الحافظ ابن مسدي
الحافظ جمال الدين، أبو المكارم، أبو بكر محمّد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن إبراهيم بن عبد اللّه بن المغيرة بن مسدي الأندلسي الغرناطي الأزدي المهلبي، المتوفّى قتلا غيلة في سنة 663، نزيل مكّة المكرّمة وخطيبها وإمام المقام الشريف.
ولد يوم عيد الأضحى سنة 599 بوادي آش من الأندلس، وقرأ على جماعة منهم قاضي قرطبة أبو القاسم بن بقي المخلّدي وجماعة بالمغرب، ثمّ حل بعد سنة 620 فسمع بالثغر (الإسكندرية) من محمّد بن الحراني وغيره، وبمصر من الفخر الفارسي، وأبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي، وقرأ عليه بالروايات وأبي الحسن ابن المقير وأكثر عنه وجماعة بمصر وبدمشق من أبي القاسم الحسين بن هبة اللّه بن صصري وغيره، وبحلب من أبي محمّد عبد الرحمن ابن الأستاذ ابن علوان، وجعفر الهمداني، والموفق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي وغيره، ومن أبي البركات عبد الرحمن ابن عبد اللطيف الصوفي وجماعة بمكّة، وسمع بحيان على أبي عبد اللّه بن صلتان وبمدينة فاس عن أبي البقاء يعيش بن العديم، وأبي محمّد بن زيدان.
وأجاز له من شيوخها إمامها أبو إسحاق زاهر بن رستم الأصبهاني والشريف يونس بن يحيى الهاشمي، ومن بغداد ابن الأخضر وابن سكينة، ومن دمشق قاضيها أبو القاسم الحرستاني، وأبو اليمن الكندي وجماعة يجمعهم كلهم معجمه الذي خرجه لنفسه في ثلاث مجلدات كبار وعمل تراجمه مسجوعة، وهو سجع متمكن كما قاله الصفدي، وقال : سمع الكثير بالمغرب وديار مصر وصنّف وانتقى على المشايخ وظهرت فضائله... وكان ينشئ الخطب ببلاغة وفصاحة وله مصنّفات كثيرة...
وقال الذهبي : الحافظ العلّامة الرحال... أحد من عني بهذا الشأن كتب عن خلق بالأندلس...
وحكى الصفدي عن الذهبي أنّه قال : رأيت له قصيدة طويلة تدل على التشيع... وطالعت معجمه بخطه وفيه عجائب وتواريخ..
وقال في تذكرة الحفّاظ، عمل معجما في ثلاث مجلدات كبار رأيته وطالعته وعلقت منه كراريس، وله تصانيف كثيرة، وتوسع في العلوم وتفنن، وله اليد البيضاء في النظم والنثر، ومعرفة بالفقه وغير ذلك وفيه تشيّع وبدعة !
وقال الجزري في طبقات القرّاء 2 : 288 رقم 3564 إمام حافظ مقرئ، مكثر مجود، أخذ القراءات عن عبد الصمد البلوي، وأبي القاسم بن عيسى، ومحمّد بن علي السبتي وعني بالقراءات والحديث، وسمع الكثير بالبلاد الأندلسية والغربية والمصرية والشامية والحجازية وصنّف وخرّج...
تلامذته : روى عنه : الأمير علم الدين الدواداري، ومجد الدين عبد اللّه بن محمّد الطبري، والحافظ الدمياطي، وأبو اليمن عبد الصمد ابن عساكر، وعفيف الدين بن مزروع، وأبو عبد اللّه بن النعمان، ورضي الدين محمّد بن خليل، الرضي الطبري إبراهيم بن محمّد الشافعي - إمام مقام إبراهيم - وهو آخرهم وفاة. وآخر الرواة عنه إجازة مسند الشام في عصر أحمد بن علي الجزري، وكتب عنه الرشيد العطار، ومات قبله.
وفي العقد الثمين : وكان عني بهذا الشأن كثيرا، وخرّج لنفسه ولغير واحد من شيوخ عصره... وكان يكتب بالمغربي والمشرقي خطا حسنا، وكان سريع الكتابة... وذكره جماعة من الحفّاظ ووصفوه بالحفظ منهم :
منصور بن سليم الهمداني، وقال : كان حافظا متقنا، والشريف أبو القاسم الحسيني، وقال : كان فاضلا حسن المعرفة بالصناعة الحديثية، والقطب الحلبي، وقال : كان يميل إلى الاجتهاد، ويؤثر الحديث، والحافظ الذهبي قال في الميزان : كان من بحور العلم، ومن كبار الحفّاظ له أوهام وفيه تشيّع.
وأطراه ابن فرحون بقوله : الفقيه الامام البارع، العلامة الأوحد، الحافظ الناقد الخطيب البليغ الأديب، جمال الدين أبو المكارم.
مذهبه : تقدّم قول الذهبي في تذكرة الحفاظ : وفيه تشيّع وبدعة، وقوله :
رأيت له قصيدة طويلة تدلّ على التشيع، وقوله : ينال من معاوية وذويه وذكر أن الرضي الطبري كان يمتنع عن الرواية عنه ! وأكثر دلالة على تشيّعه أنّه كان يتكلّم في عائشة، وقولهم : كان يميل إلى الاجتهاد وأنّه ذكر في كتابه محرر الائتلاف خلاف الزيدية والامامية، وأنّه كان يميل إلى الأخذ بالحديث، ولذلك قال عنه ابن ناصر الدين : كان حافظا علّامة ذا رحلة واسعة ودراية، شاع عنه التشيع.
فالظاهر أنّه في رحلاته قد التقى بغير واحد من علماء الشيعة فناظروه في مذهبه وارشدوه إلى الحق والصواب، ولعلّ ذلك كان في مدينة حلب فقد كانت مزدهرة بعلماء الشيعة في القرن السابع، وقد تجد ترجمة كثير منهم في هذا الكتاب، أو أنه من خلال مطالعاته ومراجعاته للحديث النبوي ومدارسته للتاريخ قد اهتدى إلى الحق والصواب ؛ فكانت تظهر عليه في فلتات لسانه وتطفح على شعره فقالوا عنه انه شاع عنه التشيع فإنه قيل :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * متى خالها تخفى على الناس تعلم
ومن أدلة تشيعه أيضا قتله غيلة على ما يأتي.
شعره : قد عرفت ان له قصيدة نحو ستمائة بيت وأخرى دالية سماها اسى المنائح لكن لم يصل الينا سوى أول بيت منها، نعم في العقد الثمين تجد قد ذكر فيه شي من شعره وكذلك الذهبي ذكر له شعرا في تذكرة الحفاظ.
مؤلفاته : قال الذهبي : له تصانيف كثيرة، وقال الصفدي : وله مصنفات كثيرة وقال الفاسي : وله تواليف كثيرة منها :
1 - الأربعون المختارة في فضل الحجّ والزيارة.
2 - منسك كبير ضخم ذكر فيه المذاهب وحججها وأدلتها وخلاف العلماء وسماه : اعلام الناسك بأعلام المناسك.
3 - المسند الغريب جمع فيه مذاهب علماء الحديث.
4 - المسلسلات في الحديث.
5 - محرر الائتلاف بين الاجماع والخلاف ذكر فيه المذاهب الأربعة وخلاف بعض الفرق كالزيدية والامامية، وأفتى فيه بفوائد جمّة، كذا ذكره ابن فرحون.
6 - معجم شيوخه في ثلاث مجلدات كبار.
7 - أسى المنائح في اسمى المدائح وهو قصيدة داليّة في مدح النبي صلّى اللّه عليه وآله أولها :
أورد ظماك فقد بلغت الموردا * لن يحمد الاصدار من لا أوردا
وفي العقد الثمين أنّه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعنده جماعة وهم يذكرون قصائد مدح بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : اين أنتم من قصيدة ابن مسدي الداليّة ؟
8 - قصيدة طويلة قال الذهبي في تذكرة الحفّاظ : أراني عفيف الدين له قصيدة نحوا من ستمائة بيت ينال فيها من معاوية وذويه..
وقال أيضا فيما حكاه عنه الصفدي : رأيت له قصيدة طويلة تدل على التشيّع.
مقتله : قتل رحمه اللّه غيلة مقطوع اللسان بمنزله، بمكّة برباط القزويني بالجانب الشمالي من مكّة على باب السدة، عاشر شوال أو حادي عشرة سنة 663، ودفن بالمعلاة من يومه، واتهم أمير مكّة به جماعة وحلفوا وظل دمه.
وملخص حياته رحمه اللّه : أنّه ولد بوادي آش سنة 599، وتلقى العلوم والحديث عن جماعة بالمغرب منذ حدود سنة 617 في قرطبة وبجايه وتلمسان وتونس.
ثمّ رحل إلى المشرق بعد سنة 620 ؛ فجال في الشام وحلب والإسكندرية وسائر البلاد المصرية ؛ وأقام بالفيوم وولي بها تصدرا، ثمّ رحل من مصر إلى المدينة سنة 646، وتوجه إلى مكّة فحجّ ذلك العام، وأقام بها، وولي خطابة الحرم وإمامة المقام بها، وكان يداخل الزيدية بها، وينشئ الخطب ارتجالا في الحال، واستمر على ذلك إلى أن أغتيل وقطع لسانه رحمة اللّه عليه.
مصادر ترجمته : تذكرة الحفاظ ص 1448، الوافي بالوفيات للصفدي 5 / 254، العقد الثمين وله فيه ترجمة مطوّلة برقم 493 ج 2 من 403، إلى 410، ميزان الاعتدال 4 : 73 / 8346، لسان الميزان 5 / 437 / 1434 العبر للذهبي 3 :
308 حوادث سنة 663، شذرات الذهب 5 / 313 نفح الطيب 2 / 317 الديباج المذهب 2 / 333.