معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

يوسف البحراني (صاحب الحدائق) ..
الكاتب : فيصل نور ..

يوسف البحراني
(1107هـ -  1186 هـ)
 

     يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صالح بن عصفور الدرازي البحراني. ولد بقرية (الماحوز ) في البحرين عام 1107 هـ.
     نشأ في حِجْرِ جدّه، فأحضر له معلماً في البيت يعلمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة. ثم بعد ذلك لازم الدرس عند والده. بعد وفاة والده سنة 1131 هـ تكفل بالعائلة و عمره أربع وعشرون سنة وسافر الى القطيف و بقي فيها سنتين يقرأ فيهما على حسين الماحوزي . عاد الى البحرين، ولبث فيها بضع سنين ينهي دراسته على احمد بن عبد الله، وعبد الله بن علي.
غادر إلى إيران بعد قتل الشاه السلطان حسين الصفوي، وحلّ برهة في كرمان ثم الى شيراز حيث استقرّ مقيماً بها. ثم هاجر إلى كربلاء ، والذي يظهر من تأريخ بعض تآليفه أنه حلّ بها قبل عام (1169هـ)، ودارت بينه وبين الوحيد مناظرات كثيرة طويلة في الابحاث العلميّة العميقة. وأقام في كربلاء مدة عشرين سنة و خلالها زار النجف والظاهر أنه ألف كتابه ( الدرر النجفية ) خلال مكثه بها.
 
من أقوال العلماء فيه :
 
تلميذه أبو علي الحائري مؤلف كتاب منتهى المقال المشهور برجال أبي علي قال في ترجمة الشيخ يوسف البحراني (رحمه الله): عالم فاضل متبحر ماهر متتبع محدث ورع عابد صدوق دين من أجلة مشايخنا وأفاضل علمائنا المتبحرين.
 
2 ـ وقال تلميذه الأمير عبد الباقي سبط العلامة المجلسي في منتخب لؤلؤة البحرين: كان فاضلاً عالماً محققاً نحريراً مستجمعاً للعلوم العقلية والنقلية.
 
3 ـ وقال المحقق الكبير الشيخ أسد الله التستري في كتاب مقابس الأنوار: العالم العامل المحقق الكامل المحدث الفقيه المتكلم الوجيه خلاصة الأفاضل الكرام. وعمدة الأماثل العظام الحاوي من الورع والتقوى أقصاهما، ومن الزهد والعبادة أسناهما، ومن الفضل والسعادة أعلاهما، ومن المكارم والمزايا أغلاهما الرضي الزكي التقي النقي المشتهر فضله في أقطار الأمصار وأكناف البراري المؤيد بعواطف ألطاف الباري.
 
من أساتذته :

  1. أحمد بن عبد الله البلادي البحراني.

  2. عبد الله بن علي البلادي البحراني.

  3. أحمد بن إبراهيم البحراني. (والده)

  4. حسين الماحوزي.

 
من تلامذته :

  1. محمد بن اسماعيل المازندراني (أبو علي الحائري). مؤلف "منتهى المقال في علم الرجال".

  2. ميرزا أبو القاسم القمي .احمد بن محمد ( ابن أخيه ). صاحب القوانين.

  3. عبد الباقي بن محمد حسين الخاتون آبادي ( سبط المجلسي ).

  4. حسين بن محمد ( ابن أخيه).

  5. علي الحائري صاحب ( الرياض ).

  6. مهدي بحر العلوم .

  7. محمد مهدي النراقي، المعروف بالمحقّق النراقي. صاحب "مستند الشيعة".

  8. الميرزا مهدي بن هداية الله الخراساني .

  9. أبو القاسم القمي.

  10. علي الطباطبائي.

 
من مؤلفاته :

  1. الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، وهو موسوعة فقهية ضخمة. الذي أصبح أشهر من اسمه حتى كاد لا يذكر إلا بوصف صاحب الحدائق. وهو مطبوع في (25) مجلداً.

  2. الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية.

  3. لؤلؤة البحرين في الاجازة لقرتي العينيين.

  4. أنيس المسافر وجليس الحاضر و اشتهر بـ ( كشكول الشيخ يوسف البحراني).

  5. الاربعون حديثاً، في مناقب أمير المؤمنين.

  6. سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد.

  7. الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتب عليه من المطالب.

  8. الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة.

  9. الكنوز المودعة في إتمام الصلاة في الحرم الاربعة ـ  مكة والمدينة، وكربلاء، والكوفة.

  10. عقد الجواهر النورانية في أجوبة المسائل البحرانية.

  11. النفحات الملكوتية في الردّ على الصوفية.

  12. اعلام القاصدين الى مناهج أصول الدين.

  13. معراج النبيه في شرح من لا يحضره الفقيه.

  14. ميزان الترجيح في افضلية القول فيما عدا الاوليين بالتسبيح.

 
وفاته :
     توفي في الرابع من شهر ربيع الاول عام 1186هـ، عن عمر ناهز الثمانين.شيّعه أهالي كربلاء، وصلى عليه الوحيد البهبهاني بوصيّة منه، ودفن بالحائر بالرواق الحسيني عند رجلي الشهداء.
 
جولة في بعض كتب يوسف البحراني :
بعض ما جاء في كفر الصحابة رضي الله عنهم وأهل السنة :

