معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

ثورة المختار الثقفي ..
الكاتب : فيصل نور ..

ثورة المختار الثقفي

     المختار بن أبي عبيد الثقفي (1 هـ - 67 هـ). أبوه أبي عبيد الثقفي رضي الله عنه كان قائد المسلمين في معركة الجسر الذي استشهد فيها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله .
     طالب المختار بدم الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما وقتل جمعاً من قتلته ممن كان بالكوفة وغيرها أمثال عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد وحرملة بن كاهل وشمر بن ذي الجوشن وغيرهم.
     لم يشارك في ثورة التوابين، ولما  رأى اجتماع رؤوس الشيعة على سلمان بن صرد قال لهم : إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن الحنفية، فانشعبت إليه طائفة من الشيعة. وكان يقول لهم : إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم ، فإنه ليس له بصر بالحروب . ولما ثار التوابون كان المختار سجيناً.
     سيطر على الحكم بالكوفة ورفع شعار "يا لثارات الحسين" وكان يخطط لبناء دولة علوية في العراق.  خاض خلال ثمانية عشر شهراً، بدء من ربيع الاَوّل سنة 66 هـ وقيل في ربيع الآخر، مواجهة ساخنة مع المروانيين في الشام والزبيريين في الحجاز وأشراف الكوفة حتى قتل في الرابع عشر من رمضان سنة 67 هـ وله من العمر 67 سنة. وقد أمر مصعب بن الزبير بقطع رأس المختار ونصبه على جدار مسجد الكوفة حتى ظهر الحجاج بن يوسف فأمر بانزاله ودفنه. وأمر مصعب بكفّ المختار بن أبي عبيدة فقطعت وسمرت بمسمار إلى جانب المسجد، فبقيت حتى قدم الحجّاج بن يوسف فنظر إليها وسأل عنها فقيل: هذه كفّ المختار، فأمر بنزعها.
     دفن في الكوفة قرب مسجدها، وكان لثورة المختار دور كبير في نشر التشيّع وتوسيع رقعته.
 
وهناك خلاف كبير بين الشيعة والسنة وبين الشيعة أنفسهم في المختار. وهذا بيان موجز بذلك.
     ذهب أهل السنة إلى أن المختار هو المقصود بالحديث الذي رواه مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت للحجاج بن يوسف الثقفي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا فاما الكذاب فرأيناه واما المبير فلا اخالك الا إياه[1].
     روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده : عن رفاعة القتباني قال دخلت على المختار فالقى لي وسادة وقال لولا أن أخي جبريل قام عن هذا لألقيتها لك قال فأردت أن أضرب عنقه فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فانا من القاتل برئ[2].
     وروي الطبراني : عن أنيسة بنت زيد بن أرقم أن زيدا دخل على المختار فقال يا أبا عامر لو سبقت رأيت جبريل وميكائيل قال حفرت ونقرت أنت أهون على الله مني ذاك كذاب مفتر على الله وعلى رسوله[3].
     يقول ابن الفقيه الهمذاني: وادعى النبوة من أهل الكوفة جماعة منهم المختار بن عبيد . كتب إلى الأحنف بن قيس : بلغني أنكم تكذّبونني . ولئن كذبتموني فقد كذبت الأنبياء قبلي . ولست خيرا من كثير منهم . قيل لابن عمر[4] : إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه ، فقال : صدق ، وحي الشيطان . قال الله تعالى يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً. ويروى أن المختار قال لرجل دخل إليه : اجلس على وسادة كانت في مجلسه : أتدري من قام عن هذه الوسادة آنفا ؟ قال : لا ، قال جبريل[5].
     ويقول ابن الأثير : ولد المختار عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية واخباره غير حسنة[6].
     وقال ابن الجوزي : كان يقول : قام الآن عن هذه الوسادة جبريل ، وعن الأخرى ميكائيل[7].
     وقال ابن كثير رحمه الله : كان – أي المختار - ناصبياً يبغض عليا بغضا شديدا[8].
     وقال المقريزي : قال رسول صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا منهم مسيلمة والعنسي ، والمختار ابن أبي عبيد ... كان المختار خارجيا ، ثم صار زبيريا ، ثم صار رافضيا في ظاهره ، وزعم أنه يوحى إليه فيسجع به سجعا . وولاه ابن الزبير الكوفة ، ثم خرج يطلب بدم الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقتل عبيد الله بن زياد في حرب ، وقتل أناسا كثيرة ، ثم قتله مصعب بن الزبير سنة سبع وستين[9].
     وقال ابن خلدون : المختار بن أبي عبيد الذي ادعى النبوة بالكوفة وكان عاملا عليها لعبد الله بن الزبير فانتقض عليه ودعا لمحمد بن الحنفية ثم ادعى النبوة[10].
 
