معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

محمّد بن عثمان العَمْري ..
الكاتب : فيصل نور ..

محمّد بن عثمان العَمْري
(القرن الثالث الهجري – 305 هـ)
 

     أبو جعفر، محمّد بن عثمان بن سعيد العمري الأسدي المعروف بالخلاني. وقيل هو مصحَّف الخولاني، وزعم البعض أنّه لُقِّب بـ "الخلّاني" نسبةً إلى بيعه الخلّ حيث كان يكتسب به تستُّراً بالكسب عن بعض المتعصبين من أهل الخلاف، وقيل: إنّ من حلمه وورعه وعقليته الجبّارة ووداعته وصفائه كان لا يحمل حقداً على أحدٍ قطّ، فهو خِلٌّ لكلّ إنسان وصاحبٌ وصديق. فاشتهر عند النَّاس بـ "الخِلّاني".
     هو السفير الثاني وابن السفير الأول للإمام الثاني عشر للشيعة الإمامية، استلم السفارة بعد وفاة أبيه.
     لم تحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته، إلاّ أنّه ولد في القرن الثالث الهجري.
     كانت له منزلة كبرى عند الشيعة، وكان جميع الموالين مجتمعين على عدالته وثقته وأمانته، لقّب بالخلاّني نسبة إلى بيعه الخلّ، حيث كان يكتسب به تسترًا لاداء مهمّة النيابة للإمام صاحب الزمان (ع)، وقيل: إنّه كان حليمًا وورعًا ومتقيًا، ولا يحمل حقدًا على أحد قط، فهو خلّ وصديق وصاحب لكلّ الناس، فاشتهر عند الناس بالخلاّني.
      أعلمه مهدي الشيعة المنتظر بزمن وفاته فهيّأ نفسه للموت، وأوصى إلى خلفه السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي بأمر من المهدي.
 
 سفارته :
     عيّنه المهدي بزعم الشيعة سفيرًا ثانيًا له، وقائمًا بأعماله، بعد وفاة السفير الأوّل أبوه عثمان بن سعيد العمري، وكانت مدّة سفارته أربعين سنة، من 265 هـ إلى 305 هـ.
     مكث الفترة الأطول من بين هؤلاء النواب في سفارته حيث ناهزت الأربعين أو الخمسين عاماً على خلاف عندهم. حيث عاصر أربعة خلفاء بني العباس، وهم : المعتمد على الله (ت : 79 ه)، ولمعتضد بالله (ت : 289 ه)، والمكتفي بالله (ت : 295 ه)، والمقتدر بالله (ت : 320 هـ).
      وأرسل المهدي إليه كتابًا، يعزّيه فيه بوفاة أبيه، ويثني عليه، قال فيه : أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء ، رزئت ورزئنا وأو حشك فراقه وأوحشنا ، فسره الله في منقلبه ، وكان من كمال سعادته أن رزقه اللهعز وجل ولدا مثلك يخلفه من بعده ، ويقوم مقامه بأمره ، ويترحم عليه[1].
      وسُئل: هل رأيت صاحب الأمر؟ قال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)…ورأيته متعلّقًا بأستار الكعبة في المستجار يقول: (اللهم انتقم بي من أعدائك)[2].
     وقال: والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه[3].
 
      ثناء الأئمّة عليه حسب روايات الشيعة :
     الإمام العسكري : : العمري - أي عثمان بن سعيد - وابنه ثقتان، فما أدّيا فعنّي يؤدّيان، وما قالا فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنّهم الثقتان المأمونان[4].
     وقال عنه ايضا : اشهدوا على أنّ عثمان بن سعيد العَمري وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم[5].
     المهدي : والابن – أي محمّد – وقّاه الله، لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه، ونضّر وجهه، يجري عندنا مجراه، ويسدّ مسده، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل تولاّه الله[6].
     وقال (أي المهدي) : أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رزئت ورزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله عزّ وجلّ ولدًا مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنّ الأنفس طيّبة بمكانك، وما جعله الله عزّ وجلّ فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك وعضدك ووفّقك، وكان الله لك وليًا وحافظًا وراعيًا وكافيًا ومعينًا[7].
     وقال أيضاً : وأمّا محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي، وكتابه كتابي[8].
 
