أولًا: لم يصح طريق من طرق تلك الرواية على حدة، ومن صحح الرواية إنما صححها بالشواهد، قال الشيخ الألباني رحمه الله: «أثر أن أبا بكر وعمر قطعا اليد اليسرى في المرة الثالثة صحيح.
أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه «أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرجل، فقال له عمر: السنة اليد»([1]).
قلت (الألباني): ورجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أن القاسم، وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، لم يسمع من جده أبي بكر، لكن يقويه أن له طريقًا أخرى عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد: «أن رجلًا سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه مقطوعة يده ورجله، فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها، ويتطهر بها، وينتفع بها، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده، لتقطعن يده الأخرى، فأمر به أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده».
أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة عن نافع، قلت: «وهذا إسناد حسن».
وأخرج هو والدارقطني (364) وابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عباس قال: «رأيت عمر بن الخطاب قطع يد رجل بعد يده ورجله»، وإسناده صحيح على شرط البخاري»([2]).
فأنت ترى أن الطريق الأول منقطع بين القاسم وجده الصديق، والطريق الثاني منقطع بين صفية بنت أبي عبيد والصديق، ومن المعلوم أن صفية لم ترو عن أبي بكر الصديق.
ولكن الشيخ الألباني قوى الرواية بالشواهد، ولغيره أن يخالفه في ذلك ويضعف الروايات حسب اجتهاده، والمختلف فيه لا تقوم به حجة.
ثانيًا: ليس في المسألة نصٌّ صحيحٌ متفق عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يُعمل به، ولذلك اختلف أهل العلم فيمن سرق في الثالثة: هل تقطع يده اليسرى، أم رجله اليمنى، أم ليس عليه قطع؟
القول الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين إلى أن من سرق في الثالثة قطعت يده اليسرى، قال ابن جزي: «فَأَما الْقطع فتقطع يَده الْيُمْنَى، ثمَّ إِن سرق ثَانِيَة تقطع رجله اليسرى، ثمَّ إِن سرق ثَالِثَة تقطع يَده الْيُسْرَى، ثمَّ إِن سرق رَابِعَة تقطع رجله الْيُمْنَى، ثمَّ إِن سرق بعد ذَلِك ضُرِبَ»([3]).
وقال الشيرازي: وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى، فإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعًا قطعت رجله اليمنى؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في السارق: «إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ»([4]).
قلت: وهذا الأثر الذي استندوا عليه لا يسلم له إسناد.
قال الحافظ ابن حجر: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ فِي السَّارِقِ: «إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ»، الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «السَّارِقُ إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ».
وَفِي الْبَابِ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ»([5]).
قال المحقق في الهامش: «أخرجه الدارقطني [3/ 137- 138]، في كتاب الحدود والديات وغيره، حديث [171]، والطبراني [17/ 182]، [483]، كلاهما من طريق خالد بن عبد السلام الصدفي، نا الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك قال: سرق مملوك في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعفا عنه، ثم رفع إليه الثانية وقد سرق فعفا عنه، فرفع الثالثة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعفا عنه، ثم رفع إليه الرابعة وقد سرق فعفا عنه، ثم رفع إليه الخامسة وقد سرق فقطع يده، ثم رفع إليه السادسة فقطع رجله، ثم رفع إليه السابعة فقطع يده، ثم رفع إليه الثامنة فقطع وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أربع بأربع».
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: «رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف»([6]).
قال العظيم آبادي في «التعليق المغني»: «حديث ضعيف؛ قال عبد الخالق: هذا لا يصح للإرسال، وضعيف الإسناد، وقال الذهبي: يشبه أن يكون موضوعًا، وضعف الفضل بن المختار عن جماعة من غير توثيق»([7]).
واستدل أيضًا من قال بأن السنة لمن سرق الثالثة أن تقطع يده اليسرى برواية عند الطبراني، وساقها الدارقطني بإسناده فقال: «نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ، نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّدَفِيُّ، نا الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَرَقَ مَمْلُوكٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ ثَانِيَةً وَقَدْ سَرَقَ فَعَفَا عَنْهُ، فَرُفِعَ الثَّالِثَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ الرَّابِعَةَ وَقَدْ سَرَقَ فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ الْخَامِسَةَ وَقَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ السَّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ السَّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ الثَّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَرْبَعٌ بِأَرْبَعٍ»»([8]).
قال الهيثمي: «رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ»([9]).
قال ابن الجوزي: «الْفضل بن الْمُخْتَار أَبُو سهل الْبَصْرِيّ عَن ابْن أبي ذِئْب، قَالَ ابْن عدي: لَهُ أحاديث مُنكرَة، وعامتها لَا يُتَابع عَلَيْهَا، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيًّ: مَجْهُول، وَأَحَادِيثه مُنكرَة، يحدِّثُ بالأباطيلِ، قَالَ الْأَزْدِيّ: مُنكر الحَدِيث جدًّا»([10]).
وعليه فكل الروايات في ذلك لا يصح لها إسناد، فلا يمكن التشغيب على الصديق بمجرد الجهل برواية لم تثبت.
القول الثاني: ذهب الحنفية والحنابلة في الرواية الثانية والإمامية إلى أن من سرق الثالثة بعد أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى أنه لا قطع عليه، بل يُحبس إلى أن يتوب.
