معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

إلى كم تنقسم فرقة الرافضة؟ ..
جاء في كتاب دائرة المعارف أنه ((ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيراً عن الفرق الثلاث والسبعين المشهورة)) (1).

بل جاء عن الرافضي مير باقر الداماد (2) أن جميع الفرق المذكورة في الحديث، حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، هي فرق الشيعة وان الناجية منهم فرقة الإمامية.

وذكر المقريزي ان فبرقهم بلغت (3..) فرقة (3).

وقال الشهرستاني: ((إن الرافضة ينقسمون إلى خمسة أقسام: الكيسانية والزيدية والإمامية والغالية والإسماعيلية)) (4).

وقال البغدادي: ((إن الرافضة بعد زمان علي - رضي الله عنه - أربعة أصناف زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة)) (5). مع ملاحظة ان الزيدية ليست من فرق الروافض باستثناء طائفة الجارودية.


هل أتاك حديث الرافضة

الشريط الأول..

بِسْمِ اللهِ الذِيْ لَهُ الحُكْمُ وَ الأَمْرُ كُلّهُ وَ إِلَيهِ المَعَاد, وَ الحَمْدُ للهِ الذِيْ قَدَّرَ الافْتِراقَ لِهَذهِ الأمّةِ فِرقَاً فَلا تَقَارُبَ وَ لا يَكَاد, وَ الصّلاةُ وَ السّلامُ عَلَى مَن اسْتَثنى مِنْ هَذِهِ الِفرَقِ بِالنَّجَاةِ وَاحِدَةً وَ مَنْ عَدَاهُم وَ عَادَاهُمْ يُكَاد, وَ بَعْد:

فَلَقَد قَرأنَا التّارِيْخَ وَ اسْتَقْرَأْناهُ فَلَمْ نَجِد فِي مَاضِيْهِ وَ حَاضِرِه وَ لا حَتّى إِرْهَاصَاتِ مُسْتَقْبَلِه كَمِثل سِيْرةِ بَل سَوءَةِ أَصَحَابِ الرّفْض, رَفَضَهُم الله كَمَا لَفَظُوا دِيْنَه وَ مِنْهَاجَهُ القَوِيْم واسْتَبْدَلُوْهُ بِالّذِي هُوأَدْنَى مِن خَلِيطِ حِقْدِ وَ خُزَعْبلاتِ الفُرْسِ وَ تَضَالِيْلِ اليَهُودِ وَ ضَلالِ النَّصَارَى ليِتَناسَبَ مَعْ جَمِيْعِ أَصْحَابِ الدّيَانَاتِ المُعَادِيْنَ لأهْلِ الإِسْلام, فَخَرَجُوا بِدِينٍ مَمْسُوخٍ يُوجِّبُونَ فِيهِ عَلَى الأُمّة أَنْ يَلْعَن آخِرُهَا أَوّلها, وَ أَنْ يَكُفَر بِالكِتَابِ كُلِّه, وَ أْن تُعَطّلَ شَرَائِعُه, وَ أَنْ يُشْرَكَ مَعْ قِبْلَةِ المُسْلِمِينَ بَلْ تُغيّر هَذِه القِبْلَة مِنْ مَكّة فَتُشَدّ الرِّحَالَ إِلى كَرْبَلاءَ وَ مَشْهَد, وَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ بَينَ المُسْلِمِينَ بِاسْمِ الدّيْنِ, وَ لِذَا كَانَ لِزَامَاً عَلَينَا أَنْ نُذَكِّرَ بِطَرْفٍ مِنْ جَرَائِمِ القَوْمِ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُم وَ لَعَلّهُم يَتّقُوْن.

وَ قَبْلَ الخَوْضِ فِي ذِكْرِ جُمْلةٍ مِنْ خِيَانَاتِ الرّافِضَةِ عَبْر التّارِيخِ وَ اسْتِعْراضٍ لأَبْرَزِ جَرَائِمِهِم لا بُدّ مِنَ التنبيه على أمر:

ألا وَ هُوَ أنَّنا حِيْنَ نُطْلِقُ لَفْظَ الرّافِضَةِ فَإِنّمَا نُرِيْدُ بِهِم السَّوَادَ الأَعْظَمَ المَوْجُوْدَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الأَيّامِ أَلا وَ هُمُ الشِّيْعَةُ الجَعْفَرِيةُ الإِثنَي عَشْرية. وَ يُلاحَظُ أنّ أَئِمّتَهُم اعْتَبَروا جَمِيع هَذِهِ الفِرق المُغَالية عِنْدَهُم مِنْ مَا يُنْسَبُ إِلى الإِمَامِيّةِ فَإِذَا تَحَدّثُوا عَنْ طَائِفَتهِم وَ رِجَالَهَا ودُوَلهَا نَسَبُوا لَها كُلّ الفِرَقِ والدُّوَلِ وَ الرّجَال المُنْتَمِينَ للتّشَيُّعِ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ:

الإِسْمَاعِيلِيّةِ وَ البَاطِنِيةِ أَومِنَ الزَّنَادِقَةِ الدّهْرِيّةِ أَوْ مِنَ المُجَسِّمَةِ الغُلاة فَهُمْ إِذَا تَحَدَّثُوا مَثلَاً عَنْ دُوَلِ الشِّيْعِيةِ ذَكَرُوا الدَّوْلةَ الفَاطِمِيَّةَ فِيْ صَدْر دُوَلِهِم مَعْ أَنها غَيرُ الإِثْني عشرية, وبَعْدَ هَذَا نَقُولُ وَ بِالله التَّوْفِيق:

أولاً: إِنّ الرَّفْضَ دِيْنٌ يَخْتَلِفُ تَمَاماً عَنِ الإِسْلامِ الذِيْ جَاءَ بِهِ النّبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلّم وَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَقِيَ مَعَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الفُرُوعِ وَ الأُصُول, كَيْفَ لا وَكِبَارُ آياتِهِم وَ عُلَمَائِهِم قَدْ قَعَدُوا لَهُم قَاعِدَةً في التّرْجِيحِ بَينَ الأدِلّةِ إِذا اخْتَلَفَت عِنْدَهُم أَوتَعَارَضتْ بِأنَّ مَا خَالَفَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنةِ (وَ يُسَمُّونَهُم العَامّة) هُوَ القَوْلُ الأَقْرَبُ للصَّوَابِ مُسْتَنِدِينَ عَلَى رِوَايَاتٍ مَكْذُوْبَةٍ عِنْدَهُمْ كَأصْلٍ لِهَذهِ القَاعِدَةِ التِيْ تَدُلُّ عَلَى مُخَالفَةِ دِيْنِهِم أَصُولاً وَ فُرُوعَاً لِدِينِ الإِسْلامِ مِن حَيثُ مَنْهَجِ الحَقّ.

فَفِيْ بَابٍ عَقَدَهُ "الحُرُّ العَامِلِيُّ" وَ هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الرَّافِضَةِ فِيْ كِتَابِهِ [وَسَائِلُ الشِّيْعة] تَحْت عِنْوان: عَدَمُ جَوَازُ العَمَلِ بِمَا يُوَافِقُ العَامّةُ وَ يُوَافِقُ طَرِيْقَتَهُمْ، قَالَ فِيه: (والأحاديث في ذلك متواترة) (أي في عدم جواز العمل بما يوافق العامة) فمن ذلك قول الصادق عليه السلام في الحديثين المختلفين اعرضوهما على أخبار العامة أي أهل السنة والجماعة فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه وقال عليه السلام خذ بما فيه خلاف العامة فما خالف العامة ففيه الرشاد).

وَ جَاءَ فِيْ [عُيُونِ أَخْبَارِ الرِّضَى]: (روى الصَّدوق عن علي ابن أسباط قال قلت للرضى عليه السلام يحدث الأمر لا أجد بد من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه من أستفتيه من مواليك قال: فقال: إيتي فقيه البلد فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه).

وَ مَعْلُوْمٌ أَنّ الإِسْلامَ قَائِمٌ جُمْلَةً وَ تَفْصِيْلاً عَلى تَوْحِيدِ الخَالِقِ وَ تَعْبِيدِ المَخْلُوقَاتِ كُلّها للهِ تَعَالى وَ عَلى الاقْتِدَاءِ بِالنّبِي صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَ سَلَّمْ اقْتَدَاء مُتّبعٍ لا مُبْتَدِعٍ وَ كُلُّ هَذَا مَبْنيٌّ عَلَى مَا جَاءَ بِالكِتَابِ وَ السُّنةِ وَ الرَّفْضُ أَسَاساً يَقُومُ عَلى الإِشْرَاكِ بِاللهِ وَ تَعْبِيدِ الخَلْقِ لِغَيرِ الله تَوسُّلاً وتَضَرّعاً وتأليهاً, كما يَقومُ عَلى رَفضِ الكِتابِ بدعوى تحريفهِ بالنّقصانِ والزّيادةِ فيه, وعلى رفضِ سنّةِ النَّّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم, ولا سيَّما صحَيحَهَا بتكذيبِ وتخوينَ من نَقلها لنَا وَهُمْ أشرافُ الأمَّةِ وأخصُّ صحابَتِِهِ حَتَّى رَفَضُوا أَصَحَّ كُتُبِ الأَحَادِيثِ التي تَلقَّتهَا الأُمَّةُ بالقبُولِ, لمَّا كانَ رُواتُها مِنْ أشدِّ الناسِ حِرصاً وتوثقاً عمَّنْ ينقلونَها عَنهُم, وعَلى رأسِ هَذهِ الكُتبِ صَحِيحَا البخاريِّ ومُسلِم, فَكانَ مَا عَدَاهُمَا مِنَ الكُتبِ أَولَى بالرَّفضِ عِنْدَهُم.

كما يقومُ دينهم على رفضِ إمامةِ وَخِلافةِ من أجمعَ الناسُ حِينَها عَلى إمَامَتِهِ وَخِلافَتِهِ, الذين نَعتهم رسول الله صَلى اللهُ عَليهِ وسَلمَ بالرَّاشِدِين, وحَضَّ على التَّمسُّكِ بِسُنَّتِهم بَل وَقَرَنها بِالتَّمسُّكِ بِسُنَّتِه, إِنَّ دِينَ الرَّفْض يَرفُضُ تَبرئَةَ أُمِّ المؤمنينَ عَائِشةَ مِمَّا بَرَّأَهَا اللهُ تَعَالى فِي كِتَابِهِ الكَرِيمْ وَعَاقَبَ بِجَلدِ مَنْ اتَّهَمَهَا أَوخَاضَ فِي عِرضِهَا.

يَقُولُ نِعَمةُ اللهِ الجزائِريّ في [الأَنوارِ النُّعمَانِّية]: (بَابٌ نُورٌ في حقِيقَةِ دِينِ الإمَامِيَّة وَالعِلَّةِ التي مِنْ أَجلِهَا يَجِبُ الأَخذُ بِخِلافِ مَا تَقُولُهُ العَامَّة):" إِنَّا لا نَجتَمِعُ مَعَهُم - أَي مَعَ السُّنَّة - عَلَى إِنَاءٍ وَلا عَلَى نَبِيٍّ وَلا عَلى إِمَامْ, وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ رَبَّهُم هَوَ الذِي كَانَ مُحمَّدُ نَبيُّه وَخَلِيفَتُهُ مِن بَعدِهِ أَبي بَكر وَنَحنُ لا نَقُولُ بهذَا الرَّبِّ وَلا بِذَلِكَ النَّبي بَل نَقُولُ إِنَّ الرَّبَّ الذِي خَلِيفَةُ نَبِيِّهِ أَبُوبَكرٍ ليسَ رَبَّنَا وَلا ذَلكَ النَّبِيُّ نَبِيَّنَا ".

وَيقُولُ السَّيدُ حُسينٌ الموسَويُّ _ وَهَوَ أَحَدُ عُلَمَائِهِمُ القَلائِلُ الذِينَ نَقَّى اللهُ فِطرَتَهُ فَمَجَّت بَاطِلَهُم _ مُعَلِّقَاً عَلَى مَوقفِ الرَّافِضة في كِتَابِهِ [لله ثُمَّ لِلتَّارِيخْ]:" وَيَتَبَادَرُ إِلى الأَذهَانِ السُّؤَالُ الآتِي: لَوفَرَضنَا أَنَّ الحَقَّ كَانَ مَعَ العَامَّةِ فِي مَسْأَلةٍ ما, أَيَجِبُ عَلينَا أَنْ نَأْخُذَ بِخِلافِ قَولِهِم؟

أَجَابَنِي السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ بَاقِرُ الصَّدرِ مَرَّةً فَقَالَ: نَعَمْ يَجِبُ القَولُ بخلافِ قَولِهِم لإِنَّ القَولَ بِخِلافِ قَولِهِمْ وَإِنْ كَانَ خَطأً فَهُوَ أَهوَنُ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى افْتِراضِ وُجُودِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ فِي تِلكُمُ الَمسْأَلةِ".

ثَانِيَاً:

إِنَّ دِينَ الرَّفضِ لم يَقُمْ أَسَاسَاً وَمُنذُ بِدَايَةِ ظُهُورِهِ, وَعَلَى مَرِّ الأزمَانِ وَحَتَّى أَيَّامِنَا هَذَهِ, إِلا لِغَرَضِ هَدْمِ الإِسْلامِ وَبَثِّ الفِتنَةِ وَالفُرقَةِ بَينَ المسلِمِينَ وَتقْوِيضِ دَولَةِ الإِسْلامِ, مِنْ خِلالِ مُحَارَبَةِ أَهلِ السُّنًّةِ وَالجَمَاعَةِ, أَعنِي بِهِمُ الجَمَاعَةَ الأُولَى التِي استَثنَاهَا الرَّسُولُ صَلى اللهُ عَليهِ وسَلمَ مِنَ الثَّلاثِ وَالسَّبعِينَ فِرقَةً بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَمَن سَارَ عَلى نَهجِهِمْ وَلَيسَ هَذَا كَلامَاً مُبَالغَاً أَومُتَوَهَّمَاً وَلا هُوَ مُنكَرٌ مِنِ القَولِ وَزُورَاً بَل هَذَا مَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ السَّلفِ وَالخَلفِ, فَهُومُخَطَّطٌ دُبِّرَ بِلَيلٍ لمْ يَقُمْ مِنَ الأَسَاسِ إِلا لِغَرَضِ هَدمِ الدِّينِ مِنْ خِلالِ أَمرينِ هَامَّينِ:

الأَوَّلُ: التَّشكِيكُ فِي حَقِيقِةِ هَذَا الدِّينِ وَزَعْزَعِةِ العَقِيدَةِ, إِمَّا بِبَثِّ الشُبُهَاتِ عَلى مَذهَبِ أَهلِ الحَقِّ وَالتي تُشَكِّكُ في أُصُولِ هَذَا الدِّينِ وَتَصُدُّ عَنهُ بِالكُلِّيِّةِ, وَإِمَّا بِتَحرِيفِ كَثِيرٍ مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ليَكَونَ دِينَاً مَسخَاً.

وَالأَمرُ الثَّانِي: يَتَمَثَّلُ في الجَانِبِ السِّياسِيّ وَذَلكَ عَنْ طَريقِ زَعزَعْةِ أَركَانِ الدَّولةِ الإِسلامِيَّةِ مِنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ عَلى السَّوَاءِ, فَأَمَّا مِنَ الدَّاخِلِ فَمِنْ خِلالِ استِثَارَةِ الشَّعْبِ وَلا سِيَّمَا ضِعَافُ النُّفُوسِ وَأَصحَابُ المَطَامِعِ وَتَحرِيضَهُمْ عَلى الخُروجِ عَلى خَليفَةِ وَإِمَامَ المُسلِمِينَ أَواغتِيالِهِ بَدَعَاوَى وَشُبُهَاتٍ بَاطِلةٍ أَوْ غَيرِ مُسَوَّغَةٍ, وَأَمَّا مِن الخَارِجِ فَمِنْ خِلالِ التَّعَاونِ مَعَ أَعدَاءِ الدِّينِ وَالتَّحَالفِ مَعَهُمْ, حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِن اسقَاطِ الدَّولةِ الإِسْلامِيَّةِ.

وَهَذَانِ الأَمرَانِ هُمَا المَنهَجُ وَالخُطَّةُ الأَسَاسَّيةُ التي قَامَ عَليهِمَا دِينُ الرَّفضِ مُنذُ بِدَايَةِ نَشأَتِهِ وَتَأسِيسِهِ عَلى يَدِ اليَهَودِيِّ المعرُوفِ عَبدُ الله بن سَبأَ الذي لم يَجِدْ أَفضَلَ وَلا أَجْدَى مِنَ التَّسَتِّرِ بِلِبِاسِ التَّشَيُّعِ وَالتَّشَيُّعِ بِحُبِّ آلِ البَيتِ بَعدَ أَنْ أَظهَرَ الإِسلامَ وَأَبطَنَ الكُفرَ وَالدَّسِيسَةَ لهَذَا الدِّينِ, وَلما وَجَدَ أَتبَاعُ هَذَا اليَهَودِيِّ أَنَّ هَذَا المنهَجَ الذِي رَسَمَهُ ابنُ سَبأ قَدْ نَجَحَ فِي استِقطَابِ أَصحَابِ الهَوَى وَتَأليبِ الكثَيِرِ مِن ضِعَافِ النُّفُوسِ وَأَصحَابِ المَطَامِعِ ضِدّ أمِيرِ المُؤمِنينَ عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ وَلَمَّا وَجَدُوهُ نَجَحَ في التَّعَاونِ مَعَ أَعدَاءِ الدِّينِ مِن خَارجِ عَاصِمةِ الخِلافَةِ وَإِثَارَةِ الفِتَنِ وَالشُّبَهِ حَتى قَتَلُوا الخَلِيفَةَ وَفَتَنُوا رَعِيَّتَهُ وَلما وَجَدُوهُ نَجَحَ كَذلكَ فِي التّفرِيقِ بَينَ الصَّحَابَةِ عَلى أَسَاسِ العَصَبِيَّةِ القَبَليَّةِ التي جَاءَ الدِّينُ أَسَاسَاً وَقَامَ عَلى هَدمِهَا, يَرُومُونَ فِتنَةَ آلِ البَيتِ وَفِتنَةَ النَّاسِ ِبهم, وَصَدَّ النَّاسِ وَتَشكِيكَهُم في مِصْدَاقِيَّةِ وَأَمَانَةِ نَقَلَةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضوانُ الله عَليهِمْ, مِنْ خِلالِ مُنَادَاتِهمْ بِمُوَالاةِ بَلْ بِالمُغَالاةِ فَي آلِ البَيتِ وَإِدِّعَاءِ العِصمَةِ فِيهمْ, حَتَّى تَطَوَّرَ الأَمْرُ فِيهِم إِلى تَألِيهِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا عِندَ السَّبَأِيَّةِ.

أَقَولُ لما رَأَى أَتباعُ ابنُ سَبأٍ أنَّهُ نَجَحَ في ذَلكَ كُلَّهِ استَمَرَّ هَؤلاءِ الأَتبَاعُ في نَفسِ السِّيرةِ وَعَلى نَفسِ المَنهَجِ الأَوَّلِ عَلى مَرِّ الزَّمَانِ وَإِلى أَيامِنَا هَذِهِ وَلقَدْ أَفَاضَ عُلمَاءُ السَّلفِ وَاسْتَفَاضَ في كُتُبِهِم بَيَانُ حَقِيقَةِ الرَّافِضِةِ وَحَقِيقَةِ دِينِهِم.

وَمِنْ ذَلكَ مَا قَالهُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحمهُ اللهُ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ]:" وَالرَّافِضِةُ ليسَ لَهُم سَعيٌ إِلا فِي هَدمِ الإِسلامِ وَنَقْضِ عُرَاهُ وَإِفسَادِ قَوَاعِدِهِ" وَقَالَ أَيضَاً:" وَلا يَطعَنُ عَلى أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا إِلا أَحَدُ رَجُلينِ: إِمَّا رَجُلٌ مُنَافِقٌ زِندِيقٌ مُلحِدٌ عَدُوٌّ للإِسلامِ يَتَوَصَّلُ في الطَّعنِ فِيهمَا إِلى الطَّعنِ فِي الرَّسُولِ وَدِينِ الإِسلامِ, وَهَذَا حَالُ المُعلِّمِ الأولِ للرَّافِضَةِ أَوّلَ مَن ابتَدَعَ الرَّفضَ وَحالُ أَئِمَّةِ البَاطِنِيَّةِ, وإِمَّا جَاهِلٌ مُفرِطٌ في الجَهلِ وَالهَوَى وَهُوَ الغَالبُ عَلى عَامَّةِ الشِّيعَةِ إِذْ كَانُوا مُسلِمِينَ فِي البَاطِنْ, " وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ:" قَالَ الإِمَامُ أَحمَدَ فِي رِسَالةِ عَبدُوسٍ بنِ مَالك, أُصُولُ السٌّنَّةِ ِعندَنَا التَّمَسٌّكُ بِمَا كَانَ عَليهِ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ وَالإِقتِدَاءُ بِهم, وَتَركُ البِدَعِ وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ والسُّنةُ عِندَنَا آثارُ رسول اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم والسُّنةُ تُفسِّرُ القُرآنَ وَهِيَ دَلاءٌ للقرآنِ أيْ دَلالاتٌ عَلى مَعنَاهُ وَلهذَا ذَكَرَ العُلمَاءُ أَنَّ الرَّفضَ أَسَاسُ الزَّندَقَةِ وَأَنَّ أَوَّلَ مَن ابتَدَعَ الرَّفضَ إِنما كَانَ مُنَافِقِاً زِندِيقَاً, وَهُوَ عَبدُ اللهِ بنُ سَبأ فَإِنَّهُ قَدْ قَدَحَ في السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ وَقَد قَدَحَ فِي نَقلِ الرِّسَالةِ أَوفي

فَهمِهَا أَوفِي اتِّبَاعِهَا, فَالرَّافِضَةُ تَقدَحُ تَارةً في عِلمِهِمْ بِها وَتَارَةً في اتِّبَاعِهِم لَها, وَتُحِيلُ ذَلكَ عَلَى أَهلِ البَيتِ وَعَلى المَعصُومِ الذِي لَيسَ لَه وُجُودٌ فِي الوجُودِ" انتَهَى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

وَجَاءَ فِي [المُنتَقَى مِن مِنهَاجِ الإِعْتِدَالِ]:" وَمِن جَهلِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ عِصمَةَ وَاحِدٍ مِنَ المُسلِمِينَ وَيُجَوِّزُونَ عَلى مَجْمُوعِ المُسلِمِينَ إِذَا لم يَكُنْ فِيهِمْ مَعصُومٌ الخَطَأَ, وَقَدْ ذَكَرَ غَيرُ وَاحدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَن ابتَدَعَ الرَّفْضَ وَالقَولَ بِالنَّصِّ عَلى عَليٍّ وَعِصمَتِهِ كَانَ زِندِيقَاً أَرَادَ افسَادَ الدِّينَ وَأرَادَ أَنْ يَصنَعَ بِالمُسْلمِينَ كَمَا صَنَعَ بُولُصُ بِالنَّصَارَى, وَأَكبَرُ دَلِيلٍ عَلى بُطلانِ أَصلِ هَذَا المَذهَبِ وَخُرَافَتِهِ أنَّ عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ عَنهُ تَبَرَّأَ مِنهُ وَمِنْ أَصحَابِهِ بَل وَعَاقَبَ مَنْ يَعتَنِقُهُ كُلٌ بَحَسَبِ بِدعَتِهِ, فَمنْ كَانَ يَسُبُّ الشَيخَينِ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يُجلَدُ حَدَّ المُفتَرِي, وَمَنْ غَالى فِيهِ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ".

ثَالِثَاً: إِنَّ جَمهَرَةً مِن عُلمَاءِ السَّلفِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالى بَيَّنُوا لنَا القَولَ الفَصْلَ فِي حُكمِ الشَّرعِ عَلى الرَّافِضَةِ وَهُوَ القَولُ بِكُفرِهِمْ وَوُجُوبِ قِتَالِ مَن أَظهَرَ بِدْعَتَهُ مِنهُمْ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَ بِطَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنهُم، وَ في تَكفيرِهم وَ وجوبِ قِتالِهم أدِلَّةٌ منَ الكِتابِ وَ السُّنَّةِ.

بَلْ حتّى كُتُبُ الرَّافِضَةِ أنفُسِهِم تنقِلُ لَنا الرواياتِ في تبرُّؤِ آلِ البيتِ مِنهُم، ونِسبةِ ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلَّم، وَ إِخراجِهِم منَ الإسلامِ.

فَأمَّا الأدلّة من الكتابِ فقولًهً تَعالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ} [الفتح:29]، قال ابنُ كثيرٍ (1) رَحِمَهُ الله: وَمِنُ هَذِهِ الآيَةِ انتَزَعَ الإمامُ مالكٌ رَحِمَه الله في رِوَايَةٌ عنهُ بِتَكفيرِ الرَّاوَفِض، الذين يَبْغَضُونَ الصَّحَابَةَ رَضيَ الله عنهُم، قالَ لأنَّهُم يُغيظُونَهُم، وَ مَنْ غَاظَ الصَّحَابةَ رَضِي الله عَنهُم فهوكافرٌ بِهَذِه الآيةِ، وَ وَافَقَه طائفةٌ مِنَ العلماءِ رضيَ الله عَنهُم علَى ذلِك.

وَ قالَ القُرْطُبِيّ (2) رَحِمَهُ الله في تَفْسِيرِه: رَوَى أبُوعُرْوَةَ الزُّبَيْرِيّ مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْر، كُنَّا عِند مالكِ بن أَنَس، فَذَكَرُوا رَجُلًا يَنتَقِصُ من أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وَ سَلَّمَ فقرَأَ مالكٌ هَذِهِ الآيةَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ... } [الفتح:29]، حتَّى بلَغَ.. {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ} [الفتح:29]، فقالَ مالكٌ مَن أصبَحَ منَ النَّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أحدٍ من أصحابِ رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وَ سَلَّمَ أَصَابَتْهُ هذهِ الآيةُ. ذكَرَه الخطيبُ أبوبكرٍ.

__________

(1) تفسير ابن كثير / {الفتح:29}

(2) أحكام القرآن للقرطبيّ / {الفتح:29}

قلتُ - والقولُ للقُرطُبِيّ - لَقَدَ أحسَنَ مالكٌ فِي مَقَالَتِه، وَ أصَابَ في تَأويلِه فَمَنْ نَقَّصَ واحِدًا منهُم، أَوْ طَعَنَ في رِوَايَتِه فقد ردَّ على اللهِ ربّ العالمينَ، وَ أبْطَلَ شَرائِعَ المسلمين. انتهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ الله.

وَ كَذلكَ استدلُّوا منْ قَولِهِ تَعالَى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)}. [النور:16 - 17]، قالَ ابنُ عبدِ القَوِيّ عَنِ الإمامِ أحمَد: وَ كانَ الإمامُ أحمدُ يُكَفِّرُ مَنْ تَبَرَّأَ منهُم - أيْ الصَّحَابَة - وَ منْ سبَّ عَائِشَةَ أمَّ المؤمِنينَ، ورَمَاهَا مِمَّا بَرَّأهَا الله مِنهُ.. وَ كانَ يَقرأُ {يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17].

وَ قَالَ القُرطُبِيُّ (1) رَحِمَهُ الله: قالَ هِشامُ بنُ عَمَّار سَمِعْتُ مالِكًا يَقولُ: مَن سبَّ أبا بكرٍ وَ عُمَرَ أُدِّبَ، وَ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ لأنَّ الله تَعالى يَقولُ: {يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]، فَمَن سبَّ عائشَةَ فقدْ خَالَفَ القرءَانَ، وَ مَن خَالَفَ القرءانَ قًتِلَ.

__________

(1) أحكام القرآن للقرطبيّ / {النور:17}.

قالَ ابنُ العَرَبِيّ (1)

__________

(1) الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى: {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. فِيهَا مَسْأَلَةٌ: قَوْله تَعَالَى: (لِمِثْلِهِ) يَعْنِي فِي عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ إلَى نَظِيرِ الْقَوْلِ فِي الْمَقُولِ عَنْهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ فِيمَنْ كَانَ فِي مَرْتَبَتِهِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إذَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِرْضِهِ وَأَهْلِهِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ مِنْ فَاعِلِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أُدِّبَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ. قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُوبَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ أُدِّبَ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى: {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فِي عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ: {لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ}. وَلَوْ كَانَ سَلْبُ الْإِيمَانِ فِي سَبِّ عَائِشَةَ حَقِيقَةً لَكَانَ سَلْبُهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ} حَقِيقَةً. قُلْنَا: لَيْسَ كَمَا زَعَمْتُمْ؛ إنَّ أَهْلَ الْإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِالْفَاحِشَةِ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ، وَمَنْ كَذَّبَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ. فَهَذَا طَرِيقُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَهِيَ سَبِيلٌ لَائِحَةٌ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ عَائِشَةَ بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ لَكَانَ جَزَاؤُهُ الْأَدَبَ. أحكام القرآن لابن العربيّ، سورةُ النّور.

: قالَ أصحابُ الشَّافِعِيّ: مَن سبَّ عائشَةً رضيَ الله عَنهَا أُدِّبَ كَما في سائرِ المؤمنين، وَ ليسَ قولُه {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17] في عائَِشَة؛ لأنَّ ذلكَ كُفرٌ، وَ إنَّمَا هُوَ كَمَا قالَ عليه السَّلام (لَا يُؤمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارَهُ بَوَائِقَهُ) وَ لَوكانَ سَلْبُ الإيمانِ في سبَّ مَن سبَّ عائشَةً حقيقَةً، لكان سَلْبُهُ في قَولِهِ (لا يزنِي الزَّاني حينَ يَزْنِي وَ هُوَ مُؤمِنٌ) حقيقةً، قُلنَا: ليسَ كَمَا زَعَمْتُم، فإنَّ أهلَ الإفكِ رَمُوا عائشَةَ المُطَهَّرَةَ بالزِّنَى، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بمَا بَرَّأَها اللهُ منهُ مُكَذِّبٌ لله، وَ مَنْ كَذَّبَ اللهَ فَهُوَ كافرٌ، فَهَذَا طَرِيقُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَهِيَ سَبِيلٌ لَائِحَةٌ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ عَائِشَةَ بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ لَكَانَ جَزَاؤُهُ الْأَدَبَ. انتهَى كَلَامُهُ.

وَ قَولُه تَعَالَى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89]، وبقولِهِ

تَعالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143]، يقولُ الإمامُ أبوالمحاسنِ الواسِطيّ في استدلالِهِ من هذهِ الآياتِ علَى كفرِ من يُكَفِّرْ أوْ ينتَقِصْ من عدالةِ الصَّحَابَةِ الثَّابتةِ بالكتابِ، أنَّهُم يكْفُرُون؛ لتكفيرِهم لصحابةِ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّمَ الثابتِ تعديلُهُم وَ تزْكِيَتُهُم في القرآن، في قولِه تَعالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143]، وبِشَهَادةِ اللهِ تعالَى لهُم أنَّهُم لا يكْفُرُونَ بقولِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89].

وَ أمَّا السُّنَّة، فَبِمَا جاءَ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ (1) بإسنادٍ حَسَنٍ، عن ابن عبَّاسٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ النَّبِيّ صلَّى الله عليهِ وَ سَلَّمَ وَ عِندَهُ عَلِيّ، فقَالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَ سَلَّمَ (يَا عَلِيّ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ، يَنتَحِلونَ حبَّ أهلِ البيتِ، لَهُم نِبْذٌ، يُسَمَّونَ الرَّافِضَة، قَاتِلوهُم فَإنَّهم مُشْرِكون).

__________

(1) رقم الحديث: 16434) عن ابن عباس قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعنده علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت، لهم نبز يسمون الرافضة، قاتلوهم فإنهم مشركون "). رواه الطبراني وإسناده حسن. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعليّ بن أبي بكر الهيثمي.

وَ مَا أخرَجَهُ الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِه (1)، وَ البَزَّارُ عَن إبراهيمَ بن الحسنِ بن عَلِيّ بن أبي طالِب عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قالَ عليُّ بن أبي طالب رضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عليهِ وَ سَلَّم (يَظْهَرُ في آخرِ الزَّمان قَوْمٌ يُسَمَّونَ الرَّافِضَة يرفِضونَ الإسلامَ).

والعجيبُ أنَّ ذلك النَّبْذَ - أعني الرَّافِضة - قدْ نقَلَه أيْضًا أئِمَّةُ الرَّافِضَة في أًصُولِهِم المُعتَبَرَةِ عنِ الحُسَيْن بن عليّ بن أبي طالِب رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

__________

(1) رقم الحديث 81. حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيُّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ حَدَّثَنَا أَبُوعَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ حَدَّثَنَا أَبُوعَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ} م1/ مسند الخلفاء الرّاشدين.

فَقدْ نَقَلَ لنَا صاحبُ كتابِ للهِ ثُمَّ للتَّاريخِ عَنْ كِتَابِ الكافِي رِوايَةً عَنْ أبي عبدِ اللهِ عليهِ السَّلَام، أنَّهم جَاءُوا إليهِ - أي الرَّافِضَةُ - فقالُوا لَهُ: إنَّا قَدْ نُبِذْنَا نَبْذًا أَثْقَلَ ظُهُورَنا، وَ ماتَتْ لَهُ أَفْئِدَتُنَا، وَ اِسْتَحَلَّتْ لَهُ الولاةُ دِماءَنَا.. في حديثٍ رَوَاهُ لَهُم فُقَهَاءُهُم، فقالَ لَهُم أبوعبدِ اللهِ عليهِ السَّلَام: الرَّافِضَة، قالوا: نعَمْ، فقالَ: لا والله مَا هُمْ سمَّوْكُم، وَ لَكِنَّ اللهَ سَمَّاكُم بهِ.

وَ يَقُولُ السَّيد حُسَيْن بن مُوسَوِيّ مُعَلِّقًا علَى ذلِكَ: فَبَيَّنَ أبُوعبدِ اللهِ أنَّ اللهَ سمَّاهُمُ الرَّافِضَةَ وَ لَيْسَ أهْلُ السُّنَّة.

وَ مِمَّا اُستُفِيضَ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَف في الحُكِمٍ بِكُفْرِهِمْ، فَمِمَّا وَرَدَ عنِ الإمَامِ أحمدِ رَحِمَهُ الله، ما رَوَى الخَلَّال عَنْ أَبِي بَكْرٍ المِرْوَدِيّ، قالَ سألتُ أبَا عبدِ الله عَمَّنْ يَشْتِمُ أبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عَائِشَة، قالَ: (مَا أَراهُ علَى الإسْلَامِ)، وَ قالَ الخَلَّال: أخْبَرَني عبدُ المَلِكِ بن عبدِ الحميدِ، قالَ سَمِعْتُ أبَا عبدِ اللهِ قَالَ: (مَنْ شَتَمَ أخافُ عليهِ الكُفْرَ مِثْلَ الرَّوافِضِ) ثًمَّ قالَ (مَنْ شَتَمَ أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وَ سَلَّمَ لَا نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ قدْ مَرَقَ عَنِ الدِّين).