     من أقوال علماء الشيعة فيه :
     الطوسي : إن جماعة من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام قد شاهدوا وجوده في حياته وكانوا أصحابه وخاصته بعد وفاته ، والوسائط بينه وبين شيعته معروفون ربما ذكرناهم فيما بعد ، ينقلون إلى شيعته معالم الدين ، ويخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه ، ويقبضون منهم حقوقه ، وهم جماعة كان الحسن بن علي عليهما السلام عد لهم في حياته ، واختصهم أمناء له في وقته ، وجعل إليهم النظر في أملاكه ، والقيام بأموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم ، كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمان ، وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد ، وغيرهم[9].
     عباس القمي : الشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته لما تقدم له من النص عليه بالإمامة والعدالة ، والامر بالرجوع إليه في حياة الحسن عليه السلام وبعد موته في حياة أبيه عثمان رضي الله عنه . وروي انه حفر لنفسه قبرا وسواه بالساج ونقش فيه آيات من القرآن وأسماه الأئمة عليهم السلام على حواشيه.
قيل : سئل عن ذلك فقال للناس أسباب ، وكان في كل يوم ينزل في قبره ويقرأ جزءا من القرآن ثم يصعد[10].
 
من الذين أدعوا السفارة في أيامة :
     يزعم الشيعة أن التزوير في ادّعاء السفارة عن الإمام المهدي بدأ في زمنه (أي السفير الثاني)، فقد ادّعى السفارة عدّة أشخاص وساعد على ذلك الفترة الطويلة التي قضاها السفير الثاني في هذا المنصب، منهم :

  1. أبو محمد الشريعي

  2. محمد بن نصر النميري

  3. أحمد بن هلال الكرخي

  4. أبو طاهر محمد بن علي بن بلال البلالي

  5. أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي، وهو ابن أخي أبي جعفر العمري إسحاق الأحمر.

  6. الباقطاني

  7. الحسين بن منصور الحلّاج

     وزعموا أن بعضهم كانوا صالحين في بدايات أمرهم ومن أصحاب الإمامين الهادي والعسكري، ثم انحرفوا بعد ذلك[11].
 
 وفاته :
     توفّي في الثلاثين من جمادى الأوّلى 305 هـ، دُفِن بجانب الرصافة في بغداد عند والدته، في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دُورُه ومنازله فيه. وقبره الآن مشيّد معروف بـ الخلّاني يُزار.
 
رؤية مغايرة :
     كل ما مر هو وجهة نظر شيعية خالصة في السفير الثاني لمهديهم المنتظر بزعمهم، ولنذكر الآن وجهة نظر شيعية مغايرة، وهي قول المفكر الشيعي أحمد الكاتب رداً على أحد علماء الشيعة وهو فاضل المالكي في كلامه عن الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة :
     يقول أحمد الكاتب : لو ألقى الدكتور المالكي نظرة عامة على قصة ادعاء فريق من أصحاب الامام العسكري لوجود ولد له في السر، وعدم امتلاكهم لأي دليل سوى الافتراض الفلسفي، وبعض الاشاعات عن رؤيته واللقاء به، وعدم ظهوره منذ ذلك الحين والى اليوم، في حين أن الامام المعين من قبل الله لا يجوز عليه الاختباء، كما يقول الامام علي بن موسى الرضا الذي واجه الواقفية الذين ادعوا غيبة والده الامام الكاظم. لأدرك أنه أمام قصة أسطورية محبكة لا أساس لها من الصحة. ولعرف ان "السفراء الأربعة" ليسوا سوى جزءا من أدعياء النيابة الكذابين الدجالين الذين انتشروا في تلك الأيام، وأخذوا يستغلون البسطاء من الشيعة ويأخذون أموالهم باسم الامام المهدي.
     ولكي يصل الى هذه النتيجة، على الشيخ المالكي أن يضع جانبا، ولو بصورة مؤقتة، الصورة المقدسة لأدعياء النيابة ومشايخ الطائفة الذين روجوا لتلك الأسطورة، ويفترض كذبهم، لأنه لن يستطيع أن يحقق في صدقهم ويتأكد من كلامهم وهو يقدسهم ويثق بكلامهم مائة بالمائة.
     ويبدو ان الشيخ المالكي قد خطا خطوة على هذا الطريق، عندما قال : "إن مسألة السفراء من المسائل المهمّة في واقع الامر، يعني كيف نعرف أنّ هذا الشخص سفير عن الامام سلام الله عليه، لا سيما وأنّنا نعلم أن هنالك من ادعى السفارة كذباً وزوراً، وهذا باب واسع فتحه جملة من العلماء، وقد عقد مثلاً الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه أو الشيخ الصدوق أو العلامة المجلسي أعلى الله مقامهم، فصولاً في أسماء الذين ادعوا السفارة كذباً وزوراً، والحال يقتضي أنّ الوضع والكذب وارد، باعتبار أنّ مقام السفارة عن الامام مقام مقدس وعظيم أعظم من مقام المرجعية في زماننا، فلا يبعد أن يتنافس عليه الكثير وأن يدّعيه الكثير، فلابد من مثبتات في قضية السفارة حتى نستطيع أن نعرف الصادق من الكاذب".
      وكان من السفراء الذين ادعوا السفارة كذباً وزوراً :

