الكاتب : فيصل نور ..
النَسائي
(215 هـ - 303 هـ)
أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار النسائي. محدّث، وقاضٍ، وأحد أئمة الحديث النبوي الشريف، صاحب السنن الصغرى والكبرى، المعروف بسنن النسائي. ولد سنة 215 هـ في بلدة نسا من بلاد خراسان قديمًا و تقع في تركمانستان حاليًا، وطلب العلم والحديث وهو صغير، فرحل إلى خرسان والحجاز والعراق والشام والجزيرة العربية ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، خرج إلى دمشق فوجد المنحرف بها عن علي بن أبي طالب كثير، فألف كتاب "الخصائص" في خصائص علي فأُذِي بسبب ذلك، وتوفي في سنة ثلاث وثلاثمائة، له العديد من المصنفات أشهرها السنن، وصنف أيضًا في الضعفاء والمتروكين، وفضائل الصحابة، له كتاب في التفسير.
وعلة إيرادنا له رحمه الله في هذا الكتاب، هو ما قيل في تشيعه.
يقول ابن خلكان (ت : 681 ه) : قال محمد بن إسحاق الأصبهاني سمعت مشايخنا بمصر يقولون إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال أما يرضي معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل وفي رواية أخرى ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك وكان يتشيع فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد وفي رواية أخرى يدفعون في خصييه وداسوه ثم حمل إلى الرملة فمات بها[1].
وقال ابن تيمية (ت: 728 ه) : وتشيع أمثاله (أي الحاكم صاحب المستدرك) من أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر و عمر فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحو ذلك[2].
وقال الذهبي (ت: 748 ه) : إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه[3].
يقول ابن كثير (ت : 774 ه) : قيل عنه : إنه كان ينسب إليه شئ من التشيع[4].
وسيأتي أيضاً ذكر بعض أقوال علماء الشيعة في ذلك.
يقول محمد هادي الأميني (محقق شيعي) تحت عنوان تشيع النسائي : خلال بحثي ودراستي حياة المحدث النسائي الفكرية ، واشتغالي بوضع مقدمة لكتابه "خصائص أمير المؤمنين عليه السلام" لم أجد نصا تاريخيا صريحا يدل على تشيعه أو استناده إليه ، مع توفر المصادر التي بأيدينا .
كما أن مشايخه الذين تلقف عنهم العلم والحديث ، أو الذين اتصل بهم من غير أساتذته من زملائه وأقرانه ليس فيهم من عرف بالتشيع أو كان شيعيا ، حتى يظهر أثره في نفس النسائي بوضوح ، على أني قلبت جميع المواضيع المتعلقة به من جميع وجوهها فلم أجد للتشيع أي أثر فيه أو مجال ضيق يمكن به نسبته إليه فهو إذن لا شك ولا ريب شافعي المذهب كما جاءت به النصوص التاريخية ، وذكره تاج الدين السبكي في الطبقة الثالثة من طبقات الشافعية الكبرى 2 : 73 ، وسبقه إلى هذا غيره من المؤرخين دون استثناء .
لقد تواترت المصادر السنية لدراسة النسائي ، وذكر صفاته وآثاره بصورة مفصلة حتى أن الكثيرين من مصنفي الشيعة نسبوه إلى الشافعية ولم يجرحوا في مذهبه ، ولم يخرجوه من النطاق الذي كان عليه من المذهب ، فضلا على أن مناسك الحج الذي هو من ضمن مؤلفاته وضعه على نهج المذهب الشافعي، وهذا الكتاب بذاته أقوى وأثبت نص على مذهب النسائي .
وبديهي أن التشيع الذي نسب إلى النسائي كما ذهب إليه بعض المؤرخين من الشيعة لا بد أن تتجلى آثاره في تصانيفه وكتبه ، مع العلم أنه لم يكن أي أثر ظاهر من التشيع في مصنفاته وإنما بالعكس ، لذلك لا يمكن نسبة التشيع إليه بحال من الأحوال .
