الكاتب : فيصل نور ..
الروضة الحيدرية
الروضة الحيدرية أو العتبة العلوية المقدسة، والحرم المطهر، من الأسماء التي يطلقها الشيعة على ضريح الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مدينة النجف في العراق.
يُعتقد أن أول بناء مشيد على قبر علي رضي الله عنه في النجف يعود للعهد البويهي و بالتحديد لعام 977م ثم اعاد بناءه القائد السلجوقي ملكشاه عام 1086م بعد احتراقه. ثم عمره إسماعيل شاه الصفوي في القرن السادس عشر ميلادي.
تشغل أبنية الروضة الحيدرية مساحة ارض مربعة الشكل طول ضلعها (110) م وتتألف أبنية الروضة من بناء الحرم وصحن واسع وسور ضخم يتألف من غرف صغيرة ومداخل ضخمة ويطل السور على شوارع وساحات تحيط بالمرقد وتحتل غرفة القبر قلب بناية الحرم وهي مربعة الشكل طول ضلعها من الخارج (13م) وسمك جدرانها (3,5) م وارتفاع الجدران (10) م وترتفع فوق هذه الجدران القوية , القبة , وهي قبة مزدوجة داخلية قطرها 16مترأً وشكلها نصف كروي , وخارجية ذات شكل بصلي يبلغ ارتفاعها 35 متراً عن مستوى سطح الارض وتجلس هذه القبة على رقبة أسطوانية طويلة نسبياً تخترقها اثنتا عشرة نافذة ذوات عقود مدببة, ويفصل القبتين عن بعضهما مجاز عرضه (5,1) متر ونصف وتخترق رقبة القبة الداخلية أيضاً اثنتا عشرة نافذة تقابل نوافذ الرقبة في القبة الخارجية. طليت القبة الخارجية ورقبتها بالذهب , ويبلغ عدد ألواحها المطلية بالذهب (7777 طابوقة) ويتوسط القبر الشريف الغرفة ويمكن الوصول اليه عن طريق أربعة ابواب تتوسط جدران الغرفة وتتصل بالأروقة المحيطة بها.
وصف الرحالة ابن بطّوطة الروضة وقال : ثم رحلنا من القادسية فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنجف وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء ولها أسواق حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية ثم سوق العطارين ثم الحضرة حيث القبر الذي يزعمون أنه قبر علي عليه السلام وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزليج عندنا لكن لونه أشرق ونقشه أحسن. يدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم ومن تلك المدرسة يدخل باب القبة وعلى بابها الحجاب والنقباء والطواشية فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم وذلك على قدر الزائر فيقفون معه العتبة ويستأذنون له ويقولون عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله الروضة العلية فإن أذنتم وإلا رجع وإن لم يكن أهلاً لذلك فأنتم أهل المكارم والستر ثم يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من فضة وكذلك العضادتان ثم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار وفي وسط القبة مسطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسأمير الفضة قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام والثاني قبر نوح عليه الصلاة والسلام والثالث قبر علي رضي الله تعالى عنه[1].
أقول : في صحة قبور هؤلاء الأنبياء عليهم والسلام، وبل وفي قبر علي رضي الله عنه في النجف نظر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : تنازع العلماء في موضع قبره. والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر الإِمارة بالكُوفة، وأنَه أخْفي قَبره لئلّا ينبشه الخوارج. .. وأما المشهد الذ بالنجف فأهل المعرفة متفقون على أنَه ليس بقبر علي بل قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أنّ هذا قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة ، مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشّيعة وغيرهم وحُكمهم بالكوفة. وإنما اتّخذوا ذلك مشهدا في مُلْكِ بني بويه - الأعاجم - بعد موت علي بأَكثر من ثلاثمائة سنة[2].
ويقول ابن كثير رحمه الله : ما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك ولا أصل له ، ويقال إنما ذلك قبر المغيرة بن شعبة [3].