  1. الهلالي أحمد بن هلال العبرتائي، (منطقة من بغداد والكوت)

  2. البلالي محمد بن علي بن بلال.

  3. النميري محمد بن نصير النميري.

  4. الحسين بن منصور الحلاج الصوفي المعروف، الذي قتله الملك العباسي.

  5. أبو محمد الحسن السريعي أو الشريعي.

  6. محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني المعروف، الذي كان من أعلام الشيعة وألّف كتباً في التشيع، ولكنه لمنافسة جرت بينه وبين الحسين بن روح النوبختي أعلى الله مقامه الشريف النائب الثالث للامام المهدي سلام الله عليه، خرج عن طوره وأخذ يدّعي دعاوى غير صحيحة، وحكم الامام سلام الله عليه في توقيع من توقيعاته المقدسة بضلاله وانحرافه، وأعلن عن ذلك أيضاً سفيره الحسين بن روح النوبختي.

     ويروي بعض العلماء رواية تقول: سأل رجل الحسين بن روح أعلى الله مقامه الشريف فقال له: ما تقول في كتب محمد بن علي الشلمغاني؟
     ومحمد بن علي الشلمغاني لم يكن رجلاً من السوقة أو رجلاً من العاديين، إنما كان عالماً من علماء الطائفة، ووجهاً من وجوه المذهب، وكان قد صدرت عنه تصريحات ضالّة وانحرافات، فوقف منه الامام سلام الله عليه ونوابه موقفاً صارماً، وكان كثير التأليف، بحيث كانت كتبه تملا المكتبات الاسلامية، فكانت مشكلة للشيعة في ذلك الزمن، رجل يملك هكذا قدسية وهكذا علمية وهكذا فضيلة ينحرف بهذا الشكل، يصعب على كثير من الاذهان أن يتقبل هذه الفكرة، فلهذا سألوا الحسين بن روح النوبختي عن هذا الموضوع أنّه يسأل الامام سلام الله عليه. فخرج التوقيع بتحريم قراءة كتبه وأنّها كتب ضلال، حينئذ سألوه: ما نصنع وبيوتنا مليئة من كتبه؟
     يعني ما من بيت إلاّ وفيه كتاب من كتب ابن أبي عزاقر.
     قال: أقول لكم كما قال الامام العسكري سلام الله عليه في بني فضال.
     وبنو فضال بيت من البيوت العلميّة الشيعيّة، ولكن هؤلاء ابتلوا بأنّهم صاروا واقفية من الشيعة المنحرفين."خذوا بما رووا وذروا ما رأوا". رواياتنا الموجودة في كتبهم خذوها، لا سيما وأنّها كانت أيّام استقامتهم، وأما آراؤهم فلا تأخذوا بها، خذوا بما رووا وذروا ما رأوا، فكان في الواقع أزمة واجهتها الطائفة، أزمة من ادعى السفارة كذباً، ومنهم محمد بن علي بن أبي عزاقر الشلمغاني".
     إذن، فما هي المثبتات التي تؤكد وجود الامام وراء هؤلاء النواب، أو أدعياء النيابة؟ وما هو المانع من كذبهم جميعا؟ وما الذي يؤكد صدق النواب الأربعة؟ ليس في ادعاء النيابة فقط، وانما في وجود الامام الغائب الثاني عشر؟
     يجيب الشيخ الدكتور فاضل المالكي : "كان ثبوت نيابتهم (النواب الأربعة) بشهادة الثقات، وهم بالمئات في مجاميع كثيرة فيما تروي الروايات، أنّ هنالك اتفاقاً من الرواة والعلماء على شهادة الامام العسكري عليه السلام بوثاقة عثمان بن سعيد العمري رحمه الله، وأنّ الامام المهدي سلام الله عليه أقرّه في منصبه وفي زمن غيبته الصغرى، وكان يقول:"اسمعوا له واطيعوا" وهذا المعنى في واقع الامر أخذ يتداول باعتبار النصّ عليه "اسمعوا له واطيعوا"، ثم لا يخفى أن مما يطاع فيه نصه على من بعده، فقد نص على ولده محمد بن عثمان من بعده".