أما موقف الشيعة من المختار، فتلخصة هذه الروايات والأقوال.
أولاً : بعض ما جاء في مدحه.
     عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت ، حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين عليه السلام[11].
     وعن أبي جعفر عليه السلام قال : لا تسبوا المختار ، فإنه قتل قتلتنا ، وطلب بثأرنا ، وزوج أراملنا ، وقسم فينا المال على العسرة[12].
     وعن عبد الله بن شريك ، قال : دخلنا على أبي جعفر عليه السلام يوم النحر وهو متكئ ، وقد أرسل إلى الحلاق فقعدت بين يديه ، إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال : من أنت ؟ قال : أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفي : وكان متباعدا من أبي جعفر عليه السلام - فمد يده إليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده ، ثم قال : أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك ، قال : وأي شئ يقولون ؟ قال : يقولون كذاب ، ولا تأمرني بشئ إلا قبلته . فقال : سبحان الله أخبرني أبي والله إن مهر أمي كان مما بعث به المختار ، أو لم يبن دورنا ، وقتل قاتلينا ، وطلب بد مائنا ؟ رحمه الله ، وأخبرني والله أبي أنه كان ليتم عند فاطمة بنت علي يمهد لها الفراش ويثني لها الوسائد ، ومنها أصحاب الحديث ، رحم الله أباك رحم الله أباك ، ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه ، قتل قتلتنا ، وطلب بدمائنا[13].
     عن الأصبغ : قال : رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام وهو يمسح رأسه ويقول : يا كيس يا كيس[14].
     وعن عمر بن علي بن الحسين : أن علي بن الحسين عليهما السلام لما أتي برأس عبيد الله بن زياد ، ورأس عمر بن سعد ، قال : فخر ساجدا وقال : الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي ، وجزى الله المختار خيرا[15].
     يقول المسعودي : كتب المختار كتاباً إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له ، ويقول بإمامته ، ويظهر دعوته ، وأنفذ إليه مالا كثيراً ، فأبى عليٌّ أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه ، وسبَّه على رؤوس الملإ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، واظهر كذبه وفجوره ، ودخوله على الناس باظهار الميل إلى آل أبي طالب ، فلما يئس المختار من علي بن الحسين كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك ، فإن الذي يحمله على ذلك اجتذابه لقلوب الناس بهم ، وتقربه إليهم بمحبتهم ، وباطنُه مخالف لظاهره في الميل إليهم والتولِّي لهم والبراءة من أعدائهم ، بل هو من اعدائهم لا من أوليائهم ، والواجب عليه أن يشهر أمره ، ويظهر كذبه ، على حسب ما فعل هو وأظهر من القول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى ابن الحنفية ابن عباس فأخبره بذلك ، فقال له ابن عباس : لا تفعل ، فإنك لا تدري ما أنت عليه من ابن الزبير ، فأطاع ابن عباس وسكت عن عيب المختار[16].
     وقال ابن نما : كان محمد بن الحنفية يعتب على المختار لمجالسة عمر بن سعد وتأخيره قتله ، فحمل الرأسين إليه إلى مكة مع مسافر بن سعد الهمداني وظبيان بن عمارة التميمي ، فبينا محمد بن الحنفية جالسا في نفر من الشيعة ، وهو يعتب على المختار ، فما تم كلامه الا والرأسان عنده ، فخر ساجدا ، وبسط كفيه ، وقال : اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار ، وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد صلى الله عليه وآله خير الجزاء ، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب[17].
     قال ابن نما : اعلم أن كثيرا من العلماء لا يحصل لهم التوفيق بفطنة توقفهم على معاني الألفاظ ، ولا روية تنقلهم من رقدة الغفلة إلى الاستيقاظ . ولو تدبروا أقوال الأئمة عليهم السلام في مدح المختار ، لعلموا أنه من السابقين المجاهدين الذين مدحهم الله - جل جلاله - في كتابه المبين . ودعاء زين العابدين عليه السلام للمختار رحمه الله دليل واضح ، وبرهان لائح على أنه عنده من المصطفين الأخيار ، ولو كان على غير الطريقة المشكورة ، ويعلم أنه مخالف له في اعتقاده ، لما كان يدعو له دعاء لا يستجاب ، ويقول فيه قولا لا يستطاب ، وكان دعاؤه عليه السلام له عبثا ، والإمام عليه السلام منزه عن ذلك . وقد أسلفنا من أقوال الأئمة في مطاوي هذا الكتاب تكرار مدحهم له ، ونهيهم عن ذمه ، ما فيه غنية لأولي الابصار ، وبغية لذوي الاعتبار ، وإنما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب الشيعة ، كما عمل أعداء أمير المؤمنين عليه السلام له مساوئ ، وهلك بها كثير ممن حاد عن محبته ، وحال عن طاعته . فالولي له عليه السلام لم تغيره الأوهام ، ولا باحته تلك الأحلام ، بل كشف له عن فضله المكنون ، وعلمه المصون ، فعمل في قضية المختار ما عمل مع أبي الأئمة الأطهار[18].
     يقول الميرزا محمد الإسترآبادي في تلخيص المقال : والذي يظهر لي ترك سبه وعدم الاعتماد على روايته ، والله أعلم بحاله انتهى . وعلق البروجردي علي ذلك بالقول : إن عدم جواز سبه مما لا ريب فيه ، وأما عدم قبول روايته فنظره إلى عدم ثبوت عدالته ، لفقد النص عليها في كتب أهل الرجال ، وعدم صحة الروايات المادحة ، الا أن القرائن المفيدة للقبول موجودة ، ويكفينا ما مر ، ولكن الظاهر أن البحث في القبول وعدمه قليل الجدوى ، فلم يثبت منه رواية تفرد بها[19].
     ويقول الأميني : المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والاخلاص ، وأن نهضته الكريمة لم تكن إلا لإقامة العدل باستيصال شأفة الملحدين ، واجتياج جذوم الظلم الأموي ، وإنه بمنزح من المذهب الكيساني ، وإن كل ما نبزوه من قذائف وطامات لا مقيل لها من مستوى الحقيقة والصدق ، ولذلك ترحم عليه الأئمة الهداة سادتنا : السجاد والباقر والصادق صلوات الله عليهم ، وبالغ في الثناء عليه الإمام الباقر عليه السلام ، ولم يزل مشكور عند أهل البيت الطاهر هو وأعماله . وقد أكبره ونزهه العلماء الأعلام منهم : سيدنا جمال الدين ابن طاوس في رجاله . وآية الله العلامة في الخلاصة . وابن داود في الرجال . والفقيه ابن نما فيما أفرد فيه من رسالته المسماة بذوب النضار . والمحقق الأردبيلي في حديقة الشيعة . وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي . والقاضي نور الله المرعشي في المجالس . وقد دافع عنه الشيخ أبو علي في منتهى المقال . وغيرهم . وقد بلغ من إكبار السلف له أن شيخنا الشهيد الأول ذكر في مزاره زيارة تخص به ويزار بها وفيها الشهادة الصريحة بصلاحه ونصحه في الولاية وإخلاصه في طاعة الله ومحبة الإمام زين العابدين ، ورضا رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما عنه ، وأنه بذل نفسه في رضا الأئمة ونصرة العترة الطاهرة والأخذ بثأرهم . والزيارة هذه توجد في كتاب " مراد المريد " وهو ترجمة مزار الشهيد للشيخ علي بن الحسين الحايري ، وصححها الشيخ نظام الدين الساوجي مؤلف " نظام الأقوال " ويظهر منها أن قبر المختار في ذلك العصر المتقادم كان من جملة المزارات المشهورة عند الشيعة ، وكانت عليه قبة معروفة كما في رحلة ابن بطوطة[20].

