نفحات اللاهوت
كتاب لعلي بن حسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي (ت : 940 هـ) المعروف بين الشيعة بالمحقق الكركي، وعنوانه الكامل "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت". يتكلم فيه مؤلفه بزعمه عن البراءة من اعداء النبي محمد واهل بيته وعلى رأسهم الشيخين رضي الله عنهم أجمعين. كتبه في مدينة مشهد أيام الشاه إسماعيل الصفوي، وجعله في مقدّمة وسبعة فصول وخاتمة، وهي : المبحث الأوّل: معنى اللعن. المبحث الثاني: كون اللعن عبادة بالنسبة إلى مستحقّيه. المبحث الثالث: فيما يستحقّ به المكلّف اللعن. المبحث الرابع: هل اللعن لمستحقّه واجب أم جائز؟ المبحث الخامس: ردّ قول العامّة بعدالة الصحابة. الفصل الأوّل: الاستدلال بالقرآن الكريم على جواز اللعن. الفصل الثاني: الاستدلال على جواز لعنهم بقوله: {إنّ الذين يؤذون الله ورسوله..}. الفصل الثالث: الاستدلال على جواز لعنهم بقوله: {إنّ الذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى..}. الفصل الرابع: الاستدلال على جواز لعنهم بقوله: {ياأيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً..}. الفصل الخامس: الاستدلال على جواز لعنهم بقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله..}. الفصل السادس: روايات من طرق أهل السنّة تتضّمن اللعن صريحاً أو تستلزمه. الفصل السابع: روايات من طرق أهل البيت (عليه السلام) في جواز لعنهم. الخاتمة، وفيها بحثان: الأول: بيان حال عائشة. الثاني: حصر أهل السنّة المذاهب في أربعة فقط. جولة في الكتاب : الفصل السابع : في نبذة يسيرة ممّا ورد في طرق أصحابنا الإماميّة رضي الله عنهم ممّا هو صريح في لعن هؤلاء وإثبات كفرهم، إذ هو في شدّة الظهور والوضوح كالصريح، وهو كثير جدّاً والغرض هنا التعرّض إليه لنستدلّ باليسير على الكثير: روى الشيخ في (التهذيب) باسناده إلى الحسين بن ثوير وأبي سلمة السرّاج، قالا: سمعنا أبا عبدالله وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرجال وأربعاً من النساء: التيمّي والعدويّ وفُلان ومعاوية، يُسَمّيهم، وفُلانة وفُلانة وهند واُمّ الحكم اُخت معاوية. وقد اشتهر أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يَقْنُتُ في الوتر بلعن صَنَمَيْ قريش، يريد بهما أبا بكر وعمر. وقد ورد استحباب الدعاء على أعداء الله في الوتر. وروى الشيخ الجليل الثقة محمّد بن شهرآشوب في كتاب (المثالب): إنّ الصادق (عليه السلام) لمّا سُئل عن أبي بكر وعمر قال: كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحقّ وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة!!! فلَمّا خلى المجلس قال له بعض أصحابه: كيف قلت يا بن رسول الله؟! فقال: نعم، أمّا قولي: كانا إمامين فهو مأخوذ من قوله تعالى: { وَجَعلْناهُم أَئمَّةً يَدعونَ إلى النّار }. وأمّا قولي: قاسطين فهو مأخوذ من قوله تعالى: { وأَمّا القاسِطُونَ فَكَانوا لجَهَنَّم حَطَباً }. وأمّا قولي: عادِلين فهو مأخوذ من قوله تعالى: { ثُمَّ الَّذينَ كَفَروا بِرَبِّهم يَعدِلوُنَ }. وأمّا قولي: كانا على الحقّ فالحق عليّ (عليه السلام)، وقولي ماتا عليه فالمراد به أنّهما لم يتوبا عن تظاهرهما عليه بل ماتا على ظلمهما إيّاه. وأمّا قولي: فرحمة الله عليهما يوم القيامة فالمراد به أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)ينتصف له منهما آخِذاً من قوله تعالى: { وَما أَرسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً للِعالَمينَ }. وروى الشيخ في (التهذيب) عن الحارث بن المغيرة البصري قال: دخلتُ على أبي جعفر (عليه السلام) فجلستُ عنده، فإذا نجيّة قد استأذن عليه فأذِنَ له، فدخل فجثى على ركبتيه ثمّ قال: جُعلت فداك، إنّي اُريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلاّ فكاك رقبتي من النار، فكأنّه (عليه السلام) رَقَّ له، فاستوى جالساً فقال: يا نجيّة، سَلني فلا تسألني اليوم عن شيء إلاّ أخبرتك به. فقال: جعلتُ فداك، ما تقول في فلان وفلان؟ قال (عليه السلام): يا نجيّة، إنّ لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الأنفال، ولنا صفوة الأموال. وهُما والله أوّل مَن ظلمنا حقّنا في كتاب الله، وأوّل مَن حملَ الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة. وإنّ الناس ليتقلّبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت. فقال نجيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ـ ثلاث مرّات ـ هلكنا وربّ الكعبة. قال: فرفع جسده من الوسادة واستقبل القبلة فَدَعا بدعاء لم أفهم منه شيئاً، إلاّ سمعناه في آخر دعاءه وهو يقول: اللّهمّ إنّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: يا نجيّة، ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا. قلتُ: المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر; لأنّهما أوّل مَن مَنَع أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم بلا خلاف. وإنّما كنّى عنهما في الحديث رعاية للتقيّة كما كان مقتضى الزمان، واعتماداً على شدّة ظهور المراد. رَوى الشيخ أمين الدين ثقة الإسلام أبو علي الطبرسي في (تفسيره الكبير) في معنى قوله تعالى: { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَعْنَةُ اللهِ على الظالمين } عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: المؤذِّن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قال: ذكره عليّ بن إبراهيم في (تفسيره) قال: حَدَّثني أبي عن محمّد بن فضيل عن الرضا (عليه السلام)، ورواه أبو القاسم الحسكاني باسناده عن محمّد بن الحنفيّة عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: أنا ذلك المؤذِّن. وباسناده عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ لعليّ (عليه السلام) في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس، قوله: { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ } فهو المؤذّن بينهم، يقول: أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمينَ الَّذين كذّبوا بولايتي واستخفّوا بحقّي. قلتُ: هذا أيضاً دالّ على لعن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنّهم بتقدّمهم عليه كذّبوا بولايته وبأنّ الحقّ له، وذلك مِن أعظم الاستخفاف بحقّه. وقول عمر لابن عباس فيما روي سابقاً: ما مَنَعهم منه إلاّ أنّهم استصغروه، وقوله له: أينَ خلَّفت ابن عمّك؟ وأمثال هذا ممّا لا يمكن حصره. روى الشيخ في (التهذيب) باسناده عن أبي الصامت عن أبي عبدالله (عليه السلام): أكبر الكبائر سبع: الشرك باللهِ العظيم، وقتل النفس الّتي حرّم الله عزّ وجلّ، وأكل أموال اليتامى، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وإنكار ما أنزل الله عزّ وجلّ. فأمّا الشرك بالله العظيم، فقد بَلَغكم ما أنزل الله فينا وما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فردّوه على الله ورسوله. وأمّا قتل النفس الحرام، فقتل الحسين وأصحابه عليهم جميعاً سلام الله. وأمّا أكل أموال اليتامى فقد ظُلمنا فيئنا فذهبوا به. وأمّا عقوق الوالدين، فإنّ الله تعالى قال في كتابه: { النَّبِيُّ أَولى بالمُؤمنينَ مِنْ أَنْفسهِم وَأَزواجُهُ اُمَّهاتُهُمْ }وهو أبٌ لهم، فعقّوه في ذريّته وفي قرابته. وأمّا قذف المحصنات، فقد قذفوا فاطمة (عليها السلام) على منابرهم. وأمّا الفرار من الزحف، فقد أعطوا أمير المؤمنين (عليه السلام) البيعة طائعين غير مكرهين، ثمّ فروّا منه وخذولوه. وأمّا إنكار ما أنزل الله عزّ وجلّ فقد أنكروا حقّنا وجحدوا ما جعله الله له، وهذا ما لا يتعاجَمُ فيه أحد. فالله تعالى يقول: { إن تَجْتَنِبوُا كَبائِرَ ما تَنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ونُدْخلكُم مُدخَلاً كَريماً }". قلت: المراد بمن نُسبَت إليهم هذه الاُمورِ الفظيعة أبو بكر وعمر وعثمان; لأنَّ الذي ظلم أهل البيت (عليهم السلام) فيئهم وخمسهم وحقّهم أوّلاً هو أبو بكر وعمر، وجرى عليه عثمان ومن بعده. ونسبة قتل الحسين (عليه السلام)، إليهم; لأنّهم أسّسوا أساس الظلم على أهل البيت (عليهم السلام)، فانجرّ الأمر إلى قتل الحسين (عليه السلام)، فإنّه من حين ولّي الأمر أبو بكر واحتفّ به جماعة من قريش وذؤبان العرب أصحاب الحقد والضغن والحسد على أمير المؤمنين (عليه السلام)، تبيّن أنّهم يُدالون عن أهل البيت (عليهم السلام) بمنع الإرث والنحلة والخمس، والطلب إلى البيعة بالإهانة والتهديد بتحريق البيت وجمع الحطب عند الباب، وإسقاط فاطمة (عليها السلام) ولداً ذَكَراً ـ كما رواه أصحابنا ـ إغراءً للباقين بالظلم لهم والانتقام منهم. وقد روى الشيخ في (التهذيب) باسناده عن عليّ بن أسباط قال: لمّا ورد أبو الحسن موسى (عليه السلام) على المَهدي وَجَده يردّ المظالم، فقال له: ما بال مظلمتنا لا تُردّ يا أمير المؤمنين؟ فقال له: وما هي يا أبا الحسن؟ فقال له: إنّ الله لمّا فتح على نبيّه (صلى الله عليه وآله) فَدَكاً وما والاها ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فأنزل الله على نبيّه: { وَآتِ ذا القُربى حَقَّهُ }، فلم يدرِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مَن هُمْ، فراجَعَ عن ذلك جبرائيل فسأل في ذلك، فأوحى إليه أن ادفع فدكاً إلى فاطمة (عليها السلام). فقال لها: يا فاطمة، إنّ الله أمرني أن أدفع إليك فدكاً. فقالت: قد قبلتُ يا رسول الله من الله ومِنكَ. فلم يَزَل وُكلاؤها فيها حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا ولّي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها. فأتَتْه وسألته أن يردّها عليها، فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك. فجاءت بأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) واُمّ أيمن فشهدوا، فكتبَ لها بترك التعرّض. فخرجَت بالكتاب فلقيها عمر فقال لها: ما هذا معك يا بنت محمّد؟ قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة. قال لها: أرينيه. فأبَت، فانتزعه من يدها فنظر فيه وتفل فيه ومحاه وخَرَقه وقال: هذا لأنّ أباك لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب!!؟ وتركها ومضى. فقال له المهديّ حدّها لي، فحدّها، فقال: هذا كثير فانظر فيه. قلتُ: فعل عمر هذا صريح من الظلم والتغلّب والعقوق، وقوله: هذا لأنّ أباكِ... إلى آخره، فيه من التهكّم والاستهزاء، وتخريقه الكتاب فيه من الاستحقار والاستصغار ما هو ظاهر جليّ، وأقلّ ما يوجب ذلك الكفر لا محالة. ورجوع أبي بكر إلى ظلمها بقول عمر بعد اعترافه بالحق لها وكتابته بعدم التعرّض إلى حقّها، فيه غنية وبلاغ لاُولي الألباب، فإنّه إن كان الحقّ لها كيف استولى عليه بعد ذلك واستعمل عليه عمّاله؟ وإن لم يكن فكيف كتبَ لها كتاباً باطلاً. وهذا النحو في كتب أصحابنا ممّا لو تحرّى المتصدّي له حصره جمعَ منه مجلّدات ولم يأتِ على آخره، وقد أورد الرئيس الضابط الثقة محمّد بن يعقوب الكليني في كتابه (الكافي) من ذلك شيئاً كثيراً، وفيه أحاديث باللعن الصريح والحثّ عليه من الأئمّه (عليهم السلام). ونرجو إن وفّق الله سبحانه لإبراز ما وعدنا به أن نوردها في جملته بتوفيق الله تعالى ومعونته. ومن كلام له (عليه السلام): اللهمَّ إنّي أستَعدْيك على قريش، فإنّهم قد قطعوا رحمي واكفؤا إنائي واجمعوا على منازعتي حقّاً كنُت أولى به من غيري وقالوا: ألا إنَّ في الحقِّ أن تأخذه وفي الحق أن تُمنعه، فاصبر مغموماً أو مُت متأسّفاً. فنظرت فإذاً ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننتُ بهم عن المنيّة، فأغضَيتُ على القذى وجرعت ريقي على الشجى وصبرتُ في كظم الغيظ على أمرّ من العلقم وآلَمَ للقلب من حزّ الشفار. قلت: وهذا الكلام أيضاً دال على أنّه لو وجدَ ناصراً أو أعواناً لحاربهم، فإنّ قوله: فنظرت فإذاً ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي فضننتُ بهم عن المنيّة صريح في ذلك. ومن كلام له (عليه السلام): يا عجباً! أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة؟! ويُروي له شعر في هذا المعنى: فَإنْ كُنْتَ بِالشُّورى مَلَكْتَ اُمُورَهُمْ فَكَيْفَ بِهذَا وَالمُشِيروُنَ غُيَّبُ وَإِنْ كُنْتَ بِالقُرْبى حَجَجْتَ خَصِمَهُمْ فَغَيْرُكَ أَوْلى بالنَّبيّ وَأَقْرَبُ. ومن كلام له (عليه السلام) من هذا النمط شيء كثير لمن تتبّعه، ولسنا بصدد حصره ; لأنّ اليسير منه كاف في الدلالة على ما نحن بصدده لمن كان طالباً للحق متحرّياً للصواب. ولعمري إنّ مَن وقف على ما أثبتناه من الدلائل واطّلع على ما أوردناه من الحجج، فلم يعرف الحقّ مِن كلّ واحد منها، ولا تبيّن له طريق الهدى من جُملتها، لسقيم الفؤاد، وشديد المرض بداء العناد، مأيوس من برئه بعلاج الكلام، إذ لا دواءَ له بعدُ إلاّ بضرب الحسام والمؤاخذة بعظيم الانتقام. أمّا الخاتمة ففيها بحثان: البحث الأوّل في بيان حال عائشة والإشارة إلى بعض ما يدلّ على استحقاقها اللعن. لا يخفى أنّ عائشة أَلَبَّت على أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجت مع طلحة والزبير إلى البصرة، وعامل عليّ (عليه السلام) فيها، فقتلوه واستولوا على بيت مال المسلمين، وأخرجوا أهل البصرة عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولبّسوا عليهم الشُبَه والأباطيل، ونادوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّه قتل عثمان وإنّا نريد الأخذ بثاره، مع أنّ طلحة والزبير كانا قد بايعاه فنكثا البيعة وفَعَلا ما فعلاه. ومعلوم بين نقلة الأخبار ـ كما علم بوجود الليل والنهار ـ أنّ طلحة رأس المؤلّبين على عثمان، وعائشة رأس المحرّضين على قتله، وهي القائلة: اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً، فلقد أبلى سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذه ثيابه لم تبل. ولَمّا خرجت إلى مكّة وبلغها قتله وأنّ الناس اجتمعوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) وَرِمَ أنفها وحرّكها ما في قلبها من العداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: لأطلبنَّ بدمه. أنظر أيضاً : علي بن حسين الكركي العاملي.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video