وَ جاءَ في كتابِ السُّنّةِ للإمامِ أحمَدِ قَولُهُ عَنِ الرَّافِضَةِ، هُمُ الذين يَتَبَرَءونَ مِن أصحابِ محَمَّدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ، وَ يَسُبُّونَهُم، وَ يَنْتَقِصُونَهُم، وَ يَسُبُونَ الأئِمَّةَ إلا أَرْبَعَ، عَلِيَّا وَ عَمَّارَ وَ المِقْدادَ وسَلْمَان، وَ لَيسَتُ الرَّافِضَةُ من الإسْلامِ فِي شيء.

وَ قَالَ الإمامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في خَلْقِ أَفْعَالِ العِبادِ: (مَا أُبَالي صَلَّيْتُ خَلْفَ الجَهْمِيّ وَ الرَّافِضيّ أمِ صلَّيْتُ خَلْفَ اليَهُودُ والنَّصَارَى، وَ لَا يُسَلَّمُ علَيْهِم، وَ لَا يُعادُونَ، وَ لَا يُناكَحُون، وَ لَا يُشَهَّدُونَ وَ لَا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُم).

وَ قَالَ الإمامُ أحمَدُ بن يُونُس، الذي قالَ عنهُ الإمامُ أحمَدُ بن حَنبَلْ وَ هُوَ يُخاطِبُ رَجُلًا: (اُخْرُج إلى أحمدُ بن يُونس فإنَّه شيخُ الإسلامِ)، قالَ - أي الإمام أحمدُ بن يونس- لَوْ أنَّ يِهُودِيًّا ذَبَحَ شاةً، وَ ذَبَح رافِضِيٌّ لَاًكًلْتُ ذَبِيحَةَ اليَهُودِيّ، وَ لمْ آكلْ ذبيحَةَ الرَّافِضِيّ، لأنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنِ الإسلامِ.

وَ قالَ الإمامُ بن حَزْمٍ رحِمَهُ الله تَعَالى في رَدِّهِ علَى النَّصَارَى الذين يَسْتَدِلُّونَ بِتَحريفِ القُرءان مِنْ أقْوالِ الرَّافِضَةِ، فقَالَ (وَ أمَّا قَولُهُم - يُعنِي النَّصَارَى - في دَعْوَى الرَّوافِضِ تَبْديل القرءان، فَإنَّ الرَّوَافِضَ لَيسُوا منَ المُسلِمين.

وَ قَالَ شَيْخُ الإسلامِ بن تَيْمِيَّة رَحِمَهُ الله تَعَالَى في الصَّارِمُ المَسْلُول: (مَن زَعِمَ أنَّ القُرءَانَ نُقِصَ مِنْه آياتٍ، أوْ كُتِمَت، أوْ زَعَم أنَّ لَهُ تأويلًاتٍ باطنةً تُسْقِطُ الأعمالَ المَشْرُوعَة، فَلا خِلًافَ في كُفْرِهِمْ، وَ مِنْ زَعَمَ أنَّ الصَّحابَةَ ارْتَدُّوا بعدَ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وَ سَلَّمَ إلا نفرًا قليلًا لا يبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشْرَ نَفْسًا، أضوْ أنَّهُم فَسَّقُوا عَامَّتَهُم، فَهَذا لَا رَيْبَ أيضًا في كُفْرِهِ، لأنَّهُ مُكَذِّبٌ لِما نَصَّهُ القُرْءان في غَيْرِ مَوضِعٍ من الرِّضَى عَنهُم، وَ الثَّناءِ عَليِهم. بلْ مَنْ يَشُكُّ في كُفْرِ مثلِ هَذا فَإنَّ كُفْرَهُ مُتَعَيِّنٌ، فَإنَّ مضمونَ هذهِ المَقَالًة أنَّ نَقَلَةَ الكتابِ

والسُّنَّةِ كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاق، وَ أنَّ هذهِ الآيةَ التي هيَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:11.]،

وَ خَيْرُهَا هُوَ القَرْن الأوَّلُ كانَ عامَّتَهُم كُفَّارًا أوْ فُسَّاقًا، وَ مَْضمُونُها أنَّ هذهِ الأمَّةَ شَرُّ الأُمَمِ، وَ أنَّ سابِقِي هذه الأمَّة هُم شِرَارُهَا، وَ كُفْرُ هذا مِمَّا يُعلَمُ بالاضطرارِ مِنْ دينِ الإسْلًامِ).

وَ قالَ أيضًا عن الرَّافِضَة، إنَّهُم شرٌّ من عامَّةِ أهلِ الأهواءِ، وَ أَحَقُّ بالقِتالِ من الخوَارِجِ.

وَ قالَ الإمامُ السَّمْعَانيّ رَحِمَهُ الله في الأنسَابِ: (وَ اجْتَمَعَتْ الأمَّة على تكفيرِ الإماميَّةِ لأنَّهم يعتقدونَ تضليلَ الصحَّابَة، وينكرونَ إجماعَِهَم، وَ ينسِبونهُم إلى ما لا يَليِقُ بهِم.

وَ منْ عَجيبِ التناقُضَاتِ والمفارَقَاتِ، أنَّ الحكومةَ السّعودِيَّةَ وقِس عَلَيْهَا غَيْرَها ممَّن كانوا يُنادونَ بالعدَاءِ ويُطلِقون التحذيراتِ من الخَطَرَ القادِمِ من الرَّافِضَة، نراهُمُ اليومَ يُقَرِّبونَهُم، وَ يجلِسونَ معهَم، وَ يَتَحَاوَرُونَ في مَجَالِسِ محاوراتِهِم الرَّسمِيَّة. فَهَاهي لَجْنَتُهُم الدَّائمَة للبحوثِ والإفتَاءِ، كانَتْ قد أفْتَتْ بتكفِيرِ الرَّافِضَة إثرَ سؤالٍ وُجِّهَ للجْنَةِ آنَذَاك من قِبِلِ سائلٍ يِقُولُ: أنا من قبيلةٍ تسكُن في الحدودِ الشَّمَاليَّة، وَ مخْتَلِطِين نحنُ وقَبَائلُ من العراقِ، وَ مَذهَبُهُم شيعةٌ وثَنِيَّة، يَعبُدونَ قُبَبَا وَ يُسَمُّونَها بالحسن، والحسين، وعليّ، وإذا قامَ، قالَ يا عليّ، يا حُسَيْن، وَ قدْ خالطَهُم البعضُ من قبَائلِنا في النِّكَاحِ، وَ في كلِّ الأحوالِ، وَ قدْ وَعَظْتُهُم وَ لمْ يَسْمَعُوا، وَ هم في القرَايَا والمنَاصيب، وَ أَنَا مَا عندي أعظُهُم بعِلْمٍ، وَ لَكنِّي أكْرَهُ ذلكَ وَ لَا أُخالِطُهُم، وَ قدْ سَمِعْتُ أنَّ ذَبْحَهُم لَا يُؤْكَل، وَ هؤُلَاء يَأكُلونَ ذبحَهُم، وَ لَا يَتَقَيَّدُوا، وَ نطلبُ من سماحتِكم توضيحَ الواجبِ نحوَ مَا ذَكَرْنَا.

فَكَانَ ردُّ اللّجنَة: إذَا كانَ الواقِعُ ما ذكرتَ من دعائِهِم عليًّا وَ الحَسَن، وَ نَحْوَهُم فَهُم مُشْرِكُونَ شِركًا أكبر، يُخرجُ من ملَّةِ الإسلامِ، فَلًا يحِلُّ أنْ نُزَوِّجَهُمُ المُسْلِمَاتِ، وَ لًا يَحِلُّ لَنَا أنْ نَتَزَوَّجَ من نِسَائِهِم، وَ لَا يحِلُّ لَنَا أنْ نَأكُلَ من ذبائِحِهِم، قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوإِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة:221]، وَ باللهِ التوفِيقُ، وَ صَلَّى اللهُ على نبيِّنَا محَمَّدٍ، وَ على آلِهِ، وَ صَحْبِهِ وَ سَلَّمَ. اللّجنةُ الدائمَةُ للبحوثِ العلميَّةِ والإفتاءِ.

وَ مِمَّا جاَء في كتبٌ الرَّافِضَة أنفُسِهِم في تَبَرؤِِ آلِ البيتِ، وَ الرّسولِ صَلَّى الله عليهِ وَ سَلَّمَ منهُم، وَ إخْراجِهِم من هذه الأمَّة مَا جَاءَ في كِتَابِ الاحْتِجَاجِ قَالَ الإمامُ زَيْنِ العَابِدينَ عليهِ السَّلَام لأهْلِ الكُوفَة: (هَل تَعْلَمُونَ أنَّكم كتَبْتُم إلى أبي وَ خَدَعْتُمُوه، وَ أَعْطَيْتُمُوه من أنفُسِكُم العَهْدَ وَ المِيثَاق، ثُمَّ قَتَلتُمُوه وخَذَلْتُمُوه، بأيّ عينٍ تَنظرونَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى عليهِ وَ سلَّمَ وَ آلِه وَ هُوَ يَقولُ لَكُم: (قَاتَلتْم فِطْرَتِي، وَ انتَهَكْتُم حُرْمَتي، فَلَسْتُم من أمَّتي)

رَابِعًا: إنَّنَا حينَ نَسْتَشهِدُ بروَايَاتٍ وَ أَقْوَالٍ من كُتُبِ الرَّافضةِ المعتبَرَةِ المعتَمَدَةِ عندَهُم، فَإنَّنَا لا نقِرُّ بالضَّرورة بهذهِ الأقوالِ والرِّوايَاتِ، وَ إنَّمَا نحنُ نَسْتَأنسُ بِهَا من بابِ وَ شَهِدُوا على أنفُسِهِم. وَ قدْ استَشْهَدنَا بكثيرٍ من هذه الرّوايَاتِ.

خَامِسًا: إنَّ جَرَائمَ الرَّافِضَة وَ خِيَانَاتِهِم عَبْرَ التَّاريخ، كانتْ كلُّهَا جَرَائِم من حيث المعتقد الدينيّ، لكِّنَنَا تنَاولْنا كلُّ منهَا بحسبِ جانِبِهَا، وَ بحَيْثِيَّاتٍ متعدِّدة، فَهُنَاكَ جرائمَ دينِيَّة مَحضَة تتعلَّقُ بجانبِ العِبادات، وَ شَعَائر لهدمِ الدِّين أوتحريفِه، وَ هُناكَ جرائم سِيَاسِيَّة من خلالِ الغدرِ والاغتيالاتِ من الدَّاخِلِ، وَ المؤامرةِ مع العدوّ من الخارِجِ لزَعْزَعَةِ الدَّولَةِ الإسلاميَّةِ، وَ هُنَاكَ جَرَائمَ اجتِمَاعِيَّة وَ أخلاقِيَّة لِنَشْرِ الرَّذيلَة لتفكيكِ الأسرةِ المُسلِمَةِ، وَ تفكيكِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة للأمَة الإسلاميّة باسم المُتْعَةِ في الدِّين فَذَكَرْنَا كلًّا في مَحَلِّه، وض هيَ في مَجْمُوعِها بالجُملَة لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا جَرائِمَ دينيَّة.

وَ بعدَ أنْ قَرَّرْنَا مَا سَبَقَ تَوضيحُهُ نَقُولُ، لَقَدْ رَصَدَ لنا التَّاريخُ منذ عهد الخِلافَة الراشِدَة مرورًا بالعهد الأمويّ، وَ العَبَّاسِيّ وَ العُثْمَانيّ، وَ حتَّى هَذَا العصر كَمًّا هَائلًا من خياناتِ القومِ وجرائمِهِم، وَ غَدَرَاتِهِم، لَوْ أرَدْنَا حصرِهَا استيفَاءًا، وَ تَتَبُّعُهَا استقْرَاءًا، لاحتَجْنَا لِمحاضراتٍ وَ مُحاضَراتٍ، بَل وإلى أسفار مُتَتَالياتٍ، وَ حسْبُنَا هُنا أن نَذْكُرَ وَ نُذَكِّر بجُمْلَةٍ من أَبْرَزِ خِيَانَاتِهِم، وَ جَرَائِمِهِم عبرَ التَّاريخِ من خِلالِ ذكْرِ ماضي خِيَانَاتِهم، وَ الرَّبطِ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ حَاضِرِهِا، حَتَّى تَكُونَ الصُّورَةَ حاضرةٌ في أذْهَانِنا، لا مُجَرَّدَ سَردٍ تاريخِيّ من ماضٍ تَليدٍ مُنقطع عَن حَاضِرِهِ.

فَأَمَّا في عهْدِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَة، فقدْ بَدَت أولى جرائمِهِم وَ خِيَانَاتِهم، في عَهْدِ الخليفة العَادِل الرَّاشد الذي أعزّ الله بهِ الإسْلامِ؛ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ نبيِّنَا صلَّى الله عليهِ وَ سَلَّمَ لَهُ، عُمَرَ بن الخَطَّاب رضيَ الله عنهُ، مُتَمَثِّلَة الجانبِ السِّياسيّ منهَا خَاصَّة، إذ لمْ يَكُن الفِكْر والمُخَطَّطُ الرَّافِضِيّ تَبَلْوَرَ تَمَامًا، وَ قدْ مَثَّلَ هذه الخِيَانَة المَجُوسِيّ، الفَارِسِيّ أبُولؤلؤَة، الذي كَانَ من سَبيِ فَارِسٍ بعد أنْ فَتَحَها اللهُ على المسلمين في عَهْدِ الفاروقِ عُمَر، فَمَا كانَ من هذا المَجُوسيّ الفَارسيّ بعدَ أنْ فَاضَ بالحقدِ قَلْبَهُ، وَ استَفَاضَ بالغدرِ هَمَّه إلَّا أنْ دَبَّرَ مؤامَرَةً معَ منْ يُقَاسِمونَه الكَرَاهِيّة وَ العداءَ لِهَذَا الدِّين، وَ هُمَا الهُرمُزَان وَ جُفَيْنَة، فَالهُرْمُزان الذي كانَ مَيْمَنَة القائدِ الفارِسيّ رُسْتُم في القادِسِيَّة، ثُمَّ هَرَبَ بعد هَلَاكِ رُسْتُم، ثُمَّ مَلَكَ خُوزِشْسْتان، وَ قَاتَلَ المُسلِمين، وَ لَمَّا رَأى عَجْزَه، طَلَبَ الصُّلْحَ فَأُجِيبَ إليهِ، وَ لَكِّنَّه غَدَرَ، وَ قَتَلَ المَجْزَأةَ بن ثَوْر وَ البراء بن مالكٍ، فَقَاتَلَه المُسلمونَ وَ أَسَرُوهُ وَ سَاقُوهُ إلى عُمَرَ بن الخطَّابِ، فَأَظْهَرَ الإسلامَ وَ حُسْنَ الطَّوِيَّة، وَ عاشَ في المَدِينَةِ.

وَ جُفَيْنَة النَّصْرَانيّ من أهلِ الحِيرَة، كَانَ ظِئرًا لسعدِ ين مالكٍ، أَقْدَمَه للمدينَة للصُلْحِ الذي بَينَنَا وَ بَيْنَهُم، وَ لِيُعَلِّمَ أَهْلَ المدينَةِ الكِتَابَة. وَ بالرّغمِ أنَّ أميرَ المُؤمنينَ، وَ جَميعَ المُسلمينَ أَحْسَنُوا إليهم إلَّا أنَّ الحقدَ المَجُوسيّ الفَارسيّ على الدِّينِ، وَ على دولةِ الإسلام، كانَتْ أَكْبَرَ بكثيرٍ من هَذَا الإحسَانِ، فَحَاكُوهَا مؤامرةً كُبْرَى، وخِيَانَةً في حُكْمِ الشَّرْعِ عُظْمَى، حَيْثُ سَنُّوا أوَّلَ سُنَّة سَيِّئَة في الإسلام، وَ أوَّلَ لَبِنَة أساسٍ من مُخطَّاطاتِ الرَّافضَة في مِجَالِ الغدْرِ والخِيَانَة، أَلَا وَ هيَ سُنَّةُ الخُروجِ على الحاكِمِ المُسلِم، وَ سُنَّةُ اغتيالِ الخليفِة، وَ الذي بموتِه أوبالخروجِ عليهِ تضطَرِبُ البِلادُ وِ يَفْتَتِن العِبادُ.

وَ نَحنُ هُنَا نُدْرِجُ هذه الخِيَانَةَ، وَ هَذِه الجَريمَةَ، وَ نَعُدُّهَا أُولَى جَرَائمِ الرَّافِضَة، بالرَّغْمِ من أنَّ دينَ الرَّفْضِ لَمْ يَكُن قدْ ظَهَرَ بالفِعلْ كَمنهَجٍ وَ كَدِينٍ، وَ كَفِكْرٍ لِسَبَبَيْنِ، الأوَّلُ هُوَ أنَّ هذا المَجُوسيّ هوأوَّلَ مَنْ سَنَّ جَريمَة الاغتيَال السيَاسِيّ المُوَجَّهَة ضِدَّ الحَاكِمِ المُسلِمِ؛ نتيجَةَ للحقدِ على الإسْلَامِ وَ أهْلِهِ، فَكَانتْ هيَ النَّبْرَاس الذي بهِ اهْتَدَى بقيَّةُ الرَّافِضَة من بَعْدِه.

وَ الثَّاني أنَّ الرَّافِضَة بعدَ ذلكَ اعتبَرُوهُ رَمْزًا مِنْ رُمُوزِهِم، وَ اعتَبَروا سُنَّتَه في الاغتيال أسَاسًا من أُسُسِهِم، وَ أَدَبِيَّاتِ جَرائِمِهِم، لدَرَجَةٍ أنَّهُم يَتَرَضَّوْنَ عَنْهُ في كُتُبِهِم، بَلْ وَصَلَ بهمُ الأمْرُ في تَعْظِيمِه أنْ بَنَوْا لَهُ قَبْرًا، وَ مَزَارًا في مُستَقَرِّ وَقْرِهِم في إيران، يَطوفُنَ بِهِ وَ يُقدِّمونَ عِندَهُ القَرَابين. وَ في ذلكَ يَقولُ صاحبُ كتابِ للهِ ثُمَّ للتَّاريخِ: (وَ اعْلَمْ أنَّ في مدينةِ كَاشان الإيرانية في مَنْطِقَةِ تُسَمَّ باغيثين مَشْهَدًا عَلَى غِرارِ الجُنْدِيّ المَجْهُولِ، فيهِ قَبْرٌ وَهْمِيّ لأبي لُؤلؤة فَيْرُوز الفَارِسيّ المَجوسيّ، قَاتِل الخَليفَةِ الثَّاني عُمَرَ بن الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ وَ أرْضَاه، حَيْثُ أطلَقُوا عليهِ مَا معنَاه بالعربِيَّة: مَرْقَدْ بابا شُجاعِ الدِّين، وَ بَابا شُجاعِ الدِّين، هُوَ لقبٌ أطْلَقُوهُ على أبي لؤلؤة لِقَتْلِهِ عُمَرَ بن الخطَّابِ، وَ قدْ كُتِبَ عَلى جُدْرانِ هذا المشهدِ بالفارِسيّ (مَرْك بَرْ أبوبكر - وَ مرْكبَرْ عُمَر - وَ مَرْكْبَرْ عُثمان) وَ معناهُ بالعربِيَّة (الموتُ لأبي بَكْرٍ، الموتُ لِعُمَرَ، الموتُ لِعُثمَان).

وَ هذا المَشْهَدُ يُزارُ من قِبَلِ الإيرانيين، وَ تُلقَى فيهِ الأموالُ والتَّبَرُّعاتُ، وَ قدْ رأيتُ هذا المَشْهَدُ بنَفسِي، وَ كانتْ وَزَارَةُ الإرشادِ الإيرانيَّة قدْ بَاشَرَتْ بِتَوْسِيعِهِ، وَ تَجْدِيدِه، وَ فَوْقَ ذلك قَاموا بطبعِ صورة المَشْهَدِ على كارتات تُستَخدَم في تَبادُلِ الرَّسَائلِ وَ المَكاتيبِ. انتهَى كلامُه.

وَ يَقُولُ الإمامُ ابن تَيْمِيَّة رحِمَهُ الله تَعَالَى في مِنْهَاجُ السُّنَّة النَّبَوِيَّة: (وَ لِهَذَا تَجِدُ الشِّيعَة يَنتَصِرونَ لأعداءِ الإسلامِ المُرتَدِّين، كَبني حَنِيفَةَ أتْبَاعِ مُسيْلَمَةَ الكذَّاب، وَ يَقُولونَ إنَّهُم كانوا مَظْلومينَ)، كَمَا ذكَرَ صاحبُ هذا الكتابِ (وَ يَنْتَصِرونَ لأبي لؤلؤةَ الكافرِ المَجوسيّ، وَ منهُم من يَقُول (اللهمَّ ارضَ عَن أبي لؤلؤة واحْشُرنِي مَعَه)، وَ منهُم مَن يقولُ في بعض ما يَفعَله منْ مُحارَبَتِهِم (وَ ثَارَاتِ أبي لُؤلؤة). كَمَا يَفعَلُونَهُ في الصُّورَةِ التّي يُقدّرون فيها صورةَ عُمرَ من الجِبْسِ أوغَيرِه، وَ أبولؤلؤة كافرٌ باتِّفاقِ أهلِ الإسلامِ، كانَ مَجُوسِيًَّا مِن عُبَّادِ النِّيرانِ، وَ كانَ مَمْلوكًا للمغيرة بن شُعْبَة، وَ كان يصنعُ الأرحَاء، وَ عليهِ خَراج للمغيرَةِ كُلَّ يومٍ أربعَ دراهِم، وَ كانَ قدْ رَأى ما عَمِلَهُ المُسْلِمونَ بأهْلِ الذِّمَّة، وَ إذَا رَأَى سَبْيَهُم يَقْدُمُ المَدينة يَبُقى من ذلك في نَفْسِهِ شَيء) انتَهى كًلًامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

ثُمّ ظَهَرَتْ ثَانِي جَرِيمَةٍ سِياسِيّةٍ مِنْ جَرَائِمِ الرّافِضةِ أَلا وَ هِي جَريمةُ مَقتَل الخَلِيفة عُثمان رَضِيَ الله عنه، بَعدَ بَثِّ الشُّبََهِ واستِثارَةِ الشَّعب ضِدَّه. لكِنْ هَذِهِ المرّة، الجَرِيمَة مُستَنِدَةٌ على مخطَّطٍ وفِكرٍ مُتَبلوِرٍ وَ نَاضِجٍ وَ أَكْثَرُ حِبْكَةً مِنْ سابِقَتها، عَلَى يَدِ المؤَسِّس الحَقِيْقِيِّ لمَذهَبِ الرَّفض، اليَهُودِيُّ بنُ سَبَأ. حَتى أنَّ فِرقَةً مِنْ فِرَقِ الرّافِضَةِ انْتَسَبَتْ لَهُ وَ سُمُّوا بِالسَبَأِيَّة، وَ عَبْدُ اللهِ بنُ سَبَأ هَذا وَ إِنْ كَان يَتَبَرَّأ مِنْه الرّافِضَةُ اليومَ ظَاهِرَاً إِلا أنَّهُ يَرْسَخُ في أمَّهَاتِ كُتبِهمْ بَاطِنَاً. حَتَّى أنَّ المحقِّقِين مِنْ عُلمائِهِم أكًّّدُوْا أَنَّ هَذِهِ الشَّخصيةَ مُثْبتَةٌ فِيْ أُمّهاتِ كُتُبِ الرّافِضَة، بَلْ وَ فِي كُتُبٍ مُتنَوّعةٍ وَ مَصَادِرَ مُخْتلفةٍ، بَعضُها في كُتُب الرِّجَالِ وبَعْضُهَا في الفِقْهِ وَ بَعْضُهَا فِيْ الفِرَق. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِيْ كِتَابِ [شَرحِ نَهْجِ البَلاغَة] مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِيْ الحَدِيْدِ أَنَّ عَبْدُ اللهِ ابْنُ سَبَأ قَامَ إلَى عَليِّ وَ هُوَ يَخْطِب، وَ مِنْ كِتَابِ [الأنْوَارِ النُّعْمَانِيّةِ] مَا ذَكَرَهُ سَيِّدُهم "نِعمةُ الله الجَزَائريّ" قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ سَبَأ لِعلِيّ: "أنت الإله حقاً".

وَ مَع أنَّ هَذا اليَهُوْدِيَّ الأَصْلَ، الرَّافِضِيَّ المَنْهَجِ وَ الدَّعْوَةِ قَدْ نَجَحَ فِيْ بَثِّ الِفتَنِ وَ تَشْكِيْكِ النّاسِ في شَرعِيَّةِ خِلافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَ مَعْ أنَّه تَمَّ وَ بإيْعِازٍ مِنْهُ قَتْلُ الخَلِيفَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، إِلا أنََّه لَمْ يَهْدَأ لَهُ بَالٌ بِذَلِك. لأنَّه حَقِيقَةً، لا يَقْصِدُ عَزْلَ أَمِيرٍ وتَنصِيبَ آخَر، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَفْتِنَ المُسْلِمِينَ وَ يُلَبِّسَ عَلِيهِم دِيْنَهُم، فَاسْتَمرَّ يَحِيكُ المُؤامَرات، وَ يَفتِلُ حَبَائِلَهَا حَتّى فِي زَمَنِ أَمِيْر المُؤْمِنِينَ عَليّ بُنِ أَبي طَالِب رَضِيَ الله عَنْهُ. فَبَعْدَ أنْ كَادَتْ تَخْمد فِتْنَةُ "وَقْعَة الجَمَل" وَ يَصْطَلِحَ الفَرِيقَانِ وَ يُسَلِّمُوْنَ لأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِي، وَ إذَا بِهِ وَ بِأَتْبَاعِهِ يَغدِرُوُن ويُّصِرّوْنَ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِين. فَيَهْجُمُونَ عَلَى أَصْحَابِ "الجَمَل" وَ يَبْدَأونَ بِقِتَالِهِم لِيُوقِعُوا الحَرْبَ التِي كَادَتْ أَنْ تَنْطَفِئَ دُونَ قِتال. لَيْسَ هَذَا فَحَسْب، بَلْ إنّ الذّينَ أَظهَرُوْا تَشَيُّعَهُم لأمِيْر المؤمنينَ عَليٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ فِيْ ذَلِكَ الوَقْت، وَ طَلَبُوا مِنْهُ الخُرُوْجَ إِلى العِرَاقِ وَ تَحْوِيْلَ عَاصِمَةَ الخِلافَةِ إلَى الكُوْفَةِ خَذَلُوهُ وَ تَخَلّوا عَنْه مِرَارَاً. فَحِين عَزَمَ عَلى الخُرُوجِ إلى أَهْلِ الشَّام، ليُمسِكَ بِزِمَامِ أُمُوْرِ المُسْلِمِينَ حَتَّى لا تَكُونَ فُرقَةٌ وَ اخْتِلافٌ وَ لِتتَوحَّد كَلِمَةُ المُسْلِمِيْن، تَسَلّلوا مِنْ مُعَسْكَرِهِ دُوْنَ عِلْمِهِ عَائِدِينَ إِلَى بُيُوتِهِم، حَتَّى بَاتَ مُعسْكَرَهُ خَالِياً. حَتّى قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهِم: "مَا أَنْتُم إلا أُسُوْدُ الشَّرَى في الدَّعَة، وَ ثَعَالبٌ

رَوَّاغَةٌ حِين تُدْعَوْن إلى بَأْس، وَ مَا أَنْتُم لِيْ بِثِقَة". حتّى قال:

"وما أنتم برَكْبٍ ُيصَال بكم، ولا ذي عزٍّ يُعتَصَم إليه. لَعَمرُ الله لَبَأْسَ حَشَاشُ الحَرْبِ أَنْتُم. إِنّكُم تُكَادُونَ وَ لا تَكِيْدُوْن، وَ تُنتَقَصُ أَطْرَافُكُم وَ لا تَتَحَاشَون".

وَ خَانُوُهُ كَذَلِكَ وَ خَذَلُوْهُ تَارَةً أُخْرَى لَمَّا أَقْدَمَتْ جُيُوشُ خَالِ المؤْمِنِين رُغْمَ أَنْفِ الرَّافِضَة، مُعَاوِيةَ رَضِيَ الله عَنْهُ مُتَوَجِّهة لِعَيْنِ التَّمْرِ مِنْ أَطْرَافِ العِرَاْق. فَاسْتَنْهَضَهُم للدِّفَاعِ عَنْ أَرضِ العِرَاقِ فَلَمْ يُجِيبُوْه. حَتّى قَالَ فِيْهِم: " يَا أَهلَ الكُوْفَة، كُلّما سَمِعْتُم بِمَنْسِرٍ من مَناسِرِ أَهْل الشَّامِ انْجَحَرَ كُلُّ امْرئٍ مِنْكُمْ فِيْ بَيْتِه، وَ أَغْلَقَ بَابَهُ انْجِحَارَ الضَّبِّ فِيْ جُحْرِهِ وَ الضّبعِ في وَزَارِهَا، المَغْرُورُ مَن غَرَرْتُمُوه، وَ لِمَن فَازَ بِكُمَ فَازَ بِالسَّهْمِ الأَخْيَبْ. لا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاء، وَ لا إِخوانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاة. إِنّا للهِ وَ إنّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْن".

وَ لمّا رَأَى ذَلِكَ اليَهُودِيُّ الرّافِضيُّ أنَّ الأمُورَ السّياسِيّةَ فِي البِلادِ صَارَتْ كَمَا خَطّطَّ لَهَا، لَمْ يَكْتَفيْ بِذَلِك. فَأرَادَ أَنْ يَهدِمَ مِن الدِّيْنِ جَانِبَهُ الأَصِيلُ حَتَّى لا يَكُونَ للمُسْلِمِينَ مَرَدٌّ يَرُدُّهُم لِلحَقِّ إِذَا مَا تَنَازَعُوا سِياسِيّاً. فَبَدَأَ بِالجَانِبِ الدِّينيِّ الذّيْ يَمَسُّ عَقِيْدَةَ الإِسْلامِ يَرُومُ زَعزَعَتَهُ كَمَا زَعْزَعَ سِيَاسَةَ البِلادِ فِيْ أَرْكَانِهَا. فَكَانَ مِنْ جَرَائِمِه الدّيْنيّةِ التّي كَانَ سَنَّها حتّى صَارَتْ دِيناً وَ أْصْلاً مِنْ أُصُولِ الرَّافِضَةِ فِيْمَا بَعْد، الطَّعنُ والسَّبُّ في الصَّحَابَةِ الكِرَام، وَ كَانَ أَوّلُ مَنْ دَعَا إِلَى القَوْلِ بتَأْليْهِ عَليّ بن أَبي طَالِب رَضِيَ الله عَنْه حَتَّى هَمَّ بتَحْرِيقِهِ ثُّمّ نَفاهُ وَ حَرَّقَ السَّبَأِيَّة الّذِينَ اتّبعُوا قَوْلَهُ وَ تمسَّكُوا بِتَأليْهِهِ بَعْدَ أَنْ رَفَضُوْا اسْتِتابَتَهُ لَهُم، وَ أَخَذَ هَذَا اليَهُودِيُّ الرَّافِضِيُّ يُرَوِّجُ لِخَليطٍ مِنْ فَاسِدِ مُعْتَقَدَاتٍ يَهُوْدِيَّة وَ نَصْرَانيّة وَ مَجُوسِيّة، حَتّى ثَبتَتْ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ في نُفُوسِ أَصْحَابها. فَكَانَتْ أُسُسَ وأُصُولَ مَذْهَبِ الرّوافِضِ عَلَى جَمِيْعِ فِرَقِهم.

وَ هَا هِيَ خِيَانَتُهُم تَتَواصَلُ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ لِتَصِلَ إِلى ابْنَيْهِ الحسَنِ والحَُسَين سِبْطَي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم وَ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الجنّةِ. فَخَانُوا الحَسَنَ حِيْنَ أَصَرّوا عَلَيْهِ مُحَرّضِينَ لَهُ بِالخُرُوجِ إِلى الشَّامِ لِقِتَالِ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللهُ عَنْه. فَمَا كَانَ مِنْهُ وَ هُوَ الّذِي خَبَرَ مَكرَهُم وَوَافَقَهُم مُسَايَرةً لَهُم لإِخْرَاجِ خَبِيئَتِهِم وَ هُوَ يَمِيْلُ بِرَأيِهِ إِلى مُصَالحَة مُعَاوِيةَ إِلاّ أَنْ جَهَّزَّ جَيْشاً عَلِى رَأسِهِ قَيسُ بنُ عُبَادَة، فلمّا نَادى مُنَادٍ بِمَقْتلِ قَيْس سَرَتْ فِيْهِمُ الفَوْضَى وَ أَظْهَرُوا حَقِيْقَتَهُم وَ عَدَمَ ثَبَاتِهِم. فَانْقَلَبُوا عَلى الحَسَنِ يَنهَبونَ مَتَاعَهُ حَتَّى نَازَعُوهُ البِسَاطَ الذِّي كَانَ تَحْتَهُ بَعْدَ أَنْ طَعَنُوْهُ وَ جَرَحُوْه. بَلْ وَصَلَتْ خِيَانَتُهُمْ إِلى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَد فَكَّرَ المُخْتَارُ بنُ أَبي عُبَيْد الثَّقَفي وَ هُوَ أَحَدُ شِيْعَةِ العِرَاقِ بِأَنْ يُهَادِنَ مُعَاوِيَةَ مُقَابِلَ تَسْلِيْمِ الحَسَن، فَعَرَضَ عَلى عَمّهِ سَعْد بن مَسْعُود الذّي كَانَ وَالِياً عَلَى المَدَائِنِ بِقَوْلِهِ: "هَلْ لَكَ فِي الغِنى وَ الشَّرَف؟ " فقال له عَمُّه "وما ذاك؟ " قال "تُوثِقُ الحَسَنَ وتَستَأمِنُ بِهِ إلى مُعَاوِية. " فقال له عَمُّّه: "عَلَيْكَ لَعْنةُ الله، أَثِبُ عَلَى ابْنِ بِنْتِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فَأُوثِقَه، بِئسَ الرَّجل أنت".

وَ هَا هُوَ الحَسَنُ رَضِيَ الله عَنْهُ يَحْكِي خِيانَتَهُم لَهُ مُفَضِّلاً الصُّلحَ مَعْ مُعاوِيةَ رَضِيَ الله عَنْه، وَ التّنازُلَ لَهُ وَ حِفْظَ بَيضَةِ وهَيبَةِ آلِ البَيْتِ قَائِلاً: "أَرَى مُعَاوِيةَ خَيراً لِيْ مِنْ هَؤُلاء، يَزْعُمُونَ أنّهم لي شِيعَة، ابتَغَوا قَتْلِي وَ أَخَذُوا مَالِي. والله لإِن آخُذ مِنْ مُعَاوِية مَا أَحْقِنُ بِهِ دَمِيَ في أَهْلِي وَ آمَنُ بِهِ في أَهْلِي خَيرٌ مِن أَنْ يَقْتُلُونِيْ فَيَضِيعُ أَهْلُ بِيْتِي وَ أَهْلِي. وَ الله لَوقَاتَلْتُ مُعَاوِيَةَ لأَخَذُوا بِعُنُقِي حَتَّى يَدفَعوا بِي إِليْهِ سِلْمَا، وَ الله لإِن أُسَالِمَهُ وَ أنا عَزِيزٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقْتُلَنِي وَ أنا أسيرٌ."