غير أن السيد الأمين ترجم له في كتابه ، وخصص له فصلا بعنوان - تشيعه - مستندا فيه إلى قول ابن خلكان، أو تصنيفه لكتاب الخصائص وأكثر رواياته عن أحمد بن حنبل ، إلى جانب قول النسائي : دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير ، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب .
فقد اعتبر السيد الأمين القول هذا نصا ثابتا على تشيعه ، وذهب إلى أنه كان شيعي المذهب ، وأنا لا أفهم مفهوم هذا القول الباطني ولا أستطيع اتخاذه نصا على التشيع ، مع وجود عشرات المراجع الدالة والناطقة على كونه شافعي المذهب .
وإنني في الواقع لم أعرف معنى هذا الإصرار والإلحاح الشديدين من السيد الأمين من جعل النسائي وأقرانه من المؤرخين والمحدثين من الشيعة ، ووضع تراجم مفصلة لهم ، وذكر ما يخالف الواقع التاريخي .
وأياً كان حرص السيد الأمين وأسبابه ودوافعه في جعل هؤلاء شيعة، وتقييدهم بعجلة التشيع وربطهم بركبه، من غير استناد على نص تاريخي ، وإنما كان على اجتهادات واستنباطات واهية بعيدة كل البعد عن التحقيق العلمي والبحث الصحيح الحديث ، وعلى هذا ليس علينا أن نعجب حين نجده يتوسع في تراجم رجال من غير الشيعة ويجعلهم في كتابه ظنا منه أن كتابة رسالة مثلا في فضل علي عليه السلام أو تفرده بذكر أحاديث صحيحة دليل قوي على تشيعه ، وهذا لا شك ظن واشتباه .
والغريب من هذا كله موقف صاحب الذريعة من النسائي فقد ذكر الخصائص في الذريعة 7 : 163 وقال : الخصائص في فضل علي عليه السلام وقد يقال له : الخصائص العلوية للإمام النسائي أبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب ابن علي بن سنان بن بحر الخراساني بعد إخراجه من المسجد الأموي بالشام بسبب تصنيف هذا الكتاب. فذكر من مؤلفات النسائي كتاب الخصائص فحسب وضرب عن الباقي صفحا ، وكان على شيخنا ذكر جميع مؤلفاته في أبواب الذريعة إن هو قد تيقن تشيعه واعتقد به ، لا أن يذكر كتابا واحدا ويكف عن ذكر البقية ، فالنسائي إذا كان شيعيا فهو في جميع كتبه شيعي وإذا كان شافعيا فهو فيها
كذلك ، لا أن يكون في واحد شيعيا وفي الباقي سنيا مثلا .
ومن هنا يحق لنا أن نطالب بالاتقان والدقة في البحث والتحقيق في التاريخ التي أولى مراحل التأليف ودراسة حياة الرجال ومن أهم ركائز البحث ، لئلا يقع المؤلف في اضطراب وقلق مستمر ، ولذلك فقد أدرج
شيخنا الحجة في كتابه الذريعة عشرات الكتب التي لا تربط أصحابها مع الشيعة أية رابطة أو علاقة مذهبية أو سياسية . ومن التطاول والظلم التوسع في الموضوع وذكر هذه الهفوات ، ولعل للسيد الأمين وشيخنا صاحب الذريعة عذرا ورأيا محترما معولا على نصوص أصلية محققة ثابتة. مع القول إن هذين العلمين وقفا نفسهما على خدمة التراث الفكري الإسلامي وضحا بجهودهما وراحتهما في سبيله ، وشاركا في نهضته مشاركة فعالة خلدها لهم التاريخ ، فجزاهما الله خير جزاء المحسنين .
ولا يفوتنا القول إن النسائي لشديد حبه للمذهب الذي أخذ به وهو المذهب الشافعي ظهرت آثاره في مؤلفاته وأقواله ، فوضع كتابا فقهيا على رأي مذهب الشافعي واندفع يذكر آراء الشافعي بقوة وحماسة ويعزز ذلك بإظهار تعصبه لمذهبه ، بذكر الأحاديث الضعيفة الأسانيد المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله يستشهد بها لتأييد نزعات ذلك المذهب الذي كان يحبه ويهواه ويعتنقه .