قال أبو البركات النسفي: «تقطع يمين السَّارق من الزّند وتحسم، ورجله اليسرى إن عاد، فإن سرق ثالثًا حبس حتّى يتوب ولم يقطع»([11]).
واستدل الزيلعي على قولهم بعد القطع بقول علي وبالإجماع عليه: «وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حِين حَجَّهُمْ عَلِيٌّ بِقَوْلِهِ: إنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَلَّا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا، وَلَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْمَرْفُوعِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ، وَمَا رَوَاهُ لَمْ يَثْبُتْ، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ قَالَ: تَتَبَّعْنَا هَذِهِ الْآثَارَ فَلَمْ نَجِدْ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَصْلًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يُقْتَلْ فِي الْخَامِسَةِ وَإِنْ ذُكِرَ فِيمَا رُوِيَ، وَلَئِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ»([12]).
وعليه فالمسألة محل خلاف؛ لعدم ورود الدليل القاطع فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثالثًا: لو صح هذا لما كان فيه إشكال على الصديق رضي الله عنه، بل لكان فيه المدح العظيم له؛ إذ إنه لم تأخذه العزة بالإثم لما قال له عمر: إن السنة كذا، وقد كان يمكنه تبرير ذلك بأنه سياسة يجوز للحاكم أن يجتهد كما اجتهد علي فقال: «إنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَلَّا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا»، فصار الأمر اجتهادًا، والمجتهد المخطئ مأجور حتى عند الشيعة الإمامية.
فقد جاء في «ميزان الحكمة»: «للمخطئ أجر وللمصيب أجران:
- رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
- عنه (صلى الله عليه وآله): اجتهد، فإذا أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة.
- عنه (صلى الله عليه وآله) -لعقبة بن عامر لما جاءه (صلى الله عليه وآله) خصمان- اقض بينهما، قال: على ماذا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: اجتهد، فإن أصبت فلك عشر»([13]).
وقد أقر وقرر المجلسي ذلك في «ملاذ الأخيار» فقال: «قوله عليه السلام «فمن أخطأ حكم الله» أي بلا دليل معتبر شرعًا لتقصيره، أو مع علمه ببطلانه، فلا ينافي كون المجتهد المخطئ غير المقصر مصيبًا ومثابًا»([14]).
وهذا الفضل بن شاذان اجتهد في رد كلام المعصومين فأخطأ، ومع ذلك يقول المجلسي عنه: إنه مثاب على ذلك؛ لأنه ربما ردها لظنه أن فيها غلوًّا.
ففي مقدمة المصحح لكتاب «الإيضاح» قال: «قال المجلسي: ... على أنه يمكن أن يكون الفضل مثابًا في رد الأخبار التي نقلوها إليه من المعصومين عليهم السلام، وردها الفضل لظنه الغلو، وكانوا مثابين لكونهم سمعوها من المعصومين (ع) والجميع مطابق للأخبار التي نقلها مشايخنا المعظمون في كتبهم، ثم نقل رقعة عبد الله بن جبرويه هذا التي ذكره المصنف عن الكَشي، وقال في آخرها: فتدبر في هذا الخبر حتى يظهر لك ما ذكرنا.
ثم نقل روايتين متضمنتين؛ لأنه لو عرض علم سلمان على مقداد لكفره، ثم قال: والحق أن مراتب العلوم متفاوتة، فيمكن أن يكون إنكار الفضل لأخبارهم لعدم إدراكه، أو لخوف الفضل أن يكفر العوام بالغلو كما ورد في الأخبار الكثيرة أنْ حدِّثُوهم بما يعلمون أو بما يفهمون. انتهى كلامه علا مقامه، وهو كلام موجه متين»([15]).
ولذلك فقد قرر الإمامية أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ وجب تنفيذُ حكمه، ولا يجوز إعادة رفع القضية مرة أخرى للتحاكم حتى مع العلم بالخطأ.
يقول الخوئي: «وحيث إن المستفاد من الروايات أن حكم الحاكم إذا صدرَ عن الميزان الصحيح معتبر مطلقًا، وأن اعتباره ليس من جهة الأمارية إلى الواقع، بل إنما هو لأجل أن له الموضوعية التامة في فصل الخصومات وحل المرافعات، فلا مناص من الالتزام بعدم جواز نقضه مطلقًا، سواء علمنا بعدم مطابقته للواقع أو بالخطأ في طريقه -وجدانًا أو تعبدًا- أم لم نعلم به، بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية، فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى عند ذلك الحاكم مرة ثانية أو عند حاكم آخر ..... وأن حكم الحاكم نافذ فيها، ولو مع العلم بالمخالفة للواقع أو الخطأ في طريقه، هذا كله إذا صدر الحكم على الميزان الصحيح»([16]).
وعليه: فلا بد من القول بأن فعل الصديق واجتهاده كان مأجورًا عليه، ثم زاده رجوعه إلى السنة -على فرض صحة الرواية- شرفًا وفضلًا فوقَ الشرف والفضل.