يقول يوسف البحراني: إنك قد عرفت أن المخالف كافر لا حظ له في الإسلام بوجه من الوجوه، كما حققناه في كتاب الشهاب الثاقب[1].
ويضيف: والحكم بإسلام المخالفين إنما وقع في كلام جملة من المتأخرين غفلة عن التعمق في الأخبار والنظر فيها بعين الفكر والاعتبار[2].
ويقول:... وهذا أيضاً هو الموافق للأخبار المستفيضة الدالة على أن الناس في زمانهم عليهم السلام على أقسام ثلاثة: مؤمن وكافر وضال، والمراد بالضال الشكاك والمستضعفون، وقد نقلناها في كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره، وهي صريحة في كفر المخالفين كما عليه جل علمائنا المتقدمين حسب أوضحناه في الكتاب المشار إليه[3].
وقال أيضاً: المشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم - أي المخالفين - ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الإمامية[4].
وأقواله في الباب كثيره، وتكفيره لأهل السُنة من الأمور المعروفة عند أقرانه.
ويقول الخوئي: وأما الصلاة على المخالف فقد ذهب صاحب الحدائق إلى عدم وجوب الصلاة عليه كالكافر، ونسبه إلى بعضهم، وهذا يبتني على مسلكه من كُفْر المخالفين، وإنما أمرنا بالمعاشرة معهم تقية[5].
وأما الجواهري فيقول:... كما أن المحدث البحراني بعد أن ذهب إلى كفر المخالفين وعدم مشروعية الصلاة عليهم إلا تقية قال هنا: إنه متى صلى كان مخيراً بين الدعاء عليهم بعد كل تكبيرة.. إلخ[6].
وفي جواز اغتيابهم قال يوسف البحراني: إن الآية التي دلت على تحريم الغيبة - وإن كان صدرها مجملاً - إلا أن قوله - عز وجل - فيها: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ))، مما يعين الحمل على المؤمنين، فإن إثبات الأخوة بين المؤمن والمخالف له في دينه لا يكاد يدعيه من شم رائحة الإيمان ولا من أحاط خبراً بأخبار السادة الأعيان لاستفاضتها بوجوب معاداتهم والبراءة منهم[7].
ويقول: من أوضح الواضحات في جواز غيبة المخالفين: طعن الأئمة عليه السلام بأنهم أولاد زنا[8].
ولما اتسعت دائرة الخلافات بينهما حتى افتضح أمرهما عند مخالفيهم، ظهرت أصوات تنادي بغلق هذا الباب، كما قال شيخ الأخباريين يوسف البحراني: إن الذي ظهر لنا بعد اعطاء التأمل حقه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام هو الإغماض عن هذا الباب، وإرخاء الستر دونه والحجاب[9]... إلى آخر ذلك.
     وقال : أن من العجب الذي يضحك الثكلى والبين البطلان الذي أظهر من كل شئ وأجلى أن يحكم بنجاسة من أنكر ضروريا من سائر ضروريات الدين وإن لم يعلم أن ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يحكم بنجاسة من يسب أمير المؤمنين عليه السلام وأخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه وضرب الزهراء عليها السلام حتى أسقطها جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها مضافا إلى غصب الخلافة الذي هو أصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب ، ما هذا إلا سهو زائد من هذا النحرير وغفلة واضحة عن هذا التحرير ، فيا سبحان الله كأنه لم يراجع الأخبار الواردة في المقام الدالة على ارتدادهم عن الاسلام واستحقاقهم القتل منه عليه السلام لولا الوحدة وعدم المساعد من أولئك الأنام ، وهل يجوز يا ذوي العقول والأحلام أن يستوجبوا القتل وهم طاهرو الأجسام ؟ ثم أي دليل دل على نجاسة ابن زياد ويزيد وكل من تابعهم في ذلك الفعل الشنيع الشديد ؟ وأي دليل دل على نجاسة بني أمية الأرجاس وكل من حذا حذوهم من كفرة بني العباس الذين قد أبادوا الذرية العلوية وجرعوهم كؤوس الغصص والمنية ؟ وأي حديث صرح بنجاستهم حتى يصرح بنجاسة أئمتهم ، وأي ناظر وسامع خفي عليه ما بلغ بهم من أئمة الضلال حتى لا يصار إليه إلا مع الدلالة ؟ ولعله (قدس سره) أيضا يمنع من نجاسة يزيد وأمثاله من خنازير بني أمية وكلاب بني العباس لعدم الدليل على كون التقية هي المانعة من اجتناب أولئك الأرجاس[10].
     وقال تعليقاً على رواية عن أبي عبدالله  قال أما بلغكم أن رجلا صلى عليه على عليه السلام فكبر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات يكبر في كل صلاة خمس تكبيرات ؟ قال ثم قال إنه بدري عقبي أحدي وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله من الاثني عشر نقيبا وكانت له خمس مناقب فصلى عليه لكل منقبة صلاة. قال يوسف البحراني: لعل المنقبة الخامسة هو اخلاص الرجل في التشيع والولاء لأمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام وإنه كان من السابقين الذين رجعوا إليه بعد ارتداد الناس[11].
     وعلق على قول الحلي في المنتهى بعد أن نقل كلام أحمد في نهي عمر عن صيام رجب وقوله إنما كان تعظمه الجاهلية يقتضي عدم العرفان بفضل هذا الشهر الشريف في الشريعة المحمدية ، وكذا أمر ابن عمر وأبي بكر بترك صومه يدل على قلة معرفتهما بفضل هذا الشهر ، وبالجملة لا اعتداد بفعل هؤلاء مع ما نقلناه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته. قال يوسف البحراني: بل الظاهر أن الوجه في منع القوم إنما هو ما سمعوه من أن هذا الشهر شهر علي عليه السلام كما ورد في بعض أخبارنا وأنه مأمور بصومه لذلك كما أن شعبان شهر النبي صلى الله عليه وآله وشهر رمضان شهر الله تعالى فيكون عليه السلام قرينا لهما في هذا الموضع كما في غيره فحملتهم العداوة الجبلية على المنع من صومه حسدا وبغضا ، إذ يبعد كل البعد عدم سماعهم من الرسول صلى الله عليه وآله ما ورد في فضله مع صومه صلى الله عليه وآله كلا أو بعضا. ثم أقول : لا يخفى أنه متى كانت الأخبار قد وردت من هذين الخليفتين اللذين هما معتمدا أهل السنة في دينهما زيادة على الرسول صلى الله عليه وآله كما يعلم من تصلبهم على القيام ببدعهم في الدين فإن هذا القول لا يختص بأحمد من بينهم إلا أنه لم ينقل. والله العالم[12]
