الكاتب : فيصل نور ..
ثورة التنباك
ثورة التنباك أو ثورة التبغ (بالفارسية: نهضت تنباکو) هي ثورة قامت 1891 - 1892) م)، حين منح حاكم إيران ناصر الدين شاه القاجاري، حق بيع وشراء التبغ في إيران لصالح شركة بريطانية. وكان نحو 20% من الإيرانيين يعملون في قطاع التبغ، وقد أدت الإتفاقية إلى احتكار البريطانيين لهذا قطاع.
ووصلت الأزمة ذروتها حين صدرت فتوى تُنسب إلى المرجع الشيعي محمد حسن الشيرازي (ت : 1895ه) حَرم فيها التنباك، وجاء فيها: "استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان بحكم محاربة امام الزمان عجل الله فرجه".
وتعد هذه الثورة أولى الإنتفاضات في تاريخ إيران المعاصر، وقادها رجال الدين وبتأثير مهم من جمال الدين (الأسد آبادي ) الشهير بالأفغاني.
بداية القصة.
في صيف عام 1889م، تم أثناء رحلة ناصر الدين شاه لأوروبا وتوقفه في بريطانيا التمهيد لمنح إمتياز التبغ والتنباك من قبل الحكومة الإيرانية لهذا البلد. وقد أناط رئيس الحكومة البريطانية هذه المهمة بالميجور (جيرالد تالبوت)، الذي شرع بعد ان انتُخب لعضوية اللجنة المضيفة للشاه القاجاري، في الإتصال بالمسؤولين الإيرانيين والتمهيد للحصول على الإمتياز المذكور باستمالة اعتماد السلطنة وأمين السلطان (الصدر الأعظم). فدعى ناصر الدين شاه جيرالد تالبوت لإيران للتوقيع على عقد الإمتياز. وبعد حصوله على الضمانات اللازمة أسس شركة لهذا الغرض، هي شركة (ريجي) برأسمال قدره 650000 جنيه إسترليني.
تضمنت مقدمة الإمتياز خمسة عشر فصلاً صادق عليها الشاه، منها:
بموجب هذا المرسوم تكرمنا، ووكلنا للميجور تالبوت وشركائه بيع وشراء ما تننجه ممالك إيران الإسلامية المحروسة لغاية خمسين عاماً من تاريخ توقيعه.
وعلى أثر هذا الامتياز، وصل إلى إيران أكثر من مئتي ألف أجنبي، قاموا باستغلال المواطنين واستضعافهم، وإشاعة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية، وقد أرسل المجدد الشيرازي برقية من سامراء المقدسة إلى الشاه القاجاري حول هذا الموضوع، جاء في بعض فقراتها: (إن تدخل الأجانب في الأمور الداخلية للبلاد، واختلاطهم بالمسلمين، وإشاعة الفساد تحت ستار امتياز التنباكو، يُعتبر منافياً لصريح القرآن الكريم، والقوانين الإلهية، وبالتالي يؤدي إلى ضعف الدولة وعدم تمكنها من المحافظة على سيادتها واستقلالها، وهذا مما يزيد قلق المواطنين وقلقنا على مستقبل المسلمين).
واجه منح إمتياز (حصر التبغ والتنباك) للشركة الانجليزية منذ البداية وقبل بدء عمل الشركة في إيران بعض الإستنكارات ، كان أولها في شيراز وبرزت على شكل مقاومة جادة حيال عملاء الشركة الإنجليزية تلك فمحافظة فارس كانت في حينه أحد المراكز الأساس لإنتاج التبغ والتنباك في إيران، كما كان يتعذر على تجار المحافظة المنتفعون كثيراً من بيع التبغ وشرائه، تسليم منافعهم تلك للشركة الإنجليزية. وكان أولئك التجار يحظون في مسعاهم هذا بدعم العلماء بمن فيهم (الحاج سيد علي اكبر فال أميري) أحد أجلة علماء شيراز، الذي دعا الناس من على منبر مسجد الوكيل في هذه المدينة للتصدي لهذا الإمتياز وطرد عملاء الشركة الانجليزية.