رابعًا: هذه المسألة اختلف فيها الشيعة، مع أنهم قد رووا فيها نصًّا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
قال المحقق الأصفهاني: «وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خبر محمد بن قيس «إني لأستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشيء، ولكنه أسجنه حتى يموت في السجن» وقال: ما قطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سارق بعد يده ورجله، وقال الصادق عليه السلام في مرسل حماد: لا تخلد في السجن إلا ثلاثة: الذي يمثل، والمرأة ترتد من الإسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل، فإن سرق بعد ذلك من السجن أو غيره قتل اتفاقًا»([17]).
وبرغم ذلك اختلفوا فيمن سرق ثالثا:
قال الطوسي: «ومن سرق وليس له اليمنى، فإن كانت قطعت في القصاص أو غير ذلك، وكانت له اليسرى، قطعت يسراه، فإن لم تكن له أيضًا اليسرى، قطعت رجله»([18]).
وقال ابن إدريس: «الحبس هو حد من سرق في الثالثة بعد تقدم دفعتين قد أقيم عليه الحدّ فيهما»([19]).
فها هم أكابر علماء الشيعة لا يعرفون حكم من سرق في الثالثة، فهل ينطبق عليهم الشيعة ما نسبوه زورًا للصديق رضي الله عنه؟!
خامسًا: جاء في كتب الشيعة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطع يد رَجل لم يسرق، ولم يعلم بأن الشاهدين أخطآ واشتبه عليهما.
فعن محمد قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنما شبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر»([20]).
فهل نقول هنا: إن عدم علم علي بخطأ الشهود يقدح في إمامته؟! وقد قالت الشيعة: «إن عليَّ بن أبي طالب لا يخطئ ولا يسهو، ويعلم ما كان وما يكون، ولا يخفى عليه شيء»، كما بوب الكليني في الكافي؟!
فها هو علي رضي الله عنه يتعمَّد قطع يد الرجل وهو يعلم أنه مظلوم، فإن قالوا: المعصوم يحكم بالظاهر، قلنا: الظاهر لكل شخص على حسب حاله، فالظاهر لعلي ما يعلمه هو لا ما ظهر لغيره، وبالتالي فإن عليًّا كان عالِمًا بخطئهما، وأنهما سيرجعان في شهادتهما، ومع ذلك قطع يد الرجل ظلمًا!
([1]) ابن أبي شيبة (2/ 11/ 61)، والبيهقي (8/ 273- 274).
([2]) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/ 91).
([3]) القوانين الفقهية (ص236).
([4]) المهذب في فقه الإمام الشافعي، الشيرازي (3/ 364).
([5]) التلخيص الحبير (4/ 189) حديث (1781) ط العلمية.
([6]) مجمع الزوائد، الهيثمي (6/ 278).
([7]) انظر: التعليق المغني، العظيم آبادي في (3/ 138)، التلخيص الحبير (4/ 189) ط العلمية.
([8]) سنن الدارقطني (4/ 161)، المعجم الكبير، الطبراني (17/ 182).
([9]) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/ 275).
([10]) الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي (3/ 8).
([11]) كنز الدقائق (ص365).
([12]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (3/ 225).
([13]) ميزان الحكمة، محمد الريشهري (3/ 2591).
([14]) ملاذ الأخيار، المجلسي (10/ 10- 11).
([15]) الإيضاح مقدمة المصحح (ص26).
([16]) الاجتهاد والتقليد، الخوئي (ص390).
([17]) كشف اللثام، الأصفهاني (2/ 429).
([18]) النهاية، الطوسي (1/ 717).
([19]) كتاب السرائر، ابن إدريس الحلي (3/ 490).
([20]) الكافي (٧/ ٣٨٤)، وقال المجلسي في «مرآة العقول»: الحديث الثامن حسن. (24/ 228).
موقع رامي عيسى ..
طعنهم في الصديق رضي الله عنه بعدم معرفته ميراث الكلالة والجدة
الشبهة:
قالت الشيعة: «روي عن الخليفة الأوَّل أنَّه سئل إبَّان خلافته عن ميراث الجدَّة، فلم يهتد إلى الإجابة، ولم يَر بدًّا من الردِّ بقوله: «ما لها في كتاب الله من شيء، وما علمت لها في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شيء، ولكن أسأل الناس» والواقعة مشهورة؛ حيث قيل: إنَّه اندفع إلى المسلمين يسألهم عن ذلك، فقام بعض الصحابة فشهدوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها السدس، فقضى أبو بكر بذلك، فإذا كان هذا هو حال الصحابة الكبار، فما بالك بحال غير الصحابة أو التابعين، الذين يعتمدون في الكثير من أحكامهم على رأي أولئك واجتهادهم؟!([1]).
وقال محمد باقر الحسيني الجلالي: «ممَّا يزيد في التعجُّب أنّهم يروون أنَّ أبا بكر لم يعرف ميراث الجدَّة، ولفظة (الأَبِّ) من كتاب الله»([2]).
وقال علي النباطي: «ولم يعرف ميراثَ الجدة ولا الكلالة، وقال: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان» وفي هذا تجويز كون الحاكم جاهلًا وصبيًّا ومجنونًا وغير ذلك من وجوه النقص إذا كان الحكم بالخبط والاتفاق، ولا يخفى ما فيه من تعطيل أحكام الله بالإطلاق»([3]).
([1]) حاشية المكاسب، الميرزا أبو الفضل النجم آبادي (ص6).
([2]) فدك والعوالي أو الحوائط السبعة في الكتاب والسنة والتاريخ والأدب، محمد باقر الحسيني الجلالي (1/ 424).