     ولست أدري من أين جاء الشيخ المالكي بهذه الرواية؟ وكيف عرف ان الامام المهدي قد عين العمري سفيرا له؟ في حين لم يشاهده أحد، ولم ينقل عنه بالطبع قوله، الا ان يكون العمري نفسه قد قد نقل النص على نفسه، بعد أن ادعى رؤية الامام، كما في قصة الحميري وأحمد بن اسحاق اللذين سألاه: هل رأيت الامام؟ فبكى وقال نعم ورقبته مثل هذا.
     وكان يفترض الشيخ المالكي أن يتوقف هنا قليلا ليتأكد من دعوى العمري الذي نقل النيابة بعد وفاته الى ابنه محمد بن عثمان العمري، والذي نقلها بدوره الى النوبختي ثم السيمري. وهذا أول الكلام، فكيف نصدق العمري في دعواه انه سفير الامام، ونحن لم نتأكد من وجود الامام؟ ولم نعرف له أثرا؟ وهل نبني ديننا على خبر آحاد مشبوه كهذا؟
     ان الشيخ المالكي يعود فيؤكد : "الطريق الاول لاثبات نيابتهم اتفاق ثقات الرواة والعلماء على نص الامام المعصوم عليه السلام على أولهم، ثم شهادتهم على نصّ السابق على اللاحق باعتبار أن مما تجب طاعة النائب واجب الطاعة فيه هو تعيينه لمن يأتي من بعده". وهو يعرف ان منح الثقة المتبادلة بين أعضاء أية جماعة، هي ثقة مشكوك بها، ولا يجوز الاعتماد عليها، وانما يجب النظر اليها من الخارج وبصورة محايدة، ثم انها ثقة منقولة عبر مئات السنين، ومن قال انها كانت موجودة في تلك الأيام؟ ولم يكن أحد من الشيعة يشكك بهم؟ هذا وقد اختلف شيعة الامام العسكري الى أربعة عشر فرقة، وكما تقول الروايات التي ينقلها الكليني والنعماني والصدوق : " ان الشيعة في ذلك العصر كان يتهم بعضهم بعضا بالكذب والكفر، ويتفل بعضهم في وجوه بعض، ويلعن بعضهم بعضا، وانهم انكفأوا كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، وتكسروا كتكسر الزجاج أو الفخار". وقد اشتهر عند الشيعة تلك الأيام حديث عن أهل البيت يقول:"خدامنا وقوامنا شرار خلق الله".
     لقد اعتمد الشيخ الطوسي في توثيق عثمان بن سعيد العمري على عدة روايات، وكان بعضها، كرواية احمد بن اسحاق القمي، ينص على توثيقه من قبل الامام الهادي والامام العسكري في المحيا والممات، وانه الوكيل والثقة المأمون على مال الله، وليس فيها ما ينص على نيابة العمري عن الامام (المهدي) ولكن بعض الروايات كان ينص بصراحة على اعلان الامام العسكري خلافة العمري للامام المهدي، الا ان سند هذه الرواية ضعيف جدا وذلك لاشتماله على (جعفر بن محمد بن مالك الفزاري) الذي يقول عنه النجاشي وابن الغضائري : انه كذاب متروك الحديث وكان في مذهبه ارتفاع (غلو) ويروي عن الضعفاء والمجاهيل وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه، وقد روى في مولد القائم اعاجيب، وكان يضع الحديث وضعا، وانه كان فاسد المذهب والرواية.
     أما الرواية السابقة التي تتحدث عن وثاقة العمري وأمانته ووكالته فانها مجهولة، ويوجد في سندها الغالي (الخصيبي) وهي تنطوي على دعوى علم الامام العسكري بالغيب ومعرفته بوفد اليمن قبل ان يراهم وهذه الدعوى من مفاهيم الغلاة، وان الرواية الأولى تقول: ان العسكري أخبر باستقامة العمري في المستقبل بعد وفاته، وهذا ما لا يعلمه الا الله، وهو من علم الغيب ايضا.