ثانياً : بعض ما جاء في ذمه.
     عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان المختار يكذب على علي بن الحسين عليه السلام[21] .
     وعن أبي جعفر عليه السلام قال : كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين عليه السلام وبعث إليه بهدايا من العراق ، فلما وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليهم رسوله فقال : أميطوا عن بابي فإني لا أقبل هدايا الكذابين ، ولا أقرأ كتبهم[22].
     عن عمر بن علي : ان المختار أرسل إلى علي بن الحسين عليه السلام بعشرين ألف دينار فقبلها ، وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت ، قال : ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما أظهر الكلام الذي أظهره ، فردها ولم يقبلها[23].
     قال الخوئي : هذه الروايات ضعيفة الاسناد جدا ، على أن الثانية منهما فيها تهافت . وتناقض . ولو صحت فهي لا تزيد على الروايات الذامة الواردة في حق زرارة . ومحمد بن مسلم ، وبريد وأضرابهم[24].
     قال الصدوق دس معاوية إلى عمرو بن حريث ، والأشعث بن قيس ، والى حجر بن الحجر وشبث بن ربعي ، دسيسا أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه انك ان قتلت الحسن ابن علي فلك مائتا ألف درهم ، وجند من أجناد الشام ، وبنت من بناتي . فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلام ولبس درعا وكفرها ، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك ، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام ان يعدل به إلى بطن جريحي وعليها عم المختار بن أبي عبيد مسعود بن قيلة ، فقال المختار لعمه تعالى حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق ، فبدر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا[25].
     قال الخوئي : وهذه الرواية لارسالها غير قابلة للاعتماد عليها ، على أن لو صحت لأمكن أن يقال إن طلب المختار هذا لم يكن طلبا جديا ، وإنما أراد بذلك أن يستكشف رأي عمه ، فإن علم أن عمه يريد ذلك لقام باستخلاص الحسن عليه السلام . فكان قوله هذا شفقة منه على الحسن عليه السلام . وقد ذكر بعض الأفاضل أنه وجد رواية بذلك عن المعصوم عليه السلام[26].
     وعن أبي عبدالله عليه السلام : انا أهل بيت صادقون ، لا نخلو من كذاب يكذب علينا ، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق البرية لهجة ، وكان مسيلمة يكذب عليه . وكان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد الله بن سبا لعنه الله ، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي عليه السلام قد ابتلي بالمختار . ثم ذكر أبو عبد الله : الحارث الشامي وبنان ، فقال ، كانا يكذبان على علي ابن الحسين عليهما السلام[27].
     قال الخوئي : هذه الرواية لعل فيها تحريفا ، فإن المختار بن أبي عبيدة كان في الكوفة ، والحسين بن علي عليهما السلام كان بالمدينة ، ولم ينقل ولا بخبر ضعيف كذب من المختار بالنسبة إلى الحسين عليه السلام وغير بعيد أن المختار الذي كان يكذب على الحسين عليه السلام أن يكون رجلا آخر غير المختار بن أبي عبيدة[28].
     عن سماعة بن مهران ، قال سمعت أبا عبد الله يقول إذا كان يوم القيامة مر رسول الله بشفير النار ، وأمير المؤمنين وحسن وحسين فيصيح صائح من النار يا رسول الله يا رسول الله يا رسول الله أغثني ، قال فلا يجيبه . قال فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثا أغثني ، فلا يجيبه . قال فينادي يا حسن يا حسن يا حسن أغثني ، قال فلا يجيبه . قال فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك ، قال فيقول له رسول الله قد احتج عليك ، قال فينفض عليه كأنه عقاب كاسر ، قال فيخرجه من النار ، قال فقلت لأبي عبد الله ومن هذا جعلت فداك ؟ قال المختار ، قلت له ولم عذاب بالنار وقد فعل ما فعل ؟ قال إنه كان في قلبه منهما شئ والذي بعث محمدا بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قبلهما شئ لأكبهما الله في النار على وجوههما[29].