هذا ما أردت ذكره بإيجاز وتبيانه للواقع وما انتهى إليه علمي القاصر الضعيف ولو قصدنا التفصيل لطال المقام والمقال ، ولابتعدنا عن صلب البحث[5].
وناقش البعص عبارات علماء أهل السنة في تشيعة، والتي ذكرناها آنفاً بالقول:
قول ابن كثير (قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شئ من التشيع) عبارة تشير الى تضعيف التهمة او عدم ثبوتها لان كلمة (قيل) من كلمات التضعيف أو عدم ثبوت الخبر وعبارة (شيء من التشيع) عبارة تفيد التقليل وليس المذهب أو الالتزام بمذهب الشيعة. وربما كان الشيء اليسير من التشيع هو موقف سياسي في تلك الفترة التي سيطر فيها أنصار معاوية رضي الله عنه على مقاليد السلطة فكانت التهمة بالتشيع تطلق لتصنيف المعارضين حتى ولو لم يلتزم بمنهج الشيعة.
قول الإمام الذهبي: (إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه). الإمام الذهبي في تراجمه يذكر عبارة (فيه قليل تشيع) كثيرا عندما يترجم لكثير من العلماء في تلك الفترة والتي كانت قمة الصراع بين الطائفتين، وهي عبارة لا تضفي على من اطلقت عليه قصة التشيع بمعناها المذهبي واليك بعضا من كبار العلماء السنة الذين اطلق عليهم الذهبي هذه العبارة :
ترجم للحاكم ابي عبد الله النيسابوري وجاء في ترجمته (وكان فيه تشيُّع وحطّ على معاوية. وهو ثقة حجة. توفي في صفر[6].
وترجم لطاووس ابن كيسان فقال في ترجمته: قلت: إن كان فيه تشيع، فهو يسير لا يضر إن شاء الله[7].
وترجم منصور بن المعتمر من ثقات التابعين فقال: فيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء. قلت: تشيعه حب وولاء فقط[8].
وترجم لشيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين سفيان الثوري فقال: من أئمة الدين، واغتفر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تشيع يسير[9].
وغيرهم الكثير من كبار العلماء الذين اطلق الذهبي عليهم هذه العبارة، ومع اخذنا بالاعتبار انصاف وعدل الذهبي في ترجمته نأخذ العبارة على (الحب والولاء فقط) وليس للمذهب الشيعي.
ومما يؤكد ما ذهبت اليه عبارة ابن تيمية المذكورة أعلاه حيث قال :وتشيع بعض أهل العلم بالحديث، كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما لا يبلغ الى تفضيل علي على ابي بكر وعمر، ولا يعرف في أهل الحديث من يقدمه عليهما, وعبارة ابن تيمية مستند براءة لنفي التشيع بمعناه المذهبي عن النسائي.
عبارة ابن خلكان: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس، حتى يفضل وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك. وكان يتشيع):ويبدوا ان ابن خلكان قد بنى اتهامه للنسائي بالتشيع من عبارات النسائي في وصف معاوية رضي الله عنه، واستعين بالرد على ذلك بقاعدة اصولية اعتمدها الأصوليون وهي قاعدة (لازم المذهب ليس مذهب).
قال ابن تيمية في الفتاوى: ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبا بل أكثر الناس يقولون أقوالا ولا يلتزمون لوازمها. فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدا للتعطيل. بل يكون معتقدا للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم[10].
وبناء على هذه القاعدة فان كلام النسائي لا يلزمه ان يكون متشيعا، لأنه من خلال سيرته وكتبه وفكره لا يوجد ما يثبت أنه متشيعا، والحق أن نحمل كلامه على أنه يتكلم مع أقوام غلو في معاوية رضي الله عنه بل البعض أصبح يسب عليا رضي الله عنهن فحري به أن يعالج هذا الانحراف بكتابه (الخصائص). اما كلامه عن معاوية فهو من باب العلاج وتصحيح المفاهيم مثل ما كتبه شيخ الاسلام ابن تيمية في مناقشة الشيعة، فقد كانوا يوردون في فضائل على رضي الله عنه ويرد عليهم ويبين انها ليست بفضيلة، فهو لم يكن ينتقص عليا ولكن أراد ان يخرجهم من دائرة التقديس الى التقدير والاحترام، وهكذا فعل النسائي مع أهل الشام. فان جاز للبعض هذا التأويل لشيخ الإسلام ابن تيمية جاز لنا في الإمام النسائي والعلة واحدة.
ورد آخر هذا الأمر أيضاً من وجوه، وهي :
الوجه الأول: نقل شيخُ الإسلام في "العقيدة الواسطية" عن أهل السُنَّة أنَّهم:"يُقرِّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه وغيرِه من أن خيرَ هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكر ثم عمر، ويُثَلِّثُون بعثمان، ويُرَبِّعون بعليٍّ رضي الله عنهم، كما دلتْ عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمانَ وعليٍّ رضي الله عنهما، بعد اتفاقِهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟
فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو رَبَّعوا بعلي، وقدم قوم عليًّا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألةُ - مسألةَ عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يُضلَّلُ المخالفُ فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يُضَلَّلُ فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله".
إذا عُلِم هذا! فَمَنْ وُصِفَ من أهل العلم المتقدِّمين بالتَّشَيُّعِ، إنَّما هُو في تقديم عليٍّ على عثمانَ في الفضل لاَ فِي الْخِلافةِ.
الوجه الثاني: أن الإمام النسائي قد بين سببَ تأليفِه لكتاب "خصائص علي رضي الله عنه" في قوله: "دخلتُ دمشق والمنحرفُ عن عليٍّ بها كثير، فصنَّفتُ كتاب "الخصائص" رجاءَ أن يهديَهم الله".
فهو أراد بهذا التأليف النصح للأمة، وتقويم الاعوجاج الَّذي حصلَ.
الوجه الثالث: قال الحافظُ ابنُ عساكر مُعلقًا على هذه القصة: "هذه الحكاية لا تَدلُّ على سوءِ اعتقادِ أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان، وإنما تَدلُّ على الكفِّ في ذكره بِكُلِّ حال" ثم روَى بإسنادِه إلى أبي الحسين علي بن محمد القابسيِّ قال: سمعت أبا عليٍّ الحسن ابن أبي هلال يقول: سُئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما الباب كدار بها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذَى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب؛ إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية، فإنما أراد الصحابة".
الوجه الرابع: يُؤيِّد ما تقدَّم أنه لما ألَّف "مَناقب الصحابة" ذكَرَهم في ترتيب مناقبِهم على ترتيبهم في الخلافة، فقال مُعنوِنًا: "كتاب المناقب/ مناقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار والنساء".
ثُمَّ بوَّب فقال:
-
باب فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
-
باب فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
-
باب فضل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
-
باب فضل علي رضي الله عنه.
الوجه الخامس: أنَّ قول النسائي لَمَّا طُلِبَ منه أن يُخرجَ فَضائل معاوية رضي الله عنه قال: "أيَّ شيءٍ أُخرج؟! (اللهم لا تُشْبِعْ بَطنَه)! ".
يُريدُ به أنه رحمه الله لا يَحْفَظُ عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية إلا أحاديثَ قليلةً، على اعتبار أنَّ الأحاديث الصَّحيحة في فضلِهِ خاصةً قليلةٌ جدًّا، قال الإمَام إسحاق بن راهويه: "لا يصحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيءٌ"
قال الإمام ابن القيم في بعد إيراد كلمة الإمام إسحاق: "قلتُ: ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث: أنه لا يصحُّ حديثٌ في مناقبِهِ بخصوصِهِ، فما صحَّ في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش، فمعاويةُ رضي الله عنه داخلٌ فيه".
