الكاتب : فيصل نور ..
البراءة من المشركين
مسيرات يقوم بها الإيرانيين ومن سار على نهجهم في مكة المكرمة في مواسم الحج، وقد ظهرت الدعوة لها من قبل الخميني بعد نجاح ثورته في إيران، ولم تكن تُعرف قبله.
ويبرر علماء الدين الشيعة ورموزهم السياسية في إيران والعراق ولبنان وغيرها، هذه المسيرات بأنها من أجل البراءة من المشركين اقتفاء ً بعمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الذي بعث علي رضي الله عنه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان أميرا ً على الحج، ليعلن البراءة من المشركين بالنص القرآني!
ويطرح البعض تساؤلات حول هذه المسيرة، منها :
-
من هم المشركون المشار إليهم بالآيات الكريمة المتعلقة بالبراءة؟
-
هل قام الصحابة رضي الله عنهم بالبراءة كل عام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله سلم؟
-
هل يوجد (مشرك واحد) في مكة أو بالمملكة كلها يعلن إشراكه كي تتم البراءة منه؟
-
هل توجد مظاهر وثنية في المملكة ومكة تحديدا ً ليكون لهذه البراءة ما يبررها؟
-
هل الهتاف بالموت لأميركا وإسرائيل يتفق مع إعلان البراءة الذي قام به علي رضي الله عنه؟
-
ماذا لو نشأت علاقات دبلوماسية (معلنة) بين إيران وأميركا .. هل ستستمر هذه المسيرات؟
-
كيف يمكن الجمع بين النقيضين .. الموت لأميركا في مكة والتعاون معها في بغداد؟
يقول ابن باز رحمه الله : إن الله أوجب على عباده المؤمنين البراءة من المشركين في كل وقت وأنزل في ذلك قوله سبحانه : (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبد بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده).
وأنزل في ذلك سبحانه في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين).
وصحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث الصديق رضي الله عنه عام تسع من الهجرة يقيم للناس حجهم ويعلن البراءة من المشركين، ثم أتبعه بعلي رضي الله عنه ليبلغ الناس ذلك، وبعث الصديق رضي الله عنه مؤذنين مع علي رضي الله ينادون في الناس بكلمات أربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فأجله إلى مدته ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر يسيح في الأرض، كما قال عز وجل : (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر).
وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين إذا لم يسلموا، كما قال الله عز وجل: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يعني الأربعة التي أجلها لهم عليه الصلاة والسلام في أصح قولي أهل العلم في تفسير الأشهر المذكورة في هذه الآية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).
هذا هو المشروع في أمر البراءة وهو الذي أوضحته الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وبينه علماء التفسير في أول سورة براءة -التوبة-، أما القيام بالمسيرات والمظاهرات في موسم الحج في مكة المكرمة أو غيرها لإعلان البراءة من المشركين، فذلك بدعة لا أصل لها ويترتب عليه فساد كبير وشر عظيم، فالواجب على كل من كان يفعله تركه، والواجب على الدولة وفقها الله منعه؛ لكونه بدعة لا أساس لها في الشرع المطهر، ولما يترتب على ذلك من أنواع الفساد والشر والأذى للحجيج، والله سبحانه يقول في كتابه الكريم : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
ولم يكن هذا العمل من سيرته عليه الصلاة والسلام، ولا من سيرة أصحابه رضي الله عنهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وقال سبحانه : (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، وقال عز وجل : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق على صحته. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه في خطبة الجمعة أما بعد : (فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) أخرجه مسلم في صحيحه. وقال عليه الصلاة والسلام : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم أيضاً، وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم. ولم يفعل صلى الله عليه وسلم مسيرات ولا مظاهرات في حجة الوداع، وهكذا أصحابه بعده رضي الله عنهم، فيكون إحداث ذلك في موسم الحج من البدع في الدين التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي فعله عليه الصلاة والسلام بعد نزول سورة التوبة هو بعث المنادين في عام تسع من الهجرة ليبلغوا الناس أنه لا يحج بعد هذا العام -يعني عام تسع- مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وإنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، مع نبذ العهود التي للمشركين بعد أربعة أشهر إلا من كان له عهد أكثر من ذلك فهو إلى مدته، ولم يفعل صلى الله عليه وسلم هذا التأذين في حجة الوداع؛ لحصول المقصود بما أمر به من التأذين في عام تسع، والخير كله والسعادة في الدنيا والآخرة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسير على سنته وسلوك مسلك أصحابه رضي الله عنهم؛ لأنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم وأتباعهم بإحسان، كما قال الله عز وجل: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم} التوبة.