     قال المجلسي معلقاً على هذه الرواية : كأن هذا الخبر وجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب بأنه وإن لم يكن كاملا في الايمان واليقين ، ولا مأذونا فيما فعله صريحا من أئمة الدين ، لكن لما جرى على يديه الخيرات الكثيرة ، وشفي بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره آئلة إلى النجاة ، فدخل بذلك تحت قوله سبحانه : " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " وأنا في شأنه من المتوقفين وإن كان الأشهر بين أصحابنا أنه من المشكورين[30].
     أما الخوئي فقد ضعف الرواية[31].
     و عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال لي : يجوز النبي صلى الله عليه وآله الصراط يتلوه علي ، ويتلو عليا الحسن ، ويتلو الحسن الحسين فإذا توسطوه نادى المختار الحسين عليه السلام يا أبا عبد الله عليه إني طلبت بثارك فيقول النبي صلى الله عليه وآله للحسين عليه السلام أجبه فينقض الحسين عليه السلام في النار كأنه عقاب كاسر فيخرج المختار حممة ولو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه[32].
     قال المجلسي معلقاً على هذه الرواية : قوله عليه السلام : " حبهما " أي حب الشيخين الملعونين ، وقيل : حب الحسنين صلوات الله عليهما ، فيكون تعليلا لاخراجه كما أنه على الأول تعليل لدخوله واحتراقه ، ويدفعه ما مر من خبر سماعة وقيل : المراد حب الرئاسة والمال والأول هو الصواب[33].
     أما الخوئي فقد ضعف الرواية[34].
     وذكر المجلسي عن حسن بن سليمان في كتاب المحتضر قال : بعث المختار بن أبي عبيد إلى علي بن الحسين عليهما السلام بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه ، وخاف أن يردها فتركها في بيت ، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه : خذها طيبة هنيئة ، فكان علي يلعن المختار ويقول : كذب على الله وعلينا لان المختار كان يزعم أنه يوحى إليه[35].
     يقول محمد جواد مغنية : واختلف علماء الإمامية في أمر المختار، فمنهم من لم يثق بدينه وإخلاصه، لأن الإمام السجاد ذمه وتبرأ منه، ومنهم من مدحه وأثنى عليه - وهم الأكثر الأشهر - لأن اللّه سبحانه استجاب دعوة الإمام، وقتل قتلة الحسين على يده، ومنهم من توقف، ولم يحكم عليه بشيء. وقبل أن أكتب هذه الكلمات راجعت سيرته فيما لدي من المصادر، وبقيت معه ثلاثة أيام بلياليها، وانتهى بي البحث إلى الميل إلى أن الرجل كان من طلاب الحكم، وعشاق الإمارات، وأنه بايع ابن الزبير طمعاً أن يوليه الكوفة، ولما يئس منه انتقض عليه، وحين اجتمع حوله الناس أخذ البيعة لنفسه، أما طلبه لثأر الحسين عليه السلام فكان لمجرد الدعاية، لأن الجماهير كانت تريد ذلك، ولولاها لسكت وأحجم، وعلى الأقل لم يفعل ما فعل، بدليل أنه أعطى الأمان لعمر بن سعد بطل المأساة في كربلاء، ولم يبطش به - فيما أعتقد - إلا بضغط الجماهير، ومضايقتهم له، فقد تجاوز الحماس للأخذ بالثأر كل حد، والتهبت المشاعر حقداً وغيظاً على قتلة الحسين، حتى أن النسوة كانت توشي بأزواجهن الذين اشتركوا في مأساة كربلاء، ولم يستطع المختار كبح الجماح، حتى ولو حاول ذلك، هذا، إلى أنه كان في أشد الحاجة إلى مؤازرتهم ومناصرتهم بعد أن أحاطت به قوى الزبيريين والأمويين من كل جانب. إذن لم يستطع المختار إلا أن يفعل ما فعل. والذي طالب بدم الحسين حقاً، وبدافع من دينه وإخلاصه هو سليمان بن صرد الخزاعي ومن كان معه، ولذا انضم إليه كثير من القراء وأهل المعرفة، أما الغوغاء فكانت مع المختار. ورغم ذلك كله فإني أقول مع العلامة المجلسي صاحب البحار : إنه - أي المختار - وإن لم يكن كاملاً في الإيمان واليقين، ولا مأذوناً فيما فعله صريحاً من أئمة الدين، لكن كما جرى على يده الخيرات الكثيرة، وشفى بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره إلى النجاة[36].