ثم إن النسائي لما ذكر حديث " اللهم لا تشبع بطنه"، إنما ذكره عادًّا له أنه من مناقب وفضائل معاوية رضي الله عنه؛ لحديث مسلمٍ " اللهم إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فمن لعنته أو سببته؛ فاجعل ذلك له زكاة ورحمة"، ولم يرد رحمه الله التنقُّصَ من معاوية رضي الله عنه أبداً، وهذا الذي فهمه الإمام النسائي منَ الحديثِ أنه فضيلة لمعاوية رضي الله عنه، فهمه أيضا الإمام مسلمٌ حيثُ أورد الحديثَ المشارَ إليه في (صحيحه) تحت كتاب "البر والصلة والآداب"، وكذا الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام حوادث ووفيات (301 - 310 هـ).
الوجه السادس: قوله: " ألا يَرضَى معاويةُ رأسًا برأسٍ حتى يُفضَّلَ؟! ".
أراد رحمه الله الإجابةَ عمَّن سأله أن يُخرج فضائل معاوية رضي الله عنه؛ ليكونَ بذلك أفضل من عليٍّ رضي الله عنه، فأجابَهُ بِهذا الجواب، وهُو بِهَذا الجواب موافقٌ لتقرير أهل السُّنَّةِ مِنْ أنَّ أفضل الصَّحابة هم: الخلفاء الرَّاشدون الأربعة رضي الله عن الجميع.
فكيف يُساوَى مُعاوية رضي الله عنه بعليٍّ رضي الله عنه، فضلاً أن يُقدَّمَ عليه؟!
ومعلومٌ أن عليًّا رضي الله عنه من السَّابقين الأوَّلين في الإسلام، ومعاوية رضي الله عنه من آخر الصَّحَابة إسلاماً، قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10].
وعليٌّ زيادةً على ما سبق؛ فهو رابعُ الخلفاء الرَّاشدين، وأحدُ العَشرةِ الْمُبَشَّرين بالجنَّة، ومنْ أهلِ بَدرٍ، ومِمَّنْ بَايعَ تَحتَ الشَّجرةِ، وغيرها منَ الفَضَائلِ الكثيرة رضي اللهُ عنِ الجميعِ.
الوجه السابع: أن التَّشيُّعَ الَّذي أطلقهُ العُلَماء هُو عَلَى مَنْ فضَّل عليًّا علَى عُثمانَ لا مَنْ فَضَّل عليًّا علَى مُعَاويةَ رضي الله عن الجميع، والإمامُ النَّسائيُّ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَان رضي الله عنه البتَّة، ولا فَضَّل عليًّا عليه؟! فتأمَّل.
وخِتامًا: فَالإمامُ النَّسائيُّ سُنيٌّ، سَلَفيُّ الاعتقادِ والاستدلال، وليس متشيِّعاً.
والله أعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
بقيت مسألة، وهي الكلام في من هو الشيعي؟ :
يقول ابن حجر: والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي فإن أنضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو[11].
فقد قسم الحافظ ابن حجر التشيع إلى أربعة أقسام وهي :
-
تقديم علي رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه.
-
تقديم علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهذا غلو بالتشيع ويطلق عليه رافضي.
-
إن فيه السب والتصريح بالبغض فهذا غال بالرفض.
-
إن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فهذا أشد في الغلو.
أما ابن تيمية كما تقدم فقد بيّن أن التشيع الحاصل من الإمام النسائي وأمثاله هو :
-
أما تفضيل علي رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه.
-
وأما أن يحصل منه نوع كلام وليس صريحاً.
-
وأما أن يكون إعراض عن ذكر محاسن من الصحابة من قاتل علي رضي الله عنه.
لهذا بيّن ابن تيمية أن مسألة تقديم علي على عثمان ليست من المسائل التي يضلل صاحبها بها حيث قال: ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة.
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله[12].
قال ابن عثيمين معلقاً على كلام ابن تيمية: فالآراء أربعة :
-
الرأي المشهور: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
-
الرأي الثاني: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم السكوت.
-
الرأي الثالث: أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان.
-
الرأي الرابع: أبو بكر، ثم عمر، ثم نتوقف أيهما أفضل: عثمان أو علي، فهم يقولون: لا نقول: عثمان أفضل، ولا علي أفضل، لكن لا نرى أحداً يتقدم على عثمان وعلي في الفضيلة بعد أبي بكر وعمر.
ثم قال: المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله عنهما ليست من أصول أهل السنة التي يضلل فيها المخالف، فمن قال: إن علياً أفضل من عثمان، فلا نقول: إنه ضال، بل نقول: هذا من آراء أهل السنة، ولا نقول فيه شيئا[13].
هذا من حيث العموم أما اتهامهم للنسائي فقد كان مبني على أمرين هما :
-
تصنيفه كتاب خصائص علي ولم يصنف في فضائل الصحابة.
-
غضه لمعاوية.
الجواب عن الأول: أنه صنف كذلك في فضل الصحابة.
أما الجواب عن الثاني فهو من وجهين :
الوجه الأول: أن العالم إذا رأى قوماً قد غلو في رجل فالذي ينبغي أظهار كلمات تبين فيها الغض من ذلك الفاضل حتى يكف الناس عن هذا الغلو.
قال المعلمي اليماني : ... فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم فيه إما لأن حالهم غير حاله وإما لأنه يراه أخطأ أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه[14].
الوجه الثاني: قول النسائي عندما سئل عن معاوية قال: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذي الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة[15].
فهذا واضح من الإمام النسائي إجلاله للصحابة، وأنه لم يسيء لمعاوية رضي الله عنه.
أما قول النسائي عندما سئل عن معاوية: ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضل.
فقد قال ابن عساكر: وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أَبي سفيان، وإنما تدل على الكف في ذكره بكل حال[16].
وأما قوله عندما سئل في إخراج فضائل معاوية رضي الله عنه قال : إلا تخرج فضائل معاوية رضي الله عنه؟ فقال: أي شيء أخرج؟ حديث: اللهم! لا تشبع بطنه ".فسكت السائل.
قال الذهبي : لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم! من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة[17].
فهنا اعرض الإمام النسائي عن ذكر محاسن وفضائل معاوية رضي الله عنه.
وبعد هذا يتبين أن الإمام النسائي إن كان فيه شيء من التشيع فهذا لا يخدش في عقيدته، ولا يخرجه من دائرة أهل السنة والجماعة، ولا هي من المسائل التي يضلل صاحبها.
فهو إذاً لم يرَ من الحكمة أن يحدث النواصب بفضائل معاوية رضي الله عنه فيزيدهم تمسكاً ببدعتهم. وكذلك لا يصح تحديث الشيعة بفضائل علي رضي الله عنه، على ما تقدم من كلام العلامة المعلمي اليماني.
وبعد ما تقدم فالذي أراه أن الإمام النسائي كان فيه قليل تشيع رحمه الله تعالى، وهذا كان في كثير من التابعين تابعيهم من أئمة الحديث[18].
[1] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، 1/ 77
[2] منهاج السنة النبوية، إبن تيمية، 7/ 373
[3] سير اعلام النبلاء، للذهبي، 14/ 133
[4] البداية والنهاية، لإبن كثير، 11/ 140
[5] خصائص أمير المؤمنين، للنسائي، 32
[6] العبر في خبر من غبر، للذهبي، 3/ 92
[7] سير أعلام النبلاء، للذهبي، 5/ 45
[8] سير أعلام النبلاء، للذهبي، 5/ 406
[9] سير أعلام النبلاء، للذهبي، 7/ 242
[10] مجموع الفتاوى، إبن تيمية، 16/ 461
[11] هُدي الساري، لإبن حجر العسقلاني، 437
[12] مجموع الفتاوى، لإبن تيمية، 2/ 104
[13] شرح العقيدة الواسطية، لإبن عثيمين، 606
[14] التنكيل، للمعلمي اليماني، 1/ 86
[15] تهذيب الكمال، للمزي، 1/ 340
[16] المصدر السابق، 1/ 339
[17] سير أعلام النبلاء، للذهبي، 14/ 130
[18] أنظر : http:/ / majles.alukah.net/ t68078/