هل فرَّ عمر يوم حنين؟
السؤال: قرأت في سيرة ابن هشام أن عمر بن الخطاب كان ممن ثبت مع الرسول يوم حنين، ولكن أحد الزملاء أتى لي برواية تدل على فراره تلميحا، وهي في صحيح البخاري من حديث أبي قتادة.. فما الرد المناسب؟
الجواب:
فيما يخص ما وقع من المسلمين يوم حنين، يجب أن تقف عند الحقائق التالية:
-
أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل مواصلاً لتقدمه نحو العدو (لم ينهزم)، وثبتت معه كوكبة من أهل بيته وأصحابه، منهم: العباس بن عبد المطلب، وابناه الفضل وقثم، وعلي بن أبي طالب، وأخوه عقيل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب، وعبد [الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأخوه لأمه أيمن ابن أم أيمن، وقد استشهد في ذلك الموقف، وأبو بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وشيبة بن عثمان الحجبي رضي الله عن الجميع. وقد قدّر ابن مسعود عدد من ثبتوا بثمانين رجلا، كما قدّرهم ابن عمر بأقل من مائة قائلا: "لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْم حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاس لِمُوَلُّونَ، وَمَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة رَجُل".
-
أما حديث أبي قتادة المشار إليه فهو قوله: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِى يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِى، وَأَضْرِبُ يَدَهُ، فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِى، فَضَمَّنِى ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ، ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ في النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ". فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قتيلي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لي فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ سِلاَحُ هَذَا الْقَتِيلِ الذي يَذْكُرُ عندي فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ كَلاَّ لاَ يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَدَّاهُ إِلَيّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِى الإِسْلاَمِ". صحيح البخارى (4322).
وهذا الحديث ليس فيه ما يثبت انهزام عمر رضي الله عنه، بل إن أبا قتادة رضي الله عنه ذكر جملة من الوقائع حدثت في ذلك اليوم، منها ما هو سابق على الأزمة (الهزيمة) ومنها ما هو لاحق عليها، ومن ذلك مناقشته لعمر رضي الله عنه حول سبب ما وقع، ومن الطبيعي أن تكون مناقشة أسباب الأزمة المفاجئة بعد انتهاء هذه الأزمة، لا قبلها ولا أثناءها، وهذا مما يدل -منطقياً- على أن نقاشه مع عمر كان في وقت لاحق على ما حدث. وعلى فرض أن مقابلته مع عمر كانت في وقت الهزيمة فإنها تدل على أن عمر كان يسير في عكس الاتجاه الذي سار فيه أبو قتادة حال انهزامه؛ أي أن عمر كان في حالة تقدم وأبو قتادة في حالة انهزام، كما وقع مع سلمة بن الأكوع الذي مر -وقت انهزامه- بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينتبه مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعلق عليه قائلا: "لقد رأى هذا فزعا".
-
أن سبب هذه الأزمة (الهزيمة) لم يكن هو الخوف من العدو، ولا الانهيار، ولا ضعف الأداء القتالي، ولا التمالؤ، ولاالاستسلام؛ بدليل كونها وقعت في البداية ولم تقع في نهاية المعركة، ولم يكن لها أي انعكاس سلبي على نتائج المعركة.. ومتى سلمت مما ذُكر فإنها لا تعتبر عيبا ولا مطعنا فيمن حصلت منه، ولكنها مشكلة (زوبعة) تتطلب سرعة التدخل، والاحتواء، واحتفاظ القيادة بزمام المبادرة.. وهو ما تم بالفعل، من دون ارتباك ولا تأخر؛ مما أدى إلى اختفائها في ساعات المعركة الأولى، وكأنّ شيئا لم يكن.
أما السبب الرئيس فهو عنصر المفاجأة الذي أدى إلى نفور إبل الصحابة وهربها بهم وفقدانهم السيطرة عليها، وكان للوقت والمكان دورهما البارز في ذلك؛ حيث كان المسلمون ينحدرون "في وادٍ من أودية تهامة أجوفَ حَطوطٍ، إنما ننحدر فيه إنحداراً في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شِعابه وأجنابه ومَضايقه" فنفرت الإبل وفقد أغلبهم السيطرة عليها، ولما تحدد لهم موقع النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق نداء العباس لهم، كان الرجل منهم إذا لم يستطع التحكم في بعيره يأخذ سلاحه ويقفز من فوق ظهر البعير ويرجع على قدميه إلى مكان وجود النبي صلى الله عليه وسلم. يقول العباس رضي الله عنه واصفا سرعة توجههم إلى نقطة التجمع التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها! فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه! ".
