قول أبو بكر : ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت بيدي على يد أحد الرجلين، فكان هو الأمير وكنت الوزير
قال الطاعن : (( وقال أبو بكر : ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت بيدي على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير وكنت الوزير )). قال : ((وهو يدل على أنه لم يكن صالحاً يرتضى لنفسه الإمامة)).
والجواب : أن هذا إن كان قاله فهو أدلّ دليل على أن عليًّا لم يكن هو الإمام ؛ وذلك أن قائل هذا إنما يقوله خوفاً من الله أن يضيع حق الولاية ، وأنه إذا ولَّى غيَره ، وكان وزيرا له ، كان أبرأ لذمته . فلو كان عليّ هو الإمام ، لكانت توليته لأحد الرجلين إضاعة للإمامة أيضا ، وكان يكون وزيرا لظالم غيره ، وكان قد باع آخرته بدنيا غيره . وهذا لا يفعله من يخاف الله ، ويطلب براءة ذمته .
وهذا كما لوكان الميت قد وصَّى بديون، فاعتقد الوارث أن المستحقّ لها شخص، فأرسلها إليه مع رسوله، ثم قال: يا ليتني أرسلتها مع من هوأَدْيَنُ منه؛ خوفاً أن يكون الرسول الأول مقصِّرًا في الوفاء، تفريطاً أوخيانة. وهناك شخص حاضر يدَّعي أنه المستحق للدَّيْن دون ذلك الغائب، فلوعلم الوارث أنه المستحق، لكان يعطيه ولا يحتاج إلى الإرسال به إلى ذلك الغائب.
قول الصديق: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين
أما قوله ((وأنه يوم السقيفة كان قذف الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أوأبي عبيدة)) (3). قلت:
------------
(3) ثم اهتديت ص (143).
هذه الحجة المردودة أجاب عليها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري بما يغني عن الرد فقال ((وقد استشكل قول أبي بكر هذا مع معرفته بأنه الأحق بالخلافة بقرينة تقديمه للصلاة وغير ذلك، والجواب أنه استحيى أن يزكي نفسه فيقول مثلا رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أنّ كلا منهما لا يقبل ذلك، وقد أفصَح عمر بذلك في القصة، وأبوعبيدة بطريق الأولى لأنه دون عمر في الفضل باتفاق أهل السنة، ويكفي أبا بكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه فلم ينكر ذلك عليه أحد، ففيه إيماء إلى أنه الأحق، فظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخلية من الأمر)) (1)، وقال في موضع آخر ((وتمسّك بعض الشيعة بقول أبي بكر (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين) بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافة، والجواب من أوجه: أحدهما ان ذلك كان تواضعاً منه، والثاني لتجويزه إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإن كان من الحق له فله أن يتبرع لغيره، الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمه فأراد بذلك الإشارة إلى أنه لوقدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الأمر منحصراً فيهما، ومن ثم لمّا حضره الموت استخلف عمر لكون أبي عبيدة كان إذ ذاك غائباً في جهاد أهل الشام متشاغلا بفتحها، وقد دلّ قول عمر (لأن أُقدم فتُضرب عنقي ألخ) على صحة الإحتمال المذكور)) (2).
__________
(1) الفتح جـ7 ص (38 ـ 39) كتاب فضائل الصحابة.
(2) المصدر السابق جـ12 ص (162) كتاب الحدود.
ثم يقول ((فالذي هوعلى هذه الدرجة من الإيمان ويرجح إيمانه على إيمان كل الأمة لا يندم في آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة وعلى حرقه الفجاءة السلمي وعلى توليه الخلافة، كما لا يتمنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أوبعرة، أفيعادل إيمان مثل هذا الشخص إيمان الأمة الإسلامية بل يرجح عليها)) (1) أعتقد أنني قد أجبت على كل ذلك، ولكن الغريب هنا ملاحظة كثرة تكرار التيجاني لكلامه بما يوحي أن المؤلف نفسه لا يصدق ما يكتب، أولعله يظن أن القراء قليلوالفهم فيجب تكرار الكلام عليهم حتى يعوهُ، متخذاً المثل القائل (تكرار الكلام يعلم الشطار)!!