     ومن هنا، وبعد سقوط هذه الروايات لضعفها متنا وسندا، فانا نكاد نحصل على نتيجة واحدة، هي: ان العمري الذي كان وكيلا للامامين الهادي والعسكري في قبض الاموال، قد استصحب الوكالة وادعى وجود (ولد) للامام العسكري، ليدعي الوكالة له، دون ان يقدم دليلا واضحا وأكيدا على ما يقول. ولذلك لا يؤكد المؤرخون بصراحة على توكيل (المهدي) له، وهذا الطبرسي الذي كان حريصا على تدوين كل ما وصل اليه لا يقول في كتابه (الاحتجاج) اكثر من : (ان العمري قام بأمر صاحب الزمان، وكانت توقيعاته وجوابات المسائل تخرج على يديه).
     ولم يذكر المؤرخون الشيعة اية (معجزة) له تثبت دعواه في النيابة، بالرغم من قول السيد عبد الله شبر في حق اليقين):" ان الشيعة لم تقبل قول النواب الا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر، تدل على صدق مقالتهم وصحة نيابتهم".
     فكيف يقرأ المالكي التاريخ من جانب واحد ويهمل وجهات النظر الأخرى؟
     ألم يعرف أن الشيعة أو بعضهم كان يشك بصدق دعوى "السفراء الأربعة"
     وقد ندم بعض الشيعة على اعطاء الاموال الى العمري كما شكوا بوجود المهدي والتواقيع التي كان يخرجها العمري وينسبها اليه، وكان منهم قسم من أهل البيت، وهذا ما دفع العمري الى ان يصدر كتابا على لسان المهدي يندد بالشاكين والمنكرين لوجود المهدي. كما شك قسم آخر بصحة وكالة النوبختي وتساءل عن مصرف الاموال التي كان يقبضها باسم الامام المهدي، وقال : ان هذه الاموال تخرج في غير حقوقها.
     وقد نقل المالكي نفسه بعضا من تلك القصص حيث يقول:" روى الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه في إكمال الدين أنه : جاءت أمرأة.. فدخلت على أبي القاسم بن روح النوبختي، وكانت معها حقيبة أو محفظة فيها جملة من المجوهرات، فسألته : أخبرني بما تحت عباءتي؟ قال لها: القيه في دجلة ثم اقبلي إلينا لوجهك، يقول أبو علي البغدادى: والله أنّي شاهد هذه القضية ما زدت فيها ولا نقصت حرفاً، فذهبت وألقتها في دجلة ثم رجعت بسرعة إلى الحسين بن روح، وإذا بها تجد محفظتها بين يدي الحسين بن روح وبعدها على قفلها لم تفتح، قال: أو أخبرك بما فيها؟ قالت: وما؟ قال: فيها كذا مجوهرات، كذا حلقات ذهب، كذا سوار، كذا خصوصيات إلى آخره، يقول: فوالله لقد دهشت أنا والمرأة وعجبنا وسألناه ممّ علمت ذلك؟ قال: دلّني على ذلك سيدي صاحب الامر صلوات الله عليه". ويضيف:"هناك كرامات كثيرة من هذا القبيل ذكرت، وهي تعزّز صدق نيابة هؤلاء النواب وسفارتهم عن الامام سلام الله عليه".
     ولكن الشيخ الدكتور المالكي لا يقول لنا كيف صدق هذه "المعجزة" التي رواها البغدادي، ربما على سبيل الدعاية والإعلان؟ وكيف صدق بحدوث المعاجز على يدي السفراء؟ وكيف صدق النوبختي في دعواه علم الغيب بما في المحفظة؟ والغيب لا يعلمه الا الله؟ ولماذا لا يصدق دعاوى بعض الصوفية المشابهة، مثل ما ينقل عن عبد القادر الكيلاني؟ وهل يعتبره سفيرا للامام المهدي؟
     ان الشيخ المالكي يعتبر دعوى الإتيان بالمعاجز وعلم النواب بالغيب، دليلا على صحة دعاويهم بالنيابة، وعلى وجود الامام الغائب، فيقول:" كان الامام سلام الله عليه تجري المعجزة والكرامة على يديه تارة عن طريق السفراء وتارة عن طريق بعض الخواص الابدال من الناس، من قبيل محمد بن شاذان بن نعيم رضوان الله عليه، الذي يقول: اجتمع عندي من الحقوق الشرعيّة خمسمائة درهم إلاّ عشرين درهماً، فاستحييت أن أبعث بها للامام عليه السلام دون أن أتمّها، فأتممتها بخمسمائة وأوصلتها إلى الامام سلام الله عليه ـ الظاهر عن طريق نائبه، لانّ القضية في زمن الغيبة، والمفروض اللقاء المباشر في مثل هذه القضايا عن طريق النواب، وإن كان يمكن أن يكون التقى به سلام الله عليه مباشرة ـ فجاء الجواب عن الامام: وصلت خمسمائة درهم لك منها عشرون درهماً". ويعلق:"مثل هذه الكرامات كانت تظهر للامام سلام الله عليه، فكانت تعزز وجوده الحسي".
     ويقول : "وهنالك توقيع من توقيعات الناحية المقدسة لآخر نائب وهو النائب الرابع وهو السمري، يوصيه فيه بأن لا يوصي من بعده لشخص آخر فقد انتهت الغيبة الصغرى، وهذه الرسالة تشهد عباراتها على صدورها من تلك الناحية المقدسة، يقول:"بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك فانّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام". فالامام سلام الله عليه نعى إليه نفسه في حياته، وهذه القضية رواها كل من مرّ بها من علماء الطائفة، كالصدوق والطوسي وأمثال هؤلاء قدس الله أسرارهم".
     ويعترف الشيخ المالكي بأن هذا يرتبط بموضوع علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله عز وجل، ولكنه يضيف:"ان الله يطلع على بعض المعلومات الغيبيّة مَن ارتضى من خلقه".
     وفي الحقيقة ان المؤرخين الشيعة يذكرون قصصا كثيرة عن اجتراح النواب الأربعة للمعاجز وإخبارهم بالغيب، في محاولة منهم للتمييز بين مدعي النيابة الكاذبين وبين أولئك الأربعة الذين يصفونهم بالصدق. وذكر الطوسي خبرا عن علي بن احمد الدلال : ان العمري اخبره بساعة وفاته من يوم كذا وشهر كذا وسنة كذا، فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي ذكره من السنة التي ذكرها، وكان ذلك في آخر جمادى الأولى من سنة 305 هـ
     ولكن هذا القول يخالف القرآن الكريم ومباديء التشيع وأحاديث أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا ينفون علمهم بالغيب او استخدام الطريقة الاعجازية الغيبية لاثبات امامتهم. يقول الشيخ الصدوق في (إكمال الدين):" الامام لا يعلم الغيب وانما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة، ومن ينحل للأئمة علم الغيب فهذا كفر بالله وخروج عن الاسلام عندنا، وان الغيب لا يعلمه الا الله وما ادعاه لبشر الا مشرك كافر".
     وقد قال الامام الصادق عليه السلام :" يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب!.. والله لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت في اي بيوت الدار هي". وسأل يحيى بن عبدالله الامام موسى الكاظم عليه السلام فقال:" جعلت فداك انهم يزعمون انك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله! ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت شعرة فيه وفي جسدي الا قامت. لا والله ما هي الا وراثة من رسول الله ". وفي رواية اخرى ينقلها الحر العاملي، يقول فيها الامام:" قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة ارجح منه... اني بريء الى الله والى رسوله ممن يقول انا نعلم الغيب ".