([3]) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، علي النباطي (2/ 305).
الرد علي الشبهة:
أولًا: أما رواية الكلالة فإسنادها منقطع.
قال الامام الدارمي: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: «إِنِّي سَأَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، أُرَاهُ مَا خَلَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ» فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي اللهَ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ»([1]).
فهذا الأثر من ناحية السند منقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف.
وأما عن ميراث الجدة، فمن صحح الرواية صححها بالشواهد، فالحديث ضعيف ولم يسلم منه طريق واحد من طعن، والرواية في الموطأ «عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ r شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ r أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ ذلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا»([2]).
وهذه الرواية قال فيها الحافظ ابن حجر: «وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِثِقَةِ رِجَالِهِ إلَّا أَنَّ صُورَتَهُ مُرْسَلٌ؛ فَإِنَّ قَبِيصَةَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصِّدِّيقِ، وَلَا يُمْكِنُ شُهُودُهُ لِلْقِصَّةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَعْنَاهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ فَيَبْعُدُ شُهُودُهُ الْقِصَّةَ، وَقَدْ أَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ تَبَعًا لِابْنِ حَزْمٍ بِالِانْقِطَاعِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «الْعِلَلِ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ قَوْلَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ»([3]).
ولأنه لم يسلم لها إسناد مستقل؛ فقد صححها بعض أهل العلم بالشواهد، كما قال محققو المسند: «والحديث صحيح بشواهده»([4]).
ثانيًا: على التسليم بصحة كل هذا، فهذه الآثار ما هي إلا مدح للصديق رضي الله عنه، قال شيخ الإسلام: «وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: «لَمْ يَعْرِفْ حُكْمَ الْكَلَالَةِ حَتَّى قَالَ فِيهَا بِرَأْيهِ».
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ عِلْمِهِ، فَإِنَّ هَذَا الرَّأْيَ الَّذِي رَآهُ فِي الْكَلَالَةِ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا فِي الْكَلَالَةِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَالْقَوْلُ بِالرَّأْيِ هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، لَكِنَّ الرَّأْيَ الْمُوَافِقَ لِلْحَقِّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْرَانِ، كَرَأْيِ الصِّدِّيقِ، فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي غَايَةُ صَاحِبِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ»([5]).
وقال الحافظ ابن كثير: « قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِي عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ أُخَالِفَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ، وكان وَكَأَنَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «هُوَ مَا عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ»، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَقَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، كَمَا أَرْشَدَ اللهُ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَوَضَّحَهُ فِي قَوْلِهِ: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}»([6]).
وقال الإمام ابن القيم: «فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ مَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إنْ قُلْت فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيِي»، وَكَيْفَ يُجَامِعُ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الرَّأْيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: رَأْيٌ مُجَرَّدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ خَرْصٌ وَتَخْمِينٌ، فَهَذَا الَّذِي أَعَاذَ اللهُ الصِّدِّيقَ وَالصَّحَابَةَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: رَأْيٌ مُسْتَنِدٌ إلَى اسْتِدْلَالٍ وَاسْتِنْبَاطٍ مِنَ النَّصِّ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ نَصٍّ آخَرَ مَعَهُ، فَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ فَهْمِ النُّصُوصِ وَأَدَقِّهِ، وَمِنْهُ رَأْيُهُ فِي الْكَلَالَةِ: أَنَّهَا مَا عَدَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْكَلَالَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَفِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَرِثَ مَعَهَا الْأَخُ وَالْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلَالَةَ مَا عَدَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ، وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي وَرِثَ مَعَهَا وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْأَبُ النِّصْفَ أَوِ الثُّلُثَيْنِ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْكَلَالَةِ، وَالصَّحِيحُ فِيهَا قَوْلُ الصِّدِّيقِ الَّذِي لَا قَوْلَ سِوَاهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلُغَةِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ:
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ * عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
أَيْ: إنَّمَا وَرِثْتُمُوهَا عَنِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، لَا عَنْ حَوَاشِي النَّسَبِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَرِثُ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأَبَوَيْنِ لَا مَعَ أَبٍ وَلَا مَعَ جَدٍّ، كَمَا لَمْ يَرِثُوا مَعَ الِابْنِ وَلَا ابْنِهِ، وَإِنَّمَا وَرِثُوا مَعَ الْبَنَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ، فَلَهُمْ مَا فَضَلَ عَنِ الْفُرُوضِ»([7]).
وعليه؛ فهذا اجتهاد مبني على علم بكتاب الله تعالى.
ثالثًا: سبب الاختلاف في الكلالة هو عدم تفسيرها بنص صريح من رسول الله r، ولأن العرب تطلق الكلالة على معانٍ عدة، وقد نزلت في الكلالة آيتين آيتان من كتاب الله، قال البغوي: «اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ، وَهِيَ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ، وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِهَا»([8]).
وقد استند الصديق في تفسير معنى الكلالة إلى كتاب الله مع سبب النزول، فقد جاء في صحيح البخاري «عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: «مَرِضْتُ مَرَضًا فَأَتَانِي النَّبِيُّ r يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ r، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَإِذَا النَّبِيُّ r، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ»([9]).
