تنافس الصحابة على الدنيا
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أى قوم أنتم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : كما أمرنا الله تعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض ) فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة . والجواب ان الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم ، وهو لا يستدعى ان يكون منهم ، ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون او انصار ، والحديث صريح في ان أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين ، والواقع ينفى كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب ، فتعين أنهم من التابعين ، وقد وقع ذلك منهم ، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه ، ولا كلام لنا فيهم[1]. وقالوا أن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ( أو مفاتيح الأرض ) وإني والله ما أخاف عليكم ان تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها ). فقد تنافسوا على الدنيا حتى سلت سيوفهم وتحاربوا وكفر بعضهم بعضا، وقد كان بعض هؤلاء الصحابة المشهورين يكنز الذهب والفضة، ويحدثنا المؤرخون كالمسعودي في مروج الذهب والطبري وغيرهم أن ثروة الزبير وحده بلغت خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وضياعاً كثيرة في البصرة وفي الكوفة وفي مصر وغيرها. كما بلغت غلّة طلحة من العراق وحده كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. وكان لعبد الرحمن بن عوف مائة فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة، وبلغ ربع ثمن ماله الذي قسم على زوجاته بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً. وترك عثمان بن عفان يوم مات مائة وخمسين ألف دينار عدا المواشي والأراضي والضياع مما لا يحصى وترك زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس حتى مجلت أيدي الناس، ما عدا الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. هذه بعض الأمثلة البسيطة وفي التاريخ شواهد كثيرة لا نريد الدخول في بحثها الآن ونكتفي بهذا القدر للدلالة على صدق الحديث وأنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم بهرجها ). فالرد على هذا هو القول ما دخل هذا الحديث في أن جمعاً من الصحابة يمتلكون مالاً أو متاعاً فالحديث يخبر أنّ هذه الأمة سوف تمتلك خزائن الأرض وأنه سوف يقع التنافس في الدنيا وهذه من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قد وقع ما أخبر به ولكن الحديث لا ينطبق على هؤلاء الصحابة لأن الصحابة لم يمتلكوا خزائن الأرض بعد، بالإضافة إلى أن القتال الذي وقع بينهم لم يكن من أجل التنافس على حطام الدنيا ولكن الفتنة التي وقعت بسبب مقتل عثمان هي التي أدت لذلك مع أنهم لم يكونوا يريدون القتال، وعلى العموم فكل من الفريقين مأجور على إجتهاده. ومن الردود أن هذا الطاعن يحشد من الأدلة التي يظن بجهله أنها تسيء للصحابة وما درى أنه باستدلاله بها يتناقض مع نفسه تمام التناقض فبينما هو يدَّعي في المبحث السابق أن أكثر الصحابة قد إرتدوا على أدبارهم القهقري يستشهد هنا بهذا الحديث الذي يفيد صراحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخشى على أصحابة من الإرتداد ولكنه يخاف عليهم أن يتنافسوا فيها فكيف يوفِّق بين هذا التخبط الذي يتمتع به هذا الطاعن ، بالإضافة إلى أنه باستشهاده بهذا الحديث يطعن في علي بن أبي طالب وأصحابه لأن الحديث جاء بصيغة الجمع أي أن التنافس على الدنيا يشمل الطرفين وقد أكد ذلك الطاعن نفسه بقوله ( صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد تنافسوا على الدنيا حتى سُلّت سيوفهم وتحاربوا وكفر بعضهم بعضاً ) ومن المسلم به أن القتال الذي وقع بين جيش طلحة والزبير كان مع جيش علي بن أبي طالب وعلى هذا تصبح التخطئة لكلا الطرفين ويقتضي أيضاً حسب فهم هذا الطاعن أن علياً تنافس من أجل الإمارة والسلطة. ومنها قولهم ( كان بعض هؤلاء الصحابة المشهورين ( هكذا ) يكنز الذهب والفضة ) فنقول أين دعواكم على هذا الادعاء ومن أي المصادر المعتمدة جئتم بهذا الزعم وما دخل الثروة التي يمتلكها أحد الصحابة ممن يكنز الذهب والفضة، فسبحان الله على هذا الجهل المرّقع! لاشك أن غنى هؤلاء الصحابة ليس فيه ما يدعو إلى الذم أو التجريح فسيرة هؤلاء الصحابة الكرام تثبت أنهم من خيار الصحابة، فعثمان بن عفان ثالث الخلفاء ومن أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أجودهم وأكرمهم فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقلبها في حجره ويقول: ( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان) وكل ذلك من ماله طاعة لله ورسوله. وأما طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فقد بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة وكان من المجاهدين في سبيل الله ودافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحد حتى شلّت يده وعن الزبير قال: كان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد تحته طلحة فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى استوى على الصخرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( أوجب طلحة ) وكان رضي الله عنه يخشى أن يبيت وقد جمع مالاً فعن طلحة بن يحيى قال ( حدثتني سعدى بنت عوف المرّية قالت: دخلت على طلحة يوماً وهو خاثر فقلت: مالك؟ لعل رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله ونعم حَليلةُ المسلم أنت ولكن مالٌ عندي قد غَمَّني . فقلت: ما يغمك؟ عليك بقومك. قال: يا غلام ادع لي قومي، فقسمه فيهم.فسألت الخازن: كم أعطى؟ قال: أربعة مئة ألف ). وعن الحسن البصري أن طلحة بن عبيد الله باع أرضاً له بسبع مئة ألف فبات أرقاً من مخافة ذلك المال حتى أصبح وفرّقه. وأما الزبير بن العوام فقد بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة وكان حوارى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إن لكل نبي حوارياً وإن حوارىَّ الزبير بن العوام ) ومن فرط حبه للمال وحرصه على أن يكنز سواري كسرى من الذهب والفضة! فقد وصى ابنه عبد الله بن الزبير على سداد دينه وهو على شفا الموت فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبدالله بن الزبير قال: ( لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه. فقال: يا بُنيَّ إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لَدَيْني أَفترى يبقي ديننا من مالنا شيئاً؟ فقال: يا بني بِعْ ما لنا فاقض ديني وأوصي بالثلثُ، وثلثه لبنيه يعني بني عبد الله بن الزبير يقول ثلث الثلث فإن فَضَل من مالنا فضلٌ بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشامٌ: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير، حبيب وعبّاد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بنيّ إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريتُ ما أراد حتى قلتُ: يا أبت من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعتُ في كربةٍ من دينه إلا قلتُ: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه، فقُتل الزبير رضي الله عنه ولم يدع ديناراً ولا درهماً إلا أرضين، منها الغابة وإحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر...) وهذا عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل الذي بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة وله فضيلة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفه بالإضافة إلى إحسانه إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فعن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول ( إن أمركنّ لمِما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون ) ثم تقول عائشة: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة تريد عبد الرحمن بن عوف وقد كان وصل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال بيعت بأربعين ألفاً ) وعن أبي سلمة: ( أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف ) فهذا هو عبد الرحمن بن عوف الذي يدعي هذا الطاعن أنه ممن يكنز الذهب والفضة!؟ وأما الصحابي زيد بن ثابت فهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعن أنس بن مالك قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ...) أخرج البخاري في صحيحه عن البراء قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ادع لي زيداً وقل له يجيء بالكتف والدواة. قال:فقال: اكتب { لا يستوي القاعدون }... ) وهو أحد الذين إنتدبهم أبو بكر الصديق لجمع القرآن في عهده وقال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أفرض أمتي زيد بن ثابت ) فهؤلاء هم الصحابة الذي لم يجد هذا الطاعن إلا أن يشفي غليله في الطعن بهم وهم الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصدق والعدالة والرضا والجنة!؟ وأما الإستشهاد برجلٍ ليس من أهل السنة كالمسعودي فهو مجروح عندهم فقد ترجم له ابن حجر في ( لسان الميزان ) بقوله ( وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً..) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن كتابه مروج الذهب ( وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى ) فاحتجاج هذا الطاعن بالمسعودي ليس حجة علينا، وللتدليل على أن المسعودي ليس من أهل السنة فقد ذكره إمام الشيعة الاثني عشرية القمي في كتابه ( الكنى والألقاب ) وقال عنه ( شيخ المؤرخين وعمادهم أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي...ذكره العلامة (ره ) في القسم الأول من (صه) وقال: له كتاب في الإمامة وغيرها، ومنها كتاب إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب وهو صاحب مروج الذهب... قال العلامة المجلسي في مقدمة البحار: والمسعودي عده (جش ) أي النجاشي في فهرسته من رواة الشيعة ). ومع أن هذا الطاعن استدل من كتاب المروج على ما يظن أنه يدين عثمان فقد ترك مالا يستطيع المسعودي كتمانه حين قال ( وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد فسلك عماله وكثير من أهل عصره طريقته وتأسوا به في فعله ) إضافةً إلى أن هذا الطاعن يقوِّل عن المسعودي ما لم يقله حينما ادعى على الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف أنه قسم ثمن ماله البالغ أربعاً وثمانين ألفاً على زوجاته ويعزوه لكتابه المروج ولم نجده في المصدر المذكور، فماذا نقول عن هذا الموتور؟!
[1] - أنظر البيان الوافى عن الأشتر في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 109 ثم في ص 116 – 119 وص 122 وتقدم في هامش ص 259 أنه هو أحد اثنين زورا الكتاب على لسان عثمان إلى والى مصر . وفي تاريخ الطبري ( 5 : 194 ) أعتراف الأشتر بانه أحد قتلة عثمان ، وذلك عند ما سخط على علي رضي الله عنه لأنه ولي عبدالله بن عباس البصرة فقال الأشتر ( ففيم قتلنا الشيخ إذن ؟ ) أما أضراب الأشتر ممن شاركه في قتل عثمان فتجد البيان عنهم في ( العواصم من القواصم ) .
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video