     ويقول البحراني : فهل لعائشة ولمعاوية عليهما اللعنة مزية وفضيلة … غير ما ذكرنا من تظاهرهم زيادة على غيرهم على أهل البيت بالظلم والفجور[13].
     وقال : إن ما نقل عن الشيخ المذكور - أي الكركي - من ترك التقية والمجاهرة بسب الشيخين خلاف ما استفاضت به الأخبار عن الأئمة الأبرار عليه السلام، وهي غفلة من شيخنا المشار إليه إن ثبت النقل المذكور[14].
     وقال : غير خفي على ذوي العقول من أهل الإيمان وطالبي الحق من ذوي الأذهان ما بلى به هذ الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، وغصب الخلافة من وصية أمير المؤمنين[15].
     وقال : أصحاب الصدر الأول أصحاب ردة، وأنهم لم ينج منهم إلا القليل، ثم رجع بعض الناس بعد ذلك شيئاً فشيئاً [16].
      وقال : في رده على من استشهد بحديث إغتساله صلى الله عليه وآله وسلم مع عائشة من إناء واحد، وانه صلى الله عليه وآله وسلم كان يشرب من المواضع التي تشرب منها عائشة وبعده، وكذلك لم يجتنب علي عليه السلام سؤر أحد من الصحابة مع مباينتهم. قال : لا ريب أيضا أن الولاية إنما نزلت في آخر عمره صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم والمخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف إنما وقع بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتوجه الإيراد بحديث عائشة والغسل معها في إناء واحد ومساورتها كما لا يخفى، وذلك لأنها في حياته صلى الله عليه وآله وسلم على ظاهر الايمان وإن ارتدت بعد موته كما ارتد ذلك الجم الغفير المجزوم بايمانهم في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ومع تسليم كونها في حياته من المنافقين فالفرق ظاهر بين حالي وجوده صلى الله عليه وآله وسلم وموته حيث إن جملة المنافقين كانوا في وقت حياته على ظاهر الاسلام منقادين لأوامره ونواهيه ولم يحدث منهم ما يوجب الارتداد، وأما بعد موته فحيث أبدوا تلك الضغائن البدرية وأظهروا الأحقاد الجاهلية ونقضوا تلك البيعة الغديرية التي هي في ضرورتها من الشمس المضيئة فقد كشفوا ما كان مستورا من الداء الدفين وارتدوا جهارا غير منكرين ولا مستخفين كما استفاضت به أخبار الأئمة الطاهرين عليهم السلام فشتان ما بين الحالتين وما أبعد ما بين الوقتين، فأي عاقل بزعم أن أولئك الكفرة اللئام قد بقوا على ظاهر الاسلام حتى يستدل بهم في هذا المقام[17].
     وقال : في رده على بعض علماء الشيعة الذين قالوا بطهارة المخالفين : أن من العجب الذي يضحك الثكلى والبين البطلان الذي أظهر من كل شئ وأجلى أن يحكم بنجاسة من أنكر ضروريا من سائر ضروريات الدين وإن لم يعلم أن ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يحكم بنجاسة من يسب أمير المؤمنين عليه السلام وأخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه وضرب الزهراء عليها السلام حتى أسقطها جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها مضافا إلى غصب الخلافة الذي هو أصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب، ما هذا إلا سهو زائد من هذا النحرير وغفلة واضحة عن هذا التحرير، فيا سبحان الله كأنه لم يراجع الأخبار الواردة في المقام الدالة على ارتدادهم عن الاسلام واستحقاقهم القتل منه عليه السلام لولا الوحدة وعدم المساعد من أولئك الأنام، وهل يجوز يا ذوي العقول والأحلام أن يستوجبوا القتل وهم طاهرو الأجسام؟ ثم أي دليل دل على نجاسة ابن زياد ويزيد وكل من تابعهم في ذلك الفعل الشنيع الشديد؟ وأي دليل دل على نجاسة بني أمية الأرجاس وكل من حذا حذوهم من كفرة بني العباس الذين قد أبادوا الذرية العلوية وجرعوهم كؤوس الغصص والمنية؟ وأي حديث صرح بنجاستهم حتى يصرح بنجاسة أئمتهم، وأي ناظر وسامع خفي عليه ما بلغ بهم من أئمة الضلال حتى لا يصار إليه إلا مع الدلالة؟ ولعله (قدس سره) أيضا يمنع من نجاسة يزيد وأمثاله من خنازير بني أمية وكلاب بني العباس لعدم الدليل على كون التقية هي المانعة من اجتناب أولئك الأرجاس[18].
     وقال : أما عن حديث السؤر وحكاية عايشة فبان الولاية التي هي معيار الكفر والايمان إنما نزلت في آخر عمره صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم والمخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف إنما وقعت بعد موته فلا يتوجه الايراد بحديث عايشة والغسل معها من إناء واحد ومساورتها كما لا يخفى وذلك لأنها في حياته على ظاهر الايمان وإن ارتدت بعد موته كما ارتد ذلك الجم الغفير المجزوم بايمانهم في حياته صلى الله عليه وآله وسلم[19].
     وقال : قول علي بن الحسين عليهما السلام إن أبا سعيد الخدري كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مستقيما فنزع ثلاثة أيام فغسله أهله ثم حمل إلى مصلاه فمات فيه وعن ليث المرادي عن الصادق عليه السلام قال : إن أبا سعيد الخدري قد رزقه الله تعالى هذا الرأي وأنه اشتد نزعه فقال احملوني إلى مصلاي فحملوه فلم يلبث أن هلك أقول : المراد بقوله مستقيما في سابق هذا الخبر هو ما أشير إليه في هذا الخبر من أن الله تعالى رزقه هذا الرأي وهو القول بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأنه لم يكن مع الصحابة الذين ارتدوا على أدبارهم[20].
     وقال : لا خلاف نصاً وفتوى في كونه - أي عمر - إبن زنا وكذا حصول الزنا في آبائه أيضاً[21].
     وذكر في سبب تحريم عمر لمتعة النساء أنه قد طلب أمير المؤمنين عليه السلام إلى منزله ليلة، فلما مضى من الليل جانب طلب منه أن ينام عنده فنام، فلما أصبح الصبح خرج عمر من داخل بيته معترضا على أمير المؤمنين عليه السلام بأنك قلت إنه لا ينبغي للمؤمن أن يبيت ليلة عزبا إذا كان في بلد، وها أنت هذه الليلة بت عزبا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام وما يدريك أنني بت عزبا؟ وأنا هذه الليلة قد تمتعت بأختك فلانة فأسرّها في قلبه حتى تمكن من التحريم فحرمها[22].
 
