أحمد بن عبد العزيز البغدادي
أحمد بن عبد العزيز الكزّي البغدادي المتوفّى 7 محرم سنة 623. ترجم له المنذري في التكملة لوفيات النقلة 5 / 251 رقم 2084 وهو أول من ذكره في وفيات سنة 923 فقال : وفي السابع من المحرم توفّى الشيخ أحمد بن عبد العزيز المعروف بالكزي ببغداد، ودفن بمقابر قريش. أقول : وهذا الشيخ هو الذي قام من تحت منبر أبي الفرج بن الجوزي وبكته لمّا قال سلوني قبل أن تفقدوني في قصة ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 13 / 107 قال : كان ببغداد في صدر أيام الناصر لدين اللّه أبي العباس أحمد بن المستضيء باللّه، واعظ مشهور بالحذق ومعرفة الحديث والرجال، وكان يجتمع إليه تحت منبره خلق عظيم من عوام بغداد ومن فضلائها أيضا، وكان مشتهرا بذمّ أهل الكلام وخصوصا المعتزلة وأهل النظر، على قاعدة الحشويّة، ومبغضي أرباب العلوم العقلية، وكان أيضا منحرفا عن الشّيعة برضا العامة بالميل عليهم، فاتفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكّته ويسأله تحت منبره، ويخجله ويفضحه بين الناس في المجلس، وهذه عادة الوعّاظ ؛ يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلّفون الجواب عنها، وسألوا عمّن ينتدب لهذا، فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزّي، كان له لسن، ويشتغل بشيء يسير من كلام المعتزلة، ويتشيّع، وعنده قحة، وقد شدا أطرافا من الأدب، وقد رأيت أنا هذا الشخص في آخر عمره، وهو يومئذ شيخ، والناس يختلفون إليه في تعبير الرؤيا، فأحضروه وطلبوا إليه أن يعتمد ذلك، فأجابهم، وجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه، واجتمع الناس عنده على طبقاتهم، حتى امتلأت الدنيا بهم، وتكلّم على عادته فأطال، فلمّا مرّ في ذكر صفات البارئ سبحانه في أثناء الوعظ، قام إليه الكزّي، فسأله أسئلة عقلية، على منهاج كلام المتكلّمين من المعتزلة، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظريّ، وانّما دفعه بالخطابة والجدل، وسجع الألفاظ ؛ وتردّد الكلام بينهما طويلا. وقال الواعظ في آخر الكلام : أعين المعتزلة حول، وصوتي في مسامعهم طبول، وكلامي في أفئدتهم نصول، يا من بالاعتزال يصول، ويحك كم تحوم وتجول، حول من لا تدركه العقول ! كم أقول، كم أقول ! خلّو هذا الفضول ! فارتجّ المجلس، وصرخ الناس، وعلت الأصوات، وطاب الواعظ وطرب، وخرج من هذا الفصل إلى غيره فشطح شطح الصوفية، وقال : سلوني قبل أن تفقدني، وكرّرها ؛ فقام إليه الكزيّ، فقال : يا سيدي ما سمعنا أنّه قال هذه الكلمة إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وتمام الخبر معلوم. وأراد الكزّيّ بتمام الخبر قوله عليه السّلام : « لا يقولها بعدي إلّا مدّع ». فقال الواعظ وهو في نشوة طربه، وأراد إظهار فضله ومعرفته برجال الحديث والرواة : من عليّ بن أبي طالب ؟ أهو عليّ بن أبي طالب بن المبارك النيسابوريّ ؟ أم علي بن أبي طالب بن إسحاق المروزي ؟ أم علي ابن أبي طالب بن عثمان القيرواني ؟ أم علي بن أبي طالب بن سليمان الرازي ؟ وعدّ سبعه أو ثمانية من أصحاب الحديث، كلهم عليّ بن أبي طالب. فقام الكزيّ، وقام من يمين المجلس آخر، ومن يسار المجلس ثالث، انتدبوا له، وبذلوا أنفسهم للحميّة ووطّنوها على القتل. فقال الكزّي : أشّا يا سيدي فلان الدين، أشّا ! صاحب هذا القول هو عليّ بن أبي طالب زوج فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السّلام، وإن كنت ما عرفته بعد بعينه، فهو الشخص الذي لمّا آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بين الأتباع والأذناب آخى بينه وبين نفسه، وأسجل على أنه نظيره ومماثله، فهل نقل في جهازكم أنتم من هذا شيء ؟ أو نبت تحت خبّكم من هذا شيء ؟ فأراد الواعظ أن يكلّمه، فصاح عليه القائم من الجانب الأيمن، وقال : يا سيدي فلان الدين، محمّد بن عبد اللّه كثير في الأسماء، ولكن ليس فيهم من قال له رب العزة (سورة النجم 2 – 4). وكذلك علي بن أبي طالب كثير في الأسماء، ولكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ». وقد تلتقي الأسماء في الناس والكنى * كثيرا ولكن ميّزوا في الخلائق فالتفت إليه الواعظ ليكلّمه، فصاح عليه القائم من الجانب الأيسر، وقال : يا سيّدي فلان الدين، حقّك تجهله، أنت معذور في كونك لا تعرفه : وإذا خفيت على الغبي فعاذر * ألّا تراني مقلة عمياء ! فاضطرب المجلس وماج كما يموج البحر، وافتتن الناس، وتواثبت العامّة بعضها إلى بعض، وتكشفت الرؤوس، ومزّقت الثياب، ونزل الواعظ، واحتمل حتى أدخل دارا أغلق عليه بابها، وحضر أعوان السلطان فسكّنوا الفتنة، وصرفوا النّاس إلى منازلهم وأشغالهم، وأنفذ الناصر لدين اللّه في آخر نهار ذلك اليوم، فأخذ أحمد بن عبد العزيز الكزيّ والرجلين اللّذين قاما معه، محبسهم أياما لتطفأ نائرة الفتنة. ثمّ أطلقهم. وقال : أدركت أنا هذا الشيخ ولم يسم الواعظ ولكن رأيت في بعض الكتب أن الواعظ هو ابن الجوزي، راجع تقريظ الدكتور مصطفى جواد على كتاب التكملة لوفيات النقلة المطبوع في مقدمة المجلد الأول ص 11 وما ذكره هو في صفحة 13 في الهامش والتعليق عليه.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video