     وكان يفترض بالشيخ الدكتور المالكي أن يطلع بدقة على آراء الشيعة وأقوال أهل البيت عليهم السلام قبل أن يصدق الإشاعات والأساطير التي كان ينسجها أدعياء النيابة الخاصة عن أنفسهم، فاذا كان أئمة أهل البيت لا يعلمون الغيب وينفونه عن أنفسهم فكيف يعلمه أدعياء النيابة؟
     وقد استوقفني الشيخ المالكي وهو يحاول تصديق تلك الدعاوى، وتسويقها، بقوله : "ان الله يطلع على بعض المعلومات الغيبيّة مَن ارتضى من خلقه" وكان الأجدر به أن يتلو الآية الكريمة كما هي، لا أن يشوهها بهذه الصورة، وإذا لم يكن يحفظها كان الأولى به العودة الى القرآن الكريم الذي يقول:" عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، الا من ارتضى من رسول..." (الجن 26 -27) وليس "من أرتضى من خلقه". والفرق شاسع بين الرسل، وبين "من ارتضى من خلقه" الذين يحاول المالكي إدخال النواب الأربعة فيهم.
     إذن فلا يمكننا ان نصدق بدعوى أولئك النواب بالنيابة عن الامام المهدي، ونعتبر قولهم دليلا على وجود الامام، استنادا الى دعاوى المعاجز او العلم بالغيب.
     وإذا كنا نتهم أدعياء النيابة الكاذبين بجر النار الى قرصهم، وبالحرص على الاموال والارتباط بالسلطة العباسية القائمة يومذاك، فان التهمة تتوجه ايضا الى اولئك (النواب الاربعة) الذين لم يكونوا بعيدين عنها. إذ يقول محمد بن علي الشلمغاني الذي كان وكيلا عن الحسين بن روح النوبختي في بني بسطام، ثم انشق عنه وادعى النيابة لنفسه :"ما دخلنا مع أبى القاسم الحسين بن روح في هذا الأمر الا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف".
     وبعد انهيار كل هذه "الأدلة" لا يجد الشيخ الدكتور فاضل المالكي، دليلا على وجود (الامام المهدي) الا التشبث بقشة (الخط) الذي يقول ان الامام كان يكتب به تواقيعه للنواب " فهنالك للامام خط خاص، هذا الخط الخاص مألوف ومأنوس في زمن أبيه الامام العسكري عليه السلام، وقد نص الصدوق رحمه الله بأنّه من جملة الطرق التي كان يعرف الناس بها وجود الامام سلام الله عليه وصدق دعوى سفارة مَن ادّعى السفارة، كان ذلك من خلال معرفة خطه عليه السلام، لانّ الرسائل كانت تصدر بخطّه وتوقيعه مؤرّخة بتأريخها أيضاً، ممّا كانت تؤكّد لكلّ مَن كان له تماس بالامام سلام الله عليه وبواسطتهم لبقية الطبقات كانت تؤكّد وجوده عليه السلام. وهذه الكتب الصادرة كانت بخطّه عليه السلام، لم تكن بخط غيره، ولم تكن مطبوعة مثلاً حسب الفرض، وفي ذلك الزمن لم تكن هنالك أدوات طبع بالنحو الموجود اليوم، المهم أنه لم تكن بخط غيره، إنّما كانت بخط نفسه عليه السلام وموقعة بتوقيعه. فإذن قضية خط الامام وتوقيع الامام الذي كان ينفرد به هذا السفير الصادق الامين، كانت أيضاً طريقة من طرق الاثبات".