     أنظر أيضاً : التوابون.


[1] صحيح مسلم، لمسلم النيسابوري، باب : ذكر كذاب ثقيف ومبيرها

[2] مسند أحمد، للإمام أحمد لن حنبل، 5/ 223

[3] المعجم الكبير، للطبراني، 5/ 212

[4] وكان رضي الله عنه زوج أخت المختار "صفية".

[5] : البلدان، لأحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )، 221

[6] أسد الغابة، لابن الأثير، 4/ 336

[7] المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لابن الجوزي، 6/ 67

[8] البداية والنهاية، لإبن كثير، 8/ 319

[9] إمتاع الأسماع، للمقريزي، 14/ 157

[10] تاريخ ابن خلدون، لإبن خلدون، 2/ 310

[11] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 341

[12] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 340

[13] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 340

[14] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 341

[15] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 341

[16] مروج الذهب ومعادن الجوهر، للمسعودي، 3/ 74

[17] ذوب النضار في شرح الثار، لإبن نما الحلى، 129

[18] ذوب النضار في شرح الثار، لجعفر بن محمد بن هبة الله المعروف بابن نما الحلى، 145

[19] طرائف المقال، لعلي البروجردي، 2/ 591

[20] الغدير، لعبدالحسين الأميني، 2/ 343

[21] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 340

[22] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 341

[23] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/ 342

[24] معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 105

[25] علل الشرائع، للصدوق، 1/ 220

[26] معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 105

[27] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 2/ 593

[28] معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 105

[29] مستطرفات السرائر، لابن إدريس الحلي، 566

[30] بحار الأنوار، للمجلسي، 45/ 339 ، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، للمجلسي، 3/ 313

[31] معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 108

[32] تهذيب الأحكام، للطوسي، 1/ 466

[33] بحار الأنوار، للمجلسي، 45/ 346

[34] معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 108

[35] بحار الأنوار، للمجلسي، 45/ 346 (ولم نجد الرواية في المصدر)

[36] الشيعة في الميزان، لمحمد جواد مغنية، 105


عدد مرات القراءة:
3364
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :