أولًا: أخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث حمزة بن
عبد الله بن عمر، أنَّ ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتْيِتُ بِقَدَحِ لبنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخطَّابِ» قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: «الْعِلْمَ»[1].
قال ابن حجر: «والمراد بالعلم هنا: العلم بسياسة النَّاس بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واختصّ عمر بذلك؛ لطول مدّته بالنّسبة إلى أبي بكرٍ، وباتّفاق النَّاس على طاعته بالنّسبة إلى عثمان، فإنَّ مدّة أبي بكرٍ كانت قصيرةً، فلم يكثر فيها الفتوح الَّتي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها -مع طول مدّته- النَّاس بحيث لم يخالفه أحدٌ»[2].
وقال أيضًا: «وأمّا إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارةٌ إلى ما حصل لعمر من العلم بالله؛ بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائمٍ»[3].
وروى الطبراني عن شقيقٍ قال: قال عبد الله: «والله إنّي لأحسب علم عمر لو وضع في كفّة الميزان، ووضع سائر أحياء أهل الأرض في كفّة الميزان لرجح عليه علم عمر عليه السلام، قال سليمان: فذكرته، فقال: لقد قال عبد الله أفضل من ذلك، قال: إنِّي لأظنُّ عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم»[4].
وعلم عمر عليه السلام بالكتاب والسُّنَّة لا يخفى.
ثانيًا: إنَّ رواية مسلم يمكن تخريجها على احتمالاتٍ كثيرة، والقاعدةُ التي ذكرها الإمام الشَّافعي أنه «في الوقائع الفعليَّة وهي وقائع الأحوال إذا تطرّق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال»[5].
قال القرافي في «الفروق» -وهو يشرح هذه القاعدة-: «إنَّ الدَّليل من كلام صاحب الشَّرع إذا استوت فيه الاحتمالات، ولم يترجَّح أحدها سقط به الاستدلال... كلام صاحب الشّرَع إذا كان محتملًا احتمالين على السَّواء صار مجملًا، وليس حمله على أحدهما أولى مِنَ الْآخَرِ»[6].
قلت: وكلام عمر هنا يتردد بين عدة أمور:
فيحتمل: أن يكون عمر إنما سأل هذا السؤال اختبارًا لأبي واقد، كما يختبر الأستاذ تلميذه، ومعلومٌ أن أبا واقد الليثي مات سنة (68)، وهو ابن (85)[7].
فيكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي وأبو واقد ابن (17) سنة، وعمر بن الخطَّاب عليه السلام كان على أقل تقدير ابن (٥٦) سنة، مما يرجح أن يكون هذا سؤال من أستاذ إلى تلميذه اختبارًا له، هل حفظ أم لا؟
ويحتمل: أن يكون عمر عليه السلام أراد الاستشهاد بكلام أبي واقد عليه السلام في هذا المجلس، قال المباركفوري نقلًا عن القاضي عياض: «أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ في ذلك بـ﴿ سَبِّحِ ﴾ [الأَعۡلَى: 1] و﴿ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١ ﴾ [الغَاشِيَة: 1] ، فأراد عمر الاستشهاد عليه بما سمعه أيضًا أبو واقد»[8].
ويحتمل: أن يكون قد سأله تعليمًا لغيره.
قال الشيخ عبد الكريم الخضير: «أراد أن يعلم الحاضرين؛ لأن الإنسان قد يسأل عن شيء وهو يعرفه؛ لتعليم الحاضرين، والأصل في هذا حديث جبريل حينما جاء يعلم الصحابة الدين، ولا مانع أن يكون شخص من طلاب العلم الذين يعرفون حكم الإسبال، فإذا وجد في المجلس أحد من أهل العلم، ودخل مسبلًا، يسأل الشيخ يقول له: ما حكم الإسبال، وهل فيه رخصة؟ وهل كذا وكذا؟ من أجل أن يتقرر في ذهن السامع، وهذه مسألة حاصلة واقعة»[9].
وقال النووي: «أو أراد إعلام النَّاس بذلك أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أنَّ عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرّاتٍ، وقربه منه»[10].
ويحتمل: أنه شك في ذلك فأراد أن يستثبت.
«قالوا يحتمل أنَّ عمر عليه السلام شكّ في ذلك، فاستثبته»[11].
ويحتمل: أنه قد نسي، ولكن هذا بعيد جدًّا، وجلّ من تكلم في الرواية استبعده، قال الشيخ الخضير: «النسيان وارد؛ لكن العيد يتكرر، ما هو شيء يقع مرة واحدة، ثم ينسى، المسألة احتمال، على كل حال الاحتمال قائم، يكون للتعليم أو للاختبار أو نسي أو شك أو أراد أن يتأكد»[12].
والاحتمال الأخير: أنه لم يعلم بذلك، وهذا ما رأيت أحدًا ذكره إلا نفاه واستبعده.
وقال المباركفوري: «وأما احتمال أنه ما علم بذلك أصلًا، فيأباه قرب عمر منه صلى الله عليه وآله وسلم ... قال العراقي: ويحتمل أن عمر كان غائبًا في بعض الأعياد عن شهوده، وأن ذلك الذي شهده أبو واقد كان في عيد واحد أو أكثر. قال: ولا عجب أن يخفى على الصاحب الملازم بعض ما وقع من مصحوبة، كما في قصة الاستئذان ثلاثًا»[13].
وهذه الاحتمالات -التي أبعدها كون عمر عليه السلام لم يعلم بذلك، بقرينة الإجماع على كونه كان ملازمًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - تسقط احتجاج الرَّافضة بأن سؤال عمر عليه السلام في هذه الواقعة، يعدّ دليلًا على جهله بقراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العيدين، أو على أنه كان لا يصليهما.
ثالثًا: لو قلنا -تنزلًا-: إنه نسي، فقد قرر الرَّافضة أن الراوي قد ينسى ما حدث به، ثم يأتي غيره فيحدث عنه ما نسيه هو، ولا يقال عندها: إنه لم يحدث بذلك، وعليه؛ فالنسيان شأن بني آدم، ولا يؤخذ من ذلك حكم.
يقول حسين بن عبد الصمد العاملي في كتابه «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار»: «وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها عمن أخذها عنهم، فقالوا: (حدثني فلان عني أني حدثته بكذا)»[14].
وفي «الكافي»: «عن محمد بن الحسين بن يزيد قال: سمعت الرضا عليه السلام بخراسان وهو يقول: «إنَّا أهل بيت ورثنا العفو من آل يعقوب، وورثنا الشكر من آل داود»[15] وزعم أنه قال كلمة أخرى، ونسيها محمد.
بل إنه قد ثبت نسيان المعصومين عند الشيعة لبعض الأمور، ومن ذلك:
أنَّ الحسن نسي أنَّ علِي زين العابدين إمام حجة: ففي «الكافي»، وقال عنها المجلسي في «مرآة العقول»: «صحيح»، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن الحسن قال: وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي»[16].
ومما لا شك فيه أن زين العابدين كان حيًّا في الوقت الذي قال فيه الحسن ذلك، والدليل ما رواه الكليني في «الكافي»، وقال المجلسي عنها في «مرآة العقول»: حسن على الظاهر، «عن سليم بن قيس، قال: شهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن، وأشهد على وصيته الحسين... ثم أخذ بيد علي بن الحسين، ثم قال لعلي بن الحسين: وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، وأقرئه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومني السلام»[17].
ومعلومٌ أنَّ علي بن أبى طالب عليه السلام مات سنة 40هـ، وعليّ بن الحسين ولد سنة 38هـ، فيكون حيًّا في وقت إمامة الحسن قطعًا.
فها هو الحسن ينسى أن علي زين العابدين إمام حجة! فهل يقال: إنه كان
لا يعلم بدهيات دين الشيعة؟!
بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نسي في صلاته، كما روى المجلسي في «ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار»، وقال الحديث السادس والعشرون: «موثق»[18].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السّهو، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالنّاس الظّهر ركعتين ثمَّ سها، فقال له ذو الشّمالين: يا رسول الله، أنزل في الصَّلاة شيءٌ؟!...».
* فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسي؛ فما بال عمر عليه السلام لا ينسى؟!
ومع ذلك؛ فالتخريج الأولى بالقبول، هو أن عمر عليه السلام لم ينس ذلك، وإنما كان معلِّمًا لغيره بسؤاله فحسب.
[1] «صحيح البخاري»، كتاب العلم، باب: فضل العلم (1 /27) برقم (82).
[2] «فتح الباري»، ابن حجر (7 /46).
[4] «المعجم الكبير»، الطبراني (9 /162) برقم (8808).
[5] «حاشيتا قليوبي وعميرة» (3 /259).
[6] «أنوار البروق في أنواء الفروق» (2 /100).
[7] انظر: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» (17 /182).
[8] «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (3 /148).
[9] «شرح الموطأ» عبد الكريم الخضير (30 /17) بترقيم الشاملة.
[10] «شرح الزرقاني على الموطأ» (1 /618).
[11] «شرح النووي على مسلم» (2 /182).
[12] «شرح الموطأ»، عبد الكريم الخضير (30 /17) ترقيم الشاملة.
[13] «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (3 /148).
[14] «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار» (ص191).
[16] «الكافي» (1 /462)، «مرآة العقول» (5 /357).
[17] رواه الكليني في «الكافي» (1 /297)، والمجلسي عنها في «مرآة العقول» (3 /291).
[18] «ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار» (٤ /٥٤٩).
المصدر: موقع رامي عيسى ..