وتحسّباً لاتساع دائرة التذمر، أناط أمين السلطان (الصدر الأعظم) بقوام الملك مهمة أمن شيراز ونظم أمورها. فما كان من قوام الملك الذي كان يكن العداء لعلي اكبر إلا أن ألقى القبض عليه بصورة موهينة وأرسله لبوشهر. ومن هناك، أي: من بوشهر أبحر الحاج سيد علي اكبر فال أميري إلى البصرة حيث التقى بجمال الدين الأسد آبادي (الأفغاني)، الذي كان محضوراً عليه السفر إلى عتبات الشيعة المقدسة في العراق والالتقاء بالعلماء، لذا حمّل (فال أميري) رسالة إلى مرجع التقليد الكبير للشيعة (الميرزا حسن الشيرازي) شرح فيها جمال الدين الأوضاع المتردية في إيران وقال ـ مهاجماً ناصر الدين شاه وصدر أعظمه أمين السّلطان ـ: سماحة المرجع الأكبر أضحى شاه إيران عنصراً ضعيفاً وسّيء السيرة، وضعيف المشاعر، لا يحسن التصرف، عاجز من إدارة شؤون البلد وحفظ مصالحه العامة، وكل زمام الأمور لرجل وضيع، فاسق، سافل، يهجو الأنبياء والرسل جهراً وفي الملأ العام. لا ينصاع لأمر الدين، ولا يراعي حرمة رؤساء الدين وزعمائه، يهجو العلماء، ويتهم الزاهدين وتقاة الناس، يهين السادات الكرام، يعامل الوعاظ بمثل ما يعامل به سفلة القوم. فهو ما إن عاد من أوروبا، حتى انتهج هتك حرمة الحياء والإستبداد، ومعاقرة الخمرة سرّا وعلانيّة وكذا معاشرة الكفار، ومجالستهم والتودّد إليهم.
وعلى إثر هذه الرسالة دعا الشيرازي في رسالة شفهية أولاً وفي أخرى خطية لاحقاً إلى إلغاء الإمتياز، فلم يكترث ناصر الدين شاه لهذا الإحتجاج وأوعز لممثل إيران بأن يذهب إلى سامراء ويعلمه بفوائد الإمتياز.
عند ذاك، وبعد أن وجه ميرزا الشيرازي عدة رسائل خطية لناصر الدين شاه وظل ينتظر طويلاً الردّ على هذه الرسائل وما يلزم ذلك من إيضاحات من الشاه القاجاري، رأى عدم جدوى التريث وكثرة الإنتظار. لذا، أقدم سماحته ردّا على ما وصله الكثير من الأسئلة والاستفسارات وكذلك العديد من الإستفتاءات بوصفه مرجع الشيعة الأعلى، على إصدار فتواه الشهيرة بخصوص تحريم التدخين.
وهذا نص الفتوى : (بسم الله الرحمن الرحيم، استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن استعمله كمن حارب الإمام عجل الله فرجه. محمد حسن الحسيني الشيرازي).
ثم أعقبها بالفتوى الأخرى: (إذا لم يُلغ امتياز التنباكو بشكل كامل، سأعلن الجهاد العام خلال ثمان وأربعين ساعة).
وكانت هذه الفتاوى بمثابة قنابل من حيث تأثيرها على المجتمع الإيراني فقد تم استنساخها بمئة ألف نسخة، وزعت في مختلف أنحاء إيران وتليت من على المنابر في المساجد والحسينيات.
وفي أواخر شهر محرّم من عام 1309 (أواخر أغسطس 1891) إرتفعت وتيرة مقاومة عمليات شركة ريجي في عموم البلاد، فيما عارضها علناً كبار العلماء في مدن طهران وتبريز وأصفهان. في تبريز تميزت هذه المقاومة إذ كانت مسلحة وآلت لطرد عملاء الشركة من المدينة وإزالة مالها من إعلانات وملصقات جدارية واستبدالها بشعارات وملصقات مناوئة لهذه الشركة الانجليزية.
أمّا ناصر الدين شاه، الذي أرهبه فتوى آية الله ميرزا الشيرازي، فإنه كلف أمين السلطان (الصدر الأعظم) بلقاء العلماء بحثاً عن سبيل لإنهاء هذه الغائلة. لذا إلتقى أمين السلطان الميرزا حسن الآشتياني، قبل أن يجتمع إلى سائر العلماء ويتعهد فيه باتخاذ ما يلزم من خطوات لفسخ إمتياز حصر التبغ والتنباك وإبطاله. وانه بعد استرضاء الشاه ومحاورة الإنكليز، أقنعهم بوجوب العدول عن حق حصر التبغ والتنباك في إيران، ما دفع لأن تتولى شركة ريجي أمر تصدير التبغ والتنباك واستيراد هما فحسب.
هذا الأمر لم يرض الميرزا حسن الآشتياني وسائر العلماء الذين طالبوا بإلغاء كامل الإمتياز وإبطاله جملة وتفصيلاً. فغضب الشاه وكتب لولي عهده أن يبلغ الميرزا الآشتياني، بأن يعلن من فوق المنبر إلغاء تحريم التدخين ويدخن النارجيلة في الملأ العام وإمّا أن يغادر طهران.