وقال الذهبي رحمه الله في ترجمة حسن بن بُوَيْه الدَّيلمِي : كان شيعيا جلدا أظهر بالنجف قبرا زعم أنه قبر الإمام علي ، وبنى عليه المشهد[4].
والخلاف في موضع قبره رضي الله عنه مشهور بين العلماء، ولم يقتصر ذلك على أهل السنة، بل جاء من طرق الشيعة ما يفيد ذلك.
فعن الصادق أن أمير المؤمنين عليه السلام أمر ابنه الحسن بن علي أن يحفر له أربع قبور في أربع مواضع ، في المسجد ، وفي الرحبة ، وفي الغري ، وفي دار جعدة بن هبيرة ، وإنما أراد بهذا الا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره[5].
وعن صفوان الجمال قال لما وافيت مع مولاي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الغري يريد أبا جعفر المنصور قال لي يا صفوان أنخ الناقة فإن هذا حرم جدي أمير المؤمنين عليه السلام فأنختها فنزل واغتسل وغير ثوبه وتحفى .. ثم مشى ومشيت معه حافيا وعلينا السكينة نسبح الله ونقدسه ونهلله إلى أن بلغنا القبر فوقف عليه ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازته وقال لي اطلب فطلبت فإذا أثر القبر في الخط ثم أرسل دمعة وقال إنا لله وإنا إليه راجعون ...يا سيدي أتأذن لي أن أخبر أصحابك من أهل الكوفة فقال نعم وأعطاني دراهم فأصلحت القبر[6].
وفي بعض الروايات أن قبره ظل مجهولاً حتى عهد هارون الرشيد.
فعن عبد الله بن حازم قال : خرجنا يوما مع الرشيد من الكوفة وهو يتصيد فصرنا إلى ناحية الغريين والثوية فرأينا ظباءا فأرسلنا عليها الصقور والكلاب ، فحاولتها ساعة ثم لجأت الظباء إلى أكمة فوقفت عليها فرجعت الصقور ناحية من الأكمة ورجعت الكلاب فتعجب الرشيد . ثم إن الظباء هبطت من الأكمة فسقطت الصقور والكلاب فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت عنها الكلاب والصقور ، ففعلت ذلك ثلاثا ، فقال هارون : اركضوا فمن لقيتموه فآتوني به فأتيناه بشيخ من بني أسد فقال له الرشيد : ما هذه الأكمة ؟ قال : إن جعلت لي الأمان أخبرتك ، فأعطاه الأمان ، قال : حدثني أبي عن آبائه أن هذه الأكمة قبر علي بن أبي طالب عليه السلام جعله الله حرما لا يأوي إليه شئ إلا أمن . فنزل هارون فتوضأ وصلى عند الأكمة وتمرغ عليها وجعل يبكي ثم انصرفنا[7].
والبحث في المسألة يطول، وفيما اوردناه كفاية.
[1] رحلة ابن بطوطة، 1 /134
[2] مجموع الفتاوى، لإبن تيمية، 4 /499
[3] البداية والنهاية، لإبن كثير، 6 /505
[4] سير أعلام النبلاء/ للذهبي، 16 /250 ، العبر في خبر من غبر، للذهبي، 2 /368
[5] فرحة الغري، لعبد الكريم بن طاووس، 61 ، 100 ، خاتمة المستدرك، للنوري الطبرسي، 7 /215 ، الغارات، لإبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، 2 /846 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 42 /214 ، 97 /250 ، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاري، لمحمد الريشهري، 7 /292 ، موسوعة شهادة المعصومين، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم، 1 /378 ، مدينة النجف، لمحمد علي جعفر التميمي، 119
[6] إرشاد القلوب، للحسن بن محمد الديلمي، 2 /441 (والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة)
[7] إرشاد القلوب، للحسن بن محمد الديلمي، 2 /435 ، الغارات، لإبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، 2 /862 ، فرحة الغري، لعبد الكريم بن طاووس، 142 ، المستجاد من الإرشاد ( المجموعة )، للعلامة الحلي، 29 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 97 /252 ، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، 1 /535 ، الأنوار العلوية، لجعفر النقدي، 407