والآية التي نزلت هي: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة) [النساء:176]، كما في سنن أبي داود([10])
من حديث جابر بن عبد الله؛ لأن الآية نزلت فيه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة) [النساء:176]، ولم يكن له يوم نزولها أبٌ ولا ابن؛ لأن أباه عبد الله بن حرام قتل يوم أحد، وآية الكلالة نزلت في آخر عُمر النبي r، فصار شأن جابر بيانًا لمراد الآية لنزولها فيه، وهذا رأي جمهور أهل العلم.
وسبب الاختلاف هو اختلاف أهل اللغة:
-
الكلالة: الرجل الذي لا ولد له ولا والد، أي: ما خلا الولد والوالد([11]).
-
الكلالة: من ليس له ولد ولا والد، وله إخوة؛ لأن الكلالة مشتق من الإكليل؛ وهو الذي يحيط بالرأس من الجوانب، والذين يحيطون بالميت من الجوانب الإخوة، فأما الوالد والولد فليسا من الجوانب، بل أحدهما من أعلاه والآخر من أسفله([12]).
-
وقيل: الكلالة: اسم لما عدا الوالد والولد من الورثة([13]).
-
وقيل: الكلالة: الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جد، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوة من الأم([14]).
-
وقيل الكلالة: من مات رجلًا أو امرأة في حالة تكلله نسب ورثته أي: لا والد له ولا ولد وله أخوة، أو أخوات، أو أخ، أو أخت، أو أحدهما، أضياف، أو أعيان، أو أولاد علات([15]).
ومن هذه التعريفات يمكن القول:
بأن أقرب التعريفات للصواب التعريف الأخير؛ لأنه يتصف بالشمول؛ حيث شمل المقصود من التعريفات الأخرى، واحتوى على المعنى المراد منها، فهو تعريف جامع مانع.
وبناء على هذا؛ كان أرجح الأقوال هو قول الصديق رضي الله عنه.
وقد توسع في ذكر الخلاف اللغوي والفقهي في معنى الكلالة والمراد منها وأحكامها: الدكتور عبده محمد يوسف الأستاذ بكلية التربية، جامعة صنعاء في بحث له بعنوان: «أحكام الكلالة في القرآن الكريم والسنة النبوية» فليراجعه من شاء الاستزادة.
وأما الجدة فقد أجمع العلماء على إعطائها السدس، قال القرافي: «قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمّ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ لَهَا السُّدُسُ إِذَا انْفَرَدَتْ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْأَبِ، فَإِنِ اجْتَمَعَتَا فِي طَبَقَةٍ فَالسُّدُسُ بَيْنَهُمَا، اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ»([16]).
وهذا الإجماع إنما كان بعد قصة الصديق واتفاق الناس على ذلك؛ أخذًا من حديث رسول الله r الذي أعطاها السدس.
رابعًا: لم يدَّع أحد من الصحابة ومنهم الصديق رضي الله عنه أنه عالم بكل مسائل الشرع، ولا يصح قياس المعصوم بغير المعصوم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان ذلك: «وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نُوحًا وَمُحَمَّدًا أَنْ يَقُولَا: {لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [هُود:31] فَيُرِيدُ الْجُهَّالُ مِنَ الْمَتْبُوعِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَا يُسْئَلُ عَنْهُ، قَادِرًا عَلَى كُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ، غَنِيًّا عَنِ الْحَاجَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا الِاقْتِرَاحُ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ كَاقْتِرَاحِ الْخَوَارِجِ فِي عُمُومِ الْأُمَّةِ، أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ ذَنْبٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ كَانَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ خِلَافَ مَا خَلَقَهُ اللهُ، وَخِلَافَ مَا شَرَعَهُ اللهُ»([17]).
لكن ما جواب الرافضة عما ورد في كتبهم من جهل المعصومين بالأحكام الشرعية وغيرها:
روى الطوسي «عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المذي فقال: إن عليًّا عليه السلام كان رجلًا مذاءً واستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله لمكان فاطمة عليها السلام، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس فسأله، فقال: له ليس بشيء»([18]).
فهذا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه جهل حكم المذي حتى سأل رسول الله e عنه.
يقول القاضي النعماني: «عَنْ عَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ (ص) أَيُّ شيء خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنَّا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ (ع) فَقَالَتْ: مَا مِنْ شيء خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ مِنْ أَلَّا تَرَى رَجُلًا وَلَا يَرَاهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ (ص) فَقَالَ: صَدَقَتْ إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»([19]).
وقد ورد فِي رواية أخرى أن عدم جوابهم ومن ضمنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان بسبب عدم علمهم بالجواب.
قال الأربلي: «وروى عن علي عليه السلام قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أخبروني أي شيء خيْر للنساء؟ فعيينا بذلك كلنا حتَّى تفرقنا، فرجعت إلى فاطمة عليها السلام فأخبرتها الذي قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس أحد منا علمه ولا عرفه، فقالت: ولكني أعرفه، خيْر للنساء ألَّا يرين الرجال ولا يراهن الرجال»([20]).
- بل وجهل أيضًا بأن رسول الله e أخٌ لحمزة رضي الله عنه من الرضاعة، وجهل الحكم الفقهي بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
فقد روى الكليني «عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أختها من الرضاعة، وقال: إن عليًّا عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله ابنة حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعمه حمزة عليه السلام قد رضعا منِ امرأة»([21]).
- كما جهل الصادق حرمة قلع الحشيش بمنًى.
قال محمد تقي المجلسي: «ويمكن حمل النهي في غير الداخل على الكراهة كما يظهر مما رواه الشيخ في الصحيح، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رآني علي بن الحسين عليهما السلام وأنا أقلع الحشيش من حول الفساطيط بمنى، فقال: يا بني، إن هذا لا يقلع، وإن أمكن حمله على إرادة القطع أو يكون صغيرًا غير مكلف، وجوزنا الجهل عليهم في الصغر»([22]).
وانظر إلى رواية «الكافي»: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام عَنْ قَتْلِ الْخُطَّافِ أَوْ إِيذَائِهِنَّ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ: لَا يُقْتَلْنَ، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَرَآنِي وَأَنَا أُوذِيهِنَّ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، لَا تَقْتُلْهُنَّ وَلَا تُؤْذِهِنَّ، فَإِنَّهُنَّ لَا يُؤْذِينَ شَيْئًا»([23]).
أليست هذه الرواية صريحة في جهل الصادق للحكم الشرعي في حرمة أذية الخطاف؟ فهل يطعن الرافضة بعلم الإمام الصادق أيضًا؟!
خامسًا: جاء في كتب الشيعة أن النبي r أعطى الجدَّة السدس، ومع ذلك هم أصروا على مخالفة النبي r وأجمعوا -إلا النادر- على خلافها.
يقول النراقي: «لا يرث الجد والجدة مع الأولاد، ذكرًا كان أم أنثى، بالإجماع في غير البنت الواحدة، فإن فيها خلافًا للإسكافي، وقد مر، وتدل عليه العمومات المتقدمة الخالية عن المخصص»([24]).
وذكر الحر العاملي بالإسناد «عن سعد بن أبي خلف قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن بنات بنت وجد، فقال: للجد السدس والباقي لبنات البنت، ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب»([25])، ومع ذلك أصر الشيعة على مخالفة النبي r.
ومخالفات الشيعة لكتاب الله في الميراث قد ذكرنا بعضها في جواب شبهة (زعمهم أن عمر بن الخطاب ابتدع الغلو في الميراث) في كتابنا (فصل الخطاب في درء الشبهات عن عمر بن الخطاب) فليراجعه من أراد الاستزادة.
([1]) سنن الدارمي، تحقيق حسين سليم أسد (4/ 1944) قال المحقق: «رجاله ثقات غير أنه منقطع».
([2]) موطأ مالك - رواية يحيى (3/ 732) ت الأعظمي.
([3]) «التلخيص الحبير» (3/ 186) ط العلمية.
([4]) «مسند أحمد» (29/ 500) ط الرسالة.
([5]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (5/ 501 – 502).
([6]) تفسير ابن كثير (2/ 487).
([7]) إعلام الموقعين، ابن القيم (1/ 66).
([8]) تفسير البغوي (2/ 180) طيبة.
([9]) صحيح البخاري (7/ 116) ط السلطانية.
([10]) سنن أبي داود (3/ 120)، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داوود (2/ 560) برقم (2512).
([11]) انظر: المهذب الشيرازي، المطبوع مع شرحه المجموع (17/ 123).
([12]) التعريفات، الجرجاني (1/ 607).
([13]) تفسير الطبري (4/ 192).
([14]) المبسوط، السرخسي (29/ 151).
([15]) انظر: الحاوي الكبير، الماوردي (8/ 92)، والمغني، ابن قدامة (8/ 361)، المبسوط، السرخسي (29/ 151)، والمهذب، الشيرازي (17/ 123)، والشرح الكبير، المقدسي (8/ 364)، تفسير القرطبي (5/ 55)، والمدونة (3/ 1044)، تفسير الطبري (4/ 625 - 626)، وفتح الباري، ابن حجر (8/ 268). وفتح القدير، الشوكاني (1/ 499).
([16]) الذخيرة، القرافي (13/ 63).
([17]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (6/ 367).
([18]) تهذيب الأحكام، الطوسي (١/ ١٧)، قال المجلسي في (ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار) (١/ ٩٦) عن الحديث: «الحديث التاسع والثلاثون: موثق».
([19]) دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي (٢/ ٢١٥).
([20]) كشف الغمة، ابن أبي الفتح الإربلي (٢/ ٩٤).
([21]) الكافي (ج10/ 893)، وصحح هذه الرواية محقق كتاب «ما لا يحضره الفقيه» علي أكبر غفاري (3/ 411)، ومحمد تقي المجلسي في كتابه «روضة المتقين» (8/ 236)، ومحمد باقر المجلسي في كتابه «مرآة العقول» (20/ 220)، ويوسف البحراني في «الحدائق النضرة» (23/ 218)، والمحقق الحلي في «تذكرة الفقهاء» (2/ 614)، والمحقق الأصفهاني في «كشف اللثام» (2/ 42)، ومحمد بحر العلوم في كتابه «بلغة الفقيه» (3/ 122)، وناصر مكارم الشيرازي في كتابه «أنوار الفقاهة» (2/ 102)، والبجنوردي في «القواعد الفقهية» (4/ 324)، وصدر الدين العاملي في كتابه «منظومة في الرضاع» (1/ 100).
([22]) روضة المتقين، محمد تقي المجلسي (4/ 166).
([23]) الكافي، الكليني (6/ 224)، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول: «حسن» (21/ 370).
([24]) مستند الشيعة، النراقي (١٩/ ٢٤٣)، وسائل الشيعة، الحر العاملي (٢٦/ ١٣٦).
([25]) وسائل الشيعة، الحر العاملي (٢٦/ ١٤١).
موقع رامي عيسى ..
زعمهم جهل الصديق رضي الله عنه معنى الأبِّ
الشبهة:
قال شيخهم المفيد: «وروَوْا: أَنَّ أَبا بكر سُئل عن قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فلم يعرِف معنى الأبِّ في القرآن، وقال: أَيُّ سَماء تُظِلّني، وأَيِّ أَرض تُقِلّني، أَم كيف أَصنع إِن قلتُ في كتاب الله تعالى بما لا أَعلم، أَمّا الفاكهة فنَعْرِفها، وأما الأبُّ فالله أعلمُ به، فبلغ أميرَ المؤمنين مقالُه في ذلك، فقال: «يا سبحان الله، أما عَلِمَ أنَّ الأبَّ هو الكَلأُ والمرعى، وأنَّ قوله عزّ اسمه: (وَفَاكِهَةً وَأبًّا) اعتداد من الله سبحانه بإِنعامه على خلقه فيما غذَّاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم مما تُحيى به أنفسُهم وتَقُوم به أجسادُهم»([1]).
([1]) الإرشاد، المفيد (1/ 200).
الرد علي الشبهة:
أولًا: لم يصحَّ إسناد واحد لتلك القصة، وأنا أسرد تلك الروايات، وأبين ما فيها من ضعف:
قال الإمام أبو عبيد: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس:31] فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، أَوْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟»([1]).
هذه الرواية منقطعة، قال الحافظ ابن حجر: «وَرَوَى ابن جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ»([2]).
فهذا الأثر منقطع بين إبراهيم التيمي وأبي بكر t.
وجاءت رواية أخرى: رواها ابن عبد البر، قال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، نا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: نا حَفْصٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟»، وَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ»([3]).
وهذا الأثر ضعيف، وعلته يحيى الحماني، والإرسال بين أبي معمر وأبي بكر t، قال الإمام ابن الجوزي: «يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن مَيْمُون، ويلقب بشمير أَبُو زَكَرِيَّا الْحمانِي الْعجْلَاني الْكُوفِي، يروي عَن حَمَّاد بن زيد، قَالَ ابْن نمير: كَذَّاب، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ يكذب جهارًا، مَا زلنا نَعْرِف ابْن الْحمانِي يسرق الْأَحَادِيث، وَقَالَ السَّعْدِيّ: سَاقِط، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة!»([4]).
وجاءت رواية أخرى عند سعيد بن منصور: «حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ t عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ U، قَالَ: أَيّة أَرْضٍ تُقِلُّني، أَوْ أيَة سَمَاءٍ تُظِلُّني، أَوْ أَيْنَ أَذْهَبُ، وَكَيْفَ أَصْنَعُ إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ مَا أراد الله بها؟»([5]).
وهذا الأثر منقطع بين ابن أبي مليكة وأبي بكر t، قال الذهبي في ترجمته: «قَالَ البُخَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ. قُلْتُ: كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ»([6]).
وقال الطبري: «وَحَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبٍ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ السُّوَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ t: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا أَعْلَمُ؟».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِي أَوْ بِمَا لَا أَعْلَمُ؟»([7]).
وهذا الأثران منقطعان، والعلة فيهما الانقطاع بين أبي معمر وأبي بكر t.
وأبو معمر هو عبد الله بن سخبرة الأزدي، قال الحافظ ابن حجر: «عبد الله بن سخبرة الأزدي أبو معمر الكوفي من أزد شنوءة، روى عن عمر وعلي والمقداد وابن مسعود وخباب بن الأرت وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري، وأرسل عن أبي بكر الصديق»([8]).
وقال الإمام البيهقي: «أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُفَسِّرُ، أَخْبَرَنا إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ، حدثنا جَدِّي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنَّ هُدْبَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُمْ، قال: حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيٍ؟»، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، كَذَلِكَ مُرْسَلًا، وَقَالَ فِي مَتْنِهِ: «إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا»([9]).
وقال الحافظ ابن حجر: «ومن وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقِيلَ: مَا الْأَبُّ؟ فَقِيلَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ، أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، أَوْ أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِمَا لَا أَعْلَمُ؟ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ النَّخَعِيِّ وَالصِّدِّيقِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي...؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يُقَوِّي الْآخَرَ»([10]).
فرواية إبراهيم النخعي عن أبي معمر التي نقلها ابن عبد البر لا يوجد فيها السؤال عن الفاكهة والأب، والرواية التي ذكرها الحافظ ابن حجر عن إبراهيم النخعي فيها السؤال عن الفاكهة والأب، فنحتاج أن نرجع إلى تفسير عبدِ بن حميد، وهو مفقود، لم نعثر منه إلا على قطعة تحوي تفسير سورتي النساء وآل عمران.
والخلاصة: أن قول أبي بكر: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم؟»، يرتقي بمجموعه إلى درجة الحسن، ولكن زيادة القصة في السؤال عن الفاكهة والأب لا ترتقي إلى الحسن؛ وذلك لأن كثرة الطرق الواردة في تحرج أبي بكر t من القول في القرآن برأيه تجعل الآثار لكثرة طرقها تتقوى وترتقي إلى الحسن، وإن كانت معلولةً بالانقطاع في بعضها، أو وجود الضعف في بعضها، ولكن القصة لم تأت في جميع هذه الطرق، فالأثر حسن من غير قصة السؤال عن الفاكهة والأب، والله أعلم.
ثانيا: هذه الرواية -لو ثبتت- فيها غاية المدح للصديق t، فهي دالة على ورعه في الفتوى، وأنه لا يقول على الله بغير علم، وقد جاء مثل ذلك عن علي t، قال الإمام ابن عبد البر: «أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، ثنا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ، ثنا الْحِمَّانِيُّ قَالَ: نا خَالِدٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ زَاذَانَ، وَأَبِي الْبُخْتُرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟»([11]).
ولو قلنا من باب التنزل أن أبا بكر t لم يعرف ما هو الأب، فان هذا لا يقدح في علمه، ولا مكانته في الأمة، بل إن هذا دال على فضله، وورعه في تفسير القران الكريم، وأنه وإن لم يعرف معنى كلمة في القرآن فإنه يقول للناس بأنه لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]، فهذا مدح له t لا قدح، ولم يقل أحد من أهل العلم أن أبا بكر أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم قد أحاطوا علمًا بالشريعة، أو أنهم لا يخطئون في شيء، فعدم معرفة الصحابي لحكم شرعي لا يلزم منه إسقاطه، أو الطعن به.
قال الله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:78 – 79].
فداود وسليمان عليهما السلام قد آتاهما الله تعالى علمًا، ولكن في هذه المسألة التي ذكرها الله تعالى قد خص الله تعالى فهمها لسليمان دون داود عليهما السلام، وإلا لما كان لتخصيص الله تعالى سليمان بالفهم أيُّ معنًى، فهل يلزم من تفهيم الله تعالى هذه المسألة سليمان دون داود عليهما السلام طعنٌ بعلم داود عليه السلام؟!
وقد ورد السؤال عن الأبِّ لعمر t بسند صحيح، وهذا محمول على معرفة النوع والشكل للأبِّ، قال الحافظ ابن كثير: «فأما مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ»، فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ بِهِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)»([12]).
ثالثًا: ورد في كتب الإمامية أن الأئمة قد جهلوا بعض الأحكام:
قال الطوسي بسنده: «عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المذي؟ فقال: إن عليًّا عليه السلام كان رجلا مذاءً، واستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لمكان فاطمة عليها السلام، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس فسأله، فقال له: ليس بشيء»([13]).
وقوله عليه السلام: «لمكان فاطمة عليها السلام»؛ لأنه كان المذي باعتبار ملاعبته معها عليها السلام، أو يكون قبل التزويج واستحيا أن يفهم الرسول صلى الله عليه وآله أن هذا حسن طلب التزويج، والأول أظهر»([14]).
وقال البحراني: «وعن إسحاق بن عمار في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن المذي فقال: إن عليًّا عليه السلام كان رجلًا مذاءً، واستحيى أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لمكان فاطمة عليها السلام، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس فسأله، فقال له: ليس بشيء»([15]).
فهذا علي t يجهل حكم المذي، ولا يستطيع أحد أن يطعن بعلمه!
قال محمد تقي المجلسي: «ويمكن حمل النهي في غير الداخل على الكراهة كما يظهر مما رواه الشيخ في الصحيح، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رآني علي بن الحسين عليهما السلام وأنا أقلع الحشيش من حول الفساطيط بمنى، فقال: يا بني، إن هذا لا يقلع، وإن أمكن حمله على إرادة القطع، أو يكون صغيرًا غير مكلف، وجوزنا الجهل عليهم في الصغر»([16]).
لقد صرح محمد تقي المجلسي بجواز الجهل على الأئمة في الصغر، فهل يطعن الإمامية بعلم الأئمة في صغرهم؟ ثم إذا كان جاهلًا في صغره، فما الفائدة من عصمته منذ الولادة؟
على أن القياس الصحيح لا يكون بقياس غير المعصوم على المعصوم عند الشيعة، وإلا فجهل أصحاب أئمتهم أكثر من أن يحصى.
([1]) فضائل القران، أبو عبيد القاسم بن سلام (ص375).
([2]) فتح الباري (6/ 296).
([3]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 833).
([4]) الضعفاء والمتروكون (3/ 197).
([5]) سنن سعيد بن منصور (1/ 168).
([6]) سير أعلام النبلاء (5/ 90).
([7]) تفسير الطبري (1/ 71 – 72).
([8]) تهذيب التهذيب (5/ 202 – 203).
([9]) شعب الإيمان (3/ 540).
([10]) فتح الباري (13/ 271).
([11]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 834).
([12]) تفسير ابن كثير (8/ 325).
([13]) تهذيب الأحكام، الطوسي (1/ 17). وقال المجلسي عن الرواية: الحديث التاسع والثلاثون: موثق.
([14]) ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، محمد باقر المجلسي (1/ 96).
([15]) الحدائق الناضرة، يوسف البحراني (5/ 37).
([16]) روضة المتقين، محمد تقي المجلسي (4/ 166).
موقع رامي عيسى ..