فكتب الميرزا الآشتياني رداً على ولي العهد: أغادر طهران.
عمّت العاصمة الفوضى والإضطرابات للحيلولة دون هجرة الميرزا الشيرازي، ما دفع ناصر الدين شاه لإرسال خاتم ماسي للميرزا لاستمالته وعدوله عن ترك طهران على أمل حل القضية واسترضاء العلماء خلال أيام ثلاثة.
رفض الميرزا الآشتياني الخاتم وكان قد أرجأ سفره مدة يومين، أي إلى 6 يناير1892) الذي فيه فسخ ناصر الدين شاه في رسالة خطية لأمين السلطان إمتياز حصر ما يتعلّق بالتدخين. بعد قرار الفسخ هذا، أعلم أمين السلطان برسالة خطية الميرزا حسن الآشتياني بذلك.
فوكل الآشتياني المرجع الشيعي الأعلى الميرزا حسن الشيرازي الموافقة على إلغاء تحريم التبغ والتنباك التي وصلت إلى إيران بعد عشرين يوماً أعلن عن وصول رد الميرزا الشيرازي الذي فيه أجاز سماحته التدخين.
واسترضي الشاه الانكليز بعد محادثات مطولة ودفع غرامة نقدية قيمتها خمسمائة ألف جنيه إسترليني، لشركة ريجي، من قبل البنك الشاهي (وكان بنكاً إنكليزياً)، وذلك لعدم قدرة الحكومة على دفعه.
محطات:
عندما أصدر الشيرازي فتواه، بعث الحاكم ناصر الدين شاه القاجاري، مندوباً إلى الشيرازي يشرح له فوائد المعاهدة مع البريطانيين، لعله يقنعه لسحب فتواه، فدخل المندوب على الشيرازي، وأخذ يتكلم بكلام مسهب حتى انتهى بعد إطناب وتملق، فكان جواب الشيرازي، هذه الكلمة فقط: (لا اله إلا الله) ثم أمر بإحضار القهوة، إشارة إلى ختام الجلسة، وعندها خرج المندوب الإيراني، وعاد مرة أخرى في اليوم الثاني، وهو يعيد كلامه الأول بأسلوب آخر. ولما انتهى من كلامه، أعاد السيد الشيرازي، كلمته بإضافة (ثم) فقال: (ثم لا اله إلا الله) وهكذا أمر بإحضار القهوة إشارة إلى انتهاء اللقاء. ولما رجع المندوب، سأله الشاه: ماذا كانت نتيجة اللقاء بالإمام الشيرازي؟ فقال المندوب: (لا شيء، فقد قال السيد: لا اله إلا الله).
إن جميع أهالي إيران تركوا التدخين، وكسروا (النارجيلات) وكل آلة تستعمل للتدخين في بلاد إيران، حتى أن نساء قصر الشاه كسرن آلات التدخين في القصر، وعرف الشاه هذه الحقيقة التي لم يتصورها لحظة ما، بأن قوة المرجع الديني أقوى من سلطته.
ويحُكى أن بعض الفسقة كانوا جالسين في إحدى المقاهي، فعندما سمعوا إن الميرزا الشيرازي قد حرم التدخين، قاموا على بكسر وتحطيم نارجيلاتهم، فقال لهم بعض الجالسين في المقهى: انتم ترتكبون كل منكر ولا تتورعون عن فعل المحرّم وكيف والحالة هذه تمتثلون لفتوى الشيرازي وتمتنعون عن التدخين وتكسرون آلته، إن هذا الأمر مستغرب منكم، فقالوا: إننا نفعل المعاصي ولنا أمل بالرسول وآله بيته أن يشفعوا لنا إلى الله سبحانه وتعالى ويطلبوا لنا غفران ذنوبنا، والميرزا الشيرازي اليوم هو نائبهم وحامي شرعهم ومُؤديه إلى الناس، فنحن نأمل أن يشفع لنا عندهم، فإذا أغضبناه فمن الذي يشفع لنا ويسأل من الله غفران ذنوبنا؟.