     بعض ما جاء في إعتقاد يوسف البحراني في تحريف القرآن :
     روى الشيخ رحمه الله في التهذيب عن غالب بن الهذيل قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين على الخفض هي أم على النصب ؟ قال : بل هي على الخفض ولا يخفى أنه على تقدير النصب يدل على المسح أيضا بالعطف على محل الرؤوس ، كما تقول : مررت بزيد وعمرا. إلا أنه ربما يفهم من هذه الرواية أن قراءة أهل البيت عليهم السلام إنما هي على الخفض وإن كان النصب مما يقرأون به في ذلك الوقت ، كما هو أحد القراءات السبع للمشهورة الآن ، فإنا قد حققنا في كتاب المسائل - وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب التنبيه عليه في محله - أن هذه القراءات السبع فضلا عن العشر إن ادعى بعض علمائنا رضوان الله عليهم تواترها عن النبي صلى الله عليه وآله إلا أن الثابت في أخبارنا - وعليه جملة من أصحابنا - خلافه وإن صرحت أخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى يظهر صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه. وليس بالبعيد أن هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز ، لثبوت التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصانا. وإن كان بعض أصحابنا ادعى الاجماع على نفي الأول ، إلا أن في أخبارنا ما يرده ، كما أنهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار ، حيث إن الوارد في أخبارنا أنها نزلت :... فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها "فحذفوا لفظ رسوله وجعلوا محله الضمير. ويقرب بالبال - كما ذكره أيضا بعض علمائنا الأبدال - أن توسيط آية... إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... الآية في خطاب الأزواج من ذلك القبيل[23].
     وقال : ومما يدفع ما ادعوه أيضا استفاضة الأخبار بالتغيير والتبديل في جملة من الآيات من كلمة بأخرى زيادة على الأخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين. ومن الأول ما ورد في قوله عز وجل : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة
ففي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام أنه قرأ أبو بصير عنده هذه الآية فقال عليه السلام ليس هكذا أنزلها الله تعالى وإنما نزلت وأنتم قليل وفي آخر وما كانوا أذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما نزل ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء وما ورد في قوله عز وجل لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ففي الاحتجاج عن الصادق عليه السلام والمجمع عن الرضا عليه السلام لقد تاب الله بالنبي عن المهاجرين والقمي عن الصادق عليه السلام وهكذا أنزلت وفي الاحتجاج عنه عليه السلام وأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى تاب منه ؟ إنما تاب الله به على أمته. وما ورد في قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض.. الآية ففي المجمع عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام أنهم قرأوا خالفوا والقمي عن العالم عليه السلام والكافي والعايشي عن الصادق عليه السلام مثله قال : ولو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة. وما ورد في قوله عز وجل له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ففي تفسير القمي عن الصادق عليه السلام أن هذه الآية قرئت عنده فقال لقارئها ألستم عربا فكيف تكون المعقبات من بين يديه ؟ وإنما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا ؟ فقال إنما أنزلت (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله) ومن ذا الذي يقدر أن يحفظ الشئ من أمر الله ؟ وهم الملائكة المقربون الموكلون بالناس ومثله في تفسير العياشي. وأنت خبير بأن ظواهر هذه الآيات لا تنطبق على ما نطقت به هذه الروايات إلا بارتكاب التكلفات والتعسفات[24].
     وقال تحت عنوان "درّة نجفيّة في الاختلاف في تحريف القرآن: اختلف أصحابنا - رضوان اللَّه عليهم - في وقوع النقصان والتغيير والتبديل في (القرآن) ؛ فالمشهور بين أصحابنا - بل نقل دعوى الإجماع عليه - هو العدم ، وهو الذي ارتضاه المرتضى رضى اللَّه عنه ، وشنّع على من خالفه وأطال في ذلك كما هي عادته ، وهو مذهب الشيخ والصدوق بن بابويه ، والشيخ أبي علي الطبرسي في (مجمع البيان). وذهب جمع إلى وقوع ذلك ، وبه جزم الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره؛ وهو ظاهر تلميذه الكليني أيضا في (الكافي) حيث أكثر من نقل الروايات الدالة على الحذف والنقصان ، ولم يتعرض لردّها ولا تأويلها ، وظاهر الثقة الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتاب (الاحتجاج) بالتقريب المذكور ، وهو الظاهر عندي ، وبه جزم شيخنا المحدّث الصالح الشيخ عبد اللَّه بن صالح البحراني في كتاب (منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين) ، وهو الذي اختاره شيخنا مفيد الطائفة الحقة ورئيس الملة المحقة قدّس سرّه في (أجوبة المسائل السروية) ، قال - عطَّر اللَّه مرقده - : إن الذي بين الدفتين من (القرآن) جميعه كلام اللَّه تعالى، وليس فيه شيء آخر من كلام البشر ، وهو جمهور المنزل ، والباقي ممّا أنزل اللَّه قرآنا عند المستحفظ للشريعة المستودع للأحكام ، لم يضع منه شيء ، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع ؛ لأسباب دعته إلى ذلك ، منها قصوره عن معرفة بعضه ، ومنها ما شك فيه ، ومنها ما تعمد إخراجه. وقد جمع أمير المؤمنين عليه السّلام (القرآن) المنزل من أوّله إلى آخره ، وألفّه بحسب ما وجب من تأليفه ، فقدّم المكي على المدني ، والمنسوخ على الناسخ ، ووضع كل شيء منه في موضعه ؛ فلذلك قال جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام : أما والله لو قرئ القرآن كما انزل لألفيتمونا فيه مسمّين كما سمّي من كان قبلنا.
     وقال عليه السّلام : نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في أعدائنا ، وربع قصص وأمثال ، وربع قضايا وأحكام ، ولنا أهل البيت فضائل القرآن.
     ثمّ قال : (غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السّلام أنهم قد أمروا بقراءة ما بين الدفتين ، وألَّا نتعداه إلى زيادة فيه ولا نقصان منه ، حتى يقوم القائم عليه السّلام فيقرأ الناس (القرآن) على ما أنزله اللَّه تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السّلام. وإنّما نهونا عليهم السّلام عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف ؛ لأنها لم تأت على التواتر وإنّما جاء بها الآحاد ، والواحد قد يغلط فيما ينقله ، ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرّر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين ، وعرّض نفسه للهلاك. فمنعونا عليهم السّلام من قراءة (القرآن) بخلاف ما أثبت بين الدفتين ، لما ذكرنا) انتهى كلامه زيد إكرامه ، وهو جيد متين وجوهر ثمين.
     وعمدة أدلة المانعين لذلك هو أنه على تقدير الحذف والتغيير لا يبقى لنا اعتماد على شيء من (القرآن) ؛ إذ على هذا يحتمل أن تكون كل آية منه محرفة ومغيّرة ، ويكون على خلاف ما أنزل اللَّه ، فلم يبق لنا في (القرآن) حجة أصلا ، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه ، والوصية بالتمسك به ، إلى غير ذلك.
     وأيضا قال اللَّه عزّ وجلّ (وإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه) ، وقال (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ). فكيف يتطرّق إليه التحريف والتغيير ؟ ! وأيضا قد استفاض عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمّة - صلوات اللَّه عليهم - حديث عرض الخبر المروي على (كتاب اللَّه) ؛ ليعلم صحته بموافقته له ، وفساده بمخالفته ، فإذا كان (القرآن) الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض ؟ مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب اللَّه مكذب له ، فيجب ردّه والحكم بفساده وتأويله.
     قال المحدّث الكاشاني في تفسيره (الصافي) - بعد ذكر جملة وافرة من الأخبار الدالة على التحريف ، وإيراد هذا الكلام الذي ذكرناه إشكالا على الأخبار المذكورة - ما صورته : (ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال - والعلم عند اللَّه - أن
     يقال : إن صحت هذه الأخبار ، فلعل التغيير إنّما وقع فيما لا يخلّ بالمقصود كثير إخلال ، كحذف اسم علي وآل محمد عليهم السّلام ، وحذف أسماء المنافقين - عليهم لعائن اللَّه - فإن الانتفاع بعموم اللفظ باق ، وكحذف بعض الآيات وكتمانه ، فإن الانتفاع بالباقي باق ، مع أن الأوصياء عليهم السّلام كانوا يتداركون ما فاتنا من هذا القبيل. ويدلّ على هذا قوله في حديث طلحة : إن أخذتم ما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة ، فإن فيه حجتنا وبيان حقّنا وفرض طاعتنا ".
     ولا يبعد أيضا أن يقال : إن بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ، ولم يكن من أجزاء (القرآن) ، فيكون التبديل من حيث المعنى ، أي حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله ، أعني حملوه على خلاف ما هو به. فمعنى قولهم عليهم السّلام : كذا نزلت أن المراد به ذلك ، لا أنها نزلت مع هذه الزيادة في لفظها ، فحذف منها ذلك اللفظ.
     ومما يدل على هذا ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام ، أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية الحديث.
وما روته العامة أن عليّا عليه السّلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ. ومعلوم أن الحكم بالنسخ لا يكون إلَّا من قبيل التفسير والبيان ، ولا يكون جزءا من (القرآن) ، فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات أيضا كذلك. هذا ما عندي من التفّصي عن الإشكال ، واللَّه يعلم حقيقة الأحوال) انتهى.
     أقول : الوجه المعتمد هو الأول الذي ذكره ، كما سيظهر لك إن شاء اللَّه تعالى من الأخبار الآتية ، وأمّا الثاني فهو بعيد ، بل هو في غاية البعد ، بل ربّما يقطع ببطلانه.
     وأمّا حديث (الكافي) الذي أورده ، فالظاهر أن معناه إنّما هو أن العامة أقاموا حروفه - يعني بقراءتهم له بالأصوات الحسنة والألحان المستحسنة ، والمحافظة على الآداب المذكورة في علم القراءة ، والمستحبات والواجبات المصطلح عليها بينهم ، والمداومة على ختمه ، وحرّفوا حدوده بتفسيرهم له بآرائهم وعقولهم من غير استناد في معرفة أحكامه وحلاله وحرامه إلى أهل الذكر المأمور بالرجوع إليهم في ذلك. هذا هو الظاهر من الخبر المذكور ، وعليه فلا دلالة له على ما ادّعاه.
وأمّا الخبر العامي فلا عبرة به ولا اعتماد عليه.
وتوضيح ذلك : أن المستفاد من الأخبار أن أكثر التغيير والتبديل إنّما وقع فيما يتعلَّق بفضائل أهل البيت عليهم السّلام ، ومثالب أعدائهم بحذف ذلك ، وأمّا الأحكام فالظاهر أنه لم يقع فيها شيء من ذلك ؛ لعدم دخول النقص عليهم من جهتها. وأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها كما ذكره الشيخ في (التبيان) (5) وأمين الإسلام الطبرسي في (مجمع البيان). وحينئذ ، فلا منافاة بين أحاديث التغيير وبين ما ورد من الأمر باتباعه والوصية بالتمسّك به ، وعرض الأخبار المختلفة في الأحكام الشرعية عليه. على أنه لا منافاة بين وقوع التغيير وأمره صلَّى اللَّه عليه وآله لنا بالتمسك به ؛ فإن عدم تمكننا منه على الوجه المراد وحصول المانع من الوصول إليه حسبما يراد يدل على انتفاء فائدة أمره صلَّى اللَّه عليه وآله ، نظير ذلك الكلام في الإمام عليه السّلام ، فإنا مأمورون بالتمسك ، به وأخذ الأحكام عنه ، فمع حصول الخوف والتقية له عليه السّلام عن إفشاء الأحكام ، أو لنا عن الوصول إليه والأخذ عنه ، فهل يكون ذلك رافعا لفائدة الأمر باتباعه ؟
والوجه في الموضعين واحد.
     وحاصل ما أوردوه يرجع إلى أنه لا يجوز أن يسلَّط اللَّه تعالى على من أمر باتباعه ما يمنع من الانتفاع به ، وإلَّا لبطل فائدة الأمر باتباعه. وهو - كما ترى - معارض بما ذكرنا في الإمام عليه السّلام. على أنا لا نسلَّم المنع من الانتفاع به بالكليّة ، بل في الجملة ؛ لأن الباقي منه الموجود بأيدينا قرآن البتة.
     وأما الجواب عن الآيتين :
     فأمّا الآية الأولى ، فإن الحذف والتغيير والتبديل وإن كان باطلا ، لكن ليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد - واللَّه أعلم بحقيقة معنى كلامه - : أنه لا يجوز أن يحصل فيه ما يستلزم بطلانه من تناقض في أحكامه أو كذب في إخباراته وقصصه. وقد روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الباقر عليه السّلام قال : (لا يَأْتِيه الْباطِلُ) من قبل التوراة ، ولا من قبل الإنجيل والزبور ، (ولا مِنْ خَلْفِه) ، أي لا يأتيه من بعده كتاب يبطله ".
     وروى الطبرسي في (مجمع البيان) عن الباقر والصادق عليهما السّلام أنه ليس في إخباره عمّا مضى باطل ، ولا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل. ونقل فيه المعنى الأوّل عن ابن عباس والكلبي.
     أقول : والحمل على أحد هذين المعنيين هو الذي يقبله الذوق السليم والذهن المستقيم ، لا ما توهّموه من تفسير الباطل بالتغيير والتحريف والزيادة والنقصان وإن كان في حد ذاته باطلا ، ولكن لا وجه لاعتباره وإرادته في هذا المقام ؛ لأنه إن أريد ب (القرآن) الذي لا يأتيه الباطل هو كل فرد فرد من أفراده الموجودة بأيدي الناس فهو غير تام ، للإجماع على حرق عثمان لقرآن ابن مسعود وأبي بن كعب، وتخريق الوليد الزنديق له بالنشاب ، بل من الممكن فرض ذلك من أحد المخالفين للإسلام أو الجهال. وكل ذلك من الباطل أيضا ، فليكن تحريف أولئك في الصدر الأول لما في أيديهم من هذا القبيل. وإن أريد في الجملة فيكفي في انتفاء الباطل عنه انتفاؤه عن ذلك الفرد المحفوظ عندهم عليهم السّلام.
     وأمّا عن الآية الثانية ، فيجوز أن يكون المراد منها - واللَّه سبحانه أعلم - الحفظ عن تطرق شبه المعاندين في الدين ، بأن لا يجدون مدخلا إلى القدح فيه.
     وحينئذ يكون مرجع الآيتين إلى أمر واحد ، وأمّا إذا أريد الحفظ عن التغيير والتبديل فيرد عليه ما قدّمناه.
ونقل في كتاب (مجمع البيان) عن الفرّاء أنه يجوز أن يكون الهاء في له  راجعة إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، فكأنه قال : إنّا نزّلنا (القرآن) ، وإنّا لمحمد حافظون.
     هذا ، وأمّا الأخبار الدالة على ما اخترناه من وقوع التغيير والنقصان ، فمنها ما رواه في (الكافي) بإسناده عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السّلام قال : قلت له : جعلت فداك ، إنّا نسمع الآيات في (القرآن) ليس هي عندنا كما نسمعها ، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم ، فهل نأثم ؟ فقال : اقرؤوا كما تعلَّمتم ، فسيجيئكم من يعلَّمكم.
     وما رواه فيه أيضا عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد اللَّه عليه السّلام حروفا من (القرآن) - وأنا أسمع - ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : كفّ عن هذه القراءة ، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حدّه ، وأخرج المصحف الذي كتبهعلي عليه السّلام الحديث.
     أقول : المستفاد من هذين الخبرين أن الأمر بقراءة هذا (القرآن) الموجود الآن ، والاقتصار عليه ، وعدم جواز القراءة بما أخبروا عليهم السّلام بحذفه ، إنّما هو من باب التقية والاستصلاح ، وأن القائم عليه السّلام بعد خروجه وقيامه - عجّل اللَّه فرجه - يقرأ (القرآن) ويأمر بتعليمه على الوجه الذي انزل من تلك الزيادات التي منعوا من قراءتها في هذا الزمان. وحمل تلك الآيات التي نهوا عن قراءتها على أنها تأويل لا تنزيل - مع كونه تعسفا محضا - ينافيه دلالة ظاهر الخبرين ، على أن القائم عليه السّلام يقرؤه كذلك ويعلَّمه الناس.
     ومنها ما رواه في الكتاب المذكور بإسناده إلى البزنطي قال : دفع إليّ أبو الحسن عليه السّلام مصحفا فقال : لا تنظر فيه. فقرأت فيه (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا). فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال : فبعث إليّ أبو الحسن عليه السّلام : ابعث إليّ بالمصحف.
     وأمّا ما ذكره المحدّث الكاشاني في (الوافي) من أنه (لعل المراد أنه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيرا ل (الَّذِينَ كَفَرُوا) و (الْمُشْرِكِينَ) مأخوذة من الوحي ، لا أنها كانت من أجزاء (القرآن) ، وعليه يحمل ما في الخبرين السابقين من استماع الحروف على خلاف ما يقرؤه الناس ، يعني حروف تفسير (القرآن) وبيان المراد منها كما علمت بالوحي ، وكذلك كل ما ورد من هذا القبيل عنهم عليهم السّلام.
     وقد مضى في كتاب الحجة نبذ منه ، فإنه كلَّه محمول على ما قلناه ؛ وذلك أنه لو كان تطرق التحريف والتغيير في ألفاظ (القرآن) لم يبق لنا اعتماد على شيء منه ؛ إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن تكون محرفة ، فلا يكون حجّة لنا ، وتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به ، وعرض الأخبار المتعارضة عليه) - انتهى - ففيه ما قدّمنا نقله عنه في (الصافي) وأوضحناه.
     على أنه لا معنى لحمل هذه الزيادات على التفسير كما ذكره ؛ لأن هذا التفسير إن كان قد وقع في (القرآن) من أوّله إلى آخره - بمعنى أن أمير المؤمنين عليه السّلام كتب (القرآن) مع تفسيره - فبطلانه أظهر من أن يحتاج إلى بيان ؛ لدلالة الأخبار على أنه قرآن لا تفسير (القرآن) ، ولأنهم عليهم السّلام لا يحتاجون في تفسيره إلى الكتابة ، بل هو آيات بيّنات في صدورهم ، وعلومهم ليست على حسب علومنا تتوقّف على الكتابة وملاحظة الكتاب ، كما لا يخفى على ذوي الألباب ، وإلَّا فلا معنى
لاختصاص التفسير بآية أو آيتين أو ثلاث ، ونحو ذلك.
     وأما ما ورد عنهم عليهم السّلام في جزئيّات الآيات ، فقد صرحوا بأنه تنزيل ، بمعنى :
نزل بهذه الصورة ، والحمل على أنه نزل تفسيرا لا قرآنا تعسف ظاهر ؛ إذ لا يخفى أن مرادهم عليهم السّلام إنّما هو الاحتجاج بكون اللَّه تعالى قد جعل ذلك قرآنا يتلى إلى آخر الزمان ، كما لا يخفى على ذوي الأذهان.
     وبالجملة ، فهذا الحمل تعسف ظاهر واجتهاد في مقابلة النصوص.
     ومنها ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره ، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال لعلي عليه السّلام : يا علي ، القرآن خلف فراشي في الصحف والجريد والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيّع اليهود التوراة. فانطلق علي عليه السّلام فجمعه في ثوب أصفر ، ثم ختم عليه في بيته ، وقال : لا أرتدي حتى أجمعه. وإنه كان الرجل يأتيه فيخرج إليه بغير رداء ، حتى جمعه.
قال : وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : لو أن الناس قرؤوا القرآن كما أنزل الله ما اختلف اثنان ". وهو واضح الدلالة في المطلوب والمراد ، ولا تعتريه شائبة الشبهة والإيراد.
     ومنها ما رواه بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ : (ومَنْ يُطِعِ الله ورَسُولَه) في ولاية علي والأئمّة من بعده ، (فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً). وما رواه بإسناده عن محمد بن مروان رفعه إليهم عليهم السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ : (وما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله) في علي والأئمّة (كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَه الله مِمَّا قالُوا).
     وما رواه بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال : نزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله هكذا (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ الله) في علي  بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ).
     وما رواه بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال : نزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله هكذا (وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا) في علي (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه).
وبإسناده عن منخّل عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : نزل جبرئيل عليه السّلام على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله بهذه الآية هكذا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا) في علي (نُوراً مُبِيناً).
     وبإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ : (ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِه) في علي (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ).
     وبإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال : (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ) محمد (بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ) بموالاة علي فاستكبرتم (فَفَرِيقاً) من آل محمد (كَذَّبْتُمْ وفَرِيقاً تَقْتُلُونَ).
     وبإسناده عن محمد بن سنان عن الرضا عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ : (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) بولاية علي (ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْه) يا محمد من ولاية علي. هكذا في الكتاب مخطوطة ". وهو صريح في المطلوب ، وما قبله ظاهر كالصريح.
     وبإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قوله تعالى : (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ. لِلْكافِرينَ) بولاية علي (لَيْسَ لَه دافِعٌ). ثم قال : هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله ".
     وبإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله هكذا (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) آل محمد حقهم (قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) آل محمد حقهم (رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)".
     وبإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : نزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية هكذا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا) آل محمد حقهم
(لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً).
ثم قال (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) في ولاية علي (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وإِنْ تَكْفُرُوا) بولاية علي (فَإِنَّ لِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ).
     وبإسناده عن الحسين بن ميّاح عمن أخبره قال : قرأ رجل عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام (وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ ورَسُولُه والْمُؤْمِنُونَ) فقال : ليس هكذا هي ، وإنّما هي : والمأمونون ، ونحن المأمونون.
     وبإسناده  عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : نزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية هكذا (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ) بولاية علي (إِلَّا كُفُوراً). قال : ونزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية هكذا (وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) في ولاية علي (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ) آل محمد (ناراً).
وروى في الكتاب المذكور في قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِالله)، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام لقارئ هذه الآية : خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي عليهما السّلام؟ : فقيل له : فكيف نزلت يا بن رسول اللَّه ؟ فقال : إنّما نزلت : (خير أئمة أخرجت للناس) ، ألا ترى مدح الله في آخر الآية (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِالله) ".
     وروى فيه أنه قرئ على أبي عبد اللَّه عليه السّلام (والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : لقد سألوا الله عظيما أن يجعلهم للمتقّين إماما. فقيل له : يا بن رسول اللَّه ، كيف نزلت ؟ فقال : إنّما نزلت : وأجعل لنا من المتقين إماما ".
     ومنها ما رواه أبو عمرو الكشي في كتاب (الرجال) ، بإسناده عن بريد العجلي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم ، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب الحديث.
قال شيخنا المحدّث الصالح - المقدّم ذكره - في كتاب (منية الممارسين) : (فإن قيل : هذا ينافي حديث البزنطي أن في سورة لم يكن سبعين رجلا من قريش. قلت : مفهوم العدد ليس بحجة ، ولعل الاقتصار هنا على قدر ما يحتمله عقل السامع ؛ لأنهم عليهم السّلام يكلمون الناس على قدر عقولهم. ولهذا في الأخبار نظائر لا تحصى ، وهو أحد الوجوه التي تجتمع بها الأخبار المختلفة في ثواب زيارة الحسين عليه السّلام.
     وبإسناده عن علي بن سويد السائي قال : كتب إلي أبو الحسن الأوّل عليه السّلام ، وهو في السجن ، إلى أن قال : وأمّا ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك ، لا تأخذ معالم دينك من غير شيعتنا ، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم ، إنهم ائتمنوا على كتاب اللَّه عزّ وجلّ فحرّفوه وبدّلوه ، فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ، ولعنة ملائكته ، ولعنة آبائي الكرام البررة ، ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة الحديث.
     ومنها ما رواه الشيخ شرف الدين النجفي قدّس سرّه في كتاب (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة) ، بإسناده عن أبي الخطاب عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنه قال : والله ما كنّى الله في كتابه حتى قال (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا) ، وإنّما هي في مصحف علي : (يا ويلتي ليتني لم أتخّذ الثاني خليلا) ، وسيظهر يوما ". أقول : يعني بعد خروج القائم عليه السّلام.
     ومنها ما رواه الثقة الجليل محمد بن مسعود العياشي في تفسيره عن أبي جعفر عليه السّلام قال : لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقّنا على ذي حجّى ، ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن".
     أقول : يمكن حمل الزيادة في هذا الخبر على التبديل كما تقدم في آخر روايات علي بن إبراهيم ، حيث إن الأصحاب ادّعوا الإجماع على عدم الزيادة ، والأخبار الواردة في هذا الباب مع كثرتها ليس فيها ما هو صريح في الزيادة ، فتأويل هذا الخبر بما ذكرنا لا بعد فيه.
     وبإسناده فيهعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام : لو قرئ القرآن كما انزل لألفيتنا فيه مسمّين ". وهو صريح في المطلوب.
     وبإسناده فيه عنه عليه السّلام : إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن ، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت ، وإنّما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى ، يعرف ذلك الوصاة. وهو صريح أيضا كسابقه.
     وبإسناده فيه عنه عليه السّلام : إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ، ولم يزد فيه إلَّا حروف قد أخطأت به الكتبة وتوهمتها الرجال.
     ومنها ما رواه الثقة الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي قدّس سرّه في كتاب (الاحتجاج) في جملة أحاجيج أمير المؤمنين عليه السّلام على جملة من المهاجرين والأنصار ، أن طلحة قال له عليه السّلام في جملة مسائل سأله عنها : يا أبا الحسن ، شيء أريد أن أسألك عنه ، رأيتك خرجت بثوب مختوم ، فقلت : يا أيها الناس ، إنّي لم أزل مشتغلا برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بغسله وكفنه ودفنه ، ثمّ اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته ، فهذا كتاب الله عندي مجموعا لم يسقط عني حرف واحد. ولم أر ذلك الذي كتبت وألفّت ، وقد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث إليّ به فأبيت أن تفعل ، فدعا عمر الناس ، فإذا شهد رجلان على آية كتبها ، وإن لم يشهد عليها غير رجل واحد أرجأها فلم تكتب. فقال عمر - وأنا أسمع - إنه قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرؤون قرآنا لا يقرؤه غيرهم ، فقد ذهب ، وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها ، والكاتب يومئذ عثمان. وسمعت عمر وأصحابه الذين ألَّفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون : إن (الأحزاب) كانت تعدل سورة (البقرة) ، وإن (النور) نيف ومائة آية ، و (الحجر) تسعون ومائة آية ، فما هذا ؟ وما يمنعك - يرحمك اللَّه - أن تخرج كتاب اللَّه إلى الناس ، وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألَّف عمر ، فجمع له (الكتاب) ، وحمل الناس على قراءة واحدة ، فمزّق مصحف أبي بن كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار؟ فقال له علي عليه السّلام : يا طلحة ، إن كل آية أنزلها الله عزّ وجلّ على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله. ثمّ ساق الحديث. إلى أن قال : ثمّ قال طلحة : لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر (القرآن) ، أن لا تظهره للناس ؟ قال : يا طلحة ، عمدا كففت عن جوابك ، فأخبرني عما كتب عمر وعثمان ، أقرآن كلَّه أم فيه ما ليس بقرآن ؟. قال طلحة : بل قرآن كله. قال : إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنّة ، فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا. فقال طلحة : حسبي ، أما  إذا كان قرآنا فحسبي. ثم قال طلحة : فأخبرني عما في يديك من (القرآن) وتأويله وعلم الحلال والحرام ، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك ؟ قال : إنّ الذي أمرني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أن أدفعه إليه وصيي وأولى الناس بعدي بالناس ابني الحسن. الحديث.
     ومنها ما رواه في الكتاب المذكور في حديث الزنديق الذي جاء إلى أمير المؤمنين عليه السّلام مستدلا بآي من (القرآن) على تناقضه ، فقال في جملة سؤالاته : واحدة تقول (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) ، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ، ولا كل النساء أيتام ؟ فأجابه عليه السّلام عن تلك الأسئلة بأجوبة مشتملة على حصول التغيير والتبديل في (القرآن) أيضا ، إلى أن قال عليه السّلام في جواب هذا السؤال : وأمّا ظهورك على تناكر قوله (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) ، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ، ولا كل النساء أيتام ، فهو ممّا قدّمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن ، وقد سقط بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن ، وهذا وأشباهه ممّا ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمّل ، ووجد المعطَّلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن ، ولو شرحت لك كلّ ما سقط وحرّف وبدّل ممّا يجري هذا المجرى لطال ، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء انتهي ، وهو صريح في وقوع التبديل والتغيير ، ولا ينبئك مثل خبير.
     ومن الكتاب المذكور قال في رواية أبي ذر الغفاري رضي اللَّه عنه : لمّا توفي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله جمع علي عليه السّلام (القرآن) ، وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم ؛ لما قد أوصاه بذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فلمّا فتحه أبو بكر خرج في أوّل صفحة فتحها فضائح القوم ، فوثب عمر فقال : يا علي ، أردده فلا حاجة لنا فيه. فأخذه علي عليه السّلام وانصرف ، ثمّ احضر زيد بن ثابت وكان قارئا ل (القرآن) ، فقال له عمر : إن عليّا جاءنا ب (القرآن) و فيه فضائح المهاجرين والأنصار ، وقد أردنا أن تؤلَّف لنا (القرآن) وتسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار. فأجابه زيد إلى ذلك ، ثمّ قال : فإن أنا فرغت من (القرآن) على ما سألتم وأظهر عليّ (القرآن) الذي ألَّفه ، أليس قد بطل كل ما عملتم ؟ قال عمر : فما الحيلة ؟ قال زيد : أنتم أعلم بالحيلة. فقال عمر : ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه. فدبّر في قتله على يد خالد بن الوليد ، ولم يقدر على ذلك. فلمّا استخلف عمر سأل عليّا عليه السّلام أن يدفع إليهم (القرآن) فيحرّفوه فيما بينهم ، فقال : يا أبا الحسن ، إن كنت جئت به إلى أبي بكر فردّه فأت به إلينا حتى نجتمع عليه. فقال علي عليه السّلام : هيهات ! ليس إلى ذلك من سبيل ، إنّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجّة عليكم ، ولا تقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ)، أو تقولوا : ما جئتنا به. إن القرآن الذي عندي (لا يَمَسُّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) والأوصياء من ولدي. فقال عمر : فهل وقت لإظهاره معلوم ؟ فقال : نعم ، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجرى السنّة به.
     أقول : لا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضوح ما قلناه ، ولو تطرّق الطعن إلى هذه الأخبار على كثرتها وانتشارها لأمكن تطرّق الطعن إلى أخبار الشريعة كملا كما لا يخفى ؛ إذ الأصول واحدة ، وكذا الطرق والرواة والمشايخ والنقلة.
     ولعمري ، إن القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج عن حسن الظنّ بأيمّة الجور ، وأنّهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى ، مع ظهور خيانتهم في الأمانة الأخرى التي هي أشدّ ضررا على الدين وأحرى.
     على أن هذه الأخبار لا معارض لها - كما عرفت - سوى مجرد الدعاوى العارية عن الدليل ، التي لا تخرج عن مجرد القال والقيل ، وقد قدّمنا ما هو المعتمد من أدلتهم وبيّنا ما فيه ، وكشفنا عن ضعف باطنه وخافيه.
     وأمّا ما احتج به الصدوق في اعتقاداته، وكذا المرتضى في جملة كلامه ، فهو أوهن من بيت العنكبوت ، وإنه لأوهن البيوت. وقد نقله المحدّث الكاشاني في مقدمات تفسيره (الصافي) وردّه وبيّن ما فيه ، فارجع إليه إن أحببت أن تطَّلع عليه ، واللَّه العالم[25].


[1] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني 18/ 153

[2] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني 11/ 10.

[3] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني 24/ 58.

[4] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني 5/ 175.

[5] كتاب الطهارة، للخوئي 9/ 93 هـ.

[6] جواهر الكلام، للجواهري 12/ 89.

[7] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني 18/ 150.

[8] الحدائق الناضرة، للبحراني 18/ 155.

[9] الكشكول، ليوسف البحراني 2/ 387.

[10] - الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 5 / 180

[11] الحدائق الناضرة، للبحراني، 10 / 454

[12] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 13 / 455

[13] الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب، 130

[14] لؤلؤة البحرين، ليوسف البحراني، 148

[15] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 1/ 5

[16] الشهاب الثاقب في معرفة معنى الناصب، ليوسف البحراني، 63

[17] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 5/ 179

[18] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 5/ 180

[19] المصدر السابق، 5/ 179 ولم يعلق محقق الكتاب محمد تقي الإيرواني على هذا القول.

[20] المصدر السابق، 3/ 368

[21] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 23/ 25

[22] الكشكول، ليوسف البحراني، 3/ 76

[23] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 2/ 290

[24] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 8/ 102

[25] الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، ليوسف البحراني، 4/ 65


عدد مرات القراءة:
1503
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :