الكاتب : فيصل نور ..
من لا يحضره الفقية
الكتاب الثاني من الكتب الأربعة لدى الشيعة، من تأليف محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القمي المشهور بـ (الشيخ الصدوق) من أعاظم علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري. ولد سنة 305 هـ، وتوفي 381 هـ.
النسخة الأصلية للكتاب لم تعد موجودة في يومنا هذا.
ويعتبر الكتاب من أهم المصادر الحديثية عند الشيعة حيث كان ولازال مرجعاً علمياً هاماً لاستنباط الأحكام الشرعية لدى علماء الشيعة
وسبب تأليفه لهذا الكتاب هو أن أحد أحد سادات مدينة بلخ طلب منه أن يكتب له كتاباً في الفقه على نمط كتاب من لا يحضره الطبيب الذي ألفه محمد بن زكريا الرازي في علم الطب. فقبل الصدوق وكتب الكتاب.
والكتاب عبارة عن مجموعة روايات مرتبة على أبواب الفقه، اعتمد في جمعه له على ما صحّ له من بين الروايات المتناثرة في ما عُرف بـ (الأصول الأربعمائة)، وكان غرضه من ذلك أن يحصل ـ من لا يمكنه الوصول إلى العالم الفقيه ـ على أجوبة المسائل الشرعية.
يعتبر "من لا يحضره الفقيه" أهم وأكبر مصنّفات الصدوق، اتّبع في تصنيفه له الأسلوب الرائج في القرون الإسلامية الأولى التي كان يكتفي فيها علماء وفقهاء الشيعة في تدوين الكتب الفقهية على درج متون الروايات ولا يُدرجون فتاواهم بعباراتهم الخاصة في قبال كلام أئمة أهل البيت؛ وذلك لارتباط أولئك بالوحي في إعتقادهم. ولكن هذا القول ليس على إطلاقه إذ ربما بعد كلام الإمام أتبعه الصدوق شيئاً من كلامه للتفسير، أو التعليق، وخفي ذلك على المُراجع أحياناً ويظنّ أنّ الجميع كلام الإمام، وليس الأمر كذلك. مثال ذلك قال عليه السلام : الماء يطهّر ولا يطهّر. فمتى وجدتَ ماءً ولم تعلم فيه نجاسة فتوضّأ منه وأشرب، وإن وجدت فيه ما ينجسه فلا تتوضّأ منه ولا تشرب إلاّ في حال الاضطرار، فتشرب منه. فجملة: "الماء يطهّر ولا يطهّر" هو من كلام الإمام والباقي من كلام الصدوق.
يقع الكتاب في أربعة مجلدات، عدد رواياته ـ كما ذكر النوري الطبرسي (5963) رواية، منها (2050) رواية مرسلة. وذكر يوسف البحراني أن أبواب الكتاب (636) أو (666)، ورواياته (5998) رواية. ويرى البعض أن علة هذا الاختلاف ناشئ من الخلط بين فتاوى الصدوق وبين روايات الكتاب، أضف إلى ذلك التداخل بين الروايات المرسل والمسندة منها.
وروايات الكتاب من وجهة نظر الصدوق صحيحة وعليها يُعوِّل، حيث قال: صنفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد؛ لئلاّ تكثر طرقه وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعول وإليها المرجع.
وقال : وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه)، ونوادر محمد بن أبي عمير، وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي، ورسالة أبي (رضي الله عنه)... إلي وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي (رضي الله عنهم).
كان من لا يحضره الفقيه محط اهتمام فقهاء الشيعة ولذا قام عدد منهم بشرحه والتعليق عليه. من ذلك :
-
روضة المتقين، الشيخ محمد تقي المجلسي.
-
اللوامع القدسية أو لوامع صاحب قراني، لمحمد تقي المجلسي، شرح فارسي.
-
معاهد التنبيه في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه، لمحمد بن حسن بن زين الدين (صاحب المعالم).
-
معراج النبيه في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه، ليوسف البحراني، إلا أنه لم يتم.
-
شرح من لا يحضره الفقيه لحسام الدين محمد صالح بن أحمد السروي المازندراني
-
التعليقة السجادية، ومعه شرح المشيخة، للمولى مراد بن علي خان التفرشي.
-
حاشيه احمد بن زين العابدين علوي عاملي.
-
حاشية محمد باقر بن محمد الحسيني الداماد.
-
حاشية محمد علي بن محمد البلاغي.
-
حاشية محمد بن علي بن يوسف بن سعيد البحراني.
-
حاشية محمد صالح بن الأمير عبد الواسع الخاتون آبادي، صهر العلامة المجلسي.
بين الفقيه والكافي :
كان الكافي الذي ألّفه الكليني أول كتاب روائي شيعي بتبويب وترتيب جامع لأبواب الفقه تمت كتابته في عصر الغيبة الصغرى لمهديهم المنتظر، وهو من حيث المحتوى الروائي أكثر شمولاً وجامعيّة من بقية الكتب الأربعة. أما من لا يحضره الفقيه فقد خصصه الصدوق لمسائل الفقه وأحكامه حيث صّرح بذلك في مقدمة كتابه "(أن أصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام، والشرايع والأحكام". بينما كتاب الكافي فهو مضافاً لمسائل الفقه وأحكامه، نلاحظ أنه خصص قسماً من رواياته في العقائد وأخرى في الآداب ومسائل الأخلاق.
وأما من حيث الأسانيد، فكثير من أسانيد من لا يحضره الفقيه مختصرة كما ذكر هو في المقدمة: (صنفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد؛ لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده). واكتفى بذكر الراوي الأخير، الذي رفع الحديث إلى الإمام ثم ذكره في آخر كتابه. كقوله مثلاً : كلّ ما كان في هذا الكتاب عن عمّار بن موسى الساباطي، فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار بن موسى الساباطي..ألخ ووربما روى عن البعض ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة فتصير الرواية بذلك مرسلة.
بينما في الكافي أعطى الكليني للأسانيد أهمية واتّبهعا في الكتاب فهو يكتب السند كاملاً وهو ما يعطي الكتاب قوّة واعتباراً أكثر مما لو كان فاقداً لها.
الكلام في في صحّة روايات من لايحضره الفقيه :
يقولب الخوئي : وقد استدل على أن روايات كتاب من لا يحضره الفقيه كلها صحيحة – بما ذكره في أول كتابه - حيث قال : ( ولم أقصد في قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد
ما أفتي به وأحكم بصحته ، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره ، وتعالت قدرته ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع.. وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم ).
والجواب : أن دلالة هذا الكلام على أن جميع ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه – من لا يحضره الفقيه - صحيح عنده ، وهو يراه حجة - فيما بينه وبين الله تعالى - واضحة ، إلا أنا قد ذكرنا : أن تصحيح أحد الاعلام المتقدمين رواية لا ينفع من يرى اشتراط حجية الرواية بوثاقة راويها أو حسنه ، على أنا قد علمنا من تصريح الصدوق نفسه - على ما تقدم - إنه يتبع في التضعيف والتصحيح شيخه ابن الوليد ، ولا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه ، وأنه ثقة أو غير ثقة. أضف إلى ذلك أنه يظهر من كلامه المتقدم : أن كل رواية كانت في كتاب شيخه ابن الوليد أو كتاب غيره من المشايخ العظام والعلماء الاعلام يعتبرها الصدوق رواية صحيحة ، وحجة فيما بينه وبين الله تعالى. وعلى هذا الأساس ذكر في كتابه طائفة من المراسلات ، أفهل يمكننا الحكم بصحتها باعتبار أن الصدوق يعتبرها صحيحة؟ وعلى الجملة : إن أخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره ، وهذا لا يكون حجة في حق غيره[1].
ويقول السبحاني : إنه استدل على أن روايات كتاب " الفقيه " كلها صحيحة ، بمعنى كون من جاء في أسانيده من الرواة ثقات ، بقوله : " بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته " والمراد من الصحة في هذه العبارة ، هو الحكم بعدالة الراوي أو وثاقته ، فتكون هذه العبارة تنصيصا من الشيخ الصدوق على أن من ورد في أسناد ذلك الكتاب ، كلهم عدول أو ثقات ، ولا يخفى أن استفادة ذلك من تلك العبارة مشكل جدا. أما أولا ، فلان الصحيح في مصطلح القدماء ومنهم الصدوق ، غير الصحيح في مصطلح المتأخرين ، إذ الصحيح عند المتأخرين هو كون الراوي عدلا إماميا ، ولكن الصحيح عند القدماء عبارة عما اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه ، أو اقترن بما يوجب الوثوق والركون إليه وأسبابه عندهم مختلفة. ومنها : وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المؤلفة في عصور الأئمة عليهم السلام ، أو وجوده في أصل معروف الانتساب لمن اجتمعت العصابة على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما. ومنها : اندراجه في إحدى الكتب التي عرضت على الأئمة صلوات الله عليهم فأثنوا على مصنفيها ، ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرض على الصادق عليه السلام وكتاب يونس بن عبد الرحمن وفضل بن شاذان المعروضين على العسكري عليه السلام. ومنها : كونه مأخوذا من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها ، سواء الفت بيد رجال الفرقة المحقة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله ، وكتب الحسن والحسين ابني سعيد ، وعلي بن مهزيار ، أو بيد غيرهم ككتاب حفص بن غياث ، وكتب الحسين بن عبيد الله السعدي وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري، وقد جرى الشيخ الصدوق على متعارف القدماء فحكم بصحة جميع أحاديثه ، وهذا غير ما نحن بصدده من عدالة الراوي أو وثاقته. قال المحقق البهبهاني : " إن الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم أعم من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات ، أو أمارات اخر ، ويكونوا قطعوا بصدوره عنهم أو يظنون ". وعلى ذلك فبين صحيح القدماء وصحيح المتأخرين العموم والخصوص المطلق ، فحكم الشيخ الصدوق بصحة أحاديثه لا يستلزم صحتها باصطلاح المتأخرين ، من كون الرواة في الأسانيد كلهم ثقات ، لاحتمال كون المنشأ في الجميع أبو بعضها هو القرائن الخارجية. وثانيا : سلمنا أن الصدوق بصدد الحكم بوثاقة أو عدالة كل من وقع في أسناد كتابه ، ولكنه مخدوش من جانب آخر ، لأنه قد علم من حاله أنه يتبع في التصحيح والتضعيف شيخه ابن الوليد ، ولا ينظر إلى حال الراوي نفسه ، وأنه ثقة أو غير ثقة ، ومعه كيف يمكن أن يكون قوله هذا شهادة حسية على عدالة أو وثاقة كل من ذكر في أسناد كتابه ، وقد مر عند دراسة كتاب الكافي طريقته في التصحيح والتضعيف. اللهم إلا أن يكون طريقة شيخه ، موافقة لطريقة المتأخرين ويكون قوله إخبارا عن شهادة أستاذه بعدالة أو وثاقة الواردين في هذا الكتاب. وثالثا : إن المتبادر من العبارة التالية ، أنه يعتمد في تصحيح الرواية على وجود الرواية في كتب المشايخ العظام غالبا. قال : " كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث ، وإني أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب ، لأنه كان في كتاب الرحمة ، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي "وهذا يعرب عن أنه ما كان يتفحص عن أحوال الراوي عند الرواية ، وهذا إن لم يكن كليا لكنه أمر ذائع في تصحيحاته. الثانية : إن أحاديث كتاب الفقيه لا تتجاوز عن 5963 حديثا ، منها ألفان وخمسون حديثا مرسلا ، وعند ذلك يقع الكلام كيف يمكن الركون على هذا الكتاب بلا تحقيق عن اسناده ، مع أن جميع الأحاديث المسندة فيها 3913 حديثا ، والمراسيل 2050 حديثا ، ومرادهم من المرسل ما لم يذكر فيه اسم الراوي بأن قال " روى " أو قال " قال الصادق عليه السلام " أو ذكر الراوي وصاحب الكتاب ، ونسي أن يذكر طريقه إليه في المشيخة ، وهم على ما صرح به المجلسي أزيد من مائة وعشرين رجلا. الثالثة : في اعتبار مراسيل الفقيه وعدمه. ذهب بعض الأجلة إلى القول باعتبار مراسيله ، قال التفريشي في شرحه على الفقيه : " الاعتماد على مراسيله ينبغي أن لا يقصر في الاعتماد على مسانيده ، حيث حكم بصحة الكل ". وقد قيل في وجه ترجيح المرسل : " إن قول العدل : قال رسول الله صلى الله عليه وآله يشعر باذعانه بمضمون الخبر ، بخلاف ما لو قال : حدثني فلان " وقال بحر العلوم : " إن مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجية والاعتبار ، وإن هذه المزية من خواص هذا الكتاب لا توجد في غيره من كتب الأصحاب ". وقال الشيخ بهاء الدين في شرح الفقيه عند قول الصدوق : " وقال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام : كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر " هذا الحديث من مراسيل المؤلف ، وهي كثيرة في هذا الكتاب ، تزيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه ، وينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها من الاعتماد على مسانيده ، من حيث تشريكه بين النوعين في كونه مما يفتي به ويحكم بصحته ، ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربه ، بل ذهب جماعة من الأصوليين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجين بأن قول العدل " قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا " يشعر باذعانه بمضمون الخبر ، بخلاف ما لو قال " حدثني فلان ، عن فلان أنه صلى الله عليه وآله قال كذا " وقد جعل أصحابنا قدس الله أرواحهم مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها ، لما علموا من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة. وقال المحقق الداماد في الرواشح : " إذا كان الارسال بالاسقاط رأسا جزما ، كما قال المرسل " قال النبي ، أو قال الامام " فهو يتم فيه ، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه " قال الصادق عليه السلام : الماء يطهر ولا يطهر " إذ مفاده الجزم أو الظن بصدور الحديث عن المعصوم ، فيجب أن تكون الوسائط عدولا في ظنه ، وإلا كان الحكم الجازم بالاسناد هادما لجلالته وعدالته ". ولا يخفى أن غاية ما يقتضيه الاسناد جازما ، هو جزم الصدوق أو اطمئنانه على صدور الرواية من الإمام عليه السلام ، وهذا لا يقتضي أن يكون منشأ جزمه هو عدالة الراوي أو وثاقته ، فيمكن أن يكون مشوه هو القرائن الحافة على الخبر التي يفيد القطع أو الاطمئنان بصدور الخبر ، ولو كان اطمئنانه حجة للغير ، يصح للغير الركون إليه وإلا فلا. الرابعة : قد عرفت أن الصدوق كثيرا ما ذكر الراوي ونسي أن يذكر طريقه إليه في المشيخة ، أو ذكر طرقه ولكن لم يكن صحيحا عندنا ، فهل هنا طريق يعالج هذه المشكلة ؟ فقد قام المحقق الأردبيلي صاحب كتاب " جامع الرواة " على تصحيح هذه الروايات بطريق خاص نذكره عند البحث عن كتاب " التهذيب ". والذي عند سيد المحققين ، البروجردي من الإجابة عن هذا السؤال هو أن الكتب التي نقل عنه الصدوق في هذا الكتاب كانت كتبا مشهورة ، وكان الأصحاب يعولون عليها ويرجعون إليها ، ولم يكن ذكر الطريق إلى هذه الكتب إلا تبرعا وتبركا ، أي لاخراج الكتب عن صورة المرسل إلى صورة المسند وإن كان لبا جميعها مسانيد ، لشهرة انتساب هذه الكتب إلى مؤلفيها ، وبذلك كانت تستغني عن ذكر الطريق. والذي يدل على ذلك ، قوله في ديباجة الكتاب : " وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني ، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي ، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي إلى آخر ما نقلناه عنه آنفا ". وبعد هذه العبارة لا يبقى شك للانسان أن ذكر الطريق إلى هذه الكتب في المشيخة ، لم يكن إلا عملا تبرعيا غير إلزامي ، ولأجل ذلك نرى أنه لم يذكر طريقا إلى بعض هذه الكتب ، أو ذكر طريقا فيه ضعف ، لعدم المبالاة بصحة الطريق وعدمها ، لأنه لم تكن الغاية إثبات انتساب الكتب إلى أصحابها ، فإن الكتب كانت مشهورة الانتساب إلى مؤلفيها ، ولأجل ذلك نرى أن المحقق المولى محمد تقي المجلسي ( المولود عام 1003 ، والمتوفى عام 1070 ) ذكر في شرحه على الفقيه عند تفسير العبارة المتقدمة ما هذا لفظه : " من كتب مشهورة بين المحدثين ، بالانتساب إلى مصنفيها ورواتها ، والظاهر أن المراد بالشهرة التواتر. عليها المعول ، يعني كلها محل اعتماد الأصحاب ". وقال أيضا : " الظاهر منهم النقل من الكتب المعتبرة المشهورة ، فإذا كان صاحب الكتاب ثقة يكون الخبر صحيحا ، لان الظاهر من نقل السند إلى الكتاب المشهور المتواتر ، مجرد التيمن والتبرك لا سيما إذا كان من الجماعة المشهورين كالفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم رضي الله عنهما فإن الظاهر أنه لا يضر جهالة سنديهما ". وقال أيضا : " مع كثرة التتبع يظهر أن مدار ثقة الاسلام ( الكليني ) أيضا كان على الكتب المشهورة ، وكان اتصال السند عنده أيضا لمجرد التيمن والتبرك ، ولئلا يلحق الخبر بحسب الظاهر بالمرسل ، فإن روى خبرا عن حماد بن عيسى ، أو صفوان بن يحيى ، أو محمد بن أبي عمير فالظاهر أنه أخذ من كتبهم فلا يضر الجهالة التي تكون في السند إلى الكتب بمثل محمد بن إسماعيل عن الفضل ، أو الضعف بمثل سهل بن زياد ". وبعد ذلك نرى أن البحث عن طرق الصدوق إلى أصحاب الكتب أمر زائد ، فاللازم البحث عن مؤلف الكتاب وطرقه إلى الإمام عليه السلام. هذا ما كان سيدنا المحقق البروجردي يميل إليه ويقربه. نعم ، على ذلك كلما علم أن الشيخ الصدوق أخذ الحديث من الكتب المعروفة ، فالبحث عن الطريق أمر غير لازم ، وأما إذا لم نجزم بذلك واحتملنا أن الحديث وصل إليه بالطرق المذكورة في المشيخة ، فالبحث عن صحة الطرق يعد أمرا لازما. ونقول بمثل ذلك في طرق الكافي ، فإذا علم أنه أخذ الحديث من الكتب التي ثبت إسنادها إلى الراوي ، فلا وجه للبحث عن ضعف الطريق أو صحته. وبذلك نستغني عن كثير من المباحث حول طرق الصدوق إلى أرباب الكتب. ثم إنهم أطالوا البحث عن أحوال المذكورين في المشيخة ومدحهم وقدحهم وصحة الطرق من جهتهم. وقد عرفت أن أول من دخل في هذا الباب هو العلامة في " الخلاصة " ، وتبعه ابن داود ثم أرباب المجاميع الرجالية وشراح الفقيه ، كالعالم الفاضل المولى مراد التفريشي والعالم الجليل المجلسي الأول وغيرهما[2].
جولة في كتاب من لا يحضره الفقيه :
يقول الصدوق : إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله ويقولون : لو جاز أن يسهو عليه السلام في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لان الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة. وهذا لا يلزمنا ، وذلك لان جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي صلى الله عليه وآله فيها ما يقع على غيره ، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي ، وليس كل من سواه بنبي كهو ، فالحالة التي اختص بها هي النبوة والتبليغ من شرائطها ، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة لأنها عبادة مخصوصة والصلاة عبادة مشتركة ، وبها تثبت له العبودية وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عز وجل من غير إرادة له وقصد منه إليه نفي الربوبية عنه ، لان الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم ، وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله كسهونا لان سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه ، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا ، وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم سلطان " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " وعلى من تبعه من الغاوين ، ويقول الدافعون لسهو النبي صلى الله عليه وآله : إنه لم يكن في الصحابة من يقال له : ذو اليدين ، وإنه لا أصل للرجل ولا للخبر وكذبوا لان الرجل معروف وهو أبو محمد بن عمير بن عبد عمرو المعروف بذي اليدين وقد نقل عن المخالف والمؤالف ، وقد أخرجت عنه أخبار في كتاب وصف القتال القاسطين بصفين. وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله يقول : أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله ، ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار وفي ردها إبطال الدين والشريعة. وأنا أحتسب الاجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله والرد على منكريه إن شاء الله تعالى[3].
حدثنا موسى بن عبد الله النخعي قال : قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام علمني يا ابن رسول الله قولا أقوله ، بليغا كاملا إذا زرت واحدا منكم ، فقال :.. فذكر رواية طويله فيها : وأن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة ، طابت وطهرت بعضها من بعض ، خلقكم الله أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين[4].
قال الصادق عليه السلام : ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ، ويستحل متعتنا.
روى محمد بن يحيى الخثعمي عن محمد بن مسلم قال : سألته عن الجارية يتمتع منها الرجل ؟ قال : نعم إلا أن تكون صبية تخدع ، قلت : أصلحك الله وكم الحد الذي إذا بلغته لم تخدع ؟ قال : ابنة عشر سنين.
وروى حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتزوج البكر متعة ؟ قال : يكره للعيب على أهلها.
وروى أبان عن أبي مريم عن أبي عبد الله عليه السلام قال : " العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة إلا بأذن أبيها.
وروى حماد ، عن أبي بصير قال : " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المتعة أهي من الأربع ؟ قال : لا ولا من السبعين.
وسأله محمد بن النعمان الأحول فقال : أدنى ما يتزوج به الرجل متعة ؟ قال : كف من بر ، يقول لها : زوجيني نفسك متعة على كتاب الله وسنة نبيه نكاحا غير سفاح على أن لا أرثك ولا ترثيني ولا أطلب ولدك إلى أجل مسمى فإن بدا لي زدتك وزدتني.
وروى جميل بن صالح قال : " إن بعض أصحابنا قال لأبي عبد الله عليه السلام إنه يدخلني من المتعة شئ ، فقد حلفت أن لا أتزوج متعة أبدا ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : إنك إذا لم تطع الله فقد عصيته.
وروي عن يونس بن عبد الرحمن قال : " سألت الرضا عليه السلام عن رجل تزوج امرأة متعة فعلم بها أهلها فزوجوها من رجل في العلانية وهي امرأة صدق ، قال : لا تمكن زوجها من نفسها حتى تنقضي عدتها وشرطها ، قلت : إن كان شرطها سنة ولا يصبر لها زوجها ، قال : فليتق الله زوجها وليتصدق عليها بما بقي له فإنها قد ابتليت والدار دار هدنة ، والمؤمنون في تقية ، قلت : فإن تصدق عليها بأيامها وانقضت عدتها كيف تصنع ؟ قال : تقول لزوجها إذا دخلت به : يا هذا وثب علي أهلي فزوجوني بغير أمري ولم يستأمروني وإني الان قد رضيت فاستأنف أنت اليوم وتزوجني تزويجا صحيحا فيما بيني وبينك ، قال : وقلت للرضا عليه السلام المرأة تتزوج متعة فينقضي شرطها فتتزوج رجلا آخر قبل أن تنقضي عدتها ، قال : وما عليك إنما إثم ذلك عليها ".
وروى صالح بن عقبة ، عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال : قلت له : " للمتمتع ثواب ؟ قال : إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافا على من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة ، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة ، فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنبا ، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره ، قلت : بعدد الشعر ؟ قال : نعم بعدد الشعر.
قال أبو جعفر عليه السلام : " إن النبي صلى الله عليه وآله لما أسري به إلى السماء قال : لحقني جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى يقول : إني قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء.
وروى بكر بن محمد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن المتعة فقال : إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقضها.
وروى علي بن أسباط ، عن محمد بن عذافر ، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن التمتع بالابكار ، قال : هل جعل ذلك إلا لهن ؟ ! فليستترن منه وليستعففن.
وروي " أن المؤمن لا يكمل حتى يتمتع ".
قال الصادق عليه السلام : إني لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتها ، فقلت له : فهل تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : نعم وقرأ هذه الآية " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - إلى قوله تعالى : - ثيبات وأبكارا.
وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى حرم على شيعتنا المسكر من كل شراب وعوضهم من ذلك المتعة[5].
أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : يا علي لا تجامع امرأتك من قيام فان ذلك من فعل الحمير وان قضى بينكما ولد يكون بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان[6].
عن عبيد الله المرافقي قال : دخلت حماما بالمدينة فإذا شيخ كبير وهو قيم الحمام ، فقلت له : يا شيخ لمن هذا الحمام ؟ فقال : لأبي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام ، فقلت : أكان يدخله ؟ قال : نعم ، فقلت : كيف كان يصنع ؟ قال : كان يدخل فيبدأ فيطلي عانته وما يليها ، ثم يلف إزاره على أطراف إحليله ويدعوني فأطلي سائر جسده ، فقلت له يوما من الأيام : الذي تكره أن أراه قد رأيته ، قال : كلا إن النورة سترة[7].
هبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قباء أسود ومنطقة فيها خنجر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرئيل ما هذا الزي فقال : زي ولد عمك العباس يا محمد ، ويل لولدك من ولد عمك العباس ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العباس فقال : يا عم ويل لولدي من ولدك ، فقال : يا رسول الله أفأجب نفسي ؟ قال : جرى القلم بما فيه. وفي رواية : يا عم النبي ، ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل ؟ فقال : بلى ، يا رسول الله. قال : قال لي جبرئيل : ويل لذريتك من ولد العباس. فقال : يا رسول الله ، أفلا أجتنب النساء ؟ فقال له : قد فرغ الله مما هو كائن[8].
عن الصادق عليه السلام : أول شهادة شهد بها بالزور في الاسلام شهادة سبعين رجلا حين انتهوا إلى ماء الحوأب فنبحتهم كلابها فأرادت صاحبتهم الرجوع ، وقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأزواجه : إن إحداكن تنبحها كلاب الحوأب في التوجه إلى قتال وصيي علي بن أبي طالب عليه السلام فشهد عندها سبعون رجلا إن ذلك ليس بماء الحوأب ، فكانت أول شهادة شهد بها في الاسلام بالزور[9].
عن حسان الجمال قال : حملت أبا عبد الله عليه السلام من المدينة إلى مكة فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر في ميسرة المسجد فقال : ذاك موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ثم نظر إلى الجانب الآخر فقال : ذاك موضع فسطاط المنافقين وسالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة بن الجراح ، فلما رأوه رافعا يده قال بعضهم : انظروا إلى عينيه تدوران كأنهما عينا مجنون ، فنزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين[10].
تحت عنوان زيارة فاطمة بنت محمد : السلام عليك أيتها الحورية الانسية ، السلام عليك أيتها التقية النقية ، السلام عليك أيتها المحدثة العليمة ، السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة ، السلام عليك أيتها المضطهدة المقهورة ، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله ورحمة الله وبركاته ، صلى الله عليك وعلى روحك وبدنك ، أشهد أنك مضيت على بينة من ربك وأن من سرك فقد سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن جفاك فقد جفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن آذاك فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن وصلك فقد وصل رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن قطعك فقد قطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنك بضعة منه وروحه التي بين جنبيه ، كما قال عليه أفضل سلام الله وصلواته اشهد الله ورسله وملائكته أني راض عمن رضيت عنه ، ساخط على من سخطت عليه ، متبرئ ممن تبرأت منه ، موال لمن واليت ، معاد لمن عاديت ، مبغض لمن أبغضت ، محب لم أحببت ، وكفى بالله شهيدا وحسيبا وجازيا ومثيبا[11].
قال أبو عبد الله عليه السلام أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لأنه كان إذا صلى لم يقف الناس على خطبته وتفرقوا وقالوا ما نصنع بمواعظه وهو لا يتعظ بها وقد أحدث ما أحدث ، فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة[12].
رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه بني أمية يصعدون منبره من بعده يضلون الناس عن الصراط القهقرى فأصبح كئيبا حزينا ، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال : يا رسول الله مالي أراك كئيبا حزينا ؟ قال : يا جبرئيل إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى فقال : والذي بعثك بالحق نبيا إن هذا لشئ ما اطلعت عليه ، ثم عرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها : " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وأنزل عليه " إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر " جعل ليلة القدر لنبيه صلى الله عليه وآله خيرا من ألف شهر من ملك بني أمية[13].
[1] معجم رجال الحديث، للخوئي، 1/ 87
[2] كليات في علم الرجال، لجعفر السبحاني، 381
[3] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 1/ 359
[4] المصدر السابق، 2/ 613
[5] المصدر السابق، (باب المتعة)، 3/ 458 وما بعدها
[6] المصدر السابق، 3/ 552
[7] المصدر السابق، 1/ 117
[8] المصدر السابق، 1/ 252
([9]) المصدر السابق، 3/ 74
[10] المصدر السابق، 2/ 559
[11] المصدر السابق، 2/ 573
[12] المصدر السابق، 1/ 432
[13] المصدر السابق، 2/ 157
كتابُ من لا يحضره الفقيه
هو الكتاب الثاني من الكتب الأربعة لدى الشيعة، من تأليف الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، وهو عبارة عن مجموعة روايات مرتبة على أبواب الفقه، اعتمد في جمعه له على ما صحّ له من بين الروايات المتناثرة في ما عُرف بـ(الأصول الأربعمائة)، وكان غرضه من ذلك أن يحصل ـ من لا يمكنه الوصول إلى العالم الفقيه ـ على أجوبة المسائل الشرعية.
يُعتبر هذا الكتاب أهم وأكبر مصنّفات الشيخ الصدوق، اتّبع في تصنيفه له الأسلوب الرائج في القرون الإسلامية الأولى التي كان يكتفي فيها علماء وفقهاء الشيعة بروايات وأحاديث الأئمة (عليهم السلام). وقد جمع فيه قرابة 5998 حديثاً اقتصر فيها على الروايات الخاصة بالأحكام الفقهية، على العكس من كتاب الكافي.
يحظى الكتاب باهتمام فقهاء الشيعة، ولذا قام عدد منهم بشرحه والتعليق عليه. ومن أشهرها شرح روضة المتقين للمجلسي الأول.
جمع الشيخ الصدوق روايات الکتاب من الأصول وكتب العلماء والمصنفين القدماء مثل حريز بن عبد الله السجستاني، وعلي بن مهزيار الأهوازي، وأحمد بن محمد بن عيسى، وابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن الخالد البرقي، والحسين بن سعيد الأهوازي... وغيرهم.
مؤلف الكتاب
محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القمي المشهور بـ(الشيخ الصدوق) (305 ــ 381 هـ) من علماء القرن الرابع الهجري، دفن في مدينة الرّي، وترك قرابة 300 أثر علمي، لكن الكثير من هذه المؤلفات فقدت، ولم يعثر عليها، ومن آثاره الباقي: معاني الاخبار، كمال الدين، عيون أخبار الرضا، علل الشرائع، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، صفات الشيعة.
موضوعه
الكتاب عبارة عن مجموعة من روايات أهل البيت (عليهم السلام) حول المسائل الفقهية والأحكام الشرعية، وهي من وجهة نظر الشيخ الصدوق روايات صحيحة وعليها يُعوِّل، قال: صنفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد؛ لئلاّ تكثر طرقه وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة ، عليها المعول وإليها المرجع.[١]
سبب تأليفه
عندما سافر الشيخ الصدوق إلى مدينة بلخ، طلب أحد سادات بلخ منه أن يكتب له كتاباً في الفقه على نمط كتاب من لا يحضره الطبيب الذي ألفه محمد بن زكريا الرازي في علم الطب. فقبل الشيخ وكتب الكتاب.[٢]
الهدف من التأليف
قال الشيخ الصدوق : لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي (تقدس ذكره وتعالت قدرته)[٣].
أهمية الكتاب ومكانته
كتاب من لا یحضره الفقیه هو أحد الكتب الأربعة و یعتبر من أهم المصادر الحديثية لدى الشيعة حيث كان ولازال مرجعاً علمياً هاماً لاستنباط الأحكام الشرعية لدى علماء الشيعة ولقد كتبت له العديد من الشروح بالعربية وغيرها.
بين الفقيه والكافي
كان الكافي الذي ألّفه الشيخ الكليني أول كتاب روائي شيعي بتبويب وترتيب جامع لأبواب الفقه تمت كتابته في عصر الغيبة الصغرى، وهو من حيث المحتوى الروائي أكثر شمولاً وجامعيّة من بقية الكتب الأربعة .
ولو أردنا المقارة بين الكافي وبين كتابُ من لا يحضره الفقيه نلاحظ أن الأخير خصصه مؤلفه لمسائل الفقه وأحكامه حيث صّح بذك في مقدمة كتابه (أن أصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام، والشرايع والأحكام)[٤].
بينما كتاب الكافي فهو مضافاً لمسائل الفقه وأحكامه، نلاحظ أنه خصص قسماً من رواياته في العقائد وأخرى في الآداب ومسائل الأخلاق.
وأما من حيث الأسانيد، فكثير من أسانيد من لا يحضره الفقيه مختصرة كما ذكر هو في المقدمة: (صنفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد؛ لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده)[٥].
بينما الكافي فإن الشيخ الكليني فقد أعطى الأسانيد أهمية واتّبهعا في الكتاب فهو يكتب السند كاملاً وهو ما يعطي الكتاب قوّة واعتباراً أكثر مما لو كان فاقداً لها.
الطريقة المتّبعة في تأليف الكتاب
اتّبع الشيخ الصدوق في كتابه الطريقة السائدة في القرون الإسلامية الأولى في تدوين الكتب الفقهية حيث كان الفقهاء الشيعة يكتفون في تدوين الكتب الفقهية على درج متون الروايات ولا يُدرجون فتاواهم بعباراتهم الخاصة في قبال كلام أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك لارتباط أولئك بالوحي والمشرّع الأقدس تعالى.
مواضيع الكتاب
المياه وأحكامها من الطهارة والنجاسة.
مقدّمات الصلاة كالوضوء و الغسل و التيمم.
احكام الصلاة.
أحكام الأموات.
المكاسب وأحكام التجارة.
أحكام النكاح.
أحكام القضاء.
أحكام المواريث.
وغيرها.
أبواب الكتاب وأحاديثه
يقع كتابُ من لا يحضره الفقيه في أربعة مجلدات، عدد رواياته ـ كما ذكر المحدّث النوري ـ 5963 رواية، منها 2050 رواية مرسلة.
وذكر المحدث البحراني : أن أبواب الكتاب 636 أو 666، ورواياته 5998 رواية.
ولعل هذا الاختلاف ناشئ من الخلط بين فتاوى الشيخ الصدوق وبين روايات الكتاب، أضف إلى ذلك التداخل بين الروايات المرسل والمسندة منها.
مقارنة الكتاب مع سائر الجوامع الحديثية
أهم موسوعات الحديث عند الشيعة المؤلف الوفاة عدد الأحاديث التوضيحات
المحاسن أحمد بن محمد البرقي 274 هـ حوالي 2604 مجموعة من الروايات بموضوعات مختلفة كالفقه والأخلاق
الكافي محمد بن يعقوب الكليني 329 هـ حوالي 16000 أحاديث عقدية، وأخلاقية، وفقهية
من لا يحضره الفقيه الشيخ الصدوق 381 هـ حوالي 6000 أحاديث فقهية
تهذيب الأحكام الشيخ الطوسي 460 هـ حوالي 13600 أحاديث فقهية
الاستبصار فيما اختلف من الأخبار الشيخ الطوسي 460 هـ حوالي 5500 أحاديث فقهية
الوافي الفيض الكاشاني 1091 هـ حوالي 50000 يحتوي على أحاديث الكتب الأربعة مع حذف المكررات وشرح بعضها
وسائل الشيعة الحر العاملي 1104 هـ 35850 الأحاديث الفقهية للكتب الأربعة وأكثر من سبعين كتاب آخر في الحديث
بحار الأنوار العلامة المجلسي 1110 هـ حوالي 85000 جمع أكثر روايات المعصومين في موضوعات مختلفة
مستدرك الوسائل الميرزا حسين النوري 1320 هـ 23514 تكميل الأحاديث الفقهية لوسائل الشيعة
سفينة البحار الشيخ عباس القمي 1359 هـ 10 جلد استعراض فهرس موضوعي لكتاب بحار الأنوار وفق الترتيب الأبجدي
مستدرك سفينة البحار الشيخ علي النمازي 1405 هـ 10 جلد تکمیل سفینة البحار
جامع أحاديث الشيعة آية الله البروجردي 1380 هـ 48342 جمع الأحاديث الفقهية الشيعية، وتبويبها
ميزان الحكمة محمدي الري شهري معاصر 23030 غیر فقهی عنوانا لأحاديث غير فقهية
الحياة محمدرضا حكيمي الخراساني معاصر 12 جلد 40 فصلا من موضوعات مختلفة فكرية وعملية
مصادر الكتاب
ذكر الشيخ الصدوق أنه جمع كتابه من الأصول المعتبرة حيث قال: وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني ، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي ، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي ، وكتب الحسين بن سعيد ، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى ، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري ، وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله ، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه) ، ونوادر محمد بن أبي عمير ، وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي ، ورسالة أبي (رضي الله عنه) ... إلي وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي (رضي الله عنهم) [٦].
الشروح والتعليقات
ذكر الآغا بزرگ الطهراني (رحمه الله) مجموعة من الشروح والحواشي، ومنها [٧].
روضة المتقين، الشيخ محمد تقي المجلسي ، شرح عربي.
اللوامع القدسية أو لوامع صاحب قراني ، الشيخ محمد تقي المجلسي ، شرح فارسي.
معاهد التنبيه في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه، محمد بن الشيخ حسن بن زین الدین (صاحب المعالم).
معراج النبيه في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه، الشيخ يوسف البحراني ، إلا أنه لم يتم.
التعليقة السجادية، ومعه شرح المشيخة، المولى مراد بن علي خان التفرشي.
حاشیه سیداحمد بن زین العابدین علوی عاملی.
حاشية السيد محمد باقر بن محمد الحسيني الداماد.
حاشية الشيخ محمد علی بن محمد البلاغي.
حاشية الشيخ محمد بن علی بن یوسف بن سعيد البحراني.
حاشية السيد محمد صالح بن الأمير عبد الواضع الخاتون آبادي، صهر العلامة المجلسي.
-------
1- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 4 المقدمة.
2- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 2 المقدمة.
3- الصدوق، ابن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 2 ـ 3 المقدمة.
4- الصدوق، ابن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 2 المقدمة.
5- الصدوق، ابن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 2 المقدمة.
6- الصدوق، ابن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 4 المقدمة.
7- الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 14 ص 33 .