وبالرغم من أن قضية (التنباك) قد حصلت في إيران، وأن ما أسفر عنها من تفاعلات ونتائج أثرت بشكل أساسي في المجتمع الإيراني، فقد كان لها صدى قوي في العراق، ولا سيما في المناطق والمدن الشيعية، الذي كانت من بين أسبابه تشابك العلاقات بين هذه المناطق والمدن وإيران، وانعكاس الأحداث عليها، وكذلك بسبب التدخل للمرجع الأعلى -الذي مقره في العراق- في القضية، وتزعمه للانتفاضة. وقد تابع العراقيون، وخاصة في المناطق الشيعية تلك الأحداث باهتمام كبير. وأما داخل الحوزات والحلقات والمدارس العلمية فإنها أثارت جدلاً فكرياً وسياسياً عاماً، وهكذا مثلت الفتوى التي أصدرها الشيرازي، وتدخله المباشر في قضية التنباك، والانتفاضة المتولدة عنها، إحدى أهم المواقف والنشاطات الفكرية والسياسية لعلماء الشيعة في العراق في أواخر القرن التاسع عشر، وشكلت مظهراً رئيساً من مظاهر الاتجاه الثقافي الفكري السياسي الإسلامي الذي مهد لقيام الحركة الإسلامية في العراق أوائل القرن العشرين، كما يرى البعض.
أشارت بعض المصادر إلى ذلك بقولها: ولعل مما زاد في تأثير هذه القضية على العراق الدور الذي قام به السيد جمال الدين الأفغاني، مع أحد قادة الانتفاضة في إيران، أثناء وجودهما في العراق، فخلال تلك الأحداث، كان الأفغاني الذي أبعد حديثا من إيران، قد وصل البصرة، ومن هناك كتب بالتعاون مع المجتهد السيد علي أكبر الشيرازي -أحد زعماء الانتفاضة- الذي كان قد تسلل إلى البصرة من إيران، رسالة موجهة إلى الإمام السيد حسن الشيرازي في سامراء، يذكران له فيها مظالم الشاه الكثيرة للشعب الإيراني، لكن ما أن شاع أمر هذه الرسالة -بسبب مضمونها التحريضي- بين الناس في العراق حتى سارعوا إلى استنساخها وتداولها وتوزيعها على كثير من المدن العراقية، ولا سيما العتبات المقدسة، وقد كان لها تأثير كبير بشكل خاص في مدينة النجف).
ويرى شكيب أرسلان: (إن النداء الذي أرسله الأفغاني إلى الإمام الشيرازي، من أعظم أسباب الفتوى التي أفتاها الإمام ببطلان امتياز الاتفاقية الإنكليزية الإيرانية بشأن احتكار التبغ الإيراني).
ويقول محسن الأمين في تعليقه على قول أرسلان: (ولكن الحقيقة أن الميرزا الشيرازي أفتى بتحريم تدخين التنباك حينما بلغه إعطاء الامتياز إلى الدولة البريطانية قبل أن يرسل له السيد جمال الدين هذا الكتاب، ولم يكن إفتاؤه بتأثير كتاب جمال الدين، ولو لم يكن له مؤثر ديني من نفسه عظيم، لم يؤثر فيه كتاب جمال الدين، ولكن الناس اعتادوا إذا مالوا إلى شخص أن يسندوا كل وقائع العالم له).
في سنة 1870م) زار ناصر الدين شاه القاجاري العتبات المقدسة عند الشيعة في العراق، وكان الوالي العثماني على بغداد مدحت باشا، فلما قصد الشاه كربلاء، خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم، ومضى، ولما ورد النجف الأشرف خرج أيضاً لاستقباله بعض علمائها، ولما دخل النجف زاره العلماء، إلا الشيرازي، إذ لم يخرج لاستقباله كما لم يذهب لزيارته. ثم أرسل الشاه إلى العلماء مبالغ نقدية، فقُبلت منه، إلا الشيرازي فقد رفض قَبولها مما اضطر الشاه أن يرسل وزيره حسن خان إليه معاتباً، وطالباً منه أن يزوره، فأبى الشيرازي، وبعد الإلحاح الشديد عليه والوسائط المتعددة، قبل أن يلتقي به في الحضرة الشريفة العلوية، وتم الاجتماع بينهما ولم يطلب المجدد من الشاه شيئاً.
هذا الموقف شكل كسراً للتقليد الذي كان يتبعه المجتهدون في استقبال الملوك المسلمين. ويرى محمد جواد مغنية: أن موقف السيد الشيرازي والتقليد الذي استحدثه أصبحت هذه الطريقة سنة متبعة عند كبار العلماء منذ المجدد الشيرازي حتى السنين المتأخرة، فإذا جاء إلى النجف ملك من ملوك المسلمين، أو من هو في منزلته أحجموا عن استقباله وزيارته، وإذا دعت الضرورة إلى الاجتماع التقوا به في الحضرة المقدسة[1].
أنظر أيضاً : محمد حسن الشيرازي.