     ولا أعرف كيف اعتبر الشيخ الدكتور المالكي، موضوع الخط دليلا على وجود الامام، مع أن خط التواقيع كان سريا وغامضا ومجهولا، ولم يعرفه أحد، ولم يطلع عليه أحد. وكان أدعياء النيابة يحرصون على إخفائه عن عيون الناس، لأنه لم يكن سوى خطهم بأيديهم. وهذا ما يقوله (التوقيع) الذي يرويه الطبرسي في (الاحتجاج) عن اسحق بن يعقوب عن العمري، يقول :" ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه أحدا". ولذلك فقد أشار الشيخ الطوسي الى (خط المهدي) بصورة مريبة، حيث قال: "قال ابو نصر هبة الله: وجدت بخط ابي غالب الرازي: ان العمري كان يتولى هذا الأمر (النيابة) نحوا من خمسين سنة، يحمل الناس اليه أموالهم ويخرج اليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة". ولم يقل أن العمري كان يخرج التواقيع بخط المهدي الذي لم يعرفه أحد، ولم يره أحد فكيف يعرفون خطه؟ وانما قال انه كان يخرج التوايقع بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن. ومن المعروف ان التعرف على خط الامام الحسن بذاته كان مشكلة في حياته، اذ كان يلجأ بعض ادعياء النيابة عنه، الى تزوير خطه، وقد وقع الشيعة بسبب ذلك في مشكلة التعرف على خط الامام العسكري والتأكد من خطه، في حياته، فكيف يمكن التعرف على خط (الامام المهدي) الذي لم يره أحد ولم يُرَ خطه ولم يُتأكد من وجوده؟ ولا يملك عامة الناس وسيلة للتحقق منه ؟
     ومع وجود هذه الاشكالية الكبيرة، فان العمري لم يكن يسلم الخطوط والتواقيع الى أحد، بل كان يبرزها لهم فقط او يستنسخها بخطه.
     ولذلك يمكننا اتخاذ (سرية الخط او الحرص على إخفائه) دليلا إضافيا على عدم وجود (محمد بن الحسن العسكري) الذي ان كان موجودا فعلاً وكان مختفيا وغائبا لأسباب أمنية، لكان لجأ بصورة قاطعة الى اثبات شخصيته عند الشيعة، وقيادتهم عبر الرسائل الموقعة التي لا تقبل الشك والنقاش، ويمكن معرفتها وتمييزها بواسطة التعرف على الخط، والمقارنة بينها، كواحدة من الوسائل العديدة التي يثبت بها نفسه.
     وفي الختام أطلب من الشيخ الدكتور فاضل المالكي، الذي ربما يطمح لتبؤ منصب المرجعية الدينية، أن يعيد دراسة قضية (وجود الامام الثاني عشر) بروح علمية أكاديمية محايدة، حتى يصل الى جوهر مذهب أهل البيت، ويزيح عنه ما تراكم عليه من خرافات وأساطير[12].


[1] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 510

[2] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 440 ، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 2 /520 ، الغيبة، للطوسي، 251

[3] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 441 ، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 2 /520 ، الغيبة، للطوسي، 364

[4] الكافي، للكليني، 1 /330 ، الغيبة، للطوسي، 243

[5] الغيبة، للطوسي، 356 ، بحار الأنوار، 51 /345

[6] الغيبة، للطوسي، 356 ، بحار الأنوار، 51 /350

[7] الغيبة، للطوسي، 361 ، بحار الأنوار، 51 /349

[8] الغيبة، للطوسي، 291 ، بحار الأنوار، 49 /13 ، عيون أخبار الرضا، للصدوق، 1 /31

[9] الغيبة، للطوسي، 108 ، بحار الأنوار، 51 /203 ، الفصول العشرة، للمفيد، 80

[10] الكنى والألقاب، لعباس القمي، 3 /267

[11] أنظر : الغيبة، للطوسي، 397 (باب : ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية والسفارة كذبا وافتراء  لعنهم الله )

[12]  مختصر لرد الكاتب على المالكي. للتفاصيل راجع الرابط https: / /ar-ar.facebook.com /ahmad.alkatib1 /posts /2895968511260?fref=nf

عدد مرات القراءة:
674
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :