الكاتب : فيصل نور ..
عباس الأول الصفوي
(1571م – 1629م / 978 هـ)
عباس بن طهماسب بن إسماعيل بن حيدر الصفوي. يعرف أيضاً باسم عباس الكبير (بالفارسية: شاه عباس بزرگ). (أو كما يحب أن يدعى: كلب حضرة علي). الزعيم الثالث للدولة الصفوية ، أصبح شاه إيران في بداية شهر أكتوبر عام 1588م، بعدما تمرد على أبيه محمد خدابنده وسجنه.
خاض العديد من المعارك مع العثمانيين وطلب مساعدة الملك الإسباني في تقديم دعم حربي خلال حروبه مع العثمانيين وذلك خلال استقباله مبعوث الملك الإسباني في مدينة مشهد سنة 1602م.
توصل عام 1612م (998 ه) إلى صلح اسطنبول مع الامبراطورية العثمانية الذي أنهى إلى حين الحرب الطويلة بين الجانبين.
أنشأ علاقة طيبة مع الإنجليز من خلال شركة الهند الشرقية البريطانية التي حصلت على فرمان عام 1615م بالحصول على امتيازات خاصة في بلاد فارس. وأقام تحالف معهم على طرد البرتغاليين واقتسام الغنيمة التي كانت احتكار التجارة في الخليج والسيطرة على هرمز.
استغل الشاه الحماس الشيعي لدى الفرس كأداة لرفع معنوياتهم وروحهم القومية، وشجع شعبه على الحج إلى مشهد على أنها مكة مسلمي فارس، وسعى هو بنفسه ثمانمائة ميل من أصفهان إلى مشهد ليؤدي المناسك ويوزع الهبات والصدقات.
يعتقد البعض أن الشاه عباس كان اكبر حكام ايران على الاطلاق. وقد وصل به أمر الاهتمام بدولته درجة فقد معها توازنه النفسي من جراء قلقه الدائم عليها. قد لا يكون هذا السبب وحده كافياً لتفسير التوتر النفسي الذي عاشه في اواخر حياته. ما يمكن ان يضاف اليه، من بين الاسباب الاخرى التي ستبقى مجهولة في اكثر الاحتمالات، هو خوفه على نفسه من الاغتيال على يد أعدائه بل وأقرب أقربائه، اذ كان له الكثير من الأعداء المتربصين به ثأراً لما فعل بهم. ثم ان هذا الرجل النشيط الحيوي في شبابه لم يكن بإمكانه ان يتحمل الكثير من اعباء الشيخوخة التي أتته في سن مبكرة فأحس بوخزاتها قبل الأوان، خصوصاً وأن علامات صورته عن ذاته تعبّر عن شيء من النرجسية. ويشترك في مثل هذه النهايات معظم الحكام المتسلطين، ذوي السلطات المطلقة ممن حققوا نفوذهم بالوسائل الدموية طالت الكثير من الناس.
لقد وصل نفوذ هذا الشاه على سكان امبراطوريته درجة ذكر الرحالة بأن الإيرانيين كانوا يحلفون برأس الشاه اكثر من القَسَم بأي شيء آخر. وسمع العديد منهم في كل مكان جملة "ليحقق الشاه عباس امنياتي". وكان هناك اعتقاد شعبي بأن المأكولات التي يفضلها الشاه عباس تملك مقدرة الإشفاء من الأمراض وتهدئة الآلام. ووصلت الأساطير عنه الى القول بأنه يستطيع ان يتنبأ بالموت او ان يسقط المطر من السماء او يشفي من مرض الشلل. ويقال ايضاً انه بعد ولادته عُهد به الى امرأة من العوائل الأرستقراطية في منطقة حيرات لم يكن لديها آنذاك طفل لإرضاعه إلا أن ثديها أخذ يتدفق حليباً ما ان اقتربت منه شفاه الرضيع عباس.
ويعتبر بالنسبة للإيرانيين الذين يعرفون إنجازاته وشخصيته والأساطير المروية حوله بأنه طوّر اسلوباً جديداً في الحكم. وهو يعتبر بالنسبة للغربيين رئيساً اسلامياً استطاع في أوج قوة الاسلام ان يفتح بلاده امامهم. وهو الذي اتبع سياسة قلبت ميزان القوى السياسية والعسكرية رأساً على عقب في منطقة وفترة متوترتين، فصار محط الانظار بالنسبة للغربيين. وفي عصره اخذ الغرب يهتم بإيران التي كانت بالنسبة لدوله حتى ذلك الوقت، كما يقول المؤلفان، محل نظرات قلقة او غارقة في الإعجاب وتنقصها المعرفة. وإلى عصره تعود اوائل الإهتمامات الأدبية والفكرية من قبل الغربيين بالحضارة الإيرانية.
ولكن هذا الشاه الأسطورة للكثير من الإيرانيين يعتبر حتى يومنا هذا نموذجاً للسفاح بالنسبة لإيرانيين آخرين، خصوصاً الأرمن والأكراد الذين قتل عشرات الألوف منهم بأوامر منه وعلى يد جنوده. فهو الذي أمر بترحيل جماعات كبيرة منهم من مناطق سكناهم، حيث مات القسم الأكبر منهم اثناء عمليات الترحيل. فبالنسبة لهؤلاء يمثل الشاه عباس اسطورة الحاكم القاسي والدموي.
ويعرف عنه عند الإيرانيين اهتمامه بالشعر أيضاً. وربما يكون هذا الاهتمام مبالغاً فيه. كما نقل عن الشاه عباس الكبير من شعر يدور حول الغزل بالطريقة الكلاسيكية المتبعة في الشعر الفارسي.
الشاه عباس او عباس الكبير، كما يسمّيه الإيرانيون، رابع شاهنشاهات ملك الملوك السلالة الصفوية، كان رجلاً مليئاً بالتناقضات: كان يظهر العدالة بالنسبة لشعبه ولكنه كان في الوقت نفسه وحشياً ودموياً الى ابعد الحدود. كان يظهر تمسكاً كبيراً بالدين الاسلامي ولكنه فتح باب ايران على مصراعيه امام الغربيين وشجع الارمن المسيحيين على ممارسة طقوسهم الدينية وبناء الكنائس وهو قتل منهم الكثير. كان يمارس القتل عن طريق تجويع المحكوم عليه، خصوصاً من المقرّبين اليه، او يرمي به للأسود الجائعة ويفرض على رجاله حضور مثل هذه المشاهد حتى الرمق الأخير للمغضوب عليه.
ولم يكن ينجو من هذه الوحشية حتى اقرب اقربائه. وقد وصل عنفه درجة انه أمر بقلع عين من عيون احد ابنائه الذي اتهمه بالفرح حين كان الشاه عباس مريضاً. وأمر بعد ذلك بقلع عيني ابنه الآخر الذي اتهمه بمحاولة انقلابية ضده. وقد وصل حقد هذا الاخير على ابيه انه خنق ابنته الصغيرة التي كانت موضع حب وعطف كبيرين من قبل الشاه عباس انتقاماً منه.
وكان في الوقت نفسه حريصاً على ان يعطي صورة العادل عن نفسه وعن حكمه. ففي قوانينه وقراراته ومحاكماته محاولات واضحة للوصول الى تلك الصورة. اصدر مثلاً امراً بحق كل فرد، أياً كان مستواه وطبقته، بالتوجه الى العدالة والدفاع عن حقوقه المهضومة. ويعتقد غالبية الإيرانيين بأنه كان من اكثر الشاهات قرباً الى الناس. وكان يسير في شوارع مدنه ويتحدث الى الناس بالفارسية او الآذرية او الجيورجية. وكان يمرّ بينهم ويجلس معهم في بعض الاحيان وهو متنكر للإستماع الى ما يقال في مملكته عنه. فكان على اطلاع كبير بخفايا امور دولته.
كان شديد الحرص على اظهار تديّنه. وقد وصل به الامر الى اظهار نفسه كالورع المتصوّف، الا انه كان يسمح لزواره بأن يشربوا ما حلى له من الخمر. كان متمسكاً بتطبيق القوانين الاسلامية وهو الذي قرر في عام 1607، وإن كان ذلك لأسباب سياسية بحتة، إلغاء قانون منع اعتناق المسلمين للدين المسيحي. وأصدر أمراً شاهنشاهياً يسمح للنساء بحق التجول ايام الأربعاء بحرية ومن دون حجاب في بعض شوارع العاصمة. واذا استعملنا المصطلحات المعاصرة يمكننا ان نقول بانه كان يجمع في شخصه التقليد والانفتاح في النواحي الاجتماعية بشكل خاص.
وكان الشاه عباس يسعى دائما لتحريض كبار ملوك أوروبا أمثال إمبراطور ألمانيا وملوك أسبانيا والبابا للاتحاد معه ضد الدولة العثمانية، وذلك للقضاء على العدو اللدود القديم للدولة الصفوية، لذا كان يعامل المسيحيين الساكنين في إيران والرهبان والسفراء الذين ينتدبهم البابا أو ملوك أوروبا إلى إيران معاملة حسنة وودية، وكان يظهر حبه للديانة المسيحية ويحضر الأعياد المسيحية كعيد التعميد للطائفة الأرمنية وعيد ميلاد المسيح وفي مثل هذه الأعياد كان يشرب الخمر مع القساوسة والضيوف المسيحيين، ويبعث لهم بالمشروبات الروحية من البلاط الملكي.
كان بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول شيخ الإسلام في بلاطه. ومن علماء عصرة المجلسي الأول، وفي عصرة ولد المجلسي الثاني صاحب "بحار الأنوار".
وذكر نصر الله الفلسفي صاحب كتاب "سيرة الشاه عباس الأول الصفوي":
أن الشاه عباس شرب الخمر مع حاشيته في عيد ميلاد المسيح الذي كان يوافق يوم 15 رمضان 1017 هـ وهمس في أذن سفير أسبانيا قائلا: إذا التقيت البابا فأخبره كيف أمرت بشرب الخمر في رمضان وقل له بالرغم من أني لست مسيحيا ولكنني أستحق الثناء.
وقال : قام الشاه عباس في أوائل ارتقائه العرش بمعاداة شيئين، أولها اللحى وثانيها الأفيون، وفي السنة العاشرة من حكمه أمر بحلق اللحى بصورة عامة لتشمل الجميع، وقد تم تنفيذ هذا المر بخشونة متناهية وبصعوبة بحيث حلقت أذقان الكثير من السادة العلويين والصالحين.
وقال : كان “ الشاه عباس “ يمتلك عمالا خاصين لتنفيذ اوامره في القتل والتعذيب ومعاقبة المقصرين والمذنبين حيث كانوا يختارون من اناس أجلاف شداد وقبيحي الوجوه وكان يصل عددهم الى 500 شخص. كان هؤلاء يتميزون بالقبعات الطويلة والملفوفة بالاحمر وكانوا حليقي اللحى وذوي شوارب طويلة وكانوا يتنكبون خناجر طويلة في خاصرتهم . وكان رئيسهم يسمى بمير غضب باشي وهو شخص قبيح المنظر سيّىء الاخلاق لا تجد للرحمة مكانا في قلبه ، هذا الرجل واتباعه كانوا دوما حاضرين عند عتبة قصر الشاه بانتظار اشارة من يده للانقضاض على المذنبين ومعاقبتهم فان اعمالاً مثل ضرب الرقاب وقلع العيون والقتل بركلات الارجل وقطع الالسن والآذان كانت من الاعمال العادية له ولاتباعه.
ويقول الدكتور علي الوردي : الشاه عباس كان طائفياً بشكل جلي، وأشنع ما أراد فعله أنه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد، لأن الواجب القومي يحتم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور، وكان يحث رجال الدين لتعظيم زيارة الرضا، كما إنه تردد مراراً لزيارته ومشى مرة على الأقدام إلى مدينة مشهد ويقال إنه مشى أكثر من (1300 كم).)
وقال : أنه عامل الأكراد السنة معاملة سيئة، فقد طلب منهم الدخول في المذهب الشيعي فرفضوا مما أدى بالشاه عباس إلى قتلهم وشردهم إلى بلاد خراسان ليكونوا حاجزاً بينه وبين الأوزبك، وقد قتل في أيام (70 ألف كردي)، ورحل (15000) عائلة كردية.
وكان يقتل أسرى العثمانيين والأوزبك فإن لم يقتلهم سمل عيونهم، إلا إذا تخلى عن مذهبه فله حكم آخر. وكان أحياناً يمثل بعلماء السنة فيقطع آذانهم وأنوفهم وتعطى هذه الأعضاء لعوام السنة لأكلها. وكما كان يحاصر مدناً سنية من أجل تسليمه شخص مطلوب وإلا قتل المدينة كما فعل مع مدينة همدان.
توفي في 24 جمادى الاول 1038 في بلدة "اشرف" "مدينة بهشهر الحالية .