.
قال : إن المسيح هو بن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب يهوذا بن خضرون فقال مرقابوس في نسبه عيسى مريم عليه السلام : انه كلمه الله أحلها في جسد الآدمي فصارت انسانا وقال الوقا : ان عيسى بن مريم عليه السلام وأمه كانا انسانين من لحم ودم فدخل فيها الروح القدس ثم انك تقول من شهادة عيسى على نفسه حقا أقول لكم : يا معشر الحواريين انه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل فما تقول في هذا القول ؟
قال الجاثليق : هذا قول عيسى لا ننكره.
قال الرضا عليه السلام : فما تقول في شهادة الوقا ومر قابوس ومتى على عيسى وما نسبوه إليه ؟
قال الجاثليق : كذبوا على عيسى .
فقال : الرضا عليه السلام : يا قوم أليس قد زكاهم وشهد انهم علماء الإنجيل وقولهم حق.
فقال الجاثليق : يا عالم المسلمين أحب ان تعفيني من أمر هؤلاء.
قال الرضا عليه السلام : فانا قد فعلنا سل يا نصراني عما بدا لك.
قال الجاثليق : ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت ان في علماء المسلمين مثلك.
فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت فقال له : تسألني أو أسألك ؟
فقال : بل أسألك ولست اقبل منك حجه إلا من التوراة أو من الإنجيل أو من زبور داود أو بما في صحف إبراهيم وموسى.
قال الرضا عليه السلام : لا تقبل منى حجه إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران والإنجيل على لسان عيسى بن مريم والزبور على لسان داود.
فقال رأس الجالوت : من أين تثبت نبوه محمد؟
قال الرضا عليه السلام : شهد بنبوته موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفه الله عز وجل في الأرض.
فقال له : ثبت قول موسى بن عمران.
فقال له الرضا عليه السلام : هل تعلم يا يهودي ان موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم : انه سيأتيكم نبي من اخوانكم فيه  فصدقوا ومنه فاسمعوا فهل تعلم أن لبني إسرائيل اخوه غير ولد إسماعيل ان كنت تعرف قرابه إسرائيل من إسماعيل والسبب الذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السلام.
فقال رأس الجالوت : هذا قول موسى لا ندفعه.
فقال له الرضا عليه السلام : هل جاءكم من اخوه بني إسرائيل نبي غير محمد؟
قال : لا.
قال الرضا عليه السلام : أوليس قد صح هذا عندكم ؟
قال : نعم ولكني أحب ان تصححه إلى من التوراة
فقال له الرضا عليه السلام : هل تنكر ان التوراة تقول لكم : جاء النور من قبل طور سيناء وأضاء لنا من جبل ساعير واستعلن علينا من جبل فاران ؟
قال رأس الجالوت : اعرف هذه الكلمات وما اعرف تفسيرها.
قال الرضا عليه السلام : أنا أخبرك به أما قوله : جاء النور من قبل طور سيناء فذلك وحى الله تبارك وتعالى الذي أنزله علي عليه السلام على جبل طور سيناء وأما قوله : وأضاء لنا من جبل ساعير فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم عليه السلام وهو عليه وأما قوله : واستعلن علينا جبل فاران فذلك جبل من جبال مكة بينه وبينها يوم وقال شعياء النبي عليه السلام فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة رأيت راكبين أضاء لهم الأرض أحدهما على حمار والاخر على جمل فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل ؟
قال رأس الجالوت : لا أعرفهما فخبرني بهما.
قال : اما راكب الحمار فعيسى عليه السلام وأما راكب الجمل فمحمد أتنكر هذا من التوراة؟
قال : لا ما أنكره.
ثم قال الرضا عليه السلام : هل تعرف حيقوق النبي عليه السلام ؟
قال : نعم انى به لعارف.
قال : فإنه قال : وكتابكم ينطق به جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس يعنى بالكتاب الفرقان أتعرف هذا وتؤمن به ؟
قال رأس الجالوت قد قال : ذلك حيقوق النبي عليه السلام ولا ننكر قوله.
قال الرضا عليه السلام : فقد قال داود في زبوره . وأنت تقرأه : اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمد؟
قال رأس الجالوت : هذا قول داود نعرفه ولا ننكر ولكن عنى بذلك عيسى وأيامه هي الفترة.
قال له الرضا عليه السلام : جهلت ان عيسى عليه السلام لم يخالف السنة وكان موافقا لسنه التوراة حتى رفعه الله إليه وفي الإنجيل مكتوب : ان ابن البرة ذاهب والبار قليطا جاء من بعده وهو الذي يحفظ الآصار ويفسر لكم شئ ويشهد لي كما شهدت له انا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل أتؤمن بهذا في الإنجيل ؟
قال : نعم.
فقال له الرضا عليه السلام : يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران عليه السلام؟
فقال : سل.
قال : ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته ؟
قال اليهودي : انه جاء لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله قال له : مثل ماذا ؟
قال : مثل فلق البحر وقلبه العصا حيه تسعى وضربه الحجر فانفجرت منه العيون واخراجه يده بيضاء للناظرين وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها.
قال له الرضا عليه السلام : صدقت في أنه كانت حجته على نبوته انه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله أفليس كل من ادعى انه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق مثله وجب عليكم تصديقه ؟ !
قال : لا لأن موسى عليه السلام لم يكن له نظير لمكانه من ربه وقربه منه ولا يجب علينا الاقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الاعلام بمثل جاء به.
فقال الرضا عليه السلام : فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام ولم يفلقوا البحر ولم يفجروا من الحجر اثنى عشره عينا ولم يخرجوا أيديهم مثل اخراج موسى يده بيضاء ولم يقلبوا العصا حيه تسعى.
قال : اليهودي : قد خبرتك انه متى ما جاؤوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاؤوا بما يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم.
قال له الرضا عليه السلام : يا رأس الجالوت فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن مريم وقد كان يحيى الموتى ويبرء الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئه الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى ؟
قال رأس الجالوت : يقال : إنه فعل ذلك ولم نشهده.
قال الرضا عليه السلام : أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته ؟ أليس إنما جاءت الاخبار من ثقات أصحاب موسى انه فعل ذلك ؟
قال : بلى.
قال : فكذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم عليه السلام فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى ؟ فلم يحر جوابا قال الرضا عليه السلام : وكذلك أمر محمد وما جاء به وأمر كل نبي بعثه الله ومن آياته انه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا لم يتعلم كتابا ولم يختلف إلى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء عليهم السلام واخبارهم حرفا حرفا واخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم وجاء بآيات كثيره لا تحصى.
قال رأس الجالوت : لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد ولا يجوز لنا ان نقر لهما بما لا يصح.
قال الرضا عليه السلام : فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد شاهد زور.
فلم يحر جوابا ثم دعا عليه السلام بالهربذ الأكبر فقال له الرضا عليه السلام : اخبرني عن زردهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته ؟
قال : إنه اتى بما لم يأتنا أحد قبله ولم نشهده ولكن الاخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه.
قال : أفليس إنما أتتكم الاخبار فاتبعتموه ؟
قال : بلى.
قال : فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الاخبار بما اتى به النبيون واتى به موسى وعيسى ومحمد فما عذركم في ترك الاقرار لهم ؟ إذ كنتم إنما أقررتم بزردهشت من قبل الأخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره؟ فانقطع الهربذ مكانه.
فقال الرضا عليه السلام : يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الاسلام وأراد ان يسئل فليسئل غير محتشم .
فقام إليه عمران الصابي وكان واحدا من المتكلمين فقال : يا عالم الناس لولا انك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل فلقد دخلت بالكوفة والبصرة والشام والجزيره ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته أفتاذن لي أسئلك ؟
قال الرضا عليه السلام : إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو.
قال : انا هو.
قال : سل يا عمران وعليك بالنصفه وإياك والخطل والجور.
فقال : والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه.
قال : سل عما بدا لك فازدحم الناس وانضم بعضهم إلى بعض.
فقال عمران الصابي : اخبرني عن الكائن الأول وعما خلق.
فقال له : سالت فافهم اما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شئ معه بلا حدود واعراض ولا يزال كذلك ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا باعراض وحدود مختلفه لا في شئ اقامه ولا في شئ حده ولا على شئ حذاه ومثله له فجعل الخلق من بعد ذلك صفوه وغير صفوه واختلافا وائتلافا وألوانا وذوقا وطعما لا لحاجه كانت منه إلى ذلك ولا لفضل منزله لم يبلغها إلا به ولا أرى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا تعقل هذا يا عمران ؟
قال : نعم و الله يا سيدي.
قال : واعلم يا عمران انه لو كان خلق ما خلق لحاجه لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته ولكان ينبغي ان يخلق اضعاف ما خلق لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى والحاجة يا عمران لا يسعها لأنه كان لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت به حاجه أخرى ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجه ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض وفضل بعضهم على بعض بلا حاجه منه إلى فضل ولا نقمه منه على من أذل فلهذا خلق.
قال عمران : يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه ؟
قال الرضا عليه السلام : إنما يكون المعلمه بالشئ لنفى خلافه وليكون الشئ نفسه بما نفى عنه موجودا ولم يكن هناك شئ يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفى ذلك الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها أفهمت يا عمران ؟
قال : نعم والله سيدي فأخبرني بأي شئ علم ما علم أبضمير أم بغير ذلك ؟
قال الرضا عليه السلام : أرأيت إذا علم بضمير هل يجد بدا من أن يجعل لذلك الضمير حدا تنتهى إليه المعرفة ؟
قال عمران : لا بد من ذلك.
قال الرضا عليه السلام ؟ فما ذلك الضمير ؟ ! فانقطع ولم يحر جوابا قال الرضا عليه السلام : لا باس ان سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر ؟ فإن قلت : نعم أفسدت عليك قولك ودعواك يا عمران أليس ينبغي ان تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع وليس يتوهم منه مذاهب وتجزيه كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم فاعقل ذلك وابن عليه ما علمت صوابا.
قال عمران : يا سيدي الا تخبرني حدود خلقه كيف هي ؟ وما معانيها ؟ وعلى كم نوع يكون ؟
قال : قد سألت فاعلم أن حدود خلقه على سته أنواع ملموس وموزون ومنظور إليه وما لا ذوق له وهو الروح ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق والتقدير والاعراض والصور والطول والعرض ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها فاما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة وبقى الأثر ويجرى مجرى الكلام يذهب ويبقى اثره.
قال عمران : يا سيدي الا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه ؟ أليس قد تغير بخلقه الخلق ؟
قال له الرضا عليه السلام : قديم لم يتغير عز وجل بخلقه الخلق ولكن الخلق يتغير بتغيره .
قال عمران : يا سيدي فبأي شئ عرفناه ؟
قال : بغيره.
قال : فأي شئ غيره ؟
قال الرضا عليه السلام : مشيته واسمه وصفته وما أشبه ذلك وكل ذلك محدث مخلوق مدبر.
قال عمران : يا سيدي فأي شئ هو ؟
قال : هو نور بمعنى انه هاد خلقه من أهل السماء وأهل الأرض وليس لك على أكثر من توحيدي إياه.
قال عمران : يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق ؟
 قال الرضا عليه السلام : لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج هو ساكت لا ينطق ولا يقال : إن السراج ليضئ فيما يريد ان يفعل بنا لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون وإنما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا : قد أضاء لنا حتى استضاءنا به فبهذا تستبصر امرك .
قال عمران : يا سيدي فإن الذي كان عندي ان الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق.
قال الرضا عليه السلام : أحلت يا عمران في قولك : ان الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره يا عمران هل تجد النار تغيرها تغير نفسها ؟ وهل تجد الحرارة تحرق نفسها ؟ أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره ؟
قال عمران لم أر هذا إلا أن تخبرني يا سيدي أهو في الخلق ؟ أم الخلق فيه ؟
قال الرضا عليه السلام : أجل يا عمران عن ذلك ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه تعالى عن ذلك وساء علمك ما تعرفه ولا قوه الا بالله اخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك ؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شئ استدللت بها على نفسك يا عمران قال : بضوء بيني وبينها قال الرضا عليه السلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك ؟
قال : نعم.
قال الرضا عليه السلام : فأرناه فلم يحر جوابا قال : فلا أرى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما ولهذا أمثال كثيره غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا ولله المثل الاعلى.
ثم التفت إلى المأمون فقال : الصلاة قد حضرت فقال عمران : يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي.
قال الرضا عليه السلام : نصلى ونعود.
فنهض ونهض المأمون فصلى الرضا عليه السلام داخلا وصلى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر ثم خرجا فعاد الرضا عليه السلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال : سل يا عمران.
قال : يا سيدي الا تخبرني عن الله عز وجل هل يوحد بحقيقه أو يوحد بوصف ؟
قال الرضا عليه السلام : ان الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شئ معه فردا لا ثاني معه لا معلوما ولا مجهولا ولا محكما ولا متشابها ولا مذكورا ولا منسيا ولا شيئا يقع عليه اسم شئ من الأشياء غيره ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون ولا بشئ قام ولا إلى شئ يقوم ولا إلى شئ استند ولا في شئ استكن وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثه وترجمه يفهم بها من فهم . واعلم أن الابداع والمشيئة والإراده معناها واحد وأسماؤها ثلاثة وكان أول ابداعه وارادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ ودليلا على كل مدرك وفاصلا لكل مشكل وبتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى وعليها اجتمعت الأمور كلها ولم يجعل للحروف في ابداعه لها معنى غير أنفسها تتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالابداع والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض والحروف هي المفعول بذلك الفعل وهي الحروف التي عليها مدار الكلام والعبادات كلها من الله عز وجل علمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفا فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية ومنها خمسه أحرف متحرفه في سائر اللغات . من العجم والأقاليم واللغات كلها وهي خمسه أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفا من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا فاما الخمسة المختلفة فيتجحخ لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف بعد احصائها واحكام عدتها فعلا منه كقوله عز وجل : ( كن فيكون ) وكن منه صنع وما يكون به المصنوع فالخلق الأول من الله عز وجل الابداع لا وزن له ولا حركه ولا سمع ولا لون ولا حس والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعه موصوفه غير منظور إليها والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظورا إليه والله تبارك وتعالى سابق للإبداع لأنه ليس قبله عز وجل شئ ولا كان معه شئ والإبداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها.
قال المأمون : وكيف لا تدل على غير أنفسها ؟
قال الرضا عليه السلام : لان الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى ابدا فإذا الف منها أحرفا أربعة أو خمسه أو سته أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها بغير معنى ولم يكن إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شئ.
قال عمران : فكيف لنا بمعرفه ذلك ؟
قال الرضا عليه السلام : أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه : انك : تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت : ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتى على آخرها فلم تجد لها معنى غير أنفسها وإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفه لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليله علي معانيها داعيه إلى الموصوف بها أفهمته ؟
قال : نعم.
قال الرضا عليه السلام : واعلم أنه لا يكون صفه لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولا حد لغير محدود والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الإحاطة كما تدل الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس لأن الله عز وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك : وليس يحل بالله وتقدس شئ من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا ولكن يدل على الله عز وجل بصفاته ويدرك بأسمائه ويستدل عليه بخلقه حق لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع اذن ولا لمس كف ولا احاطه بقلب ولو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه أسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه فلولا ان ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله لان صفاته وأسمائه غيره أفهمت ؟
قال : نعم يا سيدي زدني.
قال الرضا عليه السلام : إياك وقول الجهال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب وليس بموجود في الدنيا للطاعه والرجاء ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة ابدا ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون وقوله عز وجل : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) يعنى أعمى عن الحقائق الموجودة وقد علم ذووا الألباب ان الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هيهنا ومن أخذ علم ذلك برايه وطلب وجوده وادراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا لان الله عز وجل جعل علم ذلك خاصه عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون.
قال عمران : يا سيدي الا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟
قال الرضا عليه السلام : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنما صار خلقا لأنه شئ محدث والله تعالى الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه ويكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل . واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس وكل
حاسه تدل على ما جعل الله عز وجل لها في ادراكها والفهم من القلب بجميع ذلك كله . واعلم الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه واثبات وجوده فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله تعالى ومشيئته وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة
بالظلمة في وصفهم الله تعالى بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتكبوا والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال عمران : يا سيدي اشهد أنه كما وصفت ولكن بقيت لي مسألة.
قال : سل عما أردت.
قال : أسألك عن الحكيم في أي شئ هو ؟ وهل يحيط به شئ ؟ وهل يتحول من شئ إلى شئ ؟ أو به حاجه إلى شئ ؟
قال الرضا عليه السلام : أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنه من اغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم وليس يفهم المتفاوت عقله العازب حلمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجه منه لجاز لقائل أن يقول : يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجه ولم يزل ثابتا لا في شئ ولا على شئ ان الخلق يمسك بعضه بعضا ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله وليس يدخل في شئ ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ولا يعجز عن امساكه ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك ؟ إلا الله عز وجل ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره والمستحفظين لامره وخزانه القائمين بشريعته وإنما امره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئا فإنما يقول له ( كن فيكون ) بمشيئته وارادته وشئ من خلقه أقرب إليه من شئ ولا شئ أبعد منه من شئ أفهمت يا عمران ؟
قال : نعم يا سيدي قد فهمت واشهد ان الله تعالى على ما وصفت ووحدت وأشهد أن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ثم خر ساجدا نحو القبلة واسلم.
قال الحسن بن محمد النوفلي : فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد منهم قط لم يدن من الرضا عليه السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شئ وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف الناس وكنت مع جماعه من أصحابنا إذ بعث إلى محمد بن جعفر فاتيته فقال لي : يا نوفلي اما رأيت ما جاء به صديقك ؟ ! لا والله ما ظننت ان علي بن موسى الرضا عليه السلام خاض في شئ من هذا قط ولا عرفناه به انه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام قلت : قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم وربما كلم من يأتيه بحاجه فقال محمد بن جعفر : يا أبا محمد انى أخاف عليه ان يحسده عليه هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بليه فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء قلت : إذا لا يقبل منى وما أراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه عليه السلام ؟ فقال لي : قل له : ان عمك قد كره هذا الباب وأحب ان تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى فلما انقلبت إلى منزل الرضا عليه السلام أخبرته بما كان عن عمه محمد بن جعفر فتبسم عليه السلام ثم قال : حفظ الله عمى ما أعرفني به لم كره ذلك ؟ يا غلام صر إلى عمران الصابي فاتني به فقلت : جعلت فداك انا اعرف موضعه وهو عند بعض اخواننا من الشيعة قال : فلا باس قربوا إليه دابه فصرت إلى عمران فاتيته به فرحب به ودعا بكسوه فخلعها عليه وحمله ودعا بعشره آلاف درهم فوصله بها قلت : جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام قال عليه السلام : هكذا نحب ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه واجلس عمران عن يساره حتى إذا فرغنا قال لعمران : انصرف مصاحبا وبكر علينا نطعمك طعام المدينة فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتى اجتنبوه ووصله المأمون بعشره آلاف درهم وأعطاه الفضل مالا وحمله وولاه الرضا عليه السلام صدقات بلخ فأصاب الرغائب[1].


[1] التوحيد، للصدوق،  417 ، عيون أخبار الرضا، للصدوق، 1 /139


عدد مرات القراءة:
886
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :