آيات وأحاديث حملت على أنها في ذم الصحابة رضي الله عنهم
هناك آيات عدة حُملت على أنها وردت في ذم الصحابة رضي الله عنهم وهذه ردود عامة عليها([1]) : § أن كل ما يُستدل به من آيات في الطعن على الصحابة رضي الله عنهم لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون آيات نزلت في الكفار والمنافقين. وإما أن تكون آيات عامة نزلت في حث الأمة على الخير، وأمرها به، أو تحذيرها من الشر ونهيها عنه، والخطاب فيها للصحابة ولمن بعدهم من الأمة، وهي مصدرة في الغالب: بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ). والأمثلة على هذا كثيرة جداً في القرآن، وليس فيها أي طعن على الصحابة رضي الله عنهم. وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة : 67]. وقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر : 65] وقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 145]. وقوله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ... [الأحقاف : 35]. وقوله: وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:6-7]. وغيرها من الآيات في معناها، فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله لرسوله، ليس فيها أي مطعن عليه، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم. وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من الله لبعض الصحابة، كما في قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ... [الحديد : 16]. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ... [التوبة : 38]. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ... [الممتحنة : 1]. فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة رضي الله عنهم، وإنما عاتب الله بها أفراداً منهم، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم، كما في الآية الأخيرة، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ومن الخطأ تعميم ذلك على الصحابة كلهم، وأيضاً فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم، ولهذا أُطلق على هذه الآيات وأمثالها على أنها عتاب من الله للمؤمنين، ولهذا عاتب الله رسوله وخليله صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من آية كما في قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى [عبس:1-2]. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه: (مرحباً بمن عاتبني فيه ربي)([2]). وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم : 1]. وقال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ... [الأحزاب : 37]. إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب. والمقصود هنا: هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم، لا يوجب انتقاصهم به، إذا ما ثبت جنس ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه. § أنا لو سلمنا جدلاً أن في تلك الآيات ذماً لبعض الصحابة، فمن أين لنا الحكم على بعضهم أنهم هم المعنيون بها دون البعض الآخر،فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل، وإلا فلغيره أن يدعي ما يشاء، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي رضي الله عنه أو النواصب على تفسيقه، فلن يجد هؤلاء حجة يدفعون بها عن علي رضي الله عنه إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعاً. § أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء، وزكاهم أعظم تزكية، وأخبر أنه ي ورضوا عنه، ووصفهم بالإيمان والتقوى، ووعدهم بالحسنى. فقد تضمنت هذه الآيات([3]) ثناء الله عزوجل العظيم على الصحابة ووصفه لهم بتلك الصفات الفاضلة الدالة على علو شأنهم في الدين، وسمو مكانتهم فيه، وإخباره بما أعد لهم في الآخرة من الأجر والثواب والمغفرة والرضوان، والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، مما يدل دلالة واضحة على بطلان ما ادعاه المبطلون من أن بعض الآيات جاءت بذمهم وتنقصهم، وذلك أنه كتاب محكم لا يناقض بعضه بعضاً كما قال تعالى:وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]. ولو افترض وجود بعض الآيات تدل بظاهرها على ما ادعى هؤلاء الطاعنون، فالواجب حملها على هذه الآيات الصريحة القاطعة بعدالة الصحابة جميعاً، فكيف والنصوص كلها من الكتاب والسنة بعدالتهم متواترة، وبإيمانهم قاطعة. § أن الله تعالى أثنى على المستغفرين لهم السائلين الله تعالى أن لا يجعل في قلوبهم غلاً عليهم، فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر : 10]. فكيف يتصور بعد هذا أن يذمهم الله تعالى في آيات أخرى بما يوجب تنقصهم وبغضهم، فإن هذا من أبعد ما يكون عند أصحاب العقول، أن يتضمن مثل ذلك كتاب الله المحكم المنزه عن الاختلاف والاضطراب. § أن الله تعالى جعل أصحاب نبيه يغاظ بهم الكفار فقال: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ... [الفتح : 29] فمن المحال بعد ذلك أن يجعل للكفار حجة عليهم بذمهم في كتابه، وقد قال الله تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء : 141]. وبهذا يظهر زيف القول بأن القرآن قد جاء بذم الصحابة. § أما الروايات والآثار فإن ما نقل عن الصحابة من المثالب نوعان: أحدهما: ما هو كذب: إما كذب كله، وإما محرَّف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يُخرجه إلى الذم والطعن. وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذّابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما من الكذّابين. ولهذا كثيراً ما يستشهد الطاعنون بما صنّفه هشام الكلبي في ذلك، وهو من أكذب الناس، وهو يروي عن أبيه وعن أبي مخنف، وكلاهما متروك كذّاب. والنوع الثاني: ما هو صدق. وأكثر هذه الأمور هم فيها معذورون تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر. وعامة المنقول الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم من هذا الباب، وما قُدِّر من هذه الأمور ذنبا محققا فإن ذلك لا يقدح فيما عُلم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة. منها: التوبة الماحية، والحسنات الماحية للذنوب؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً [النساء : 31]. ومنها: المصائب المكفِّرة. ومنها: دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة نبيهم، فما من سبب يسقط به الذنب والعقاب عن أحد من الأمة إلا والصحابة أحق بذلك، فهم أحق بكل مدح، ونفي كل ذم ممن بعدهم من الأمة. وغيرها من أسباب المغفرة وتكفير الذنوب.
([1]) راجع الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال، للدكتور إبرهيم بن عامر الرحيلي
([2]) انظر: تفسير البغوي 8/332، تفسير القرطبي 19/213.
([3]) وقد ذكرنا بعضاً منها في الكلام عن عدالة الصحابة رضي الله عنهم.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video