ومما يدل على أن المشكلة جاءت من قبل حالة الانجفال والذعر الذي أصاب الركائب، ما ذكر من شدة تحفظ الصحابة -رضوان الله عليهم- على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان العباس آخذا بلجامها، وأبو سفيان آخذ بركابها، وابن مسعود من جانبها، وفي ركوبه صلى الله عليه وسلم على البغلة في هذا الموقف أبلغ دلالة على الثبات، بل قد كان العباس يرغب في تخفيف سرعة تقدم النبي صلى الله عليه وسلم نحو العدو حتى يتكامل تجمع جيش المسلمين.
وفي حديث ابن مسعود عن الواقعة ما يدل على أن المشاة من الصحابة لم يتأثروا بما وقع، وهذا دليل آخر على أن المشكلة جاءت من قِبَل المراكب.
وتبقى الحكمة من حدوث هذه الأزمة هي: تأديب الله سبحانه وتعالى للمسلمين الذين أعجبتهم كثرتهم حتى قال البعض: "لن نُغلب اليوم من قلة"! كما جاء في قول الله تعالى: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" [التوبة/25]. وهذه الآية من العام الذي يراد به الخصوص.
-
وخلاصة لما سبق فإن أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي رضي الله عنه وأرضاه لم يكن من المنهزمين يوم حنين، ولم يكن ممن يغمز بالجبن أو الضعف في سبيل الله، وكان إسلامه فتحا للمسلمين وعزا وقوة لهم، وكانت هجرته تحديا صارخا لقريش.
وما وقع من الهزيمة لم يكن بسبب الجبن أو الخوف أو التخاذل، وإنما كان سببه الرئيس -كما سبق- فقدان السيطرة على الإبل: فليس فيه مطعن على أحد، ولم تكن له انعكاسات سلبية على سير المعركة. محمد عدود
فوائد أخرى:
فالذي يكون في الناس لا يكون هاربا لأنه إذا كان هاربا فلا يصح أن يطلق عليه (في الناس) كما في قوله تعالى : (وأذن في الناس) فهل المؤذن يلحق الناس أم الناس يتبعون نداء المؤذن ويأتون إليه؟
فالذي تعنيه هذه الرواية أن عمر كان ينادي الناس بأن يثبتوا في الحرب ويرجعوا وقد حصل ذلك فاستجابوا لعمر ورجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما في قوله : ((ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ويجب التنبيه أن كل الناس رجعوا إلى النبي ولم يفر أحد كما في الرواية
قال العلامة شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن إسحاق فهو صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في "سيرة ابن هشام"، و"مسند أبي يعلى" فانتفت شبهة تدليسه.
والحديث في "سيرة ابن هشام" 4/85-86 و87- 88. وزاد عنده فيمن ثبت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابناً لأبي سفيان بن الحارث، وذكر هناك أن أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ.
وأخرجه البزار (1834) من طريق يحيى بن سعيد، وأبو يعلى (1862)و (1863)، وابن حبان (4774) من طريق عبد الأعلى، والبيهقي في دلائل النبوة (( 5 / 120, 126 ))
قال العلامة شعيب الأرنؤوط في تحقيقه على مسند أحمد: إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن إسحاق فهو صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في "سيرة ابن هشام"، و"مسند أبي يعلى" فانتفت شبهة تدليسه.
قال البخارى : رأيتهم مجتمعين على ضعفه.
وقال النسائى : ضعيف
وقال الدارقطنى : تكلم فيه أهل بلده.
وقال الحاكم أبو أحمد : ليس بالقوى عندهم
خلاصة المحكم : رواية هالكة
والدليل على هذا الرواية نفسها: فلو لا حظت ابو قتادة يقول (ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) و كان عمر في الناس بنص الرواية , فالناس رجعو بما فيهم ابو قتادة وعمر. والاهم هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لابو قتادة بانه اسد من اسود الله فانظر: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ فَأَعْطِهِ فَأَعْطَانِيهِ. فكيف بالله عليك يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ان ابا قتادة اسد من اسود الله يدافع عن الله و رسوله ان لم يكن قد رجع و ثبت!!! فيعني انه رجع و ان رجع فعمر رجع ايضا لانه كان معه في الناس.