وأمّا في عَهْدِ الدّوْلَةِ الأُمَوِيّةِ الّذِيْنَ اسْتَمَرّ حُكمُهُم مِنْ 41 الى 132 للهجرة. فَلَقد بَرَزَتْ خِيَانَاتُهُم فِيْ جَانِبِهَا السِّيَاسي أَكْثَر مِنَ الجَانِبِ العَقَدِي، ذَلِكَ لأنّهُم يَعلَمُونَ أَنّهُ مَتَى كَانَ للمُسْلِمِينَ خَلِيْفَةٌ مُسْلِمٌ يُحْسِنُ حِرَاسَةَ دِيْنِهِم وَ سِيَاسَةَ دُنْيَاهُم فَإِنّه لَنْ يَكُونَ للجَانِبِ العَقَدِيِّ أَيُّ أَثَرٍ يُذْكَر، لأنّه سَاعٍ في قَمْعِ وَ إِخْمَادِ كُلِّ فتنةٍ وَ شُبْهَة. فَكَانَ لا بُدّّ لَهُم فِيْ هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنْ التّرْكِيْزِ وَ الاهْتِمَامِ أَوّلاً وَ بِشَكلٍ أَكْبَر عَلى خَلخَلَةِ الجانِبِ السّياسِيِّ وَ التّي مِنْ خِلالها يَتَخَلخَلُ الدِّيْن. فَرَاحُوْا يَسْتَثِيْرُونَ حَمِيّة الحُسَيْنِ بنِ عَلي رَضِيَ الله عَنْهُمَا عَلَى دِيْنِه بِأَخْبَارٍ وَ رِوَايَاتٍ مُبَالَغٍ فِيْهَا ومَكذوبَةٍ عَنْ يَزِيْدَ بِن مُعَاوِيَة مِن أنّه ظَلَمَ الخلقَ وَ عَطَّلَ الشَّريعَةَ الحَقّةَ حتّى بادَرَ بِإِرْسَالِ ابْنِ عَمِّه مُسلمٍ بنِ عَقيل ليَتَحقَّقَ الأَمْر، وَ مَا إِنْ وَصَلَ وَ عَلِمَ بِهِ أَهلُ الكُوفَةِ حَتّى سَارَعُوا إِليْه، فَأَخَذَ البيعَةَ مِنْهُمْ ثمّ أَرَسَلَ بِبَيعَةِ أَهلِ الكُوْفَةِ إِلَى الحُسين. فَلَمَّا عَلِمَ وَالِيْ الكُوْفَة عُبَيدُ الله ابنُ زِيَاد بِأَمرِ البَيعَةِ جَاء فقَتَلَ مُسلِماً بِن عَقِيل كَمَا قَتَلَ مُضِيفَه هَانِئَ بن عُروةَ المُرادِيّ على مَرْأَى وَ مَسْمَع مِنْ شِيْعَة أَهْلِ الكَوْفَةِ الذّينَ كَانُوا للتَّومُبَايِعِينَ وَ مُتَحَمِّسِين وَ مُحَمِّسِين للبَيْعَة.

وَمَعَ ذلِك فَلَم يُحَرِكُوا سَاكِناً لِلدِِفاعِ عَنْ مُسلِم وَلا عَنْ هانِئ بَعدَ إن إشتِرى عُبيدُاللهِ ابنَ زِياد ذِمَمَهُم بِاللأَموال.

فَلَيّتَ شِعري أيُّ عَهد، بَلّ أيُّ بَيعَةٍ هذِهْ الّلتي نَقَضُوها قَبلَ أن يُقِيمُوها, وَلَيّتَ شِعري أيُ تاريخٍ هَذا الَّلذي يُسَطِرَ خِيانَةَ القَومِ لِيُعيدَ نَفسَه كَما هُوَ فِي أيَّامِنا هذِه, فَهذِهِ الذِمَمَ أَرخَصُ ماتَكُون عِندَ أَصحابِ الرَّفضِ فِي هذِهِ الأَيّام كَما فِي سالِفِها حَتى أنَّهُم لَيَبِيعُونَها بِثَمَنٍ بَخسٍ دَراهِمَ مَعدُودَه, نَقُولُ مَعَ هذا كُلّهِ أَبى الحُسَين رَضِيَ الله عَنه إلاَّ أن هَرَعَ لِنَجدَتِهِم على ما ادَعَوهُ مِن وُقوعِ الظُلمِ بِهِم وإستِباحَة الحُرُمات وَتَعطيلِ الحُدود مِن قِبَلِ عُمَّالَ يَزيدٍ ابنَ مُعاوِيَه وإرسالِهِم بِالبَيعَةِ لَه فَخَرَجَ على قِلَّةٍ مِن أَصحِابِهِ المُتابِعِين وَكَثرةٍ منَِ المُحَذِرينَ لَهُ مِن عَدَمِ الخُروج وَبِما حَصَلَ لِلأَبِيهِ وَأَخِيهِ مِن غَدرَتِهِم مُذَكِرين وَلكِن أَبَى الله إلاَّ أن يُتِمَ أَمرَه فَلَما عَلِمَ يَزيد بِمَقدَمِ الحُسَين أَرسَلَ إِليهِ جُندَهُ لِيَصُدُّوه وَيَحِيلوا بَينَه وَبَينَ صَدِعِ كَلِمَةِ المُسلِمين فَلَمّا رَأَى الحُسَينُ أنَّهُ قَد أُحِيطَ بِه ورأى خُذلانَ شيعَتِه له, وَ خُذلانُهُم عَن مُناصَرَتِه عَلِمَ أنَّهُ وَقَعَ فِي فَخِ خِيانَتِهِم فَعَرَضَ على قائِدِ جُندِ يَزيدَ أَحَدَ ثَلاثة:

إمَّا أَن يَعُودَ مِن حَيثُ أتى أَويَترُكُوه يَمضِي لِيُقابِلَ يَزِيدَ بِنَفسِه وإلاّ فَيَدَعُوهُ يَلحَق بِأَهلِ الثُغورِ مُجاهِداً مُرابِطاً ولكن عبيد اللهِ ابن زِياد أبى إِلاّ أن يُقاتِلَهُ حتى قُتِل.

وَمِن غرائِب وَعَجائِب وَقاحَتِهِم أنَّ عُلَمائَهُم يُسَطّرونَ الرِواياتِ عَنِ الحُسَين فِي ذَمّهِ لَهُم وَالدُّعاءِ عَلَيِهِم ََقَبلَ مَقَتلِه فَقَد جاءَ فِي كِتابِ [إعلامِ الوَرى] لِلطَبرُسِيّ دُعاءُ الحُسَين على شِيعَتِهِ قَبلَ إستِشهادِهِ: "الّلهُمَّ إن مَتَعتَهُم فَفَرِقهُم فِرَقا، وَ َاجعَلهُم طرائِقَ قِدَدَا وَلا تُرضي الوُلاةَ عَنهُم أبَدا، فإِنَهُم دَعَونا لِيَنصُرونا ثُمَّ عَدَوا عَلَينا فَقَتَلونا".

وَ إنَّنا هُنا نَقِفُ وَقفَةَ المُتَفَكِر وَنَتَأمَّل لِهذِهِ الخِياناتِ لِلأَهلِ البَيّت تَأَمُّلَ المُعتَبِر فإِذا كانَ هذا حاُلُهُم مَعَ مَن يدَّعُونَ مَحَبَتِهِم بَل وَالمُبالَغَةَ وَالغُلوَّ فِي مَحَبَتِهِم فَكَيفَ يَكُونُ حَاَلَهُم مَعَ غَيرِهِم وَلإِن طالَت مُحِبيهِم خِياناتَهُم فَمِن بابِ أولى ان تَطالَ غَيرَهُم مِنَ المُسلِمينَ على ما نَراهُ اليَومَ مِن مُسارَعَتِهِم إلى الكُفَّارِ وَمُوالاتِهِم وَمُخاذَنَتِهِم.

وَ مِن أهَمّ الخِياناتِ الَّتي تَمَّت في عَصرِ بَني أُمَيُّة ماذُكِرَ في وَفَياتِ الأَعيان أَنَّهُم ساهَموا فِي خُروجِ بَني العَبَّاسِ على الخِلافَةِ الأُمَوِيَّة، وإِسقاطِها بِسُقوطِ خُراسَان على يَدِ "أبي مُسلِمٍ الخُراسانِيّ" والَّذي أَخَذ يَدعوا بِبَيعةِ إبراهيمَ بنِ مُحَمَّد فَلما عَلِمَ نَصرُ إبنَ سِيّاط نائِبُ مَروانَ إِبنَ مُحَمَّد آخِر مُلوكِ بَنِي أُمَيَّة بِخُراسان كَتَبَ إلى مَروان يُعلِمَه بِأمرِ البَيعَةِ فَكََتَبَ مَروانُ إلى نائِبِهِ بِدِمَشق بِإِحضارِ إِبراهيم مُوثَقاً فَأَحضَرَهُ وَ قامَ بِحَبسِهِ وَلمّا تَحَقَقَ أَنَّ مَروانَ لابُدَّ قاتِلَه أوصى إلى اخِيه السَّفّاح وَهُوَ أوَّلُ مَن وُلِيَّ الخِلافَةِ مِن أَولاد العَبّاس وَبَقِيَ إبراهيمُ بِالحَبِسِ شَهريّنِ حتى مات وَقِيلَ قُتِل.

وَ أمّا فِي العَهدِ العَبّاسِيّ وّالّّذِي إِستَمَرَ حُكمُهُم فِيهِ مابَينَ سَنَةِ مِئَةٍ واثنَينِ وَثلاثين، إلى سِتُ مِئَةٍ وَسِتٌ وَخَمسينَ لِلهِجرة، فَحَدّث وَلا حَرَج عَن ظُهورِ أمرِ الرّافِضَة وَ تَشَعُبُ خِياناتِهِم وَتَفَنُنِهِم في أسالِيبِها، وَمِن جَميعِ الجَوانِب سِياسِيَّةً كانَت أَودِينِيَّة أَوأَخلاقِيَّة. فَأمَّا الإَغتِيالاتِ فَأكثَرُ مِن أَن تُحصى وأمَّا قلاقِلُ الإِنقِساماتِ وَ الدُويّلاتِ الخارِجَةِ عَنِ الخِلافَةِ أشّدُ مِن أن تُرسَى فَكانَت بِدايةُ جَرائِمِهِم في هذا العَصر سِياسِيَّة تَروم إِسْقاطِ الخِلافةِ الأُمَوِيَّةِ وَالخُروجَ عَلى وِلايةِ الحاكِم الأُمَوِيّ ثُمَّ بَعدَ ذلِك التَسَتُر بِدَعوى أحَقِيةِ بَنِي العَبَّاسِ فِي الخِلافَه والَّتي نَادى وَدَعَى إِليّها أبومُسلِم الخُراسانِيّ لِيَتَمَكَنوا مِنَ السَيطَرةِ عَلى مَقالِيدِ البِلاد بَعدَ أن أظهَرُوا مُوالاتِهِم وَمُشايَعَتِهِم لِبَني العَبَّاسِ زُورا, فَبَدَأوا بِخُراسان الَّتِي كانَت أَوَّلَ ما سَقَطَ مِنَ البِلاد عَلى يَدِ أبِي مُسلِم وَ مَع بِدايَة العَهدِ العَبّاسِيّ فَأَخَذَ الفُرسُ الحاقِدونَ يَشفُونَ غَلِيلَهُم مِن العَرَب المُسلِمين هُناكَ فَأَشبَعُوهُم قَتلاً وَ بَطشاً وَتَنكِيلا.

وَحاوَلَ أبومُسلِم نَفسَهَ شَقَّ عَصَا الطاعَة عَلى المَنصُور الَّذي وَلِيَ الخِلافَة بَعدَ مَوتِ أَخِيهِ السَّفّاح وَحاوَلَ أن يَغدُرَ بِهِ وَلكِنَّ المَنصُور بِدَهاءِهِ وَفِطنَتِهِ تَنَبَهَ لِما يُحِيكَهُ أَبومُسلِمٌ لَهُ فَاستَدرَجَه حَتى تَمَكَنَ مِن قَتلِهِ شَرَّ قَتَلَه وَدارت بَعَدَ ذلِكَ مُحاولاتٌ فاشِلَه مِن أنصارِ أَبِي مُسلم لِلإِنتِقامِ لَه تارةً مِن خِلالِ الفِتَنِ السِياسِيَّة وَ تارةً مِن خِلالِ بَثِّ الشُبُهات.

وَ ِمِن هذِه المُحاولات خُروج "سَِنباب" الَّذي طَالَبَ بِبَدَنِ أَبِي مُسلم فَأَرسَل لَهُ المَنصور جَيشاً فَهَزَمَهُ ثُمَّ ظَهَرَت "الراوِنديَّة" قُربَ أَصفَهان أَيضاً مِن جماعَةِ أبِي مُسلم يَدعُونَ لِمُعتَقَداتٍ فاسِدةٍ فَنادَوا بأُلوهِيَّة المَنصور وَأَرادوا بِذلِكَ خِداعَهُ والإِيقاعَ بِهِ لِقَتلِه وَلكِنَّهُ حارَبَهُم وانتَصَر عَلَيهِم ثُم ظَهَرَ بَعدَ ذلِك مِنهُم رَجلٌ لَقَّبَ نَفسَه بِالمُقَنَّع زَعَم أنَّ الله سُبحانَه وَتعالى حَلَّ فِي آدم ثُمَّ في نوح ثُمَّ في أبِي مُسلِم ثُمَّ حَلَّ بِه أخيراً، وَ استَطاعَ أَن يُكَوِنَ لَهُ جماعة وَتَغَلَّبَ عَلى بِلادِ ماوراءِ النَّهر مُتَحَصِناً بِقَلعَةِ "كَش" ولكِن الخلِيفةُ المَهدِيّ وِالَّذي إِشتَهَرَ بِشِدَّتِهِ على المَلاحِدة والزَنادِقَة، تَعَقَبَهُ فأَرسَلَ لهُ جَيشاً يُحاصِرَهُ فَلمّا تَيَقَنَ هلَكَتهُ سَقى نَفسَه وأَهلَ بَيتِهِ السُمَّ وَ هَلَك.

وَ مَع ذلِك فَلَم يَستَطِع المهدِيّ أن يَقضِيَ على فِتنَتِهِم نَظَراً لِتَسَتُرِهِم الدّائِم بالتَقِّيةِ وَالسِّريَّة فَهُم دائِماً يَعمَلونَ وَيُخَطِطُون بِالخَفاء مُستَخدِمينَ النِّفاقَ الإِجتِماعِيّ بِالتَقَرُبِ وَالتَزَلُف إلى كِبارِ رِجالاتِ الدّولَةِ فِي الخِلافَةِ العَبَّاسِيَّةِ حَتى تَمَكَنوا مِن الوُصولِ لِلمَناصِب الوِزارِيَّة فَاستَوزَرَ كَثيرٌ مِن خُلَفاءِ بَنِي العَبّاس هؤلاءِ الرّافِضَةَ المَجُوس؛ كالبَرامِكَةِ وأبي مُسلِم الخُرَسانِيّ وَالمَجوسِيّ الفَضل إبن سَحَل الَّذي كَانَ وَزِيراً لِلمَأمُون وَقائِداً لِجَيشِهِ وَكانَ يُلَقَّب بِذِي الرِياسَتَين (أي الحَربِ والسِياسَة) , بَل وَزَوَجوا أَبنائَهُم مِن بناتِ الفُرس فأُمُ المَأمُون مَرَاجِلُ فارسِيَّة ما أدّى إلى تَأَثُرِهِ وَظُهورِ هذا الأَثَر عِندَما إنتَهى الحُكمُ إِليه حَيثُ إِتَّخَذَ مِن "مَرْوَى" عاصِمَةً للخِلافَة بَدَلاً مِن بَغداد ونادى بِأَفكارٍ وَفَلسفاتٍ غَريبةٍ عَنِ الإِسلام كَقَولِه بِخَلقِ القُرآن. وَ جَاءَتْ هَذِهِِ الدَعوَةُ مِن رَواسِبِ تَربِيَتِهِ الفارسِيَّة المَجوسِيَّه فَكانَ نَتيجة هذا التَقارُب أن تَمَكَن رافِضةُ المَجوسِ مِن بَثِّ أفكارِهِم وَمُعتَقَداتِهِم بَينَ المُسلِمين وَراحُوا يَدِسّونَ الأَحاديثَ المَكذُوبَة، وَ يَلصِقُونَها بِالدّين َوراحوا يُصَوِرونَ التَّاريخَ الإِسلاميّ على أنَّهُ تاريخُ فِتَن وَخُصومةٍ بَينَ الصّحابَة وَ يطعَنُونَ بِأَبِي بَكرٍ وعُمَرَ خاصَّه وَفِي الصَّحابِةِ عامَّه بَل إنبَرى شُعَرائُهُم يَتَفاخَرون بِمَجدِ فارس القَدِيم مِمّا حَدَى بالأَصمَعِيّ هِجاءِهِ بِقَولِه:

إذا ذُكِرَ الشِركَ بِمَجلِسٍ

**

لَضاءَت وُجوهِ بَني بَرمَكِي

وإِن تُلَيَت عِندَهُم آيةٌ

**

أَتَوا بِالحديثِ عَن مَزدَكِي

بَل نَتَجَ عَن هذا التَقارُب ماهُوأشَدُّ على دَولَةِ الإِسلام وَدِينِهِ أَلا وَهُوَ تآمُرُهم على الخلافةِ وخُرُوجَهَم وإستِقلاَلَهُم في مَناطِقَ مُتَعَدِدَة.

فَكَانَ أوّلُ من خَرَجَ على الخلافَةِ العبّاسِيّة، هُوَ ما قَامَ بِهِ طَاهِرُ بْنُ الحُسين الخُزَاعِيّ، حيثُ اسْتَقلّ بِخُراسانَ كَمَا فَعَلَ من قَبْلُ "أبومُسْلم" وتَوَالَتْ بعْدَ ذلِكَ الانْقِسامَاتُ عنِ الخِلافَةِ وَ ظَهَرَتِ الخِيَانَاتُ وَالجَرَائِمُ العَظِيمَةُ مِنْ هَذِهِ الدُّوَيلاتِ, فَكَانَ القَرَامِطَةُ فِي الأَحسَاءِ وَالبَحْرَينِ وَاليَمَنِ وَعُمَانَ وَفِي بِلادِ الشَّامِ, وَالبُوَيهِيُّونَ فِي العِرَاقِ وَ فَارِس, وَالعُبَيدِيُّونَ فِي مِصْرَ وَالشَّامْ, وَلكِنْ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالى أَنَّهُ لمْ يَكُنْ يَظهَرُ للرَّافِضَةِ يَدٌ وَدَولَةٌ إِلا وَيُظهِرُ اللهُ عَليهِمْ مَنْ يَقُومُ بِجِهَادِهِمْ وَيَسُومُهُمْ العَذابَ, فَقُيَِِّضَ للرَّافِضَةِ فِي تِلكَ الفَترَةِ السَّلاجِقََةُ الأَترَاكِ السُّنِّيِّينَ, الذِينَ كَانَ وَلاءُهُمْ تَابِعَاً للعَبَّاسِيِّينَ وَ لكِنَّهُمْ كانُوا أَشِدَّاءَ عَلى الرَّافِضَةِ فَقَامَتْ هَذِهِ الدُّوَيلاتِ الرَّافِضَةِ بِالتَّعَاوُنِ مَعَ الصَّلِيبِيَّينَ وَمَكَّنَتْهُمْ مِنَ الدُّخُولِ إِلى بِلادِ المُسلِمِينَ للقَضَاءِ عَلى أَهلِ السُّنَّةِ الذَينَ عَجَزُوا عَنْ الصُّمُودِ فِي مُجَالدَتِهِمْ.

فَمِنْ جَرَائِمِ القَرَامِطَةِ التِي رَصَدَهَا لنَا التَّارِيخُ فِي العَهدِ العَبَّاسِيَّ, فِي المَجَالِ السِيَاسِيَّ:

خُرُوجُهُمْ عَلى الدَّولةِ العَبَّاسِيَّةِ وَمُنَاوَءَتِهَا, وَتحرِيقِهِمْ مَنَازِلَ بَنِي عَبدِ قَيسٍ ثُمَّ اجتِيَاحُهُمُ الكُوفَةَ عَامَ 293 للهِجرَةِ, وَقِيَامِهِم بِالمَذَابِحِ الرَّهِيبَةِ التي حَدَثَتْ فِي ذَلكَ العَامِ حَتَّى أَرَّخَ لهَا المُؤَرِّخُونَ, وَمِنْ جَرَائِمِهِمْ فِي جَانِبِ العَقِيدَةِ وَشَعَائِرِ الدِّينِ:

أَنَّهُمْ نَشَرُوا العَقَائِدَ الفَاسِدَةَ ابتِدَاءً بِدَعوَى التَّشَيُّعِ لآلِ البَيتِ, ثُمَّ قَالوا بِالرَّجعَةِ وَعِلمِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلغَيبِ, ثُمَّ التَّنَكُّرُ لآلِ البَيتِ, وَذِكرِ مَثَالبِ عَليٍّ وَأَولادِهِ, وَ بُطلانِ هَذَا الدِّينِ, وَلِذَلكَ فَإِنَّ القَرَامِطَةَ كانُوا يُقَرِّبُونَ الفَلاسِفَةَ وَ يَعتَمِدُونَ عَلى نَظَرِيَّاتِهِمْ وَكُتُبِهِمْ, وَ يُوصُونَ دُعَاتَهُم:"وَإِنْ وَجَدتَ فَيلسُوفَاً فَهُمْ عُمْدَتُنَا لأَنَّنَا نَتَّفِقُ وَهُمْ عَلى إِبْطَالِ النَّوامِيسِ وَالأنبِيَاءِ وَعَلى قِدَمِ العَالمِ".

وَ فِي سَنَةِ 294 للهِجرَةِ قَامَ القَرَامِطَةُ الإسمَاعِيليُّونَ بِالإعتِدَاءِ عَلى حُجَّاجِ بَيتِ اللهِ الحَرامِ بَعدَ أَنْ أَمَّنُوهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ, فَقَتَلوا جَمِيعَ القَوَافِلَ, وَتَعَقَّبُوا مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ حَتَّى أنَّ نِسَاءَ القَرَامِطَةِ كُنَّ يَقِفْنَ بَيْنَ القَتْلَى يَعرِضْنَ المَاءَ فَمَنْ كانَ بِهِ رَمَقٌ يَقُمنَ بِالإِجهَازِ عَليهِ, وَلمْ يَكتَفُوا بِقَتْلِ الحَجِيجِ, بَل رَاحُوا يُفْسِدُونَ مِيَاهَ الآبَارِ بِالجِيَفِ وَالتَّرَابِ وَالحِجَارَةِ.

وَ فِي عَامِ 321 للهِجرَةَ قَامُوا كَذَلِكَ بِاعتِرَاضِ قَوَافِلِ الحَجِيجِ وَقَتلِ الرِّجَالِ, وَسَبيِ النَّسَاءِ وَالذُّريِّةِ, وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِجَرِيمَتِهِمْ فِي هَذَا العَصْرِ, حِينَمَا أَرسَلتْ إيرَانُ مَجْمُوعَةً مِنْ شِيعَةِ الكُوَيتِ لِتَروِيعِ الحُجَّاجِ فِي مَكَّةَ عَامَ 14.9 للهِجرَةِ, فَقَامُوا بِزَرعِ المُتَفَجِّرَاتِ المُدَمِّرَةِ فِي أَحَدِ الجُسُورِ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ, بَعدَ أَنْ سَلمَهُمْ إِيَّاهَا السَّفِيرُ الإيرَانِيُّ فِي الكُوَيتِ, وَهَرَّبُوهَا إِلى مَكَّةَ, وَقَدْ فَجَّرُوا مِنُهَا حَولَ المَسْجِدِ مَسَاءَ يَومِ السَّابِعِ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ مِنْ ذَلِكَ العَامِ, مِمَّا أدَّى إلى مَقْتَلِ رَجُلٍ وَإِصَابَةِ 16 شَخْصَاً بِجُرُوحٍ عَدَا الخَسَائِرِ المَّادِيَّةِ.

وَ مِنْ فَظَائِعِ جَرَائِمِهِمُ الدِّينِيَّةِ أَنَّهُمْ تَطَاوَلوا حَتَّى عَلى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ وَعَلى الكعبَةِ المُشَرَّفَةِ, فَسَرَقُوا مِنْهَا الحَجَرَ الأسْوَدَ, وَبَقِيَ عِندَهُمْ حَتَّى عَامِ 335 للهِجرَةِ, وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابنُ كثِيرٍ فِي [البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ]:" ذِكرُ أخذِ القَرَامِطَةِ الحَجَرَ الأسْوَدَ إلى بِلادِهِمْ:

فِيهَا خَرَجَ رَكبُ العِرَاقِ, وَأميرُهُمْ مَنْصُورٌ الدَّيلَمِيّ, وَوَصَلوا إلى مَكَّةَ سَالِمِينَ, وَتوَافَتِ الرُّكُوبُ هُنَاكَ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَجَانِبٍ وَفَجٍ, فَمَا شعَرُوا إِلا بِالقَرمَطِيِّ قَدْ خَرَجَ عَليهِمْ فِي جَمَاعِتهِ يَومَ التَّروِيَةِ, فَانتَهَبَ أمْوَالهُمْ, وَاسْتَبَاحَ قِتَالهُمْ, فَقَتَلَ فِي رِحَابِ مَكَّةَ وَشِعَابِهَا وَفِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَفِي جَوفِ الكَعْبَةِ مِنَ الحُجَّاجِ خَلقَاً كَثِيرََاً, وَجَلسَ أمِيرُهُمْ أَبُوطَاهِرْ - لعَنَهُ اللهُ - عَلى بَابِ الكعْبَةِ وَالرَّجَالُ تُصرَعُ حَولهُ, وَالسُّيُوفُ تَعمَلُ فِي النَّاسِ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فِي يَومِ التَّروِيَةِ, الذِي هُوَ مِنْ أشْرَفِ الأيَّامِ وَهُوَ يَقُولُ: أنَا للهِ وَ بِاللهِ, أنَا اللهُ أخْلُقُ الخَلقَ وَأَفْنِيهِم, وَكَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ مِنهُمْ فَيَتَعَلقُونَ بِأستَارِ الكعبَةِ فَلا يُجْدِي ذَلكَ عَنْهُمْ شَيئَاً يُقْتَلونَ وَهُمْ كذَلِكَ, وَيَطُوفُونَ فَيُقتَلونَ فِي الطَّوَافِ, فَلمَّا قَضَى القَرْمَطِيُّ أمرَهُ, وَفعَلَ مَا فَعْلَ فِي الحَجِيجِ مِنَ الأفَاعِيلِ القبِيحَةِ, أمَرَ أنْ تُدفَنَ القَتلى فِي بِئْرِ زَمْزَمْ, وَدَفَنَ كَثيراً مِنهُمْ فِي أَمَكِانِهِمْ مِنَ الحَرَمِ, وَفِي المَسجِدِ الحَرَامِ, وَيَا حَبَّذَا تِلكَ القِتْلةِ وَتِلكَ الضَّجْعَةِ, وَذلكَ المَدْفَنْ وَالمَكانِ, وَمَعَ هَذَا لمْ يُغَسَّلوا وَلمْ يُكفَّنُوا وَلمْ يُصَّلى عَليهِم, لإنَّهُمْ مُحْرِمُونَ شُهَدَاءَ فِي نَفسِ الأمْرِ, وَهَدَمَ قُبَّةَ زَمْزَمْ, وَأمَرَ بِقَلعِ الكَعْبَةِ وَنزعِ كِسْوَتِهَا عَنْهَا, وَشَقَّقَهَا بَينَ أصحَابِهِ, وَأمَرَ رَجُلاً أنْ يَصْعَدَ إلى مِيزَابِ الكَعْبَةِ فَيقتَلِعَهُ, فَسَقَطَ عَلى أُمِّ رَأسِهِ فَمَاتَ إلى النَّارِ, فَعِندَ ذَلكَ إنْكَفَّ الخَبِيثُ

عَنِ المِيزَابِ, ثُمَّ أمَرَ بِأنْ يُقلعَ الحَجُرُ الأسْودُ, فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ بِمِثْقَلٍ فِي يَدِهِ, وَقالَ: أينَ الطَّيرُ الأبَابِيلْ, أَينَ الحِجَارُةُ مِنْ سِجِّيلْ.

ثُمَّ قَلعَ الحَجَرَ الأسْوَدَ, وَأخَذُوهُ حِينَ رَاحُوا مَعَهُمْ إلى بِلادِهِمْ, فَمَكثَ عِنْدَهُمْ 22 سَنَةً حَتَّى رَدُّوهُ, فَإِنَّا للهِ وَإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ," انتَهَى كلامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

وَ أمَّا البُوَيهِيُّونَ فَكَذَلِكَ خَرَجُوا عَلى الخِلافَةِ العَبَّاسِيَّةِ, وَاستَولوَا عَلى العِرَاقِ عَامَ 334 للهِجْرَةِ, وَخَلعُوا الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ المُسْتَكفِي بِاللهِ, وَجَاؤُوا بِالفَضْلِ بنِ المُقتَدِرِ, فََنَصَّبُوهُ خَلِيفَةً, وَلقَّبُوهُ بِالمُطِيعِ للهِ, وَمِنْ جَرَائِمِهِمُ الدِّينِيَّةِ أنَّهُمْ فَرَضُوا التَّشَيُّعَ دِينَاً, وَ اتَّخَذُوهُ سِتَارَاً لِنَشرِ الأفْكَارِ وَالمُعتَقَدَاتِ المَجُوسِيَّةِ, وَبَثُّوا الفِتَنَ بَينَ المُسلِمِينَ عَلى أسَاسِ التَّفرِيقِ بَينَ أهلِ السُّنَّةِ وَبَينَ الشيعَةِ, وَانتَشَرَ فِي عَهْدِهِم سَبُّ الصَّحَابَةِ, وَهُمْ أوَّلُ مَنْ أَظهَرَ بِدعَةَ إِغلاقِ الأسْوَاقِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ مِنَ المُحَرَّمِ, وَنصبِ القِبَابِ, وَأظهَرُوا مَعَالِمَ الحُزنِ, وَأخْرَجُوا النِّسَاءَ يَلطُمنَ وَيَنُحْنَ عَلى الحُسَينِ, وَهُنَّ سَافِرَاتٌ نَاشِرَاتٌ لِشُعُورِهِنَّ, وَتَجَرَّأُوا عَلى ذَاتِ اللهِ تَعَالى, حَيثُ تسَمَّى آخِرُ مُلوكِهِم بِالمَلِكِ الرَّحِيمِ, مُنَازَعَةً للهِ فِي اسْمِهِ.

وَ أمَّا العُبَيدِيُّونَ, الذِينَ يَنسُبُونَ أنفُسَهُمْ زُورَاً إلى نَسْلِ فَاطِمَةَ بِنتِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ, فَحَدِّثْ وَلا حَرَجَ عَنْ جَرَائِمِهِمْ, فَقَدْ خَرَجُوا عَلى الخِلافِةِ العَبَّاسِيَّةِ, بَعدَ أنْ مَهَّدُوا لِهَذَا الخُرُوجِ بِمَرحَلةٍ سِرِّيَّةٍ بَثوا مِنْ خِلالهَا دَعْوَتَهُمْ, مُتَسَتَّرِينَ وَمُتَمَسَّحِينَ بِمَسُوحِ آلِ البَيتِ, فِي بِلادِ المَغرِبِ, ثُمَّ لمَّا تَمَكنُوا مِنَ السَّيطَرَةِ عَلى بِلادِ المَغْرِبِ, انتقلوا إلى مِصْرَ فَاستَولَوا عَليهَا, وَخَلعُوا الخَلِيفَةَ هُنَاكَ, وَكَانَ مِنْ أبْرَزِ جَرَائِمِهِمْ فِي الجَانِبِ العَقَدِيِّ:

أنَّ حَاكِمَهُمْ وَقَبْلَ دُخُولِهِمُ لِمِصرَ أَرْسَلَ مَبْعُوثَهُ لأهلِ مِصْرَ يَقطَعُ عَلى نَفسِهِ العُهُودَ بِعَدَمِ إِظهَارِ البِدَعِ وَإبقَاءِ السُّنَّةِ وَإحيَائِهَا, وَلكِنَّهُمْ بَعدَ دُخُولِهِمْ غَدَرُوا بِأهلِ مِصرَ, وَفَرَضُوا التَّشَيُّعَ وَألزَمُوا النَّاسَ بِإظهَارِهِ, وَاستَخدَمُوا مَنَابِرَ المَسَاجِدِ للدِّعَايَةِ إلى مَذهَبِهِم, وَنشرِ بِدَعِهِمْ, وَصَارَ يُنَادَى فِي الأذَانِ بِحَيَّ عَلى خَيرِ العَمَلِ, وَظَهَرَ مِنهُمُ الحَاكِمِ بَأمِرِ اللهِ, الذِي ادَّعَى الألوهِيَّةَ, وَبَثَّ دُعَاتَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ مَمْلكتِهِ, يُبَشَّرُونَ بِمُعتقدَاتِ المَجُوسِ, كالتَّنَاسُخِ وَالحُلولِ, وَيَزعُمُونَ أنَّ رُوحَ القُدُسِ انتقلتْ مِنْ آدَمَ إلى عَليٍّ ثُمَّ انتقلت رُوحُ عَليٍّ إلى الحَاكِمِ بِأمرِ اللهِ, وَكانَ مِنْ أبْرَزِ دُعَاتِهِ مُحَمَّدٌ بن اسمَاعِيلَ الدُّرزِيِّ المَعرُوفِ "بِأنُشتَكينْ", وَحمزَةَ بنَ عَليٍّ الزَّوزَنِيّ, وَهُوَ فَارِسِيٌّ مِنْ مُقاطَعَةِ "زُوزَنْ", وَجَاءَ إلى القَاهِرَةِ لِهَذِهِ المُهِمَّةِ, أي لِبَثِّ الدَّعوَةِ إلى ألوهِيَّةِ الحَاكِمِ.

وَ مِنْ جَرَائِمِهِمُ الدِّينِيَّةِ كذلِكَ, مُحَاوَلتُهُمْ نَبشَ قَبرِ النَّبِيِّ وَنقلِ جُثمَانِهِ الطَّاهِرِ مَرَّتَينِ فِي زَمَنِ الحَاكِمِ بِأمرِ اللهِ الذي ادَّعَى الألوهِيَّةِ, المُحَاوَلةُ الأولى: يَومَ أنْ أشَارَ عَليهِ بَعضُ الزَّنَادِقَةِ بِنَقلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مِصرَ فَقَامَ فَبَنَى حَائِزَاً بِمصرَ, وَأنفَقَ عَليهِ مَالاً جَزِيلاً, وَبَعَثَ أبَا الفُتُوحِ لِنَبشِ المَوضِعِ الشَّريفِ فَهَاجَ عَليهِ النَّاسُ وَحَصَل لهُ مِنَ الهَمَّ وَالغَمِّ مَا مَنَعَهُ مِنْ قَصدِهِ وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةِ, الثانِيَةِ: حِينَمَا أرْسَلَ مَنْ يَنْبِشُ قَبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ, حَيثُ سَكَنَ هَذَا الرَّسُولُ بِقُربِ المَسْجِدِ, وَحَفَرَ تَحتَ الأرْضِ, لِيَصِلَ إلى القَبرِ فَاكتَشَفَ النَّاسُ أَمرَهُ فَقَتَلوهُ.

ثُمَّ لمَّا قَيَّضَ اللهُ السَّلاجِقَةَ الأترَاكَ يَرُومُونَ نَشرَ السُّنَّةِ وَالقَضَاءَ عَلى دِينِ الرَّافِضَةِ شَعَرَ العُبَيدِيُّونَ بِعَزِيمَةِ وَقُوَّةِ هَؤُلاءِ الأبْطَالِ, وَعَلِمُوا مِنْ أنْفُسْهُمُ العَجْزَ عَنْ مُوَاجَهَتِهِم, فَلجَئوا إلى خُطَّتِهِمُ القَدِيمَةِ وَمَكرِهِمُ السَّالِفِ, حَيثُ أرسَلوا لأعْدَاءِ الدِّينِ مِنَ الصَّلِيبِيَّينَ, وَأغْرُوهُمْ بِدُخُولِ بِلادِ المُسْلِمِينَ وَالتَّوطِينِ لهُمْ, مُفَضِّلِينَ استِيلاءَ النَّصَارَى عَلى بِلادِ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَنْتَشِرَ مَذهَبُ السُّنَّةِ, وَيَظهَرُ السَّلاجِقَةُ, وَكانَ مِمَّنْ وَطَّنَ لهُمْ وَكَاتَبَهُمْ وَأرسَلَ لهُمْ, أَمِيرُ الجُيوشِ الفَاطِمِيُّ الأَفْضَلْ, وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابنُ الأثِيرِ:" إِنَّ أَصحَابَ مِصرَ مِنَ العَلَوِيَّينَ لَمَّا رَأَوْا قُوَّةَ الدَّولَةِ السُّلجُوقِيَّةِ, وَتَمَكُّنِهَا وَاستِيلائِهَا عَلى بِلادِ الشَّامِ إِلى غَزَّةَ, وَلم يَبقَ بَينَهُم وَبَينَ مِصرَ وِلايةٌ أُخرَى تَمنَعُهُم وَدُخُولَ الإِقسِيسِ إِلى مِصْرَ وَ حَصرَهَا, فَخَافُوا وَأَرسَلُوا إِلى الإِفرَنجِ يَدعُونَهُمْ إِلى الخُرُوجِ إِلى الشَّامِ لِيملِكُوهُ".

وَ يَقُولُ الدُّكتُورُ مُصطَفَى العَنَانِيّ, نَقلاً عَن المُؤَرَّخِ اللاتِينِيَّ المُعَاصِرِ لِلحَملَةِ الصَّليبِيَّةِ الأُولى "كفَارُوالكَاسكِي": لِيَكُن مَعلُومَاً لدَى الجَمِيع الآن, وَفِي المُستَقبَلِ وَفِي عَهْدِ البَابَا "أُوربَان الثَّانِي" الطَّيبِ الذِّكرِ, أَنَّ الدُّونَ "جُون فرِيد" بِصُحبَةِ الكُونت "فرَاند لِينِيس" وَعَدَدٌ آخَرُ مِنَ النُّبَلاءِ وَالسَّادَةِ, الذِينَ رَغِبُوا فِي زِيَارَةِ ضَرِيحِ السَّيِّدِ المَسِيح -عَليهِ السَّلامُ- قَدْ ذَهَبُوا إِلى مَدِينَةِ "جَنَوَة" وَمِنهَا رَكِبُوا السَّفِينَةَ الجُندِيَّةَ المَعرُوفَةَ بِاسمِ "بُومِيلّا" لِيُبحِرُوا إِلى الإِسكَنْدَرِيَّةِ, وَلمَّا وَصَلَ الوَفدُ إِلى مِينَاءِ الإِسكَندَرِيَّة, اتَّجَهُوا بِصُحبَةِ الجُنُودِ الفَوَاطِمِ إِلى مِينَاءِ مَدِينَةِ بَيتِ المَقدِسِ -أَي يَافَا- وَعِندَمَا أَرَادُوا دُخُولَ المَدِينةَ عَبرَ بَوَّابَتِهَا, لِزِيَارَةِ ضَرِيحِ السَّيِّدِ المَسِيحِ رَفَضَ حُرَّاسُ المَدِينَةِ دُخُولَهُم إِلا أَنْ يَدفَعُوا الرُّسُومَ المَفرُوضَةَ عَليهِمْ حَسْبَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ كَالعَادَةِ, وَمِقدَارُهَا بِيزَنْطٌ وَاحِدٌ لِيتَمَكَّنُوا مِنَ الدُّخُولِ ".

وَ يُفَسِّرُ الدُّكتُورُ العَنَانِيُّ هَذَا الحَدَثَ بِقَولِهِ: "إِنَّ هَذِهِ الرِّحلَةَ التِي قَامَ بِهَا الأُمَرَاءُ الصَّلِيبِيُّونَ لَم تَأتِ مِنْ فَرَاغٍ, وَبِلا اعتِقَادَاتٍ وَاتِّصَالاتٍ مُسبَقَةٍ, بَينَ هَؤُلاءِ الأُمَرَاءِ الفَاطِمِيِّينَ في مِصرَ, فَلا يُعقَلُ أَن يَقُومَ هَؤُلاءِ الأُمَراءُ الصَّلِيبِيُّونَ بِزِيَارَةِ مِينَاءِ الإِسكَندَرِيِّةِ دُونَ أَن يَستَقبِلَهُمْ مَسؤُولُوا الأَمنِ فِي المِينَاءِ, وَدُونَ وُجُودِ اتِّصَالاتٍ سَابِقَةٍ وَتَرتِيبٍ سَالِفٍ, وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَامَ بِهِ الفَاطِمِيُّونَ مِنْ ارسَالِ جُندِ حِرَاسَةٍ اصطَحَبُوا السَّفِينَةَ "بُومِيلا" إِلى مِينَاءِ بَيتِ المَقدِسِ, وَكَانَ الهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ حِمَايَةُ هَؤُلاءِ الأُمَرَاءِ مِنْ خَطَرِ السَّلاجِقَةِ, إِبَّانَ رِحلَةِ الذَّهَابِ وَالعَودَةِ مِنَ الإِسكَنْدَرِيَّةِ إِلى بَيتِ المَقدِسِ, التي استَغرَقَتْ أَكثَرَ مِنْ عَامَينِ.

وَ بَعدَ أَنْ تَحَرَّكَت الجُيُوشُ الصَّلِيبِيَّةُ قَادِمَةً مِنْ أُورُوبَّا فِي أُولَى الحَمَلاتِ الصَّلِيبِيَّةِ عَلى بِلادِ المُسلِمِينَ, وَأَثنَاءَ مُرُورِهَا بِمَضِيقِ "البُسفُورِ" فِي أَرَاضِي الدَّولَةِ البِيزَنطِيَّةِ, أََخَذَ مِنهُمُ الإِمبرَاطُورُ "كُوفِين" يَمِينَ الوَلاءِ وَالطَّاعَةِ, وَكَانَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَنْ يَسعَوْا لِلوُصُولِ إِلى الإِتِّفَاقِ مَعَ الفَاطِمِيِّينَ فِي مِصرَ, لأَنَّهُم كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ خُصُومَةً لِلتُّركِ السَّلاجِقَةِ السُّنِّيينَ, وَلا يَقبَلُونَ مُطلَقَاً مُصَالحَتَهُم, بَينَمَا عُرِفَ عَنهُم التَّسَامُحُ مَعَ الرَّعَايَا المَسِيحِيِّينَ, وَكَانُوا دَائِمَاً مُستَعِدِّينَ للتَّفَاهُمِ مَعَ الدُّوَلِ المَسِيحِيَّةِ, وَذَلكَ يَدُلُّ عَلَى مَدَى التَّوَاطُئِ الذِي كَانَ بَينَ الرَّافِضَةِ العُبَيدِيِّينَ وَبَينَ الصَّليبِيِّينَ.

وَ هَذَا نَفسُهُ مَا حَصَلَ بَينَ رَافِضَةِ إِيرَانَ وَالأَمرِيكَان فِي مُسَاعَدَتِهِم عَلى الإِطَاحَةِ بِدَولَةِ طَالِبَان, بِالتَّنسِيقِ مَعَ رَافِضَةِ الشَّمَالِ فِي أَفغَانِستَانَ, وَكَذَلِكَ تَعَاوُنُ رَافِضَةُ إِيرَانَ مَعَ الأَمرِيكَان فِي احتِلالِ العِرَاقِ بِتَنسِيقٍ وَمُعَاوَنَةٍ مِنْ رَافِضَةِ العِرَاقِ.

وَلَيتَهُمُ اكتَفَوا بِمَوَاقِفِهِمُ السَّلبِيَّةِ تِجَاهَ الغَزوِ الصَّلِيبيِّ لِبِلادِ المُسلِمِينَ, وَلكِنَّهُم لمَّا رَأَوا أَنَّ مُدَّةَ حِصَارَ "أَنطَاكيا" قَدْ طَالَت, خَافُوا مِن أَن يَتَسَلَّلَ المَلَلُ وَاليَأسُ إِلى نُفُوسِ الجُنُودِ الصَّليبِيِّينَ فَيتراجِعُونَ وَ ينتَصِرَ السَّلاجِقَةُ, مِمَّا حَدَا بِالأَفضَلِ إِلى ارسَالِ سُفَرَاءَ مَخصُوصِينَ يَحُضُّونَ القَادَةَ الصَّليبِيِّينَ عَلى مُوَاصَلَةِ الحِصَارِ, وَأَكَّدُوا لَهُم أَنَّهُم سَيُرسِلُونَ لَهُم أَيْ الصَّلِيبِيِّينَ كُلَّ مَا يَحتَاجُونَ لَهُ مِنَ الإِمدَادَاتِ العَسكَرِيَّةِ وَالغِذَائِيَّةِ, فَاستَقبَلَهُمُ القَادَةُ الصَّليبِيُّونَ بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ, وَعقَدُوا مَعَهُم عِدَّةَ اجتِمَاعَاتٍ تَسَلمُوا خِلالَهَا رِسَالةَ الأَفضَلِ, وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ "وِليام صُورِي" الذِي نَقَلَهُ الدُّكتُورُ يُوسُف الغَوانِمَةِ:"إِنَّ مُحَاصَرَةَ الصَّلِيبِيِّينَ لأَنطَاكيَا أَثلَجَتْ صَدْرَ الأَفضَلِ, وَاعتَبَرَ أَنَّ خَسَارَةَ الأَترَاكِ السَّلاجِقَةِ لأَيِّ جُزءٍ مِنْ أَملاكِهِم إِنَّمَا هُوَ نَصرٌ لَهُ نَفسُهُ, وَلمَّا قَفَلَتْ سَفَارَةُ الأَفضَلِ رَاجِعَةً صَحِبَتهُم سَفَارَةٌ صَلِيبِيَّةٌ, تَحمِلُ الهَدَايَا للتَّبَاحُثِ مَعَ الأَفضَلِ فِي الأُمُورِ التِي تَمَّ الإِتِّفَاقُ عَليهَا, وَأَرسَلُوا مَعَ السَّفَارَةِ الفَاطِمِيَّةِ العَائِدَةِ مِنْ ضِمنِ الهَدَايَا حُمَولَةَ أَربَعَةِ جِيادٍ مِنْ رُؤُوسِ القَتلَى السَّلاجِقَةِ هَدِيَّةً لِخَلِيفَةِ مِصرَ.

ولَم يكتَفِ الأفضلُ بذلكَ، بلِ استَغَلَّ فُرصَةَ انشِغَالِ السّلاجِقَةِ مِنْ أهلِ السُّنّةِ بِقتَالِهِم وجِهَادِهِمْ لِلصَّلِيبيّينَ، فأرْسَلَ قُوّاتَهُ إلى "صُوْر" وفَتَحَها بِالقُوّةِ ثُمّ أرْسَلَ قوّاتَهُ مِنَ العامِ التّالي إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ وانْتَزَعَهُ مِنْ أصْحَابِهِ الأرَاتِقَةِ، ثُمَّ سُرعانَ ما تَوَجّهَ الصّلِيبِيُّونَ لِبَيْتِ المَقدِسِ كَأنّهَا مُؤَامَرةٌ وَ اتّفَاقِيّةٌ بَينَ الطّرَفَينِ، يَسْتَوْلِيْ الأَفْضَلُ عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، لِيَتِمَّ تَسْلِيمُ البِلادِ بِدمٍ باردٍ إِلى يَدِ الصّليبيينَ، وليسَ أدَلُّ على ذَلِكَ مِنْ أنَّ الأفْضَلَ لمَّا عَلِمَ بِتَوَجُّهِ الصليبيينَ إلى بيتِ المَقْدِسِ توجَّهَ عائِداً إِلى الْقَاهِرَة.

وَ كانتِ القُوَّاتُ الصَّلِيبيَّةُ التِّي حَاصَرَتْ بيتَ المَقْدِسِ، في غايةِ التَّعَبِ والإنْهَاكِ من شِدَّةِ الحَرَارَةِ التّي لَمْ يَعْتَادُوا عَلَيهَا في بِلَادِهم، حتَّى أنَّ الماشِيَةَ وَ الأغْنَامِ هَلَكَ عددٌ كبيرٌ منهَا، بَلْ إنَّ عددَ الجيشِ الصليبيّ الذي كَانَ مُتوَجِّهًا لحِصَارِ بيتِ المقدِس لمْ يكُن كبيرًا، بِحَيْثُ يستطيعُ أنْ يصمُدَ في ظلِّ هذِهِ الظُّروفِ لَولًا خيانَة الرَّافضَة، وَ تَوَاطُئُهم معَ الصَّلِيبين. إذ بَلَغَ عدَدُهُم ألفًا وَ خَمْسَ مائةَ فارِسٍ، وَ عشرين ألفًا من المُشَاةِ، حتّى أنَّ المُؤَرِّخَةَ ابن تَغْرِيبَرْدِي قَالَ مُتَعَجِّبًا: "وَ العَجَبُ أنَّ الإفْرَنْج لمَّا خَرَجُوا إلى المُسلمينَ كانُوا في غايةِ الضَّعْفِ من الجوعِ وَ عدَمِ القوتِ، حتى أنَّهُم أَكَلُوا المَيْتَةَ، وَ كانتْ عسَاكِرُ الإسلامِ في غايَةِ القُوَّةِ وَ الكَثْرَةِ، فَكَسَرُوا - أي الصَّليبيون - المسلمين وَ فَرَّقُوا جَمْوعَهُم". وَ بعدَ حِصَارٍ دامَ أربعين يَوْمًا تمكَّنَ الصلِيبيُّونَ من دُخولِ بيتِ المَقْدِسِ وَ احْتِلالِهَا في شَهْرِ شَعْبًان، في سَنةِ أرْبع مائةِ واثْنَتَيْنِ وَ تسعينَ لِلْهِجْرَةِ.

وَ راحُوا يُقتِّلونَ المسلمينَ، وَ يُحَرِّقونَ مَا كَانَ ببيتِ المَقْدِسِ من مَصَاحِفٍ وَ كُتُبٍ، حتّى بلَغَ عددُ القَتْلَى مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ ألفٍ منَ المُسلمينَ منهُم الأئمَّةُ والعلماءِ وَ العُبَّادِ. وَ ظَلُّوا على هذهِ الحَالَةِ منَ التَقْتِيلِ والتنْكيلِ أُسْبُوعًا كامَِلًا لدرجة أنَّهُ لماّ أراَد قَائدُهُم الصَّليبي رِيمُونْد زِيارَة سَاحَة المَعبَدِ أَخَذَ يتلَمَّسُ طَريقَهُ تَلَمُّسًا من كثرةِ الجُثَثِ والدِّماء التي بَلَغَت رُكبَتَيْهِ.

وَ كان من جَرَائمِ الخلَفَاء العُبَيديين أنَّهُم يتَخَلَّصُونَ من كل وَزيرٍ يُنادِي بفريضَةِ الجِهادِ، وَ يرفَعُ لُوَاءَهُ على وجهِ السُّرعَة، وَ يظْهَرُ ذلكَ من خِلًالِ الفَتْرَةِ التي حَكَمُوا بها. فَهَذا الوزيِرُ الأفضلُ لمَّا كانَ مُتحَالِفًا مع الصَّليبيينَ كانَ منهُم مُقَرَّبا، وَ لَمَّا بدَأَ يَتَحَالَفُ معَ الدَّماَشِقَة الأترَاك لمواجَهَةِ الصليبيّينَ، قَامُوا باغتيَالِهِ في عَهْدِ الخَليفَةِ الآمِر.

وَ هذَا الوزير رِضوَان بن الوَلْخَشِيّ كَان من أشدِّ النَّاسِ تَحَمُّسًا للجِهَادِ ضِدَّ الصليبيين حتّى أنَّهُ أَنْشَأَ ديوَانًا جَدِيدًا، أَطْلَقَ عليهِ اسم ديوانِ الجِهادِ، وَ أخَذَ يُطارِدُ الأَرْمَن، ويُقصيهِم من مَنَاصبِهِم التي توَلُّوهَا من قِبلِ الرَّافِضَة العُبَيديين، بَل إنَّهُ نَدَّدَ بالخَلِيفَةِ الحَافِظ العُبَيْدِيّ آنذاك علَى مواقِفِهِ المُستكِينًة تُجاهَ الصليبيينَ بالشَّامِ، فَعَمَدَ الخليفةِ الحافِظِ إلى تمكينِ الأرمَنِ والتَّعاون معهُم سِرًا، وَ أخَذَ يثُيرُ طوائفَ الجَيْشِ الفَاطِميّ ضدَّ الوزير ابن الوَلْخَشِيّ، الأمرُ الذي أعَاقَ سيرَ حركَةِ الجِهَادِ التّي عَزَمَ ابن الوَلْخَشِيّ على إدارَتِهَا، فَاضْطَّرَّ إلى الفِرارِ متَحَيِّزًا نَحْوَ الشَّمالِ حَيْثُ يُوجَدُ أَسَدٌ من أُسُودِ الجِهادِ وَ هُوً عِمادُ الدِّينِ زِنْكِيّ، لِيَستَعينَ بهِ في جِهَادِهِ ضدَّ الصليبيينَ.

وَ هذَا الوزيرُ ابنُ السَّلَار السُّنِّيّ الشَّافِعِيّ بَذَلَ قُصَارى جُهْدِه لموَاجَهَة الصَّليبيينَ، وَ حاولَ التّعاونَ مع نورِ الدِّينِ والاتِّصالَ بهِ ليتمَكَّنوا من مُشَغَالَةِ الإفرِنجِ في جِهَةٍ، وَ ضَرْبِهِم في الجِهَةٍ أُخْرَى، إلا أنَّ الخليفَةَ آنَذَاك الظَّافِرْ دَبَّرَ لَهُ مُؤامَرَةً فاغْتَالَهُ في عامِ خَمسِ مائة وَ ثَمانيةٍ وَ أربَعِينَ للهِجْرَةِ.

وَ هذا الوزيرُ العادِل طلائعُ بنُ رُزَيْك الذي مَا لبثَ بعد تولِّيهِ الوِزَارَة أنْ رفعَ رايَةَ الجِهادِ، وَ جَهَّزَ الأساطيل والسَّرَايا لمهَاجَمَة الصليبيينَ، لكنَّه ما لَبثَ أنْ قُتِلَ قبلَ أنْ يُحَقِّقَ حُلْمَهُ في تحريرِ بيتِ المَقْدِسِ، من قِبَلِ مُؤامرة دَبَّرها له "شَاوَر السَّعْدِيّ" الذي كانَ والِيًا على الصّعيدِ في عهدِ الخلفَةِ العَاضِد عام خَمْسِ مائةٍ وَ ثمَانيَة وَ خَمْسينَ للهِجْرَةِ. وَ لمَّا خرجَ أحد قادةِ الجَيْشِ وَ هُوَ أبوالأشْبًالِ الضّرْغَام على شَاورٍ، وَ انتزَع منه الوَزَارَة وَ قَتلَ ولَدَه الأكبر طَيّ بن شَاوَر، اضطَّرّ شاوَر إلى أنْ يُرسِلَ إلى الملكِ العادِل نور الدِّين محمود زِنْكِي يَستَجيرُ بهِ، وَ يطلبُ منهُ النَّجْدَة على أنْ يُعْطِيَهُ ثُلُثَ خَرَاجِ مِصر، وَ أن يكونُ نائِبَهُ بِهَا حيثُ قالَ: " أكونُ نائِبَكَ بِها وَ أقْنَعُ بما تُعَيّنُ لي من الضِّياعِ وَ الباقي لكَ"، وَ معَ أنَّ نورَ الدِّينِ كَانَ مترَدِّدًا في إرسالِ حملَة عسكَرِّيَّةٍ مع شَاورَ إلا أنَّه استخَارَ فَأرسَلَ لَه أكبرَ قُوَّادِهِ أسدَ الدِّينِ شِرْكُوهْ، وَ أرسلَ معهُ ابن أخيهِ صَلَاح الدِّين، وَ أمرَ بإعادَةِ شَاوَرَ إلى مَنصِبِه، واستطاع أسدُ الدِّين في حَملَتِه أنْ يقضيَ على ضِرغَام، وأن يُعيدَ الوِزَارةَ إلى شَاوَر في شَهْرِ رَجَب عام خمسِ مائةٍ وَ تسعَةٍ وَ خَمْسينَ للْهِجْرَةِ.

وَ لكِنَّ الغَدرَ والخِيانَةَ بَدَت فِي مُحَيّا "شَاوَر"، فَأَسَاءَ مُعَامَلَةَ النّاسَ وتَنَكّبَ عَنْ وُعُودِهِ المَعْسُولَةِ لِنُورِ الدّين، وأرَادَ أنْ يَغْدِرَ بِأَسَدِ الدِّيْنِ شِركُوه حَيثُ طَلَبَ مِنْهُ الرّجُوعَ إِلى الشّام، دُونَ أنْ يُرسِلَ إِلَيهِ ما كانَ قدِ اسْتَقرَّ بَينَهُ وبَيْنَ نُورِ الدّين، وَ لما رَفَضَ أَسَدُ الدِّينِ الرُّجُوعَ إِلى الشَّامِ أَرْسَلَ نُوّابَهُ إِلى مَدِيْنَةِ "بَلْبِيس" فَتَسلَّمَهَا وتَحَصَّنَ بِهَا، فَمَا كَانَ مِن "شَاوَر" إِلا أَنْ يَغْدِرَ كَما هِيَ عَادَةُ الرَّافِضَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ بَيْتِ المَقْدِسِ الصّلِيبِي يَسْتَنْجِدَهُ على "شِرْكُوه" وَ يُطَمِعُهُ فِي مُلْكِ مِصْرَ إِنْ هُمْ سَاعَدُوهُ فِيْ إِخْرَاجِ "شِركُوه"، وَ بِالفِعْلِ سَارَعَ الصَّلِيْبِيُّونَ بِالتَّوَجُّهِ إِلى مِصْرَ وَ مِن ثُمَّ التَقَوا بِـ"شَاور" وَ عَسَاكِرَه حَتّى تَوَجَّهُوا جَمِيْعَاً إِلى "بَلْبيس" وَ حَاصَرُوا أَسَد الدِّيْنِ فِيهَا وَ لَكِن مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ وَ أَثْنَاء حِصَارِهِمْ لَهُم؛ وَصَلَتْهُم الأَنْبَاءُ بِهَزيْمَةِ الإِفْرَنْجِ عَلَى "حَارِم" وتَمَلُّكِ نُورِ الدِّينِ لها، وَ تَقَدُّمِهِ إِلى "بَانِيْسَا" لأَخْذِهَا فَأَصَابَهُم الرُّعْبُ وَ اضْطُرُّوا إِلَى أنْ يُرَاسِلُوا أسَدَ الدّينِ المُحَاصَرِ في "بَلْبيس" يَطْلُبُونَ مِنْهُم الصُّلْحَ وَ تَسْلِيمِ مَا أَخَذَهُ سِلْمَاً، فَاضْطُرَّ لِمُوَافَقَتِهِم عَلَى ذَلِك، إِذْ أَنّ الأَقْوَاتَ قَلَّتْ عِنْدَهُم وَ عَلِمَ عَجْزَهُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الفَرِيْقَينِ فَصَالَحَهُم وَ خَرَجَ مِن "بَلْبيس" عام خمسمائة وتسعة وخمسين للهجرة وهوفي غَايَةِ القَهْر.

هَذَا الأَمْرُ وَ هَذِهِ الخِيَانَةُ مِنْ قِبَلِ "شَاوَر" وَ تَحَالُفِهِ مِعَ الصّلَيْبِيين جَعَلَ المَلِكَ الصّالِحَ نُوْرُ الدّيْنِ مَحْمُود، يُوَجِّهُ نَظَرَهُ إِلى غَزْوِ مِصْرَ ثَانِيَةً لِلْقَضَاءِ عَلَى مَصْدَرِ الفُرْقَةِ فِيْ العَالَمِ الإِسْلامِيِّ وَ مَنْبَعِ الخَيَانَةِ لِلأُمّة أَلا وَ هِيَ الخِلافَةُ الفَاطِمِيَّةُ بِالإِضَافَةِ إِلَى رَغْبَتِهِ فِيْ نَشْرِ المَذْهَبِ السُّنّي وَ القَضَاءِ عَلَى مَذْهَبِ الرَّفْضِ فَخَرَجَت حَمْلةٌ مِنْ "دِمْشْقَ" فِي مُنْتَصفِ شَهْرِ رَبيعٍ الأَوّل مِن عَامِ خمسُمَائة واثْنَين وَ سِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ بِقِيادَةِ أَسَدِ الدِّيْنِ وَ ابْنِ أَخِيْهِ صَلاحِ الدِّينِ وَ كَانُوا عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ النَّصْرِ، وَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا النَّصْرِ وَ إِرْهَاصَاتِهِ أَنْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِيْ قُلُوبِ أَعْدَاءِه مِنَ الصَّليبيينَ والرّافِضِةِ المُرْتَدّين، وَ برِغمِ تَحَالُفِ "شَاوَر" وقُوّاتِهِ مَعِ قُوَّاتِ الصّلِيبيين وَ اسْتِنْجَادَهُ بِهِمْ إِلا أَنَّهم قَدمُوا وَ الرَّجَاءُ يَقُوْدُهُمْ وَ الخَوْفُ يَسُوْقُهُم.

فَبَدَأَتْ أُوْلَى المَعَارِكِ بَيْنَ قُوّاتِ أَسَدِ الدِّيْنِ وَ قُوَّاتِ الصّليبيّينَ المُتَحَالِفِينَ مَعْ "شَاور" فِي مِنْطَقَةِ الصَّعِيدِ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ بِاسْمِ "البَابَيْنِ" فَدَارَت مَعْرَكةٌ حَاسِمَةٌ انْتَهَتْ بِهَزِيمَة الصّلِيبيينَ وَ الفَاطِمِيّينَ أَمَامَ جُنُودِ "شِرْكُوه"، فَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُؤَرَّخُ أَنّ أَلْفِي فَارِس عَدَدُ أَفْرَادِ جَيْشِ "شِركوه" تَهْزِمُ عَسَاكِرَ مِصْرَ وَ فِرِنْجَ السّاحل.

وَ اسْتَمَرَّ الكَرُّ وَ الفَرُّ بَيْنَ الفَرِيْقَينِ حَتّى كَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى أَنْ بَثَّ اللهُ الفُرْقَةَ وَ النِّزَاعَ بَيْنَ "شَاور" وَ الخَلِيفَةِ الفَاطِمِيّ "العَاضُد" مِنْ جِهَةٍ وَ تَنَكُّرِ الصّلِيبيْينَ للوَزِيْرِ "شَاور" مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

كُلُّ ذَلِكَ بِالإِضَافَةِ إِلَى العَزْمِ الصَّادِقِ عَلَى جِهَادِ الصَّليبيّينَ وَ نَشَرِ الدِّيْنِ الإِسْلامِيّ الصَّافِيْ عَلَى مَنْهَجِ الجَمَاعَةِ الأُوْلَى, مَا عَلَيْهِ الرَّسُوْلُ صَلى الله عَلَيهِ وَ سَلّم وَ أَصْحَابَهُ أَدّى بِالنّهَايةِ إِلى انْتِصَارِ حَمْلَةِ نُورِ الدّيْنِ بِقِيادِةِ أسَدِ الدّيْنِ وَ ابْن أخِيْهِ صَلاحِ الدِّيْنِ وَ اسْتِيْلائِهِم عَلَى مِصْرَ فِيْ نِهَايَةِ المَطَافِ، وَ لَكِنَّ الحِقْدَ الرَّافِضِيَّ لَمْ يَنْتَهِي إِلى هَذَا الحَدِّ بَلْ رَاحَ الرَّافِضَةُ يُدَبِّرُونَ المُؤَامَرَاتِ وَ المَكَائِد بَعْدَ سُقُوطِ الدّوْلَةِ العُبَيدِيّةِ الفَاطِمِيّةِ للتّخَلُّصِ مِنْ أَسَدِ الدِّيْنِ الذِيْ تَولّى الوَزَارَةَ فِيْ مِصْرَ وَ مَنْ بَعْدِهِ ابنُ أخَيهِ صَلاح الدِّيْنِ الذِيْ قَطَع الخُطْبَةَ للخَلِيفَةِ الفَاطِمِيِّ فِيْ ثَانِيْ جُمْعةٍ مِنْ المُحَرَّمِ عَام خَمْسمائةٍ وَ سَبعةٍ وَ سِتّينَ للهِجْرةِ وَ خَطَبَ للخَلِيْفَةِ العَبَّاسِي المُسْتَضِيءِ بِأمْرِ الله.

فَتَمَّتْ عِدّةُ مُحَاوَلاتٍ لاغْتِيالِ القَائِدِ صَلاحِ الدّين، فَفِيْ عَامِ خمْسِمَائة وَ أَرْبعةٍ وَ سَبْعينَ لِلهِجْرِةِ مِنْ شَهْرِ ذِيْ القِعْدَةِ اتَّفَقَ مُؤْتِمِنُ الخِلافَةِ وَ هُوَ خَصِيٌّ كَانَ بِقَصْرِ العَاضُدِ وَ كَانَ الحُكْمُ فِيْ القَصْرِ إِليْهِ مَعْ جَمَاعَةٍ مِنَ المِصْرِييْنَ عَلَى مُكَاتَبَةِ الإِفْرَنْجِ مَعْ شَخْصٍ يَثِقُوْنَ بِهِ يَقْتَرِحُوْنَ فِيْهِ عَلَيْهِم أَنَّ يَتَوجَّهَ الصّلِيبيّون إِلى الدِّيَارِ المِصْرِيّة، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَيْهَا وَ أَرَادَ صَلاحُ الدّينِ الخُرُوجَ إِلَيْهِم قَامَ هُوَ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ المِصْرِيينَ فِيْ الدَّاخِلِ بِقَتْلِ مُخَالِفِيهِمْ مِنْ أَنْصَارِ صَلاح الدّين، ثُمَّ يَخْرُجُوْنَ جَمِيْعَاً فِيْ إِثْرِهِ حَتَّى يَأْتُوْنَهُ مِنَ الخَلْفِ فَيَقْتُلُونَهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الَعَسْكَر، وَ لَكنَّ الله تَعَالى أَفْشَلَ مُخَطّطهُم ذَلكَ وَ انْكَشَفَ حَامِلُ الرِّسَالة، فَأَرْسَل صَلاحُ الدِّينِ مِنْ فَوْرِهِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلى مُؤْتَمِنِ الخِلافَة، حَيثُ كَانَ يَتَنزّهُ فِي قَرْيَةٍ لَهُ فَأَخَذُوهُ وقَتَلُوهُ وَ أَتَوا بِرَأْسِهِ وَ عَزَلَ جَمِيعَ الخَدَمِ الذينَ يَتَولّونَ أَمْرَ قَصْرِ الخِلافَة.

ثُمّ جَاءَتِ المُحَاوَلَةُ الثّانِيَةُ لاغْتِيالِ صَلاح الدّيْنِ مِنْ قِبَلِ الرّافِضَةِ لَمّا ثَارَ جُنْدُ السُّودَانِ الذين كَانُوا بِمِصْرَ لمَقْتَل مُؤْتَمن الخِلافة لأَنّه كَانَ يَتَعصَّبُ لَهُم فَجَمَعُوا خَمْسِين ألفاً مِنْ رِجَالِهِم وَ سَارُوا لِحَرْبِ صَلاحِ الدِّينِ فَدَارَتْ بَيْنَهُم عِدّةُ مَعَارِك وَ كَثُر القَتْلُ فِيْ الفَرِيقَينِ، فَأرْسَل صلاح الدّيْنِ إِلى مَحَلّتِهِم المَعرُوفَةِ بِالمنْصُورَةِ فَأَحْرَقَها عَلَى أَمْوَالِهِم وَ أَوْلادِهِم وَ حَرَمِهِم، فَلَمّا عَلِمُوا بِذَلِكَ وَلّوا مُنْهَزِمِينَ فَرَكِبَهُم السَّيْفُ وَ ظَلّ القَتْلُ فِيْهِمْ مُسْتَمِرّاً إِلى أَنْ قَضَى عَلَى آخِرِهِمْ "تُورَان شَاه" أَخُوصَلاحِ الدّين فِيْ مِنْطَقَةِ الجيزة.

وَ لَمْ يَسْتَكِنْ الرّافِضَةَ إِلَى هَذَا الحَد بَلْ اتّفقَ جَمَاعَةٌ مِنْ شِيْعَةِ العَلَوييّنَ بِمِصْرَ وَ مِنْهُم "عَمارة اليَمَنيّ" الشّاعِرُ المَعْرُوفُ وَ "عَبْدُ الصّمد" الكَاتِبُ وَ القَاضِيْ "العُوَيْرِسِيّ" وَ دَاعِيْ الدُّعَاة "عَبْد الجَبّارِ بْن إِسْمَاعِيْل بن عَبْدِ القَوِي" وَ قَاضِيْ القُضَاةِ هِبةُ اللهِ بْنُ كَامِل وَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ صَلاحِ الدّينِ وَ جُنْدِهِ وَ اتّفَقَ رَأْيُهُم عَلى اسْتِدْعَاءِ الفِرِنِج مِنْ "صِقِلّيةِ" وَ مِنْ سَاحِلِ الشّامِ إِلى الدِّيَارِ المِصْرِيّةِ عَلَى شَيءٍ يَبْذُلُونَهُ لَهُمْ مِنَ المَالِ وَ البِلادِ، فِإِذَا قَصَدُوا البِلادَ وَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ صَلاحُ الدِّيْنِ لمِقَاتَلَتِهم ثَارُوا هُمْ مِنَ الدَّاخِلِ فِيْ القَاهِرَةِ وَ مِصْرَ وَ أَعَادُوا الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ، وَ لَكِنْ مِنْ لُطْفِ اللهِ تَعَالَى بِأُمّةِ الإِسْلامِ أَنْ كُشِفَ مُخَطّطَهُم قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ حَيْثُ كَانَ مِنْ ضِمْنِ مَنْ أَدْخَلَوهُ مَعَهُمْ فِيْ المُؤَامَرَةِ وَ أَطْلَعُوهُ عَلَى خَبِيْئَتِهِم الأمَيرُ زَيْنُ الدِّيْنِ عَليّ بنُ الوَاعِظِ الذِيْ أَبَتْ نَفْسُهُ أَن تَقْبَلَ بِهَذِهِ الدّنِيْئِة، وَ هَذِهِ الخَيَانَةُ فَأَخْبَرَ صَلاحَ الدّينِ بِمَا تَعَاقَدَ عَلَيه القَوْمُ فَكَافَأهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَدْعَاهُمْ وَاحَداً وَاحَدا، وَ قَرَّرَهُم بِذَلِكَ فَأقرُّوا ثُمَّ اعْتَقَلَهُم وَ اسَتَفْتَى الفُقَهَاءَ فِيْ أَمْرِهِمْ فَأفتُوهُ بِقَتْلِهِم، فَقَتَل رُؤوسَهُم وَ أَعْيَانَهُم وَ عَفَى عَنْ أَتْبَاعِهِم وَ غُلْمَانِهِم وَ أَمَر بِنَفْيِ مَنْ بَقِيَ مِنْ جَيْشِ العُبَيْدِيينَ إِلَى أَقْصَى البِلاد.

وَ بِذَلِكَ تَكُوْنُ مِصَر قَدْ بَدَأتْ صَفْحَةً مُنِيْرَةً مِنْ تَارِيْخِِها، إِذْ أَعَادَ صَلاحُ الدِّيْنِ البَلادَ إِلَى المَذْهَبِ السُّنّي مِنْ جَدِيد وَ أَرْجَعَ تَبَعِيَّتَهَا للدّوْلَةِ العَبّاسِيّةِ ثُمّ رَاحَ يُرَتّبُ صُفُوفَهُ مِنْ جَديدٍ وَ لولا مُشَاغَلَةُ الرّافِضَةِ لَهُ وَ مُحَاوَلَاتَهُم العَدِيدَةَ فِيْ تَدْبِيرِ المُؤْامَرَاتِ لاغْتِيَالِه لمَا تَأخّرَ بَعْدَ ذلَكَ النّصْرُ الكَبِيرُ لِلأمّةِ الإِسْلامِيّةِ إلى عَامِ خمسمائة وَ ثَلاثةٍ وَ ثَمَانِينَ للهِجْرَةِ حَيْثُ انْشَغَلَ صَلاحُ الدّيْنِ بِقِتَالِ الرّافِضَةِ وَ لمَّا تَمَكّنَ مِنَ القَضَاءِ عَلَيَهِمْ كَدَولَةٍ وَ كَقُوّةٍ اسْتَطَاعَ بَعْدَهَا أَنْ يَتَفرَّغَ لِقِتَالِ الصّليبيينَ، وَ مِنْ ثَمَّ اسْتِعَادَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِيْ مَوْقِعَةِ "حِطّيْنَ" الفَاصِلَةِ وَ لِهَذَا كُلَّه فِإِنّ شَخْصِيةَ صَلاحِ الدّيْنِ رَحِمَهُ الله تَعَالى بِقَدْرِ مَا هِي تُمَثّلُ الرَّمْزَ النّاصِرَ لِدِينِ اللهِ والمُجِدِّدَ لعِزّ هَذِهِ الأمّةِ عِنْدَ أَهْلِ السّنةِ.. بِقْدرِ مَا تَغِيظَ مِنْهَا رُؤُوسُ الرّافِضَةِ وَ بِقَدْرِ مَا يُبغِضُونَ هَذِهِ الشّخْصِيّة.

<المعلّق>

أخِي المُستمعَ الكريم:

انْتَهَت مادّةُ هذا الشريط، شاكرينَ لكم حسن استماعكِم...

<المعلّق>

الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين في العراق تقدم: محاضرةً للشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي عضومجلس شورى المجاهدين في العراق وأمير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والمحاضرة بعنوان "هل أتاك حديث الرافضة"، وللعلم فإن مادة هذه المحاضرة في ثلاثة أشرطة..

فإليكم الشريط الثاني.....

بِسْمِ اللهِ, وَالحَمدُ للهِ, وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِ الخَلقِ مُحَمَّد, وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ, وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلى يَومِ القِيَامَةِ مِنَ الأَخيَارِ... أمَّا بَعد:

فَفِي أَثْنَاءِ الطَّورِ الثَّانِي لِلخِلافَةِ العَبَّاسِيَّةِ نَجِدُ أَنَّ الرَّافِضَةَ يَظهَرُونَ مِنْ جَدِيدٍ, وَلكِنْ بِلِبَاسِ التَّقيَّةِ التِي يَدِينُونَ بِهَا حَتَّى تَظهَرَ لَهُم الدَّولَةُ وَاليَد؛ كَالثَّعلَبِ يَلبَسُ جِلدَ الشَّاةِ فَلا يَنخَدِعُ بِهِ إِِلا الرَّاعِي المُضيِّعُ لِرَعِيَّتِهِ, وَالغَافِلُ بِأُمُورِ دُنيَاهُ عَنْ أُمُورِ دِينِهِ..

فَرَاحُوا يَتَمَلَّقُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ نِفَاقَاً مِنْ كِبَارِ المَسؤُولِينَ فِي الدَّولَةِ, وَيُعلِنُونَ الوَلاءَ وَالطَّاعَةَ جَهْرَاً , وَيُبيِّتُونَ مَا لا يَرضَى مِنَ القَولِ سِرَّاً, حَتَّى انخَدَعَ بِهِم كَثِيرٌ مِنَ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ...

فَنَرَاهُمْ يُقَلِّدُونَهُمْ المَنَاصِبَ الهَامَّةَ وَالحَسَّاسَةَ فِي الدَّولَةِ... وَمِثلُ هَذَا الرَّافِضِيُّ الشَّهِيرُ "ابنُ العَلقَمِيّ" الذِي قَلَّدَهُ الخَلِيفَةُ المُستَعصِمُ الوَزَارَةَ غَفلَةً مَنهُ وَتَضيِيعًا, وَإِلا.. أَمَا كَانَت تَكفِيهِ العِبرُ مِنَ التَّارِيخِ القَرِيبِ مِمَّا فَعَلَهُ الرَّافِضَةُ بِأَجدَادِهِ..؟

وَلكِنْ لِيقضِيَ اللهُ أَمرًَا كَانَ مَفعُولاً, وَلِيَرصُدَ لنَا التَّارِيخُ جَرائِمَ القَومِ وَخِيَانَاتِهِم, وَقُعُودَهُمْ لأَهلِ السُّنَّةِ كُلَّ مَرصَدٍ, وَهُم يَتَرَقَّبُونَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ.. فَمَاذَا كَانَ جَزَاءُ الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيّ إِلا أَنْ تَآمَرَ الحَاقِدُ "ابنُ العَلقَمِيّ" مَعَ شَيخِهِ الرَّافِضِيِّ "نَصِيرُ الدِّينِ الطُّوسِيّ" عَلى هَدمِ البِلادِ وَقَتلِ العِبَادِ وَخَلعِ الخَلِيفَةِ بَعدَ أَنْ رَاسَلُوا "هُولاكُو" مَلِكَ التَّتَارِ بِدُخُولِ بَغدَادَ, وَوَعَدُوهُ بِمُنَاصَرَتِهِ وَالتَّوطِينِ لَهُ مِنْ خِلالِ خِطَّةٍ وَحِيلَةٍ مَكَرَ بِهَا ابنُ العَلقَمِيّ؛ حَيثُ أَوهَمَ الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ بِأَنَّ عَدَدَ الجُنُودِ كَثُرَ وَزَادَ عَلى دِيوَانِ الجُندِ حَتّى بَاتُوا مِنْ كَثرَتِهِم يُشَكِّلُونَ عِبئَاً اقتِصَادِيًّا عَلى الدَّولَةِ, وَأَنَّ الدَّولَةَ تَحتَاجُ فِي مَرَافِقِهَا الأُخرَى أَكثَرَ مِن حَاجَتِهَا فِي الجُندِ...

فَأَشَارَ عَلِيهِ أَنْ يُقَلِّلَ نِسبَةَ الجُندِ...

فَمَا إِن وَافَقَ عَلَى هَذِهِ الفِكرَةِ وَهَذَا المَبدَأِ؛ حَتَّى رَاحَ يُسَرِّحُ الكَتَائِبَ تِلوَ الكَتَائِب.. فَبَعدَ أَنْ كَانَ عَدَدُ الجُنُودِ مَا يُقَارِبُ المائَةَ أَلفٍ, صَارُوا قُرَابَةَ العَشرَةِ آلافِ جُندِيٍّ..

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابنُ كَثِيرٍ: "وَكَانَ الوَزِيرُ ابنُ العَلقَمِيِّ قَبلَ هَذِهِ الحَادِثَةِ يَجتَهِدُ فِي صَرفِ الجُيُوشِ وَإِسقَاطِ اسمِهِم مِنَ الدِّيوَانِ، فَكَانَتِ العَسَاكِرُ فِي آخِرِ أَيَّامِ المُستَنصِرِ قَرِيبَاً مِنْ مَائَةِ أَلفٍ مِنهُمُ مِنَ الأُمَرَاءِ مَنْ هُوَ كَالمُلُوكِ الأَكَابِرِ الأَكَاسِرِ، فَلَمْ يَزَلْ يَجتَهِدُ فِي تَقلِيلِهِمْ إِلى أَنْ لَم يَبقَ سِوَى عَشرَةِ آلافٍ، ثُمَّ كَاتَبَ التَّتَارَ وَأَطمَعَهُم فِي أَخذِ البِلادِ، وَسَهَّلَ عَليهِم ذَلِكَ، وَحَكَى لَهُمْ حَقِيقَةَ الحَالِ، وَكَشَفَ لَهُمْ ضَعفَ الرِّجَالِ؛ وَذَلِكَ كُلِّهِ طَمَعَاً مِنهُ أَنْ يُزِيلَ السُّنَّةَ بِالكُلِّيَّةِ، وَ أَنْ يَظهَرَ البِدْعَةَ الرَّافِضِيَّةِ، وَأَنْ يُقِيمَ خَلِيفَةً مِنَ الفَاطِمِيِّينَ، وَأَنْ يُبِيدَ العُلَمَاءَ وَالمُفتِينَ، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ." ا. هـ.

حِينَهَا أَرسَلَ ابنُ العَلقَمِيِّ إِلى "هُولاكُو" يُبلِغُهُ مَدَى الضَّعفِ الذِي حَلَّ بِالدَّولَةِ وَبِالخَلِيفَةِ.

وَخَرَجَ هُولاكُولاجتِيَاحِ بَغدَادَ, حَتَّى إِذَا صَارَ عَلَى حُدُودِ البِلادِ؛ خَرَجَ لَهُ ابنُ العَلقَمِيّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَأَهلِهِ وَاجتَمَعُوا بِهُولاكُو, وَأَشَارَ ابنُ العَلقَمِيّ عَلَى أَنْ تُدَبَّرَ لِلخَلِيفَةِ خِطَّةٌ لاستِخرَاجِهِ وَكِبَارِ قَادَتِهِ وَأُمَرَائِهِ وَخَاصَّتِهِ مِنْ حَوَاشِيهِ خَارِجَ البَلَدِ لِيَسهُلَ القَضَاءُ عَليهِ, وَ يَسهُلَ عَليهِم اجتِيَاحَ بَغدَادَ..

فَجَاءَ ابنُ العَلقَمِيّ يَنسِجُ خُيُوطَ المَكرِ وَالخِيَانَةِ لِلخَلِيفَةِ المُستَعصِمِ, وَيُشُيرُ عَليِهِ بَأَنْ يَخرُجَ لِهُولاكُولِيَعقِدَ مَعَهُ اجتِمَاعَ صُلحٍ يَصطَحِبُ فِيهِ خَاصَّتَهُ مِنَ الحَاشِيَةِ وَالأُمَرَاءِ وَالقُضَاةِ وَالقَادَةِ...

وَ بِالفِعلِ وَثِقَ الخَلِيفَةُ بِوَزِيرِهِ الرَّافِضِيّ... كَيفَ لا, وَهُوَ الذِي قَرَّبَهُ إِليهِ وَعَيَّنَهُ لَهُ وَزِيرَاً.. فَمَاذَا كَانَتْ نَتِيجَةُ هَذَا التَّقَارُبُ السُّنِّيُّ الرَّافِضِيّ الشَّهِير؟

النَّتِيجَةُ هِيَ مَا استَمرَأَ عَليِهِ الرَّافِضَةُ وَأَلِفُوهُ.. إِنَّهُ الغَدرُ وَالخِيَانَةُ, حَتَّى أَنَّ الخَلِيفَةَ لَمَّا قَدِمَ عَلى هُولاكُولم يَكُنْ هُولاكُوعَازِمَاً عَلى قَتلِهِ بَل تَهَيَّبَ ذَلِكَ, وَلكِنَّ ابنَ العَلقَمِيّ وَالطُّوسِيّ شَجَّعَاهُ عَلى ذَلِكَ, وَنَصَحَاهُ بِقَتلِهِ وَقَتلِ مَنْ جَاءَ مَعَهُ حَتَّى تَمَّ لَهُم ذَلِكَ بِالفِعلِ..

وَ دَخَلَ التَّتَارُ إِلى بَغدَادَ فَأَوَقَعُوا فِيهَا مَذبَحَةً عَظِيمَةً فِي النُّفَوسِ, وَمِحرَقَةً هَائِلَةً فِي الكُتُبِ وَ المَكتَبَاتِ , فَلَم يَنجُ مِنْ ذَلِكَ إِلا أَهلُ الذِّمَّةِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ التَجَأَ إِلى بَيتِ ابنِ العَلقَمِيّ.

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ الذَّّهَبِيّ:

"وَفِي سَنَةِ 656 هـ , أَحَاطَ أَمرُ اللهِ بِبَغدَادَ فَأَصبَحَتْ خَاوِيَةً عَلى عُرُوشِهَا, وَبَقِيَتْ حَصِيدَاً كَأَنْ لَم تَغنَ بِالأَمسِ, فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ, نَازَلَهَا المَغُولُ فِي أَخلاطٍ مِنَ السُفَّلِ وَأَوبَاشٍ مِنَ المُنَافِقِينَ, وَكُلِّ مَنْ لم يُؤمِنْ بِالرَّبِّ, وَكَانَ ابنُ العَلقَمِيّ الوَزِيرُ وَاليًا عَلى المُسلِمِينَ وَكَانَ رَافِضِيًّا جَلِدًا فَلمَّا استَدَارُوا بِبَغدَادَ, وَخَارَتْ القُوَى وَجَفَّ الرِّيقُ, وانخَلَعَت الأَفئِدَةُ أَشَارَ الوَزِيرُ عَلى الخَلِيفَةِ المُستَعصِمِ بِاللهِ بِمُصَانَعَةِ العَدُوِّ, وَقَالَ دَعنِي أَخرُجْ إِليهِم فِي تَقرِيرِ الصُّلحِ, فَخَرَجَ وَاستَوثَقَ لِنَفسِهِ وَلِمَن أَرَادَ, وَجَاءَ إِلى الخَلِيفَةِ وَقَالَ إِنَّ المَلِكَ قَد رَغِبَ أَنْ يُزَوِّجَ ابنَتَهُ بِابنِكَ أَبِي بَكرٍ, وَيُبقِيَكَ فِي الخِلافَةِ كَمَا كَانَ الخُلَفَاءُ مَعَ السُّلجُوقِيَّةِ, وَيَرحَلَ عَنكَ فَأَجِبهُ إِلى ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ حَقنُ الدِّمَاءِ , وَأَرَى أَنْ تَخرُجَ إِليهِ".

فَخَرَجَ الخَلِيفَةُ فِي جَمعٍ مِنَ الأَعيَانِ إِلى السُّلطَانِ هُولاكُو, فَأَنزَلَهُ فِي خَيمَةٍ, ثُمَّ دَخَلَ الوَزِيرُ فَاستدعَى الأَكَابِرَ لِحُضُورِ العَقدِ, فَحَضَرُوا وَضُرِبَتْ أَعنَاقُهُمْ, وَصَارَ كَذَلِكَ يُخرِجُ طَائِفَةً بَعدَ طَائِفَةٍ فَيُقتَلُونَ, ثُمَّ صِيحَ فِي البَلَدِ, وَبُذِلَ السَّيفُ وَاستَمَرَّ القَتلُ وَ السَّبيُ وَالحَرِيقُ وَالنَّهبُ , وَقَامَتْ قِيَامَةُ بَغدَادَ فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ بِضعَا وَثَلاثِينَ يَومًا, كُلَّ صَبَاحٍ يُدخَلُ فِرقَةٌ مِنَ التَّتَارِ فَيحصُدُونَ مَحِلَّةً حَتَّى جَرَت السُّيُولُ مِنَ الدِّمَاءِ, وَرُدِمَتْ فِجَاجُ المَدِينَةِ مِنَ القَتلَى, حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ رَاحَ تَحتَ السَّيفِ أَلفُ أَلفٍ وَثمَاَنمُاِئَةِ أَلفٍ... وَالأَصَحُّ أَنَّهُم بَلَغُوا نَحوًا مِن ثَمَانِمَائَةِ أَلفٍ, وَهَذَا شَيءٌ لا يَكَادُ يَنضَبطُ فَإِنَّهُم قَتَلُوا فِي الطُّرُقِ وَالجَوامِعِ وَالبُيُوتِ وَالأَسطِحَةِ وَبِظَاهِرِ البَلَدِ مَا لا يُحصَى, بَل هِيَ مَلحَمَةٌ مَا جَرى قَطٌّ فِي الإِسلامِ مِثلَهَا, وَسَبَوا مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّغَارِ مَا مَلأَ الفَضَاءَ.. وَمِمَّنْ أُسِرَ وَلَدُ الخَلِيفَةِ الصَّغِيرُ وَإِخوَانُهُ, وَقُتِلَ الخَلِيفَةُ وَابنَاهُ أَحمَدٌ وَعبدُالرَّحمَنِ, وَمِمَّنْ قُتِلَ مَعَ الخَلِيفَةِ مِنَ الأَعيَانِ: أَعمَامُهُ عَليٌّ وَالحُسَينُ وَيُوسُفُ, وَجَمَاعَةٌ مِن أَهلِ البَيتِ.

وَ أَخْرَجَ الصَّاحِبُ مُحْيِي الدِّينِ الرًئيسَ العلامَةَ ابنُ الجَوْزِيّ وَ بَنُوهُ عَبْدَ اللهِ وَعبدَ الرَّحْمَنِ وَ عَبْدَ الكَرِيمِ, فَضُرِبَتْ أَعْنَاَقِهِم, وَ مِمَنْ قُتِلَ صَبْرًا جَمَاعَةٌ مُستَكْثِرُونَ مِنَ العُلمَاءِ وَ الأُمْرَاءِ وَ الأَكَابِرِ, وَ خَلَتْ بَغْدَادُ منَ أهلها, وَ دُثِرَتِ المَحَالُ, وَ اسْتَوْلَى عليْهَا الحريقُ, وَ احْتَرَقَتْ دارُ الخِلَافَةِ, والجَامِعُ الكَبيرُ, حتَّى وَصَلَتْ النَّارُ إلى خَزَاَنَةِ الكُتُبِ, وَ عَمَّ الحَرِيقُ جميعَ البِلادِ, وَ ما سَلِمَ إلا مَا فيهِ من هؤلاءِ الملاعينَ) ا. هـ.

وَ لم يقِفْ هؤلاء الرَّوَافِضُ الحاقدينَ في جَرَائِمِهمُ السِّيَاسِيَةِ عندَ حدِّ الإضْرَارِ بالخَلِيَفَةِ وَ حَاشيتِهِ لإسقاط الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَ حَسْب؛ بَلْ تمادَى ضَرَرُهُم إلى عَامَّةِ المُسْلِمِينَ, فَأَخَذُوا يقْطَعُونَ الطُّرُقَ، وَ يَقْتُلُونَ الآمِنِينَ منَ النَّاسِ، وَ يأخُذُونَ القَوَافِلَ, بَلْ أخَذُوا يَبْتَكِرُونَ وَسَائِلَ مختَلِفَةً للْفَتْكِ بِالنَّاسِ وَ نَشْرِ الرُّعْبِ بَيْنَهُم, فَقَدْ بَلَغَ مِنْ جُرْأَةِ هَؤُلاء المُفْسِدِينَ أنَّهُم كَانُوا يَخْطِفُونَ النَّاسَ منَ الشَّوَارِعِ وَ الحَارَاتِ بأغرب الطُّرُقِ, وَ كَانَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ خَاطِفَهُ مِن سُكُونٍ وَ الخَوْفُ مُلْجِمِهُ وَ الوَيْلُ لَهُ إنْ أَبْدَى مُقَاوَمَةً أوتحرَّكَ لِسَانُهُ طلبًا للنَّجْدَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذلك استقرَّّ خِنجرُ خاطِفِهِ في قَلْبِهِ. فَكَانَ الِإنْسَانُ إِذَا تَأَخَّرَ عنْ بَيْتِهِ عَنْ الْوَقْتِ المُعْتَادِ لرُجُوعِهِ تَيَقَّنَ أهلُهُ بأنَّ البَاطنِيَّةَ قَتَلُوهُ، فَيَقْعُدُوا للعَزَاءِ بِهِ, وَ يَسُودُهُمُ الحُزْنُ، وَ الأسَى حَتَّى يَرْجِعَ. فَأَصْبَحَ النَّاسُ لا يمْشُونَ في الشَّوَارِعِ مُنْفَرِدِينَ، وَ كَانُوا عَلَى غَايَةٍ منَ الحَذَرِ.

وَ يُصوِّرُ لَنَا المؤرِّخُ ابنُ الأثِيرِ (1) صُوَرةً لما فعلَهُ البَاطِنِيَّةُ بمؤذنٍ خَطَفُوهُ فيقولُ: (2) (وَ أَخَذُوا - البَاطِنِيَّة ُ- في بَعْضِ الأيَّامِ مُؤذِّنًا أَخَذَهُ جَارٌ لَهُ بَاطنيّ فَقَامَ أهلُهُ للنِّيَاحَةِ عليه, فَأَصْعَدَهُ الباطنية إلى سَطْحِ دَارِهِ وَ أَرُوهُ أهْلَهُ كَيْفَ يَلْطمُونَ، وَ يَبْكُونَ وَ هَوُ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَكَلِّمَ خوفًا منْهُم.) ا. هـ.

__________

(1) هوعلي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، العلاّمة عزّ الدين، أبوالحسن بن الأثير أبي الكرم الشيباني الجَزَري، الحافظ المؤرخ، أخومجد الدين وضياء الدين. ولد بالجزيرة العمريَّة سنة خمس وخمسين وخمس مائة. تحوَّل به وبأخويه والدهم إلى الموصل، فسمعوا بها، واشتغلوا، وسمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل، ويحي الثَّقفي، ومسلم بن علي السِّيحي، وغيرهم. وسمع ببغداذ لما سار إليها رسولاً من عبد المنعم بن كُليب، ويعيش بن صدقة الفقيه، وعبد الوهاب بن سُكينة. وكان إماماً نسَّابةً مؤرّخاً أخباريًّا أديباً نبيلاً محتشماً، وبيته مأوى الطلبة. أقبل آخر عمره على الحديث، وسمع العالي والنازل، حتَّى إنَّه سمع من أبي القاسم بن صَصْرَى وزين الأُمناء بدمشق. وصنَّف التاريخ المشهور المسمَّى ب: الكامل على الحوادث والسنين، واختصر الأنساب للسمعاني، وهذَّبه، وأفاد فيه أشياء، وهوفي مقدار النصف أوأقل. وصنَّف كتاباً حافلاً في معرفة الصحابة، وجمع فيه بين كتاب ابن مَنْدَه وكتاب أبي نُعيم وكتاب ابن عبد البرّ وكتاب أبي موسى في ذلك، وزاد وأفاد، وشرع في تاريخ الموصل. وحدَّث بدمشق وحلب، وروى عن الدُّبَيْثي، والقُوصي شهاب الدين، والمجد بن أبي جرادة، ووالده أبوالقاسم في تاريخه. توفي في الخامس والعشرين من شعبان سنة ثلاثين وست مائة على قول القاضي سعد الدين الحارثي.

(2) الكامل في التّاريخ لابن الأثير، فصل ذكر قتل الباطنية.

وَ مِنْ أسَالِيبِهم الأُخرَى الْتِّي استَخْدَمُوهَا لِلْفَتْكِ بأفْرَادِ المُجْتَمَعِ الإسْلَامِيّ، وَ نَشْرِ الرُّعْبِ بينَهُم أنَّهُم كَانُوا يَخْطِفُونَ النَّاسَ بحيلٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَ يُحْمَلُون َإلى منازِلَ وَ دُورٍ غيرِ مَعْرُوفَةٍ، حيثُ يَسْجُنونُهُم أوْ يقتُلُونَهُم, وَ كَانَ إِذَا مَرَّ بهمُ إِنْسَانٌ أَخَذُوهُ إِلَى إِحْدَى تِلْكَ الدُّورِ، وَ هُنَاك يُعَذِّبُونَهُ ثمَّ يَقْتُلُونَهُ وَ يَرْمُونَهُ في بِئْرٍ في تلك الدَّارِ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ الغَرَضِ.

وَ كَانَتْ طَرِيقَتُهُم فِي خَطْفِ النَّاسِ (1) أنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى أوَّلِ الدَّرْبِ المُؤَدِيَّةِ إلى إحْدَى هَذِهَ الدُّورِ رَجُلٌ ضَرِيرٌ منَ البَاطِنِيَّةِ, فَإِذَا مَرَّ بهِ إنسانٌ سَأَلَهُ أَنْ يَقُودَهُ خُطُوَاتٍ في هَذَا الدَّرْبِ، فَتَأْخُذَهُ الرَّأْفَةُ وَ الإحْسَانُ لِعَمَلِ الخَيْرِ، فَيَقُودَهُ في هَذَا الدَّرْبِ حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى دَارٍ مِنْ دُورِهمُ قَبَضُوا عليهِ وَ قَتَلُوهُ، وَ رَمَوْهُ في البئرِ. وَ لَكِنْ لم يَلْبَثْ أَنْ اكْتَشَفَ النَّاسُ حِيلَةَ البَاطِنَيَّةِ هذِه، فَفَتَكُوا بِهِم وَ قَتَلُوهُم. فَفِي أحدِ الأيَّامِ صَادَفَ أنْ رَجُلاً دَخَلَ دَارَ صَدِيقٍ لَهُ فَرَأَى فَيهَا ثِيَاباً، وَ أحْذِيَةً، وَ مَلَابِسَ لم يَعْهَدْهَا، فَخَرَجَ منْ عِنْده، وَ تَحَدَّثَ لِلْنَاسِ بِمَا رَآهُ فَدَاهَمَ النَّاسُ البيتَ، وَ كَشَفُوا عَنِ المَلَابِسِ، وَ الثِّيَابَ فَعَرَفُوا أنَّهَا مِنَ المَقْتُولِينَ، فَثَارَ النَّاسُ وَ أَخَذُوا يَبْحَثُونَ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْهُم, وَ تَجَرَّدُوا لِلانتِقَامِ منَ البَاطِنِيَّةِ بِقِيَادةِ العَالِمِ أبي القَاسِمِ مَسْعُودٍ بنِ مُحَمَّدٍ الخِجْنَدِيّ الفَقِيهِ الشَّافِعِيّ, فَجَمَعَ النَّاسَ بالأسْلِحَةِ، وَ أَمَرَ بحَفْرِ الأخَادِيدِ, وَ أَوْقَدَ فيهَا النِّيَران، وَ أَمَرَ العَامَّةَ منَ النَّاسِ بأنْ يَأْتُوا بالبَاطِنِيَّةِ أفْوَاجاً، وَ مُنْفَرِدِين فَيُلْقُونَهُم في النَّارِ حَتَّى قَتَلُوا منهم خَلْقًا كَثيراً.

__________

(1) الكامل في التّاريخ لابن الأثير، فصل ذكر ما فعلَ بهم العامّة بأصبَهان.

وَ للعِلْمِ فإنَّ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ منْ تاريِخِهِمُ الأَسْوَدِ في قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَ قَتْلِ الآمنينَ وَ خَطْفِهِم، وَ خَوْفِ النَّاسِ وَ انقِطَاعِ رَجَائِهِم في مَنْ يَفْتَقِدُونَهُ من أَهْلِيهِم هُوَ ذَاتُ مَا يَحْدُثُ اليَوْمَ في أَرْضِ العِرَاقِ وَ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ منْ قِبَلِ الرَّوَافِض, بَلْ إنَّهُم يَتَسَتَّرُونَ في لِبَاسِ الجَيْشِ وَ الشُّرْطَةِ ليَكُونَ لهُمُ السُّلْطَة جِهَارًا نهارًا في اقْتِيَادِ الرِّجَالِ منَ بُيُوتِهم وَ مِنْ ثمَّ تَعْذِيبَهًم، وَ قَتْلَهِم, وَ الاعْتِدَاءَ عَلَى النِّسَاءِ، وَ نَهْب البُيُوتِ بحُجَّةِ تَفْتِيشِهَا, فَلَا يَستَطِيعُ أحَدٌ مَنْعَهُم. بَلْ إنّ جَرَائِمَهُم صَارَتْ تَتَقَصَّى أَصْحَابَ المُؤَهِّلَاتِ وَ الكَوَادِرِ العِلْمِيَّةِ خَاصّة, فَمَنْ يقومُ بِجَرَائِمِ اغْتِيَالِ الأَسَاتِذَةِ الأكَادِيميينَ، وَ القُضَاةِ، وَ العُلَمَاءِ منَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَ مَنْ يَتَصَيَّدَهُم غَيْر هؤلاءِ الرَّوَافِضِ وَ بِأَوَامِرٍ من مَرْجِعِيَّاِتِهم تُعْطَى لِفَيَالِقِهِم عَلَى شَكْلِ بَيَانَاتٍ مَنْسُوخَةٍ, وَ قَدْ تَسَرَّبَتْ نُسَخٌ من هَذِهِ البَيَانَاتِ عَبْرَ الإنْتَرْنِتْ فَقَرَأَهَا القَاصِي وَ الدَّانِي, وَ لا مَجَالَ لِإِنْكَارِهَا.

وَ فِي عَهْدِ العُثْمَانِيينَ الذِّينَ جَدَّدُوا حَرَكَةَ الجِهَادِ الإِسْلَامِيّ، وَ بَدَؤُوا يَجْتَاحُونَ العَالَمَ حتَّى وَصَلُوا إِلَى أُورُبَّا مُسْتَعِيدينَ بذلك البِلَادَ الإسْلَامِيَّة التّي خَسَرَهَا المُسْلِمُونَ أَثْنَاءَ الغَزْوِ الصَّلِيبِيّ؛ قَامَتْ يَدِ الغَدْرِ وَ الخِيَانَةِ الرَّافِضِيَّةِ الفِكْرِ، وَ المَنْهَجِ، اليَهُودِيَّةِ الأصْلِ، وَ المِنْشَأ، وَ التِّي اعْتَادَتْ أنْ تَطْعَنَ ظَهْرَ الأمَّةِ لتَحُولَ بينَ المُسْلِمِينَ وَ بينَ جِهَادِهِم ضِدّ الكُفْرِ وَ الكُفَّارِ, امْتَدَّتْ مِنْ جَدِيد لتَسْتَغِلَّ انْشِغَالَ العُثْمَانِيينَ أَثْنَاء تَوَغُّلِهِم في قَلْبِ أُورُبَّا مُجاهِدِينَ لِيَقُومُوا بحركاتٍ انفِصَالِيَّةٍ خَارجِينَ عَنْ الخِلَافةِ الإسْلَامِيَّةِ العُثْمَانِيّة براءةً، وَ مُتَحَالِفِينَ مَعَ أَعْدَاءِ الإسْلَامَ ولاءًً. فَتَعَاَوَنُوا معَ البرِيَطاِنيينَ، وَ البُْرُتَغاليينَ، وَ الفِرِنسيينَ، وَ الرُّوس، حتَّى أَضْعَفُوا الخِلَافة َاِلعثمانِيَّةَ وأنهكُوهَا فَكَانُوا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ سُقُوطِهَا حيثُ شَكَّلُوا عِدَّةَ جَبَهَاتٍ، وَ عِدَّةَ حَرَكَاتٍ انفِصَاليةٍ؛ فَكَانَ الصَفَوِيُّونَ في شَرْوَان، وَ العِرَاقِ، وَ فَارِس، وَ البَهَائِيُّونَ في بِلَادِ فَارِسٍ, وَ لَهُم نَشَاطَاتٌ في مَنَاطقِ مُتَفَرِّقَة, وَ القَادْيَانَّية في الهِنْدِ، وَ النُّصَيْرِيَّة، وَ الدُّرُوز في بلادِ الشَّامِ.

فَمِنْ جَرَائِمِ الصَفَوِيينَ في الجَانِبِ السَّيِاسِيّ خُرُوجُهُم عَلَى الخِلَافَةِ العُثْمَانِيَّةِ, وَ تأسَيسُ دَوْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُم عَامَ ألفٍ وَ خَمْسِ مائةٍ لِلْمِيلَادِ 15.. م، مُعْلِنِينَ دِينَ الرَّفْضِ عَلَى البِلَادِ كَدِينٍ أَسَاس, وَ لم يَكْتَفُوا بِهَذَا, بَلْ حَارَبُوا أَهْلَ السُّنَّةِ الّذينَ كَانُوا يُشَكِّلُونَ أَكْثَرِيَّةً فِيهَا, حيثُ بَلَغَتْ نِسْبَتُهُم مَا يُقَارِبُ بِخَمْسٍ وَ سِتّينَ بِالمائةِ 65 %. ثُمَّ تَحَالَفُوا بَعْدَ ذَلكَ مَعَ الإنْجِلِيز في عَهْدِ الشَّاه عَبَّاسٍ الصَّفَوِيّ عامَ ألفٍ وخمْسِ مائةٍ وثمانيةٍ وثمانينَ لِلْمِيلَادِ 1588 م، وَ مكِّنُوا لَهُم في البِلَادِ، وَ جَعَلُوا لَهُم فِيهَا أَوْكَارًا يَتِمُّ الاجْتِمَاعُ فيهَا مَعَهُم لِلْتَآمُرِ ضِدّ الخِلَافَةِ العُثمانِيَّةِ لدَرَجَةِ أنْ مُسْتَشَارِيهِ كَانُوا مِنَ الإنْجلِيز, وَ أَشْهَرَهُم السِّير أَنْطُونِي, وَ رُوبَرْت تشِيرْلِي.

وَ أَمَّا جَرَائِمُهُم في مَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الدَّينِ وَ العَقِيدَةِ؛ فَمِنْهَا صَرْفُهُم الحُجَّاجَ الإيرَانِيينَ منَ الحَجِّ إلى مَشْهَدْ، بَدَلَ أنْ يَحُجُّوا إلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ في مَكَّةَ المُكَرِّمَةِ.

حَيثُ قَامَ شَاهُ عَبَّاس الصَّفَوِيّ بِالحَجِّ إِلى مَشهَدَ مُبتَدِءَاً بِنَفسِهِ سَيرًا عَلى الأَقدَامِ؛ لِيَصرِفَ النَّاسَ عَنْ الحَجِّ إِلى مَكَّةَ وَلِيَكُونَ قُدوَتَهُمْ, وَمِنْ ذَلِكَ الحِين أَصبَحَتْ مَشهَدُ مَدِينَةً مُقَدَّسَةً لَدَى الرَّافِضَةِ الإِيرَانِيِّينَ.

وَفَتَحَ الصَّفَوِيُّونَ فِي عَهدِ الشَّاهِ عَبَّاسٍ بِلادَهُم لِلمُبَشِّرِينَ الغَربِيِّينَ حَتَّى سَمَحُوا لَهُمْ بِبِنَاءِ الكَنَائِسِ وَمَدِّ جُسُورٍ مِنَ التَّعَاونِ الاقتِصَادِيِّ وَالعَسكَرِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ.

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ "سَلِيمُ وَاكِيمُ" فِي كِتَابِهِ "إِيرَانُ فِي الحَضَارَةِ": وَإِثرَ ظُهُورِ البُرتُغَالِيِّينَ فِي المِنطَقَةِ بَدَأَتْ إِيرَانُ عَلاقَاتٍ تِجَارِيَّةً مَعَ إِنجِلتِرَا وَفَرَنسَا وَهُولندَا, وَمَهَّدَتَ هَذِهِ العَلاقَاتُ إِلى اتِّصَالاتٍ عَلى مُستَوىً دُبلُومَاسِيٍّ وَثَقَافِيٍّ وَدِينِيٍّ عِندَ اعتِلاءِ شَاهِ عَبَّاس الأَوَّلَ عَرشَ فَارِسَ عَامَ 1587 م , وَسُجِّلت تَغيِيراتٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي البِلادِ وَفِي عَلاقَاتِهَا مَعَ الغَربِ, وَكَانَ مِن نَتَائِجِ التَّحَوُّلِ السِّيَاسِيِّ الذِي أَحدَثَهُ شَاهُ عَبَّاس أَنْ غَصَّ بَلاطُهُ بِالمُبَشِّرِينَ وَالقِسَسُ, فَضلاً عَنْ التُّجَّارِ وَالدُّبلومَاسِيِّينَ وَالصُّنَّاعِ وَالجُنودِ المُرتَزَقَةِ؛ فَبَنَى الغَربِيُّونَ الكَنَائِسَ فِي إِيرَانَ.

وَأَمَّا البَهَائِيُّونَ فَقَد خَرَجُوا عَلَى الدَّولَةِ العُثمَانِيَّةِ وَتَعَاوَنُوا مَعَ الاستِعمَارِ الإِنجلِيزِيّ, وَنَادُوا بِتَعطِيلِ الجِهَادِ بَل إِلغَائِهِ أَمَامَ زَحفِ الاستِعمَارِ الإِنجِليزِيّ, مِمَّا يَعنِي الاستِسلامَ وَالخُنَوعَ للاسِتعمَارِ, وَكَانُوا مُرتَبِطِينَ بِالمَحَافِلِ الصُّهيُونِيَّةِ؛ كَالمَاسُونِيَّةِ السِّريَّةِ وَالتِي يُدَارُ مِن خِلالِهَا التَّآمُرُ عَلى دِينِ الإِسلامِ وَدَولَتِهِ حَتَّى لا تَقُومَ لَهُ قَائِمَةٌ, وَيُدَبَّرُ لِقَادَةِ الإِسلامِ وَالجِهَادِ خُطَطُ الاغتِيَالاتِ وَالقَتلِ..

وَأَمَّا القَادِيَانِيُّونَ فَقَد تَعَاوَنُوا مَعَ الإِنجلِيزِ, بَل إِنَّ الإِنجلِيزَ هُمْ الذِينَ سَاهَمُوا فِي نَشأَتِهِم, فَخَرَجَ زَعِيمُهُمْ "غُلام أَحمَد" يَدَّعِي أَنَّهُ المَهدِيّ المُنتَظَر, ثُمَّ استَمَرَّ حَتَّى ادَّعَى النُّبُوَّة, وَأَمَرَ بِتَعطِيلِ الجِهَادِ حَتَّى يُخَذِّلَ أَتبَاعَهُ عَنْ جِهَادِ الإِنجليز الذي كَانَ عَلى أَشُدِّه, الأَمرُ الذِي يَدُلُّ عَلى أَنَّهُم مَا أُنشِئُوا إِلا مِن أَجلِ تَعطِيلِ الجِهَادِ, فَلِذَا نَجِدُ أَتبَاعَهُمْ اليَومَ يَنشُطُونَ أَكثَرَ فِي فِلسطِينَ حَتَّى يُخَذِّلُوا عَنْ الجِهَادِ ضِدَّ اليَهُودِ المُحتَلِّينَ.

وَأَمَّا النُّصَيرِيُّونَ فَكَذَلِكَ تَعَاوَنُوا مَعَ الصَّلِيبِيِّينَ أَثنَاءَ الغَزوِ الصَّلِيبيِّ, وَكَانُوا سَبَبَاً فِي سُقُوطِ بِلادِ الشَّامِ وَبَيتَ المَقدِسِ, كَمَا تَعَاوَنُوا مِن قَبْلُ مَعَ التَّتَارِ ضِدَّ المُسلِمِينَ وَكَانُوا سَبَبًا فِي اجتِيَاحِ بِلادِ الشَّامِ..

وَأَمَّا الدُّرُوزُ.. فَقَد تَطَوَّعَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ أَبنَائِهِم فِي جَيشِ الدِّفاَعِ الصَّهيُونِيّ طَمَعَاً فِي انشَاءِ دَولَةٍ مُستَقِلَّةٍ لهُم فِي كُلٍّ مِنْ سُورِيَّا وَلبنَانَ, وَفِي حَربِ سَنَةِ 1967 م ذَاقَ المُسلِمُونَ فِي الجُولانِ وَالأُردُنِّ الوَيلاتِ مِنَ الدُّرُوزِ العَامِلِينَ فِي جَِيشِ الدِّفَاعِ الإِسرَائِيلِيّ وَلَم يَرحَمُوا شَيخًا كَبِيرَاً وَلا طِفلاً صَغِيرَاً.

وَ عَلى أَنقَاضِ الدَّولَةِ العُثمَانِيَّةِ, وَبَعدَ تَفتِيتِ العَالَمِ الإِسلامِيِّ إِلى دُوَيلاتٍ قَومِيَّةٍ كَمَا خَطَّطَ لَهَا الصَّهَايِنَةُ وَالصَّلِيبِيُّونَ, وَعَلَى رَأسِهِم الرَّافِضَة, تَشَكَّلَت فِي بِلادِ فَارِسَ إِيرَان, وَتَبَلوَرَتْ دَولَةٌ مَركَزِيَّةٌ لِلرَّافِضَةِ, وَلِمَرجِعِيَّاتِهِم الدِّينِيَّةِ, وَصَارَت المَقَرَّ الرَّئِيسَ للاجتِمَاعَاتِ الدَّورِيَّةِ التِي تَجرِي بَينَ فَترَةٍ وَأُخرَى كُلَّمَا استَجَدَّ للرَّافِضَةِ أَمرٌ مِن أُمُورِهِم الهَامَّة, أَوكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخرُجُوا بِفَتَاوَىً جَدِيدَةً لِعَوَامِهِم تَتَوَافَقُ مَعَ مُجرَيَاتِ الأُمُورِ, التِي يُوَاجِهُونَهَا فِي دُوَلِهِم المُختَلِفَةِ فِي العَالَمِ.. تَمَامًا كَاليَهُودِ فِي اجتِمَاعَاتِهِم السِّريَّةِ الدَّورِيَّةِ مُتَّخِذِينَ مِنْ هَذِهِ الدَّولَةِ الأُمِّ مَركَزًا وَمُستَنَدَاً لِتَصدِيرِ المَذهَبِ وَالمَنهَجِ الفِكرِيِّ أَوَّلاً, ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ إِعَادَةُ بَسطِ النُّفُوذِ وَالسَّيطَرَةِ السِّيَاسِيَّةِ..

وَإِلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ.. أَشَارَ "الخُمَينَيّ" فِي كِتَابِهِ [الحُكُومَةُ الإِسلامِيَّةِ] , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِآيَةِ اللهِ "شَرِيعةَ مَدَارِي" فِي لِقَاءٍ لَهُ مَعَ صَحِيفَةِ "السِّيَاسَة"ِ الكُوَيتِيَّةِ بِتَارِيخِ 26 يُونيُوعَامَ 1987 م, وَقَالَ بِالحَرفِ الوَاحِدِ: "إِنَّ زَعَامَةَ الشِّيعَةِ فِي إِيرَانَ وَفِي قُمَّ بِالذَّاتِ" وَأَضَافَ قَائِلاً "لابُدَّ مِن مَجلِسٍ أَعلَى لِلشِّيعَةِ فِي العَالمِ".

وَهَذَا بِالفِعلِ مَا قَامَ بِه ِآيَتُهُمْ وَإِمَامُهُم "الخُمَينِيُّ" حِينَ نَادَى بِإِسقَاطِ حُكمِ الشَّاهِ مُتَذَرِّعَاً بِعِلمَانِيَّتِهِ, وَأَنَّهُ لابُدَّ مِن قِيَامِ ثَورَةٍ إِسلامِيَّةٍ لِنَشرِ مَبَادِئِ الإِسلامِ عَليهَا, وَهُوَ يَقصِدُ بِذَلِكَ الإِسلامَ الرَّافِضِيَّ -لا الإِسلامَ الحَقِيقِيّ..

بَل حَتَّى تَفَاعَلَ مَعَهُ الكَثِيرُ مِنْ أَهلِ السُّنَّةِ مُتَغَافِلِينَ عَن تَارِيخِهِم الإِسلامِيّ, وَكَأَنَّهُم حِينَ يَقرَؤُونَ وَيَدرُسُونَ فِي كُتُبِ المِلَلِ وَالعَقَائِدِ وَالنِّحَلِ عَنْ أَخبَارِ وَأَحكَامِ الرَّافِضَةِ يَعُدُّونَهُم مِنَ القُرُونِ الخَالِيَةِ وَالأُمَمِ الغَابِرَةِ التِي لا وُجُودَ لَهَا وَلا امتِدَادَ لأُصُولِهَا فِي حَاضِرِنَا, حَتَّى إِذَا مَا جِئتَ تَسأَلُهُم عَنْ أَحكَامِ الرَّافِضَةِ يُفَصِّلُونَ لَكَ الجَوَابَ فَيَحكُمُونَ لَكَ بِكُفرِهِم وَوُجُوبِ قِتَالِهِم مِنَ النَّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ, وَعَمَلِيَّاً يَدعُونَكَ إِلى التَّقَارُبِ مَعهُم فِي مَا يُمكِنُ أَن يُتَّفَقَ عَليِهِ.. علمًا بِأَنَّ الخُمَينِيَ مَا هُوَ إِلا صَنِيعَةٌ أَمرِيكِيَّةٌ, طُبِخَتْ ثُمَّ أُعِدَّ لَهَا مِنْ مَنفَاهُ فِي فَرَنسَا.. وَهَكَذَا دَأَبَت أَمرِيكَا بَل الصُّهيُونِيَّةُ عَلَى تَبدِيلِ وَتَغيِيرِ عُمَلائِهَا مِن فَترَةٍ لأُخرَى..

إِمَّا لأَنَّ تَارِيخَ صَلاحِيَّةَ أَحَدِهِم يَكُونُ قَدْ انتَهَى, وَإِمَّا لِلحِفَاظِ عَلى العَمِيلِ لِلَعِبِ دَورٍ آخَرَ.

وَفِي النِّهَايَةِ.. آليَّةُ تَبدِيلِ العُمَلاءِ تُعطِي شَيئًا مِنَ الجِدِّ وَتَفعِيلِ حَرَكَةِ المَصَالِحِ التِي تَربِطُ العُمَلاءَ بِأَسيَادِهِم لِيَكُونَ العَمِيلُ الجَدِيدُ أَفضَلَ عَطَاءً وَأَكثَرَ حَمَاسَاً..

وَمِمَّا جَاءَ فِي كِتَابِ "وَجَاءَ دَورُ المَجُوسِ": "مَلأَ الخُمَينِيُّ وَأَنصَارُهُ الدُّنيَا صَرَخَاتٍ ضِدَّ الوِلايَاتِ المُتَّحِدَةِ, فََقَالُوا: أَمرِيكَا وَرَاءَ اضِّطهَادِ مُعظَمِ شُعُوبِ العَالمِ شَرقِيَّةً وَغَربِيَّةً. وَوَعَدَ الخُمَينِيُّ بِتَقلِيمِ أَظَافِرِ أَمَرِيكَا , وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ هُنَاكَ طَحنًا وَرَاءَ الجَعجَعَةِ.. وَعِندَمَا قَامَتْ جُمهُورِيَّتهُ فُوجِئَ النَّاسُ بِمَواقِفَ مُغَايِرَةً لِمَا كَانَ الثُّوَّارُ يَتَحَدَّثُونَ عَنهَا:

أَوَّلاً: كَانَتْ أَمَرِيكَا فِي طَلِيعَةِ الدُّوَلِ التِي سَارَعَت في الاعتِرَافِ بِهَذَا النِّظَامِ الجَدِيدِ.

ثَانِيًا: لم تُغلِق ثَورَةُ الخُمَينِيِّ سَفَارَةَ أَمَرِيكَا.

ثَالِثًا: عَادَ النِّفطُ الإِيرَانِيُّ يَتَدَفَّقُ عَلى مُستَودَعَاتِ التَّخزِينِ فِي أَمَرِيكَا, وَمِن ثَمَّ إِلى إسرَائِيل.

رَابِعًا: عَودَةُ الجِنِرَالاتِ الأَمرِيكَانِ إِلى أَمَاكِنِ عَمَلِهِم, وَقَدَّرَتهُم بَعضُ الصُّحُفِ بِسبعَةِ آلافِ خَبِيرٍ.

خَامِسًا: عَقَدَ "برُوسلنجِين" القَائِمِ بِالأَعمَالِ الأَمرِيكِيّ ثَلاثَةَ لِقَاءَاتٍ مَعَ الخُمَينِيّ وَ لم يُكشَف النِّقَابُ عَن حَقِيقَةِ هَذِهِ اللقَاءَاتِ.

سَادِسًا: قَالَ الشَّاهُ فِي مُذَكَّرَاتِهِ أَنَّهُ عَلِمَ بِوُجُودِ الجِنِرَالِ "هويزر", وَ "هويزر" هُوَ نَائِبُ رَئِيسِ أَركَانِ القِيَادَةِ الأَمرِيكِيَّةِ فِي أُورُبَّا, وَقَالَ الشَّاهُ: "إِنَّ جِنِرَالاتِي لم يَكُونُوا يَعلَمُوا شَيئَاً عَن زِيَارَةِ "هويزر", وَعِندَمَا انتَشَرَ خَبَرُ زِيَارَتِهِ قَالَت أَجهِزَةُ الإِعلامِ السُّوفيَيتِيَّةِ: "إِنَّ هويزر وَصَلَ لِطَهرَانَ لِتَدبِيرِ انقِلابٍ عَسكَرِيٍّ", وَأَنَا أَعرِفُ أَنَّ "هويزر" كَانَ مُنذُ فَترَةٍ عَلى اتِّصَالٍ بِمَهدِي بَازِنقَان, المُهندِسُ النَّاجِحُ الذِي تَزَعَّمَ ثَورَةَ الخُمَينِيُّ, وَعَيَّنَهُ الخُمَينَيُّ رَئِيسَاً لِلوُزَرَاءِ بَعدَ الإِطَاحَةِ بِي, وَمَهدِي بَازِرقَان وَهوِيزَر يَعلَمَانِ جَيَّدَاً فِيمَا إِذَا كَانَت طَبخَةٌ كَانَت تَمَّت مِنْ وَرَاءِ الجَمِيع".

ثُمَّ إِنَّ الخُمينِيّ وَبَعدَ أَن سَبَقَ ثَورتَهُ مِن مُستَقَرِّ مَنفاه بِفَرنسا بِدِعاية دِينِيَّة كاذِبة, وَبَعدَ أَن تَفاعَلَ مَعَهُ وَمَعَ ثَورَتَهُ الإِسلاميَّة جَميع طوائِف الرّافضة, وَكَثيرٌ مِن أَهلِ السُنَّة, وَبَعدَ أَن تَمَكَنَ مِن خَلعِ الشّاه, وَبسْطِ نُفوذَهُ وَيَدَه على البِلاد, وإِذا بِهِ لا يَخرُج عَن فَلَكِ أَسلافَهُ مِنَ العَبيدِيين والقرامِطة, يَمكُر بِأَهلِ السُنَّة وَيُلبِسَهُم لِباسَ الهَوانِ فِي دَولَتِه وَيُنادي في مجالِسِه الخاصَّة بِإستِباحَةِ دِمائِهِم وَأَموالِهِم وَفُروجَ نِسائِهِم, وَيدعوإِلى تَصدير ثَورتِه بِالقُوَّة حَتى أَنَّ الإِشاعة الَّتي زَعَموا بأَنَّ النِظام العِراقي البائِد هُوَ الَّذِي أَعلَنَ الحربَ على إِيران فإِنَّها مُجانَبَةٌ لِلحَقِيقَه والصَواب, ذلِكَ أَنَّ الخُمَينِيّ هُوَ الَّذِي أَرادَها حربًا لِضَمِّ العِراق إِلى بِلادِ فارس كما كانت عليه قَبلَ أَن يَستَوليَ عَليها المُسلِمونَ الأَوائِل.

فَقَد قامَت إِيران بِبَثِّ عُمَلائِها داخِلَ العِراق بَعدَ وُصول الخُمَيّنِيّ إِلى الحُكمِ بِقَليل, وَقامَ النِّظام الإِيرانِيّ بإِعتِداءاتٍ مُتَكَرِره على المَغافِر العِراقِيَّه.

هذا هُوَ ماضي الرّافِضَة وَتاريخَهُم الَّذي يَرتَكِزون عَلَيهِ اليَوم فِي حاضِرِهِم وَمُستَقبَلِهم, وَيَستَقون مِنهُ, وَيَقتفونَ نَهجَ أسلافِهِم في الجَّرِيمَة والخِيانَه, وَيَعتَبِرونَهُ سِفرًا يَتَزودون مِنهُ لِمُتَغيراتِ عَصرِهِم... نَفس التَقِيَّة, وَنَفس المُخَطَطاتِ السِريَّة, وَنفس المُعتَقَدات.

وَزِد على ذلِك أنَّ رافِضَة هذا العَصر لَهُم دَولة وَسِيادة سِياسِيَّة مُوَحَدة, وَمَرجِعِيَّة مَركَزِيَّة تُصدِر لَهُم الأَوامِر والفتاوى الَّتي يَلتَزِمونَ بِها, وَقَد بَرَزوا وَبَرَزَت خِياناتِهِم اليومَ لِلناظِرين, وَأَوضَح ما تكون في أفغانِستان بِمُساعَدة الدولة الأُمّ إِيران, وَفِي العِراق بِمُساعَدَة إِيران كذلِك, وَفي بِلادِ الشّام ولا سِيَّما رافِضة لُبنان والَّذينَ يُمَثِلَهُم حِزبُ الله, وَكَذلِك مُستَمِدين قُوَتِهم وَتَعاليمَهُم مِن إِيران مَركَزِ الشر وَمَحضَن أَتباع مَهدِيَّهُم المُنتَظَر المَسيح الدَجّال..

فَأَما فِي لُبنان؛ فَقَد كان ما تَمَخضَتهُ هذِه الدولة الأُم أَن قامَت بِتَصدير ثورتِها في بِلادِ الشِّام, وَفِي لُبنان على وَجهِ الخُصوص, عِبرَ حَركة أَمل الشِيعِيَّة المُسلَّحَة, والَّتي أَسَسَها مُوسى الصّدِر, تِلميذ الخُمَيّنِيّ وَصِهرَهُ مِنطلقًا مِن إِيران وَ مُستَقِراً في لُبنان لِيَحصَلَ على الجِنسِيَّة الُلبنانِيَّة حتى تُمَكِنَه أَن يُمارِسَ نَشاطاتِه داخل الأَراضي الُلبنانِيَّة بِسُهولة, وِبِما أَنَّ مَنشأَ هذِهِ الحَرَكة إِيران فإِنّها بِالضرورةِ هِيَ المُتَكفِلة بِدعم هذه الحَركَةِ مِن أَجْلِ القَضَاءِ عَلَى أَهْلِ السُنَّة فِي المُخيَّماتِ الفِلِسطينِيَّة فِي لُبنان بَعدَ إِستِبعادِهِم مِن أَراضِيهِم في فِلسطين, وَبَعدَ ضَغطِ دُوَل الجِوار على لُبنان لِيَتِم احتضان أهالي المُخيَّمات, فَتحالَفَ الرّافِضة مُتَمثِلين فِي هذِهِ الحَرَكَة المُغرضة مَعَ الكِيان الصُهيونِيّ ضِدَّ أَبناءِ هذِهِ المُخيَّمات حَتى يَتِم القضاء على أَيّ ثَورة وَأَيّ تَمَرُد ضِدَ اليهود الصهايِنَة, وَيَتِم مِن خِلالَهُم حمِاية ظَهر العدو, وَكذلِك حَتى لا تقوم لأِهلِ السُنَّة مِنَ الفِلسطينِيين الَّذين يَسكُنونَ المُخيَّمات أَيّةُ قائِمَة؛ فَقاموا بِمَذابِحَ عديدة.. مِنها هُجُومَهُم على مُخَيَّم عَين الرُمّانة, وَمُخَيَمَيّ صِبرا وشاتيلا عام 1982 م, وَقَد تَحدَثَت صُحف العَالمِ آنَ ذاك عَن فَظَائِع حَرَكَة أَمل الرّافِضَة, فَقَد ذَكَرَت صَحِيفَة الوَطَن فِي عَدَدِها 3688 الصادر في 27 مايو1985م نَقلاً عَن صحيفة "ليبو" الإيطالية أنَّ فِلسطِينِيَّاً مِنَ المُعاقين لم يَكُن يَستَطيع السَير مُنذُ سَنَوات رَفَع يَديه مُستَغِيثاً فِي شاتيلا أَمام عَناصِر أَمَل طالِباً الرّحمَة، وَكان الرَدُّ عَليه قَتلَهُ بِالمُسَدسات مِثل الكِلاب.. وَقالَت الصَّحِيفة إِنّها الفَظاعة بِعينِها.

وَ قال مُراسِل الصنداي تايمز: إنِّهُ مِنَ الإِستِحالة نَقل أَخبار المَجازِر بِدقَّة لأن حَرَكَة أَمَل تَمنَع المُصَورين مِن دُخولِ المُخيَّمات, وَ بعضَهُم تَلَقى تَهدِيداً بِالمَوت وَقَد جَرى سَحب العَديد مِنَ المُراسِلين خَوفاً عَلَيهِم مِنَ الإِختِطاف والقَتل , وِمَن تَبَقى مِنهُم في لُبنان يَجِدونَ صُعوبة في العمل.

وَ ذَكرت صَحِيفة الصنداي تايمز أيضاً أَنَّ عَدَدا مِنَ الفِلِسطينِيين قُتِلوا في مُستَشفيات بَيروت, وَأَنَّ مَجمُوعة مِنَ الجُثَث الفِلِسطينِيَّة ذُبِحَ أَصحابُها مِنَ الأعناق.

وَنَقَلَت وِكالة الأَنباء في 6 يونيو1985 م عن رَئيسِ الإِستِخبارات العَسكَرِيَّة اليَهودِيَّة إيهود باراك قَولَهُ: إِنَّه على ثِقَة تامَّة مِن أَنَّ أَمَل سَتَكون الجَبهة الوَحِيدة المُهيمِنَة فِي مَنطَقةِ الجَنوب الُّلبنانِيّ, وَأَنَّها سَتمنَع رِجال المُنَظمات والقُوى الوَطَنِيَّة الُلبنانِيَّة مِنَ التواجُد في الجَنوب وَالعَمل ضِدَ الأَهداف الإِسرائِيلِيَّة..

وَبعدَ أن تَكَشَفَ لِلِعالَم عِوار هذِهِ الحَرَكة الخَبِيثَة, وَظَهَرَ لِلِعِيان مَدى بَشاعَة ما ارتَكَبُوهُ مِن جرائِم وَمَجازِر فِي حَقِ أهلِ السُنَّة مِن الفِلسطينِيين فَقَد مجّها النّاس, واحتَرَق الكَرتُ الَّذي تَلعَب بِهِ إِيران, لِذا كان لِزاماً عَليّها أَن تَستَحدِثَ طريقَة أُخرى, وَحَركة أُخرى تَختَلِف عَن ظاهِر تَوجُهِها عَن حَرَكة أمل..

هذِه المرَّة لابُدَّ مِن الَّلعِب على وَترِ التّقارُب الشِيعِيّ السُنِيّ, وَ الدَعوةِ إلى الوِحدة وإِعلانِ الحَرب على إِسرائِيل, والمُطالَبة بِتحرير فِلِسطين مِن إِسرائيل؛ فَتَمَّت إجتِماعات سِريَّة فِي إِيران تَمَّ مِن خِلالَها التَحضِير لِولاَدَة حَرَكة جَديدِة قَرّرتها إِيران الأُم.. يَتَرَأَسُها أَعضاء جُدُد لامِعينَ وَمَفوَهِين, فَعِلاقَة حِزبُ الله بِإِيران عِلاقَة الفَرع بِالأَصل, فَفِي البيان التأسِيسِيّ لِلحِزب, والَّذي جاء بِعنوان: مَن نَحنُ وَما هِيَ هَوِيَتُنا" عَرَّف الحِزبُ بِنَفسِه فَقال: "نَحنُ أَبناءُ أُمَّةِ حِزبُ الله الَّتي نَصر الله طَليعَتَها في إِيران وأَسَّسَت مِن جَديد نَواة دولةِ الإِسلام المَركَزِيَّة فِي العالم نَلتَزِم بِأَوامِر قِيادَة واحِدة حَكِيمة عادِلَة تَتَمَثَل بالوَلِيَّ الفَقِيه الجامِع لِلِشرائِع وَتَتَجَسَّد حاضِراً بِالإِمام المُسَدّد آيةُ الله العِظمى روح الله الموسوي الخُمَيّنِيّ دَامَ ظِلّه, مُفَجِّر ثِورة المُسلِمين وباعِث نَهضَتَهُم المَجيدة".

وَ قَدّ عَبِّر إِبراهيم الأَمين وَهُوَ قِياديّ فِي الحِزب عَن هذا التَوجُه فَقال: "نحن لا نقول إِنَنَا جُزءٌ مِن إِيران.. نحَنُ إِيران فِي لُبنان, ولُبنان فِي إيران"!

نَقُول إِذا كانت الثورة الإِيرانِيَّة بِقِيادَة الخُمَيّنِيّ قَد وَقَفَت مواقِف العَداءِ مِن أَهل ِالسُنَّة وَقامَت بإِحداث بلابِل وَفَوضَى وتَفجيراتٍ داخِل عَدَد مِن البُلدان كَما حَصَل فِي البَحريّنِ وَ الكُوَيّت وِاليَمَن وَأَفغانِستان والعِراق, وَفِي مَكة المُكَّرَمةِ فِي الشَهرِ الحَرامِ وفي البَلَدِ الحرام, فإِنَّ هذِهِ السِياسة تُعتَبَر ديناً يُدينُ بِهِ رافضةُ إِيران والَّذي يَتَفَرع مِنهُ حِزبُ الله الَّذي إعتَرَفَ مِن خِلالِ قِيادَتِه بإِنتمائِه وموافَقَتِه لإِيران, فَكُلُ عَدولإِيران هُوَ عَدُولِحزبِ الله.. فَحِزْبُ الله عَدولأِهل السُنَّة, وإِن تَسَتَر بِمائة تَقِيَّة, لا يَنخَدعُ بِهِ إلا غافل صاحِب هوى, أَوساذَجٌ أَخوجَهَل, فَعَلى هامِش المُؤتمَرَ الأَوَّل لِلمُستَضعفِين اجتَمَعَ الخُميّنِيّ بِعَدَد مِن عُلَماء وَدُعاة الشِيعة الَّذين شاركوا فِي هذا المُؤتَمَر, وَكان مِن بَينِهم محمد حسين فضل الله, وَصُبحي الطُّفَيلِي, وَمُمَثِل حَركَة أَمَل فِي طهرانَ إبراهيم أمين, وَ تَدارَسَ مَعَهُم الخُطوات الأولى الِّلازِمة مِن أَجل إِنشاء هذا الحِزب الجَديد, ثُمَّ عَاد الوَفدُ إلى لُبنان وَكَثَّفَ مِن إتِصالاتِه مَعَ وُجَهاءِ وَ عُلماءِ الطائِفة الَّذين لَم يُشارِكوا فِي لِقاء طهران, ثُمَّ تَكَرَرَ لِقاؤُهُم بالخُمَيّنِيّ , وَ وَضعوا وإِيّاهُ الخُطوطَ العَريضَةَ لحزْبِ الله.

يَقُولُ أَحمَدٌ المُوسَوِيّ فِي مَقَالٍ لَهُ بِمَجَلَّةِ [الشِّرَاعِ]: "مَنْ أَنتُمْ؟ حِزبُ اللهِ": "ثُمَّ استُكمِلَتْ الخُطُوطُ التَّنظِيمِيَّةُ الأُولى بِاختِيَارِ هَيئَةٍ قِيَادِيَّةٍ لِلحِزبِ ضَمَّت 12 عُضوَاً هُمْ: عَبَّاسٌ المُوسَوِيّ, وَصُبحِي الطُّفَيلِي, وَحُسَينٌ المُوسَوِيّ, وَحَسَن نَصرُ اللهِ, وَحُسين خَلِيل, وَإِبرَاهِيم أَمِين, وَرَاغِب حَرب, وَمُحَمَّد يَزبَك, وَنَعِيم قَاسِم, وَعَلِي كُورَانِي, وَمُحَمَّد رَعد, وَمُحَمَّد فَنِيش".

وَلم يَكُن هَؤُلاءِ وَحدَهُم نُوَاةَ التَّأسِيسِ لِحِزبِ اللهِ, إِنَّمَا كَانَ مَعَهُم عَشَرَاتٌ مِنَ الكَوَادِرِ وَالشَّخصِيَّاتِ الإِسلامِيَّةِ الأُخرَى مِنْ حَرَكَةِ أَمَلْ, وَحِزبِ الدَّعوَةِ, وَقِوَىً وَمَجمُوعَاتٍ تَبَلوَرَت شَخصِيَّتُهَا الإِسلامِيَّةُ السَّيَاسِيَّةُ مَعَ الثَّورَةِ الإِسلامِيَّةِ , وَقَائِدِهَا الإِمَامُ الخُمَينِيُّ, وَكَوَادِرَ أَمنِيَّةً أُخرَى مَازَالَت أَسمَاؤُهُا طَيَّ الكِتمَانِ.

وَبِالفِعلِ قَامَت إِيرَانُ بَتَأسِيسِ حِزبِ اللهِ وَقَامَت بِتَموِيلِ هَذَا الحِزبُ وَتَأمِينِ كَافَّةِ احتِيَاجَاتِهِ عَسكَرِيَّاً وَاجتِمَاعِيَاً, وَأَغدَقَتٍ عَليهِ الأَموَالَ الطَّائِلَةَ, وَهِيَ تُعَوِّلُ عَلَى هَذَا الحِزِبِ الآمَالُ الكِبَارُ, وَبَلَغَ دَعمُ إِيرَانَ لِلحِزبِ أَوجَهُ فِي هَذِهِ المَرحَلةِ, وَقَد جَاءَ فِي تَقرِيرٍ وَجَّهَهُ أَحَدُ الدُّبلومَاسِيِّينَ الأُورُبِيِّينَ إِلى حُكُومَتِهِ فِي مَطلَعِ صَيفِ 1986 م وَكَشَفَ فِيهِ كَذَلِكَ الدَّورَ السُّورِيَّ فِي رِعَايَتِهِ لِهَذَا الحِزبِ, مَا يَلِي:

" تَقُومُ طَائِرَاتُ الشَّحنِ الإِيرَانِيَّةِ مِن طِرَازِ بُوِينج 747 بِالإِقلاعِ وَالهُبُوطِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي الأُسبُوعِ عَلى طَرَفِ مَدرَجِ مَطَارِ دِمَشقَ نَاقِلَةٍ حُمُولاتٍ غَامِضَةً؛ فَالبَضَائِعُ التي تُفَرَّغ عِبَارَةٌ عَن أَسلِحَة خَفِيفَة مُرسَلَة إِلى حُرَّاسِ الثَّورَةِ الذِينَ يُشرِفُونَ عَلى تَدرِيبِ أَتبَاعِ حِزبِ اللهِ فِي مُعسكَرِ الزَّبَدَانِي بِالقُربِ مِنْ دِمَشقَ, أَوفِي المُعَسكَرَاتِ الكَائِنَةِ فِي مَنطِقَةِ بَعلبَك.

أَمَّا البَضَائِعُ المُحَمَّلة فَهِيَ مَدَافِعُ هَاون, وَصَوَارِيخُ مُضَادَّةٌ لِلطَّيَرَانِ مِنْ طِرَازِ "سَات".

كَذَلِكَ يَحفَلُ مِينَاءُ اللاذِقِيَّةِ بِنَشَاطٍ مِن هَذَا النَّوعِ".

وَقَد بَلَغَ مِقدَارُ التَّكَالِيفِ المَّادِيَّةِ التِي تَصُبُّهَا إِيرَانُ لِصَالِحِ حِزبِ اللهِ عَامَ 199. للميلاد بِثَلاثَةِ مَلايِينِ دُولارٍ وَنِصفِ المَليُونِ, حَسَبَ بَعضِ التَّقدِيرَاتِ.

وَخَمسِينَ مِليُونٍ عَام 1991 م وَقُدِّرَت بِمَائَةٍ وَعِشرِينَ مِليُونًَا فِي عَام 1992 م , وَ ماِئَةٍ وَسِتِّينَ فِي عَامِ 1993 م , وَتُشِيرُ بَعضُ المَصَادِرِ إِلى ارتِفَاعِ مِيزَانِيَّةِ حِزبِ اللهِ فِي عَهدِ رَفسنجَانِي إِلى 28. مِليونَ دُولار, هَذِهِ المِيزَانِيَّةُ الكَبِيرَةُ؛ جَعَلَتْ الحِزبَ يَهتَمُّ فَقَط بِالأَوَامِرِ التي تمُلى عَليهِ دُونَ التَّدَخُّلِ فِي نِزَاعَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ, وَسَاعَدَتهُ عَلَى تَوسِيعِ قَاعِدَتِهِ المُقَاتِلَةِ وَالشَّعبِيَّةِ؛ فَاشتَرَى وَلاءَ النَّاسِ وَحَاجَتَهُم, وَضَمِنَ وَلاءَهُم وَ إِخلاصَهُم لَهُ فَهُمَ مِنهُ وَهُوَ مِنهمُ, وقَد ظَهَرَ أَثَرُ ضَخَامَةِ تِلكَ التَّكَالِيفِ عَلَى وَاقِعِهِم المَعِيشِيّ حَتَّى بَاتُوا يُشَكِّلُونَ دَولَةً مُستَقِلَّةً دَاخِلَ لُبنَانَ؛ فَظَهَرَت المُؤَسَّسَاتُ الصِّحيَّةُ وَالاجتِمَاعِيَّةُ وَالتَّربَويَّةُ.

وَ قَد تَزَامَنَ تَأسِيسُ هَذِهِ الحَرَكَةِ, وَهَذَا الحِزبُ عَام 1982 م مَعَ الاجتِيَاحِ الصُّهيُونَيّ لِلُبنَانَ؛ مَا يُعطِي دَلالَةً خَطِيرَةً عَلى العَلاقَةِ بَينَ الحِزبِ وَبَينَ إِسرَائِيل, وَذَلكَ حَتَّى تَكُونَ الغِطَاءَ الوَاقِيَ الذِي يَستُرُ الجَيشَ الصَّهيُونِيّ مِنَ ضَرَبَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي لُبنَانَ, وَلكِن بِطَرِيقَةٍ تَختَلِفُ تَمَامَاً عَن حَرَكَةِ أَمَلٍ المَحرُوقَةِ.. فَهَذِهِ المَرَّة زَعَمَ حِزبُ اللهِ بِأَنَّهُ القَادِرُ عَلى التَّصَدِّي لِضَرَبَاتِ الكَيَانِ الصَّهيُونِيِّ, وَإِخرَاجِهِ مِن جَنُوبِ لُبنَانَ, وَرَاحُوا يَرفَعُونَ شِعَارَاتٍ كَاذِبَةً يُنَادُونَ فِيهَا بِتَحرِيرِ فِلسطِينَ , كُلِّ فِلَسطِينَ, وَتَوَعَّدِ الكِيَانَ الصَّهيُونِيَّ بِالوَيلِ وَالثُّبُورِ... بَينَمَا هُم فِي الوَاقِعِ يَقِفُونَ كَحَاجِزٍ أَمنِيٍّ لا يَسمَحُونَ لأَهلِ السُّنَّةِ بِتَخَطِّي الحُدُودِ, وَلا مُوَاجَهَةَ الإِسرَائِيليينَ.

وَقَد قَامَ الحِزبُ بِافتِعَالِ بَعضِ الأَكَاذِيبِ وَ الفُقَاعَاتِ الدِّعَائِيَّةِ الكَاذِبَةِ لِتَلمِيعِ الحِزبِ إِعلامِيًا, وَشَدِّ الجَمَاهِيرِ إِليهِ.

وَمِن ذَلِكَ:

أَوَّلاً: أُكذُوبَةُ تَحرِيرِ جَنُوبِ لُبنَانَ وَدَحرِ المُحتَلِّ الصَّهيُونِيِّ, عِلمَاً بِأَنَّ كِبَارَ ضُبَّاطِ الجِيشِ الصَّهيُونِيّ اعتَرَفُوا عَلى المَلأ وَفِي وَسَائِلِ الإِعلامِ المُختَلِفَةِ بِأَنَّ انسِحَابِهُم مِن الجَنُوبِ لم يَكُن بِسَبَبِ قُوَّةِ حِزبِ اللهِ, وَإِنَّمَا جَاءَت أَوَامِرُ القِيَادَةِ وَالأَلوِيَةِ بِالانسِحَابِ وَالخُرُوجِ, عِندَ ذَلِكَ دَخَلَ حِزبُ اللهِ... إِذَن؛ بَعدَ الانسِحَابِ الصَّهيُونِيّ, وَ لَيسَ قَبلَهُ وَ لا أَثنَاءَهُ دَخَلَ حِزبُ اللهِ لِلجَنُوبِ اللبنَانِيّ يَصطَحِبُ مَعَهُ هَالَةً إِعلامِيَّةً مَأْجُورَةً مِن أَجلِ التَّصوِيرِ الدِّعَائِيِّ لِلحِزبِ عَلى أَنَّهُ مِنَ المُحَارِبِينَ الفَاتِحِينَ.

ثَانِيًا: أُكذُوبَةُ القَتلَى الذِينَ يَسقُطُونَ مِنَ الطَّرَفِينِ, حِزبُ اللهِ وَ الكَيَانُ الصَّهيُونِيّ, وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ لا خَيَالٌ, وَلكِنَّ هَؤُلاءِ القَتلَى الذِينَ يَسقُطُونَ هُم مِنَ الجُنُودِ الذِينَ لا يَعرِفُونَ بِمُخَطَّطَاتِ أَسيَادِهِم وَقَادَتِهِم, وَهُم وَ عَدَدُهُم مَحدُودٌ جِدًّا بِالنِّسبَةِ لِقَتلَى الأَطرَافِ المُتَحَارِبَةِ الحَقِيقِيَّةِ, وَمَا هُم إِلا كَبشُ فِدَاءٍ يُضَحُّونَ بِهِم مِن أَجلِ استِدَامَةِ مَصَالِحِهِم غَيرِ المُعلَنَةِ بَاطِنًا, وَمِن أَجلِ إِظهَارِهِم كَطَرَفَي حَربٍ ظَاهِرَاً.

وَهَاهُوَ القِنَاعُ بَادِيَاً فِي الانكِشَافِ وَالسُّقُوطِ لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَوأَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.. فَبَعدَ أَن كَانَ حَسنُ نَصرُ اللهِ يُدَندِنُ فِي خُطَبِهِ عَلى وَتَرِ القَضِيَّةِ الفِلسطِينِيَّةِ, وَ يُنَادِي بِتَحرِيرِ فِلَسطِينَ كُلَّهَا بَدَأَ الخِطَابُ بِالتَّرَاجُعِ وَالانكِمَاشِ, وَهاهُوَ الحِزبُ يُعلِنُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ لا دَخلَ لَهُ فِي الشُّؤُونِ الخَارِجِيَّةِ, وَأَنَّ مُهِمَتُهُ هِيَ تَحرِيرُ أَرضِهِ وَلَيسَ تَحرِيرُ فِلَسطِينَ, وَبَعدَ أَن كَانَ الخِطَابُ مُتَوَجِّهَاً إِلى تَحرِيرِ فِلَسطِينَ كُلَّهَا حَصَرَ الأَمرَ عَلَى الاكتِفَاءِ بِبَيتِ المَقدِسِ, وَاتَّخَذُوا مِن ذَلِكَ مُجَرَّدَ شِعَارٍ رَمزِيٍّ دِعَائِيٍّ لِيَستَمِرَّ كَذِبُهُم عَلى الجَمَاهِيرِ السَّاذَجَةِ وَاكتَفُوا بِالاكتِفَاءِ بِمَا يُسَمَّى يَومَ القُدسِ العَالمِي, وَيَجعَلُونَ مِن هَذَا اليَومِ يَومَ استِعَراضٍ عَسكَرِيٍّ.

لِمَاذَا يُستَثنَى حِزبُ اللهِ, فَلا تُطَبَّقُ عَليهِ بُنُودُ اتِّفَاقِيَّةِ الطَّائِفِ, وَالتِي تَقضِي بِنَزعِ سِلاحِ جَمِيعِ المِليشيَاتِ وَمِن وَرَاءِ الأَمرِ بِإِبقَاءَ بَل بِجَلبِ السِّلاحِ لَهُ؟.

يَقُولُ المَثَلُ: إِذَا اختَلَفَ السُرَّاقُ ظَهَرَ المَسرُوقُ, وَيُقَالُ, الاعتِرَافُ سَيِّدُ الأَدِلَّةِ.. وَلا أَحسَنَ مِن شَهَادَةِ مَن يَشهَدُ بِالحَقِّ عَلَى أَهلِهِ, فَاستَمِعُوا إِلى الكَلامِ الخَطِيرِ الذِي قَالَهُ الأَمِينُ العَام الأَوَّل لِحِزبِ اللهِ "صُبحِي الطُّفَيلِي" بَعدَ أَن عَارَضَ الحِزبَ فِي كَثِيرٍ مِن تَوَجُّهَاتِهِ, فِي لِقَاءٍ لَهُ مَعَ قَنَاةِ الجَزِيرَةِ الفَضَائِيَّةِ: "لَوكَانَ أُنَاسٌ غَيرَ حِزبِ اللهِ عَلى الحُدُودِ, يَقصِدُ الفِلَسطِينِيِّينَ وَأَهلَ السُّنَّةِ, لما تَوَقَّفُوا عَن قِتَالِ إسرَائِيلَ مُطلَقَاً, وَالآن إِذَا أَرَادُوا الذَّهَابَ يَعتَقِلُهُم الحِزبُ, وَيُسَلِّمَهُم إِلى الأَمنِ اللبنَانِيّ, وَتَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لا يُدَافِعُ عَن إسرَائِيل" أ. هـ.

وَ تَزَامَنَ هَذَا الكَلامُ الخَطِيرُ مَعَ مَقَالٍ لِلعَمَيدِ "سُلطان أبي العَينَين", أَمِين سِر حَرَكَةْ فَتِح فِي لُبنَانَ نَشَرَتهُ جَرِيدَةُ القُدسِ العَرَبِيّ فِي 5/ 4/ 2..4 م بِعُنوَان:"حِزبُ اللهِ يُحبِط عَمَلِيَّاتِ المُقَاوَمَةِ الفِلَسطِينِيَّةِ مِنَ الجَنُوبِ" قَالَ فِيهِ: " حِزبُ اللهِ قَالَ سَنَكُونُ إِلى جَانِبِكُم عِندَ المِحَنِ وَلَكِنَّنَا مُنذُ ثَلاثَةِ أَعوَامٍ نَعِيشُ الشَّدَائِدَ وَلم نَعُدْ نَقبَلُ شِعَارَاتٍ مُزَيَّفَةً مِن أَحَدٍ, فَفِي الأُسبُوعِ الأَخِيرِ أَحبَطَ حِزبُ اللهِ أَربَعَ مُحَاوَلاتٍ فِلَسطِينِيَّةً عَلى الحُدُودِ, وَقَامَت عَنَاصِرُ حِزبُ اللهِ بِاعتِقَالِ المُقَاوِمِينَ الفِلَسطِينِيِّينَ, وَتَقدِيمِهِم لِلمُحَاكَمَةِ" وَأَكَّدَ أَبُوالعَينَيينِ أَنَّ الانسِحَابَ الإِسرَائِيلِيّ مِنَ الجَنُوبِ اللُّبنَانِيِّ فِي أَيَّارَ تَمَّ بِتَرتِيبَاتٍ أَمنِيَّةٍ وَاتِّفَاقٍ أَمنِيٍّ بِأَنْ لا تُطلَقَ طَلقَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى شَمَالِ فِلَسطِينَ مِن جَنُوبِ لُبنَانَ, وَهَذَا الاتِّفَاقُ يُطَبَّقُ مُنذُ الانسِحَابِ الإِسرَائِيلِيِّ, فَلَم يَتَمَكَّن أَيُّ مُقَاوِمٍ مِنَ اختِرَاقِ الحُدُودِ الشَّمَالِيَّةِ, وَجَرَت أَكثَرَ مِنْ مُحَاوَلَةٍ مِن جَمِيعِ الفَصَائِلِ الفِلَسطِينِيَّةِ, وَجَمِيعُهَا أُحبِطَتْ مِن حِزبِ اللهِ وُقُدِّمَت إِلى المَحكَمَةِ" وَأَضَافَ, "إِنَّ حِزبَ اللهِ يُريدُ المُقَاوَمَةَ كَوَكَالَةٍ حَصرِيَّةٍ لَهُ, وَحَصرًا فِي مَزَارِعِ شِبعَا, وَلا يَنتَظِرُ أَحَدٌ مِن حِزبِ اللهِ أَن يَقُومَ بِقَصفِ شَمَالِ فِلَسطِينَ بِالصَّوَارِيخِ, وَأَنَا شَاهِدٌ عَلَى مَا يَجرِي, وَأَشَارَ إِلى أَنَّ سَيطَرَةَ حِزبِ اللهِ عَلَى المُقَاوَمَةِ مِنَ الجَنُوبِ اللبنَانِيّ نَابِعَةٌ مِنَ اتِّفَاقِيَّاتٍ وَتَرتِيبَاتٍ أَمنِيَّةً, أَي اتِّفَاقَاتٍ مَعَ

إسرَائِيلَ بِوَاسِطَةِ طَرَفٍ ثَالِثٍ" وَقَالَ: " عَلَى الشَّعبِ الفِلَسطِينِيِّ أَن لا يُعَوِّلَ عَلى حِزبِ اللهِ وَلا عَلَى حَزبِ الشَّيطَانِ, بَل عَليهِ الاتِّكَالُ عَلَى نَفسِهِ فَقَط لأَنَّ لِحِزبِ اللهِ أَولَوِيَّاتَهُ وَمَوَاقِفَهُ السِّيَاسِيَّةَ, وَهُوَ يُرُيدُ أَن يُقَاتِلَ بِآخِرِ فِلَسطِينِيٍّ مِنَّا عَلَى آخِرِ فِلَسطِينِ, وَنَحنُ نُرِيدُ مِن حِزبِ اللهِ مَوقِفَاً صَرِيحَاً وَوَاضِحَاً" أ. هـ.

وَ أخَيِرًا نَقُوْلُ؛ هَلْ يُعقَل أَنْ يَكونَ الحِزْبُ عدوًّا لَدُوداً للكِيانِ الصِّهْيُونيُ كَما يزعُمُونَ ,ثُم يَقومُ هَذَا الحِزْبُ بِاسْتِعْرَاضٍ عَسْكَريٍ حَاشِدٍ فِي مَيْدَانٍ وَاسِعٍ في بَيْرُوتَ تنَقلهُ القنواتُ الفَضَائِيّة نَقْلاً مُبَاشِراً يَجْلسُ فِيهِ حَسَن نَصُر الله على مِنَصَّتِهِ وَ حَولهُ حَاشِيَتَهُ وَ ضُيُوفَهُ وَ تمرُّ مِنْ أَمَامِهِ الفِرَقُ وَ الكَتَائبُ وَ السَّرَايَا العَسْكَرية تَهتِفُ وَ تَتَوعّدَ بِالموتِ لإسرائيلَ, ثُم تَقِفُ إِسْرَائِيْلُ طِيْلَةَ هَذِهِ السَّنَواتِ مَوْقِفَ المُتفرََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََجِ وَ مَكْتُوفَةَ الأَيْدِي عَاجِزَةً عَن صُنعِ أيِّ شَيءٍ حِيَالَ هَذَا العَدُوّ القَادِم؟ وَ هِي التي لَمْ تَحْتَمِل رَجُلًا مُقعَداً عَلى كُرسِيهُِ الصَّغِير المُتحرِّك؛ فَاغْتَالتهُ عَنْ بُعدٍ في ظُلْمَةِ الفَجْرِ... !.

ثُمَّ لماذَا كُلّ هَذَا الاهْتِمَامِ مِنْ جَانِبِ الدَّولَةِ الرَّافِضِيةٌ بِلُبنَانِ؟ يُجِيْبُ عَنْ هَذَا التَّسَاؤُل حُجّةُ إِسلامِهم رَوحَانِي سَفِيرُ إِيرانَ فِيْ لُبنانَ فِيْ مُقَابَلةٍ أَجرتَها مَعهُ صَحِيفَةُ "إطِلاعات" الإِيْرَانِية فِي نِهَايةِ الشَّهرِ الأوّلِ من عَامِ 1984 م، يَقُولُ رَوْحَاني عن لُبنان: "لُبنان يُشْبِهُ الآنَ إِيرانَ عامِ 1977م, وَ لَوْ نُراقبُ ونَعملُ بِدقةٍ وَ صَبْرٍ فإِنهُ إِن شاءَ الله سيجيءُ إِلى أَحْضَانِنا, وَ بِسَببِ مَوْقِع لُبنانِ وهُوَ قَلبُ المنطِقةِ, وَ أَحدُ همِ المراكِزِ العَالميةِ فَإِنهُ عِنْدَما يَأْتِي لُبنان إِلى أَحْضَانِ الجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلامِيّةِ فَسَوفَ يَتْبَعهُ البَاقُوْن وَ يَقُولُ: "لقد تَمكنَا عَن طَرِيقِ سَفَارَتِنا في بَيْرُوتَ مِنْ تَوحِيدِ آراءِ السُّنُة وَ الشِّيْعةِ حَوْلَ الجُمْهُوريّةِ الإِسْلامِيّةِ وَ الإِمامِ الخُميني, وَ الآنَ غَالبِيَّةُ خُطَبَاءِ السّنُة يَمتَِدِحُونَ الإِمامَ الخُميني فِيْ خُطَبِهِم" ا. هـ.

وَ أمَّا عَنْ جَرَائِمِ الرَّافِضَةِ اليَوْمَ ضِدَّ المُسُلِمِينَ مِنْ أَهْلِ السّنةِ فِيْ أَفْغَانِسْتان وَ العِرَاقَ؛ فَحدِّثْ وَ لا حَرَج, فَهَاهِيَ أَمْرِيكَا اليَوْمَ تُقِرُّ بِالتَّعَاوُنِ وَ الدَّعْمِ الإِيْرَانِيِّ الرَّافِضِي خِلالَ حربِها على أفغانستان والعِراق... قاَلَتْ وَزيرِةُ الخَارِجِيةِ الأَمْرِيكِيّة, "كُوندَاليزَا رَايسْ" فِي مُقَابَلةٍ معَ إِحْدَى وِكَالاتِ الأنْبَاء: "أنَّ الأُممَ المُتحِدَةَ قَدْ قَامَتْ بِتَيْسِيْرِ اتّصَالاتٍ بَيْنَ الوِلايَاتِ المُتحدة وَ إِيْرَانَ بِصُوْرةٍ مُنتظمةٍ عبَرَ مَا يُطلَقُ عَلِيه اسْمُ عَمَليةَ "جِنِيف", لِمُناقَشَةِ مَسَائلَ عَمليّةٍ كَانَتْ تَتعلَّقَ أصْلًا بِأفْغَانِسْتانَ, ثُمَّ اتَّسَعَ نِطاقُهَا لِتَشْمَلَ العِرَاق, وَ قَدْ أشَارَتْ "رَايْس" قَبْلَ فَتْرَةٍ وَجِيْزةٍ إِلى أَنَّ مبْعُوثَ الرّئيسِ الأمْريكيِ "زلمَاي خَليل زَاد" قَدْ شَارَكَ فِيْ مُحَادَثَاتٍ مَعَ مَسئُولِينَ مِن إِيرَانَ التي انْبِثقتْ مُباشَرَةً- كَمَا قَالَتْ رَايْس- مِنَ الحَاجَةِ إلى معالَجةِ أمِر بَعضِ المسَائِلِ العمليةِ المُتَعلّقَةِ بِأفغَانِستانَ, ثُم وَسَّعْنا ذَلِكَ ليشْمَلَ العِرَاق".

وَ هَاهُمُ الرّافِضةُ يَعْتَرفِونَ, بَلْ يَفْتخِرونَ, بَهذَا التّعاونِ وَ الدَّعمَ الذِي قَدَّمُوهُ لأمْرِيكا, حَيثُ يَقُول محمد علي أبطحي, نائبُ الرّئيس الإِيراني للشؤونِ القانونيةِ وَ البرلمانيةِ الذِي وَقَفَ بِفخْرٍ فِي خِتامِ أَعْمَالِ مُؤْتَمرِ الخَلِيجِ وَ تَحدِّياتِ المُسْتَقبلِ الذِيْ يُنَظّمُه مَرْكَزُ الِإمارَاتِ للدِّرَاسَاتِ وَ البُحُوثِ الإِسْتراتِيْجِيةِ سَنَويّاً بِإِمارةِ أبي ظبي مَسَاء الثُلاثاءِ 2..4/ 1/ 15 م, ليعُلنَ أنّ بِلادهُ قَدّمتِ الكَثِيرَ مِنَ العَوْنِ للأمْرِيكِيينَ فِيْ حَربَيهِم ضِدَ أفغانستانَ والعِراق, وُ مُؤكِّداً أنَّهُ لَوْلا التَّعَاونِ الإِيْرَاني لَمّا سَقَطتْ "كابول" وَ بَغْدَاد بِهذهِ السهولة.

وَ قَدْ نَقَلتْ جَرِيدَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ في 2..2/ 2/ 9 م, عَنْ رَئِيسِ مَجْلِسِ تَشْخِيصِ مَصْلَحةِ النِّظَامِ "رفسنجاني" قَوْلَه فِي خُطْبتهِ بِجَامعةِ طهران:" إِنَّ القُوّاتَ الإِيْرَانِيةَ قَاتَلتِ طَالِبان وَ سَاهَمتْ فِي دَحْرهِا, وَ أَنهُ لَولَمْ تُسَاعِد قُوَّاتُِهُم فِي قِتالِ طَالِبان لغِرقَ الأمْرِيْكِيُّونَ في المُسْتَنقعِ الأَفْغاني". وَ تَابَعَ قَائِلاً: "يَجِبُ على أمريكا أنْ تَعْلَم أنهُ لَوْلا الجيشُ الإِيْرَانيُ الشَّعبي مَا اسْتَطَاعَتْ أَمريكا أن تُسقِطَ طالِبان.

بَلْ هَذَا مَا وَصَّى بِهِ الخُمَيْنِي حِزْبَ الوِحْدَةِ الشِّيْعِي, عقِبَ خُروجِ الرُّوسِ مِنْ أفغانستان مَدْحُوْرِين حَيْثُ قَال: "يَا حِزبَ الوِحْدَةِ يَا شِيْعةَ أفغانستان؛ جِهادُكُم يَبدأُ بَعْد خُرُوجِ الروس, ويَقْصِدُ بِذَلكَ جِهَادَ أَهْلِ السّنُة وَ إِيْقَاعِ الفِتَنِ وَ الاضِطِرَابَاتِ الدَّاخِليةِ فِيْ البِلاد". وَ بالفِعلِ هذا مَا حَصَل عَلَى أَرْضِِ الوَاقِعِ, حَتى إِنَّ دَوْلةَ طَالِبَانَ قَامَت بِقَتْلِ ما لا يقِلُ عن 6... مُقاتلٍ مِنَ الخَوَنةِ الرَّوافِضِ مِمَّن حَاوَلُوا التَّمرُدَ عَلى حُكمِ طالِبان, فكُل هَذا التآمُر عَلَى دولةِ أفغانستان وَ مَدُّ يَدِ العَوْنَ لأَمْرِيكا وَ حُلفَائَها خَوْفاً مِنْ أَنْ يَكُونَ لإِيْرَانَ الرَّافِضِيةِ جَارةً سنيُةً قَوِية, لأَنّ حَربهُم الأسَاسِية لَيْسَت مَعَ اليَهُودِ وَ لا مَعَ النَّصَارَى بَل حَربُهُم الأْوْلَى وَ الأخِيْرةُ هِي مَع أَهْلِ السنُة. وهَذَا مَا صَرَّحَ بِه قَدِيماً الدّكتور "علي ولايتي" بِقوله: " لَن نسمحَ أن تكون هُناك دولةٌ وهابيةٌ في أفغانستان". أي دولةً سنُية وفق لمصْطَلحاتِ الرافِضة الشائعةِ الآن.. ! أليْسَ هَذَا المَوْقِفُ نَفْسُهُ الذِي وَقَفَهُ خُلفاءُ وَ وُزراءُ الدّولةِ العُبَيدِيةِ الفَاطِمِيةِ منَ السَّلاجِقةِ الأتراك السنُيينَ يَومَ أَن حَارَبوهم وَ نَاصَرُوا الصّليبيين..؟

وَ قَدْ أَفَادَ عَدِيدٌ مِنَ الخُبراءِ العسكريين بِأنَّ الطِائراتِ التي انْطَلقَت مِن قَواعِدَ أَمْرِيكيّةٍ فِيْ الدُّولِ العَرَبيةِ لا يُمْكِنُ أَنْ تَعبُرَ لأفْغَانِسْتَان إِلا عَنْ طَرِيقِ الأَجْوَاءِ الإِيْرَانِيِّة فِيْ وَقْتٍ كَان المَسْؤُولُونَ الإِيْرَانِيونَ يُشَدِّدُونَ عَلى دِعَايَةِ حُرْمَة الأَجْوَاءِ الإِيْرَانِيةّ إِلا عَلَى الطّائِراتِ المُضْطَرةِ للهُبِوطِ اضْطِرَارِياً فِيْ إِيرَانَ وَ أشَارَتْ مَصَادرُ عَسْكَرِية في الاسْتِخبَارَاتِ الأمْرِيْكِية فِيْ الوَقْتِ ذَاتِه أَنْ عَنَاصِرَ مِنْ القُوَّاتِ الخَاصِةِ الأَمْرِيكِيةِ المَوْجُودَةِ فِيْ مَدينةِ هيرات غِربِ أفغانستان قُربَ الحُدُود الإِيرَانِية أفَادَتْ بِأَنّ عُمَلاءََ إِيْرَانيين يَتَسللون إِلى المنطقةِ وَ يُهَدِّدُونَ زُعَماءَ القبَائِل. وَ هَذَا مَا أَكّدَتْهُ مُنظَّمَةُ حُقُوقِ الإِنْسَان الأمْرِيكِية "هيومان رايت ووتش" فِيْ أكْتُوبَر 2..1 م, مِنْ أَنّ ثَمةَ تَقَارِير صَحَفِيّة تُفِيدُ أَنَّ الحُكُومَةَ الإِيْرَانية وَضَعَتْ أَعْدَادَاً إِضَافِيةً مِنَ الجُنُودِ عَلَى حُدُودِهِا بَعْدَ بِدْءِ الضَّرَباتِ العَسْكَرِيِّة, وَ أَنهُا بَدَأتْ فِيْ تَرْحِيلِ مِئَاتِ الِلاجِئين إِلى أفغانستان, وَ هَذَا تَمامَاً مَا يَفْعَلهُ العُمَلاءَ الإِيْرَانِيُّونَ وَ عَنَاصِرُ مِنَ الاسْتِخْبَارَاتِ الإِيْرَانِيّةِ فِيْ العِرَاق, وَ بِعِلْمٍ وَ رِضىً مِنَ القُوّاتِ الأَمْرِيْكِيةِ وَ حُلَفَائَهِا فِي الحَرْبِ عَلَى العِرَاقِ, فَفِي الوَقْتِ الذِي نَرَى فِيهِ التَّشْدِيدَ وَ التّضْيِيقَ عَلَى المَنَاطقِ الحُدُودِيةِ مَعَ العِراقِ مَعَ جَمِيعِ البُلْدَانِ التي يُمْكِنُ أنْ يَنْفُذَ عَبْرَهَا المُجَاهِدُونَ لِمسُاعَدةِ إِخِوانِهم في العِراقِ ضِدَّ المُحْتل الأَمْرِيْكِي؛ نَجِدُ أنَّ الحُدُودَ الإِيْرَانِيةَ

العِرَاقِيةَ تُفْتَحُ على مِصْرَاعَيْهَا لِتَسَلُّلِ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ العُمَلاءِ لأغْرَاضٍ سِياسِيةٍ رَافِضِيةَ, وَ عَلى رَأسِِها تَغْيُير نِسْبةِ التَّركيبَةُ السُّكانيةُ لِأهِلِ العِراقِ لِصالحِِ الرَّافِضَةُ, وَ لا سِيِّما بَعْدَ المجَازرِ وَ المَذَابِح الجَمَاعيّة التي تَمّتْ لِأهْلِ السنُة, حَتَّى يَتَمكَّنوا مِنْ فَرْضِ سَيْطَرتِهِمْ عَلَى جَنُوبِ العِرَاقِ عَلَى الأقَلِ مَا دَامَ لَمْ يتَمَكّنُوا مِن بِسْطِ نفُوذِهِم عَلَى العِراقِ كُلِه, بِالإِضَافَةِ إِلى الأَغْرَاضِ الإِسْتِخْبارَاتِيّة التِي تَرُومُ تتبُع المُجَاهِدِينَ وَ مُتابَعةِ المصَالِحِ الإِيْرَانِيّة, وَ التّنسيقِ بَيْنَها وَ بَينَ الأَحْزَابِ وَ الحَرَكَاتِ الشِّيعيةِ الُأخْرَى دَاخِلَ العِراق.

عِلْماً بِأنَّ الرَّافِضة, كَمَا هِيَ عَادَتهُمُ, كَانُوا يُعْلِنُونَ مُعَادَاةَ أمْريكا, وَ يَرْفَعونَ شِعارَ الموتُ لأمريكاَ, وَ يُسَمُّونَهَا بِالشَّيطَانِ الأكْبَر, بَلْ إِنَّ وَزيرَ الدِّفَاعِ الإِيْرانِيّ "علي شمخاني" خِلالَ تَحْضِيرات أمريكا للهُجوم على طالِبانِ؛ أطلقَ تَصْريْحَاتٍ مُدويةٍ هَدَّدَ فِيها بِإِسْقاطِ أَي طَائِرةٍ أَمْرِيكِية تَعبُر الأَجْواءَ الإِيْرَانِية, وَ بَعْدَ عِدّةِ أيامٍ ظَهَرت للعَيانِ اتفَاقِيةٌ تَمّت تَحْتَ طَاوِلةِ المُفاوضَاتِ الأَمْريكيّةِ الإِيْرَانِيةِ يَقُومُ الإِيْرَانيّونَ بِموْجِبِها بِإِعَادَةِ أي أمْرِيكي يُفقَدُ أَوْ يُسْقَطُ في إيران إلى أمريكا سَالماً مُعَافى.

وَ لا يَفُوتَني أَن أذْكُرَ كَلامَ الرّئِيسِ الإِيْرَانِيّ الحَالي "أحمدي نجاد", وَ الذِي يُفْصِحُ فِيْهِ على أنهُم اليَومَ يَسِيرون عَلى مخُطّطاتِ آبائهمُ الرّافِضة, حَيْثُ قَالَ مَا مَفَادهُ: لَقَدْ جَاءَتْ حُكُومتي لِتُمهِدَ الطّريقَ لاسْتِقْبالِ المهْدِي.

وَ أمّا فِيْمَا يَتَعلّقُ بجرائمهم وخياناتهم الأخلاقية؛ فَحدِّثْ وَ لا حَرَج..

فَهَاهِي مجُتمَعَاتهُم تَغُصُ بِالرّذِيلةِ وَ الخَنَا وَ الفُجُورِ, وتَنتَشرُ فِيهِم الفَواحِشُ ظَاهِراً وَ بَاطِنا, ولا تَجدُ مُجْتَمعاً مُلَوّثاً بِهَذِهِ الرَّزَايَا إِلا وَ الرّافِضةُ قَدْ فَاقهُ فُحشاً وفجوراً.. كُلّ ذَلك يتمُ من خِلالِ شَرِيعةِ الرافِضة وَ دِينهِم وَ بِفَتوىً مِنْ مَرجِعِياتِهم وآيَاتِهم! فكيف ذاك..؟

أَوَّلاً: زَوَاجُ المُتعَةِ الذِي أَبَاحَهُ الشَّرعُ فَترَةً مِنَ الزَّمَنِ, وَلِلضَّرُورَةِ مَعَ غَيرِ المُسلِمَاتِ قَبلَ تَقسِيمِ مُلكِ اليَمِينِ وَالأَخذِ بِهِ, حَيثُ كَانَ الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ يَغزُونَ بِلادَاً بَعِيدَةً, وَتَطُولُ بِهِم مُدَّةُ السَّفَرِ ذَهَابَاً وَإِيَابَاً وَإِقَامَةً, فَرُفِعَ عَنهُم الحَرَجُ وَالمَشَقَّةُ, فَي نِكَاحِ التَّمَتُّعِ لإِبعَادِهِم عَن مَظَنَّةِ الوُقُوعِ فِي المَحظُورِ, وَلَمَّا تَغَيَّرَ الحَالُ, وَزَالت الضَّرُورَةُ بِانتِشَارِ الإِسلامِ وَتَفَرُّقِ المُسلِمِينَ في البِلادِ نُسِخَ حُكمُ المُتعَةِ نَظَرَاً لِمَا يَحوِيهِ مِن مَفَاسِدَ أَكبَرُ مِن مَصَالِحِهِ, وَلِكَونِهِ يُنَافِي مَقَاصِدَ الزَّوَاجِ الذِي أَحَلهُ اللهُ تَعَالى, وَالذِي مِنهَا استِدَامَةُ الزَّوَاجِ وَ بِنَاءُ الأُسرَةِ المُسلِمَةِ, وإِنجَابُ الوَلَدِ وَالقِيَامِ عَلى تَربِيَتِهِ, فَإِنَّ الرَّافِضَةَ يَتَعَلقُونَ بِهَذَا الزَّواجِ الذِي هُوَ مِفتَاحٌ لِلزِّنَا وَلِكُل شَرٍّ.. وَ هُم لا يَقُولُونَ بِإِبَاحَتِهِ وَجَوَازِهِ فَحَسبْ؛ بَل إِنَّهُم يَعتَبِرُونَ مَن لا يَتَمَتَّعُ وَمَن يَرَى حُرمَةَ هَذَا الزَّوَاجَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ بِنَاءً عَلَى رِوَايَاتٍ مَكذُوبَةٍ نَسَبُوهَا إِلى الأَئِمَّةِ مِن آلِ البَيتِ كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ [مَن لا يَحضُرُهُ الفَقِيهُ]: "رَوَى الصَّدُوقُ عَن الصَّادِقِ عَليهِ السَّلام قَالَ: إِنَّ المُتعَةَ دِينِي وَدِينَ آبَائِي , فَمَن عَمِلَ بِهَا عَمِلَ بِدِينِنِا, وَمَن أَنكَرَهَا أَنكَرَ دِينَنَا وَاعتَقَدَ بِغَيرِ دِينِنِا".

بَل يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ لِيَشمَلَ التَّمَتُّعَ حَتَّى بِالرَّضِيعَةِ, وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الخُمَينِيُّ فِي كِتَابِهِ "تَحرِيرُ الوَسِيلَةِ": "لا بَأسَ بِالتَّمَتُّعِ بِالرَّضِيعَةِ ضَمًّا وَتَفخِيذًا وَتَقبِيلاً".

وَ يذكُرُ لَنَا صَاحِبُ كِتَابِ [للهِ ثُمَّ لِلتَّارِيخِ] حَادِثَةً وَقَعَت أَمَامَ نَاظِرَيهِ حِينَ كَانَ الخُمَينِيُّ مُقِيمًا فِي العِرَاقِ, وَكَانَ فِي زِيَارَةٍ لِشَخصٍ إِيرَانِيٍّ يُدعَى "سَيّد صَاحِب", فَيَقُولُ: "فَرِحَ سَيّد صَاحِب بِمَجِيئِنَا وَكَانَ وُصُولُنَا إِليهِ عِندَ الظُّهرِ. فَصَنَعَ لَنَا غَدَاءً فَاخِرَاً، وَاتَّصَلَ بِبَعضِ أَقَارِبِهِ فَحَضَرُوا، وَازدَحَمَ مَنزِلُهُ احتِفَاءً بِنَا، وَطَلَبَ "سَيّدُ صَاحِب" إِلينَا المَبِيتَ عِندَهُ تِلكَ الليلَةِ، فَوَافَقَ الإِمَامُ، ثُمَّ لما كَانَ العِشَاءُ، أَتَونَا بِالعَشَاءِ، وَكَانَ الحَاضِرُونَ يُقَبِّلُونَ يَدَ الإِمَامِ وَيَسأَلُونَهُ وَيُجِيبُ عَن أَسئِلَتِهِم، وَ لَمَّا حَانَ وَقتُ النَّومِ، وَكَانَ الحَاضِرُونَ قَد انصَرَفُوا إِلا أَهلَ الدَّارِ، أَبصَرَ الإِمَامُ الخُمَينِيُّ صَبِيَّةً بِعُمرِ أَربَعِ سَنَوَاتٍ أَوخَمسٍ وَلكِنَّهَا جَمِيلَةٌ جِدَّاً، فَطَلَبَ الإِمَامُ مِن أَبِيهَا "سَيِّد صَاحِب" إِحضَارَهَا لِلتَّمَتُّعِ بِهَا، فَوَافَقَ أَبُوهَا بِفَرَحٍ بَالِغٍ، فَبَاتَ الإِمَامُ الخُمَينِي وَالصَّبِيَّةُ فِي حِضنِهِ وَنَحنُ نَسمَعُ بَكَاءَهَا وَصَرِيخِهَا, المُهِمُّ أَنَّهُ أَمضَى تِلكَ الليلَةَ, فَلمَّا أَصبَحَ الصَّبَاحُ وَجَلَسنَا لِتَنَاوُلِ الإِفطَارِ، نَظَرَ إِليَّ فَوَجَدَ عَلامَاتِ الإِنكَارِ وَاضِحَةً فِي وَجهِي، إِذ كَيفَ يَتَمَتَّعُ بِهَذِهِ الطِّفلَةِ الصَّغِيرَةِ وَفِي الدَّارِ شَابَّاتٌ بَالغَاتٌ رَاشِدَاتٌ. كَانَ بِإِمكَانِهِ التَّمتُّعُ بِإِحدَاهِنَّ

فَلَم يَفعَل، فَقَالَ لي: سَيّد حُسَين مَا تَقُولُ فِي التَّمتُّعِ بِالطِّفلَةِ؟ فَقُلتُ لَهُ: سَيِّد القَولُ قَولُكَ وَالصَّوَابُ فِعلُكَ وَأَنتَ إِمَامٌ مُجتَهِد، وَلا يُمكِنٌ لِمِثلِي أَن يَرَى أَويَقُولَ إِلا مَا تَرَاهُ أَنتَ أَوتَقُولُهُ. وَ مَعلُومٌ أَنِّي لا يُمكِنُنِي الاعتِرَاضُ وَقتَ ذَاك. فَقَالَ: "سَيِّد حُسِين، إِنَّ التَّمَتُّع بِهَا جَائِزٌ وَلَكِن بِالمُدَاعَبَةِ وَالتَّقبِيلِ وَالتَّفخِيذِ أَمَّا الجِمَاع فَإِنَّهَا لا تَقوى عَليهِ". ا. هـ.

وَ تَتَوسَّعُ دَائِرَةُ التَّمَتُّعِ عِندَ الشِّيعَةِ لِتَشمَلَ حَتَّى التَّمَتُّعَ بِالنِّسَاءِ المُتَزَوِّجَاتِ وَهَذَا مَا تُحَرِّمُهُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ, بَل وَلا تُقِرُّهُ حَتَّى غِيرَةُ العُقَلاءِ مِنَ الكُّفَّارِ.. فَالرَّافِضَةُ يجِيزُونِ التَّمتُّعَ بِالمرأَةِ المُحصَنَةِ زَوجَةَ الغَيرِ دُونَ عِلمِ زَوجِهَا وَدُونَ رِضَاهُ, عِلمَاً بِأَنَّ بَعضَ فُقَهَاءَ الشِّيعَةِ يُقِرُّونَ بِتَحرِيمِ نِكَاحِ المُتعَةِ, كَمَا جَاءَ فِي [وَسَائِلُ الشِّيعَةِ] , وَفِي [التَّهذِيبِ] وَ فِي [الاستِبصَارِ]:" قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَليهِ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ وَآلهِ يَوِمَ خَيبَرَ لُحُومُ الحُمُرِ الأَهلِيَّةَ وَنِكَاحَ المُتعَةِ".

وَ جَاءَ فِي [التَّهذِيب]: "وَسُئِلَ أَبُوعَبدِ اللهِ عَليهِ السَّلام: كَانَ المُسلِمُونَ عَلى عَهدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ يَتَزَوَّجُونَ بِغَيرِ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ: لا".

وَيَقُولُ السَّيدُ حُسينٌ المُوسَوِيّ مُعَلِّقَاً: "لا شَكَّ أَنَّ هَذَينِ النَّصَّينِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِي نَسخِ حُكمِ المُتعَةِ وَإِبطَالِهِ".

وَجَاءَ فِي [وَسَائِلِ الشِّيعَةِ]: "وَعَن عَمَّارٍ قَالَ: قَالَ أَبُوعَبد اللهِ عَليهِ السَّلام لي, وَلِسُليمَانَ بن خَالِد: (قَد حُرِّمَتُ عَليكُمَا المُتعَةُ).

وَ قَد نَقَلَ الدُّكتُورُ "نَاصِرٌ القَفَارِيّ" في كِتَابِهِ [أُصُولُ مَذهَبِ الشِّيعَةِ الإِمَامِيَّةِ الاثنَي عَشرِيَّةِ] عَن الأَلُوسِي قَولَهُ: "مَن نَظَرَ إِلى أَحوَالِ الرَّافِضَةِ في المُتعَةِ في هَذَا الزَّمَانِ لا يَحتَاجُ فِي حُكمِهِ عَليهِم بِالزِّنَا إِلى بُرهَانٍ، فَإِنَّ المرأَةَ الوَاحِدَةَ تَزنِي بِعشرِينَ رَجُلاً فِي يَومٍ وَ لَيلَةٍ، وَتَقُولُ إِنَّهَا مُتَمَتِّعَةٌ، وَقَد هُيِّئَت عِندَهُم أَسوَاقٌ عَدِيدَةٌ لِلمُتعَةِ تُوقَفُ فِيهَا النِّساءُ وَلَهُنَّ قَوَّادُونَ يَأتُونَ بِالرِّجَالِ إِلى النِّسَاءِ وَبِالنِّسَاءِ إِلى الرِّجَالِ فَيَختَارُونَ مَا يَرضُونَ وَ يُعَيِّنُونَ أُجرَةَ الزِّنَا وَيَأخُذُونَ بِأَيدِيهِنَّ إِلى لَعنَةِ اللهِ تَعَالى وَغَضَبِهِ" ا. هـ.

فَمَاذَا نَتَجَ عَن زَوَاجِ المُتعَةِ, وَمَا هِيَ آثَارُهُ عَلَى المُجتَمَعِ الرَّافِضِيِّ؟.

فَمِن آثَارِهِ: اختِلاطُ الأَنسَابِ, وَالذِي بِسَبَبِهِ حَرَّمَ اللهُ الزِّنَا, وَذَلِكَ مِن خِلالِ التَّمَتُّعِ بِزَوجَاتِ الغَيرِ, وَدُونَ عِلمِ أَزوَاجِهِنَّ, فَتَحمِلُ المَرأَةُ, وَلا تَدرِي هَذَا الوَلَدُ مَن يَكُونُ وَالِدُهُ, وَمِن ذَلِكَ كَثُرَ بِسَبَبِهِ الزَّواجُ مِنَ المَحَارِمِ, فَمِن كَثرَةِ مَا يَتَمَتَّعُونَ صَارَ الرَّجُلُ يَتَمَتَّعُ بِالمَرأَةِ, وَقَد تَكُونُ ابنَتُهُ مِن زَوجَةٍ سَابِقَةٍ كَانَ قَد تَمَتَّعَ بِهَا, أَوتَكُونُ زَوجَةَ ابنِهِ الذِي سَبَقَ أَن تَمَتَّعَ بِهَا, أَوزَوجَةَ أَبِيهِ.

وَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ السَّيدُ حُسَينٌ المُوسَوِيّ: "جَاءَتنِي امرَأَةٌ تَستَفسِرُ مِنِّي عَن حَادِثَةٍ حَصَلَت مَعَهَا، إِذ أَخبَرتنِي أَنَّ أَحدَ السَّادَةِ وَهُوَ السَّيدُ "حُسينٌ الصَّدرَ" كَانَ قَد تَمَتَّعَ بِهَا قَبلَ أَكثَرِ مِن عِشرِينَ سَنَةً، فَحَمَلَت مِنهُ، فَلَمَّا أَشبَعَ رَغبَتَهُ مِنهَا فَارَقَهَا، وَ بَعدَ مُدَّةٍ رُزِقَتْ بِبِنتٍ، وَأَقسَمَت أَنَّهَا حَمَلت مِنهُ هُوَ, إِذ لم يَتَمَتَّع بِهَا وَقَتَذَاكَ أَحَدٌ غَيرُهُ. وَ بَعدَ أَن كَبُرَت البِنتُ وَصَارَت شَابَّةً جَمِيلَةً مُتَأَهِلَةً لِلزَّوَاجِ، اكتَشَفَت الأُمُّ أَنَّ ابنَتَهَا حُبلى، فَلمَّا سَأَلَتهَا عَن سَبَبِ حَملِهَا؛ أَخبَرَتها البِنتُ أَنَّ السَّيدَ المَذكُورَ استَمتَعَ بَهَا فَحَمِلَت مِنهُ، فَدُهِشَت الأُمُّ وَفَقَدَت صَوَابَهَا، إِذ أَخبَرَت ابنَتَهَا أَنَّ هَذَا السَّيدَ هُوَ أَبُوهَا، وَأَخبَرَتها القِصَّةَ، فَكَيفَ يَتَمَتَّعُ بِالأُمِّ، وَاليَومَ يَأتِي لِيَتَمَتَّعَ بِابنَتِهَا التِي هِيَ ابنَتَهُ هُوَ؟ ".

وَمِن آثَارِهِ؛ استِغلالُ أَربَابِ الهَوَى وَالفَسَادِ المُتعَةَ فِي إِشبَاعِ الغَرَائِزِ لِدَرَجَةٍ وَصَلَت حَدَّ الجُنوحِ إِلى الفُجُورِ, وَإِلصَاقِ ذَلِكَ بِالدِّينِ مِن خِلالِ المُتعَةِ.

وَ مِن آثَارِهِ أَيضًا؛ أَنَّ السَّادَةَ وَالمَرجِعِيَّاتِ الذِينَ يُبِيحُونَ هَذَا الزَّوَاجَ لِيَتِمَّ لهم مِن خِلالِهِ التَّمَتُّعَ بِبَنَاتِ النَّاسِ, يَمنَعُونَ بَنَاتَهُم وَأَخَوَاتَهُم وَقَرِيبَاتَهُم مِنَ التَّمَتُّعِ لأَنَّهُم يَستَقذِرُونَهُ لَهُم, وَيَرَونَهُ كَالزِّنَا عَلى مَا يَشعُرُونَ هُم بِهِ مِن خِلالَ تَمَتُّعِهِم بِبَنَاتِ الغَيرِ, وَعَن ذَلِكَ يَروِي لَنَا السَّيدُ حُسَينٌ المُوسَوِيّ رِوَايَةً وَقَعَت مَعَهُ هُوَ حَيثُ يُقُولُ: "فَدَخَلَ عَلينَا شَابَّانِ يَبدُوا أَنَّهُمَا اختَلَفَا فِي مَسأَلَةٍ فَاتَّفَقَا عَلى سُؤَالِ الإِمَامِ الخُوئِيّ لِيَدُلهُمَا عَلى الجَوَابِ.

فَسَأَلَهُ أَحَدُهُمَا قَائِلاً: سَيِّدٌ؛ مَا تَقُولُ فِي المُتعَةِ أَحَلالٌ هِيَ أَم حَرَامٌ؟

نَظَرَ إِليهِ الإِمَامُ الخُوئِيّ وَقَد أَوجَسَ مِن سُؤَالِهِ أَمرَاً ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَينَ تَسكُن؟

قَالَ الشَّابُّ السَّائِلُ: أَسكُنُ المُوصِلَ وَأُقُيمُ هُنَا فِي النَّجَفِ مُنذُ شَهرَينِ تَقرِيباً.

قَالَ لَهُ الإِمَامُ: أَنتَ سُنِّيٌ إِذَن؟

قَالَ الشَّاب: نَعَم.

قَالَ الإِمَامُ: المُتعَةُ عِندَنَا حَلالٌ وَعِندَكُم حَرامٌ.

فَقَالَ لَهُ الشَّاب: أَنَا هُنَا مُنذُ شَهرَيِنِ تَقرِيباً غَرِيبٌ فِي هَذِهِ الدِّيَار فَهَلا زَوَّجتَنِي ابنَتَكَ لأَتَمَتَّعَ بَِها رَيثَمَا أَعُودُ إِلى أَهلِي؟

فَحَملَقَ فِيهِ الإِمَامُ هُنَيهَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنَا سَيِّدٌ, وَهَذَا حَرَامٌ عَلى السَّادَةِ وَحَلالٌ عِندَ عَوَامِ الشِّيعَةِ.

وَ نَظَرَ الشَّابُّ إِلى السَّيدِ الخُوئِي وَهُوَ مُبتَسِمٌ وَنَظرَتُهُ تُوحِي أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الخُوئِي قَد عَمِلَ بِالتُّقيَةِ.

ثُمَّ قَامَا فَانصَرَفَا، فَاستَأذَنتُ الإِمَامَ الخُوئِيّ فِي الخُرُوجِ فَلَحِقتُ بِالشَّابَينِ فَعَلِمتُ أَنَّ السَّائِلَ سُنِّيٌّ وَصَاحِبَهُ شِيعِيّ اختَلَفَا فِي المُتعَةِ أَحَلالٌ أَم حَرَامٌ فَاتَّفَقَا عَلََََى سُؤَالِ المَرجِعِ الدِّينِيّ الإِمَامُ الخُوئِيّ، فَلَمَّا حَادَثتُ الشَّابَينِ انفَجَرَ الشَّابُّ الشِّيعِيُّ قَائِلاً: يَا مُجرِمِينَ تُبِيحُونَ لأَنفُسِكُم التَّمَتُّعَ بِبَنَاتِنَا وُتُخبِرُونَنَا بِأَنَّهُ حَلالٌ وَأَنَّكُم تَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إِلى اللهِ، وَتُحَرِّمُونَ عَلينَا التَّمَتُّعَ بِبَنَاتِكُم؟

وَ رَاحَ يَسُبّ، وَ يَشْتُم، وَ أَقْسَمَ أَنْ سَيَتَحَوَّلَ إلى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّة، فَأَخَذْتُ أُهَدِئُ بِهِ، ثُمَّ أَقْسَمْتُ لَهُ أَنَّ المُتْعَةَ حَرَامٌ، وَ بَيَّنْتُ لَهُ الأدِلَّةَ عَلَى ذلك".

وَ مِنْ آثَارِهِ أيضًا؛ قَطِيعَةُ الأَرْحَامِ، وَ الوَشَائِجِ, وَ ذلكَ لِأَنَّ كثيرًا من الرَّافِضَةِ لا يَعْرِفُونَ أَنْسَاَبهَمُ، وَ لا آبَاءَهُمُ, وَ لِهَذَا قَدْ يَكُون لِلْرَجُلِ إِخْوَةٌ، وَ أَخَوَاتٌ، وَ مَحَارِم لا يَعْرِفُهُم, لِأَنَّهُ أَصْلًا لَا يَعْرِفُ مَنْ يكون وَالِدَهُ.

وَ مِنَ الآثَارِ الأُخْرَى الخَطِيرَةِ لِزَوَاجِ المُتْعَةِ الذّي يَحِلُّهُ الرَّافِضَةُ، وَ يَتَسَامَحُ مَعَهُم وَ يَتَغَاضَى عَنْ الاخْتِلَافِ مَعَهُم فَيهَ كَثِيرٌ مِن دُعَاةِ التَّقَارُبِ اليَوْمَ، أَنَّهُ وَ مِنْ خِلَالِ إِبَاحَةِ المُتْعَةِ اسْتَطَاعَ كَثِيرٌ منْ دُعَاتِهِم بَثّ دَعْوَتِهِم وَ نَشْرِ مذَهْبَ الرَّفْضِ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ قَبَائِلِ أَهْلِ السُّنَّةِ , وَ مَا ذَلِكَ إلا مِنْ خِلَال إِغْرَائِهِم بِهَذَا الزَّوَاجِ, وَ مُدَاعَبَةِ أَهْوَائِهِم بالقَوْلِ بِإِبَاحتِهِ. فَقَدْ نَشَرَتْ مَجَلَةُ [المَنَارِ] في المُجَلَّدِ السَّادِسِ عَشْر رِسَالَةً لِلْشَيْخِ مُحَمَّدِ كَامِل الرَّافِعِيّ كَانَ قَدْ أَرْسَلَهَا مِنْ بَغْدَاد لِصَدِيقِهِ الشَّيْخِ رَشيد رِضا فِي سنةِ ألفٍ وَ ثَلاث مائةٍ وَ سِتٍّ وَ عشرين للهجرَةِ 1326 هـ, كَشَفَ لَهُ أَثْنَاءَ سِيَاحَتِهِ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ مَا يَقُومُ بِهِ عُلَمَاءُ الرَّافِضَةِ مِنْ دَعْوَةِ الأَعْرَابِ إلى الدُّخُولِ فِي دِينِ الرَّفْضِ، وَ اسْتِعَانَتِهِم فِي ذَلِكَ بِإِحْلَالِ مُتْعَةِ النِّكَاحِ لِمَشَايِخِ قَبَائِلِهِم الذِينَ يَرْغَبُونَ الاسْتِمْتَاعَ بِكَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ فِي كُلِّ وَقْتٍ.

وَ ذَكَرَ لَنَا د. نَاصِرُ القَفَارِيّ, فِي كِتَابِهِ [أُصُولُ مَذْهَبِ الشِّيَعَة الإِمَامِيَّةِ] عَنْ الحَيْدَرِيّ بَيَانًا خَطِيرًا بِالقَبَائِلِ السُّنِّيَّةِ التّي تَرَفَّضَتْ بِجُهُودِ الرَّوَافِضِ، وَ خِدَاعِهِم فِي كِتَابِهِ: [عُنْوَانُ المَجْدِ فِي بَيَانِ أَحْوَالِ بَغْدَادَ وَ البَصْرَةِ وَ نَجْد] , فَيَقُولُ: (وَ أَمَّا العَشَائِرُ العِظَامُ فِي العِرَاقِ الَّذِينَ تَرَفَّضُوا مِنْ قَرِيبٍ فَكَثِيُروَن, مِنْهُم: رَبِيعَة تَرَفَّضُوا مُنْذ سَبْعِينَ سَنَةٍ, وَ تميمٌ؛ وَ هي عَشِيرَةٌ عَظِيمَةٌ تَرَفَّضُوا فِي نَوَاحِ العِرَاقِ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةٍ بِسَبَبِ تَرَدُّدِ شَيَاطِينَ الرَّافِضَةِ إليهِم, وَ الخَزَاعِلُ تَرَفَّضُوا مُنْذ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّينَ سَنَةٍ بتَرَدُّدِ الرَّافِضَةِ إلَيْهِم وَ عَدَمِ العُلَمَاءِ عِنْدَهُم. وَ مِنَ العَشَائِرِ المُتَرَفِّضِةِ: بَنُوعمير, وَ هُمْ بَطْنٌ مِنْ تَمِيم, وَ الخَزْرَج وَ هُم بَطْنٌ مِنَ الأَزْدِ, وَ شَمََّر وَ هي كَثِيرَةٌ, وَ غَيْرُهَا. وَ مِنَ المُتَرَفِّضَةِ أيضًا عَشَائِرُ العُمَارَةِ آلُ مُحَمَّدِ, وَ هِيَ لِكَثْرَتِهَا لا تُحْصَى, وَ تَرَفَّضُوا َمِن قَرِيبٍ. وَ عَشِيرَةُ بَنِي لام, وَ هِيَ كَثِيرَةُ العَدَدِ, وَ عَشَائِرُ الدِّيوَانِيَّة، وَ هِيَ خَمْسُ عَشَائِرٍ؛ آلُ أَقْرَع, وآلُ بُدَيْر, وَ عَفْجٌ , وَ الجِبُورِ, وَ جُلَيْحَة.

ثانيًا: إِعَارَةُ الفُرُوجِ؛ وَ مَا أَدْرَاكَ مَا إِعَارَةُ الفُرُوجِ, فَإِنَّهُ وَ إِنْ كَانَ هُوَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ الحُكْمِ الشَّرْعِيّ, إِلَّا أَنِّهُ مِنْ حَيْثُ طَرِيقَة مُبَاشَرَتِهِ، فَهُوَ أَفْظَعٌ، وَ أَقْبَحٌ, حَيْثُ أَنَّ الزَُّناَةَ يَتَسَتَّرُونَ وَ يَسْتَشْعِرُونَ الخَطِيئَةَ وَ الذَّنْبَ الذِي يَرْتَكِبُونَهُ، أَمَّا فِي إِعَارَةِ الفُرُوجِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ يَأْتِي بِزَوْجَتِه عِنْدَ صَدِيقِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ قَرِيبِهِ أَوْ مَنْ شَاءَ فَيُبْقِيهَا عِنْدَهُ وَ يُبِيحُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ طِيِلَةِ فَتْرَةِ سَفَرِهِ, وَ يَأْذَنَ لَهُ التَّمَتُّعَ بِهَا لِكَيّ يَطْمَئِنَّ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الزِّنَا. وَ هُنَاكَ حَالَةٌ أُخْرَى يَعِيُروَن فِيهَا الفُرُوجَ, وَ هِيَ إِذَا حَلّ الرَّجُلُ ضَيْفًا فَإِنَّ مِنْ دَوَاعِ إِكْرَامِ هَذَا الضَّيْفِ أَنْ يُقَدِّمَ زَوْجَتِهِ لِلْضَيْفِ، وَ يَرْوُونَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٍ مَكْذُوبَةٍ، يَنْسِبُونَهَا إلى الإمَامِ الصَّادِقِ, وَ إِلَى أَبِيهِ أَبِي جَعْفَر عَلَيْهِمُ السَّلِامُ.

رَوَى الطُّوسِيّ فِي [الاسْتِبْصَارِ] عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يُحِلُّ لِأَخِيهِ فَرْجَ جَارِيَتِهِ؟ قَالَ: نَعَم، لا بَأْسَ لَهُ مَا أَحَلَّ لَهُ مِنْهَا.

وَ رَوَى الكُلَيْنِيّ فِي [فُرُوعِ الكَافِي] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: يَا مُحَمَّدَ, خُذْ هَذِهِ الجَارِيَةَ تَخْدُمُك، وَ تُصُيبُ مِنْهَا, فَإِذَا خَرَجْتَ فَارْدُدْهَا إِلَيْنَا.

وَ هَذَا الأَمْرُ أَفْتَى بِهِ عُلَمَاءُ الرَّافِضَةِ فِي إيران وَ العِرَاقِ, وَ هُوَ مُنْتَشِرٌ بِنَاءً عَلَى فَتَاوٍ كَثِيرَةٍ مِنْ سَادَاتِ وَ مَرْجِعِيَّاتِ الرَّافِضَةِ, يَقُولُ السَّيِّدُ حُسَين المُوسَوِيّ: (زُرْنَا الحُوزَةَ القَائِمِيَّةَ فِي إِيرَان، فَوَجَدَنَا السَّادَةَ هُنَاكَ يُبِيحُونَ إِعَارَةَ الفُرُوجِ.

وَ مِمَّنْ أَفْتَى بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ السَّيِّدُ لُطْفُ الله الصَّنَافِيّ وَ غَيْرُهُ، وَ لِذَا فَإِنَّ مَوْضُوعَ إِعَارَةِ الفَرْجِ مُنْتَشِرٌ فِي عُمُومِ إيرَان، وَ اسْتَمَرَّ العَمَلُ بِهِ حَتَّى بَعْدَ الإِطَاحَةِ بِالشَّاهِ مُحَمَّدٍ الرِّضَا بَهْلَوِىّ وَ مَجِيء آيَةِ اللهِ العُظْمَى الإِمَامِ الخُمَيْنِيّ الموُسَوِيّ، وَ بَعْدَ رَحِيلِ الإمَامِ الخُمَيْنِيّ اِسْتَمَرَّ العَمَلُ عَلَيْهِ")، وَ قَالَ: (وَ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنَّ السَّادَةَ هُنَا - يُعنِي العِراق- أفْتَوْا بِجَوَازِ إِعَارَةِ الفَرْجِ، وَ هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ العَوَائِلِ في جَنُوبِ العِرَاقِ وَ فِي بَغْدَادَ، وَ فِي مَنْطِقَةِ الثَّوْرَةِ مَمَّنْ يُمَارِسُ هَذَا الفِعْلَ بِنَاءً على فَتَاوَى كَثَيِرٍ مِنَ السَّادَةِ مِنْهُم: السِّيسْتَانِيّ، وَ الصَّدْرِ، وَ الشَّيرَازِي، وَ الطَّبْطَبَائِيّ وَ غَيْرهُم، وَ كَثِيرٌ مِنْهُم إِذَا حَلَّ ضَيْفاً عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُم اِسْتَعَارَ مِنْهُ اِمْرَأَتَهُ إِذَا رَآهَا جَمِيلَةً، وَ تَبْقَى مُسْتَعَارةً عِنْدَهُ حَتّى مُغَادَرَتِهِ). ا. هـ.

ثالثاً: إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنّ

وَ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى عَاقِلٍ مَدَى الأَََضْرَارِ الجَسِيمَةِ التّي تَلْحَقُ بِالمُجْتَمَعِ عَامَّةً جَرَّاءَ الوُطْءِ فِي الدُّبُرِ عَدَى اِنْتِكَاسَة الفِطْرَةِ وَ العِيَاذُ بِالله.

وَ هُنَاكَ الأَحَادِيثُ الصًحَيِحةَ ُوَ الصَّرِيحَةُ فِي لَعْنِ فَاعِلِهَا وَ تَحْرِيمِ إِتْيَانِ النَّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ, وَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222]، فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَحِلُّ إِتْيَانَ المَرْأَة فِي دُبُرِهَا؛ إَذْ لَوْ كَانَ جَائِزًا لمَاَ كَانَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى فِي اِعْتَزَالِ النِّسَاءِ فِي المَحِيضِ مَعْنًى, فَلَيْسَ الحَيْضُ فِي الدُبُرِ وَ إِنَّمَا فِي القُبُلِ, وَ الأَمْرُ بِاعْتِزَالِهَا يَدُلُّ عَلَى أمْرِ اعْتِزَالِ وُطْئِهَا فِي القُبُلِ, وَ الرَّافِضِةُ -رَفَضَهُمُ اللهُ- يَحِلُّونَ ذَلِكَ, وَ يَأْتُونَ بِرِوَايَاتٍ يَزْعُمُونَ زُورًا وَ كَذِبًًا نِسْبَتِهَا إِلَى أَئِمَّةِ آلِ البَيْتِ كَمَا يَتَأَوَّلُونَ آياتِ القُرْآن بِالبَاطِلِ من بَعَدْ ِمَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُم.

وَ ِمَّما جَاءَ عِنْدَهُم فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي [الاسْتِبْصَارِ] , مَا رَوَاهُ الطُّوسِيّ عَنْ عبدَ الله ِبن أَبِي اليَعْفُور: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَلِيْهِ السَّلَام عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي المَرْأَةَ مِنْ دُبُرِهَا قَالَ: لَا بَأْسَ إِذَا رَضِيَتْ، قُلْتُ: فَأِيْنَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} [البقرة:222]، فَقَالَ: هَذَا فِي طَلَبِ الوَلَدَ، فَاطْلُبُوا الوَلَدَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]. وَ رَوَى الطُّوسِيّ أَيْضًا عَنْ مُوسَى بن عَبْدِ المَلِكِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلِام عَنْ إِتْيَانِ الرَّجُل المَرْأَةَ مِنْ خَلْفِهَا فِي دُبُرِهَا فَقَالَ: أَحَلَّتْهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَام: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود:78]، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُم لَا يُرِيدُونَ الفَرْجَ. ا. هـ. وَ العِيَاذُ باللهِ.

فَانْظُرْ كَيْفَ يَتَأَوَّلُونَ كَلَامَ اللهِ بِالبَاطِلِ لِيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ, فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَحِلُّ الخَبَائِثَ وإتيانُ الدُّبُرِ مِنَ الخَبَائِثِ التّي حَرَّمَهَا اللهُ بِالجُمْلَةِ, وَ قَدْ أَوْرَدَ السَّيِّدُ حُسَيْن المُوسَوِيّ رَدًّا شَافِيًا عَلَى تَأَوَّلِهِم هَذَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ قَوْل اللهِ تَعَالَى: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود:78]، قَدْ وَرَدَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ (29)}. [العنكبوت]، وَ قَطْعُ السَّبِيلَ لَا يُعْنِي مَا يَفْعَلُهُ قُطَّاعِ الطُّرُقِ وَحْدَهُم، لَا.. وَ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَيْضًًا قَطْعُ النَّسْلِ بِالإِتْيَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ طَلَبِ الوَلَدِ أَيّ فِي الأَدْبَارِ، فَلَواِسْتَمَرَّ النَّاسُ فِي إِتْيَانِ الأَدْبَارِ -أَدْبَارِ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ- وَ تَرَكُوا أَيْضًا طَلَبَ الوَلَدِ لَانْقَرَضَتْ البَشَرِيَّةُ وَ انقَطَعَ النَّسْلُ، فَالآيةُ الكَرِيمَةُ تُعْطِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًاً وَ بِخَاصَّة إِذَا لَاحَظْنَا سِيَاقَ الآيَةِ مِمَّا قَبْلَهَا. وَ لا مِرْيَةَ أَنَّ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى الإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَام, فَثَبَتَ بِذَلِكَ كَذِبُ نِسْبَةِ تِلْكَ الرِّوَايَة إلَيْهِ.) ا. هـ

وَ لَقَدْ تَفَكَّرْتُ فِي حَالِ هَؤُلَاءِ طَوِيلاً, وَ مَا الَّذِي أَوْصَلَهُم إلى هَذَا الحَدِّ المُرِيعِ مِنَ الفَسَادِ, إِذْ هُمْ فِي الظَّاهِرِ يَدَّعُونَ الإسْلَامِ, وَ بِالتَِّالي يَدَّعُونَ العِفَّةَ، وَ الطَّهَارَةِ. وَ هُمْ مِنْ قَبَائِلَ عَاشَتْ بَيْنِ أَهْلِ الإِسْلَامِ, وَ تَزَيَّتْ بِزِيِّ الاحْتِشَامِ, فَقَدْ وَصَل بِهِمْ الفَسَادُ إِلَى حَدِّ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الأُمَمِ، فَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى أَكْثَرِ المَنَاطِقِ إِبَاحِيَّةٍ فِي أُورُوبَّا وَ أَمرِيكَا وَ غَيْرِهَا, وَجَدْنَا هَؤُلَاء الرَّوَافِضَ قَدْ سَبَقُوهُم سَبْقًا بَعِيدا، بَلْ وَ نَجِدُ أَنَّ كَثِيرا مِنَ القَوَانِينَ التِّي تَحْكُمُ هَؤُلَاء تَسْتَقْذِرُ وَ تَسْتَنْكِرُ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ المُخْزِيَةِ وَ المُخْجِلَةِ وَ إِنْ فَعَلَتْهَا شُعُوبُهُم!.

فَمَثلاً؛ نِكَاحُ المَحَارِمِ مَمْنُوعٌ فِي تِلْكَ القَوَانِينَ, وَ كَذَلِكَ الخِيَانَةُ الزَّوْجِيَّةُ فَضْلًا عَنِ الشُّذُوذِ الجِنْسِيّ وَ غَيْرِهِ, وَ إِنْ مَارَسُوهُ، فَإِنَّهُم يُمَارِسُونَهُ شَهْوَةً لَا دِيناً.

أَمَّا هَؤُلاءِ الرَّاوَفِض المَلاعِين فَكُلُّ شَيءٍ مُبَاحٌ بِاسمِ الدِّينِ؛ فَتَجِدُ في البَيتِ الوَاحِدِ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ عَدَدَاً مِنَ الأَبنَاءِ, وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم مِن أَبٍ مُختَلِفٍ نَتِيجَةَ المُتعَةِ التي أَبَاحُوهَا بِاسمِ الدِّينِ.

وَلِذَلِكَ تَلحَظُ أَنَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ ظَاهِرَةٌ في هَذِهِ الطَّائِفَةِ. بَل إِنَّهُم مِن أَغلَظِ النَّاسِ قُلُوبًا فِيمَا بَينَهُم!.

كَيفَ لا! وَقَد اختَلَطَت مِيَاهُ الأَنسَابِ بَينَهُم.. فَمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَاللاحِقَةِ مِنَ الفَسَادِ الأَخلاقِي؛ فَفِي الرَّافِضَةِ أَضعَافُ أَضعَافِهِ!

بَل إِنَّ البَهَائِمَ العَجمَاوَاتِ تَستَقبِحُ وَتَرفُضُ فِطرَتها أَن تَفعَلَ مِثلَ مَا يَفعَلُ هَؤُلاءِ.

وَ قَد حَدَّثَنِي أَحَدُ إِخوَاني الثِّقَاتِ بِحَادِثَةٍ رَآهَا بِأُمِّ عَينَيْهِ فَيَقُولُ: "رَأَيتُ في مُقتَبَلِ حَيَاتِي حَادِثَةً لم أَرَ مِثلَهَا قَطّ في غِيرَةِ ثَورٍ قَتَلَ نَفسَهُ بَعدَ أَن عُصِبَت عَينَاهُ لِيَطَأَ أُمَّهُ, فَجَاءَت بِهِ جَدَّتي تَجُرُّهُ إِلى وَالِدَتِهِ , وَهُوَ لا يَعلَمُ أَنَّهَا أُمَّهُ , لأَنَّهُ مَعصُوبُ العَينَينِ.

وَ بَعدَ عَمَلِيَّةِ التَّلقِيحِ كَشَفَت عَينَهِ, وَأَيقَنَ بِأَنَّهُ أَتَى أُمَّهُ... فَمَا كَانَ مِن ذَلِكَ الثَّورِ إِلا أَن قَامَ هَائِجاً وَثَائِراً يُنَاطِحُ الجِدَارَ بِرَأسِهِ حَتَّى سَالَت مِنهُ الدِّمَاءُ الغَزِيرَةُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِجُنُونٍ وَهَيَجَانٍ, ثم اتَّجَهَ إِلى نَهرِ دِجلَةَ وَالدَّمُ يَقطُرُ مِن جَسَدِهِ, وَأَلقَى بِنَفسِهِ في النَّهرِ حَتَّى غَرِقَ وَمَاتَ مِن جَرَّاءِ ذَلِكَ.. !.

لأَنَّّ الغِيرَةَ أَخَذَتهُ عَلَى أُمِّهِ, وَهُوَ دَابَّةٌ قَد استُبِيحَ لها ذَلِكَ فِطرَةً وَجِبلِّةً , فَقُلتُ في نَفسِي آنَ ذَاكَ: البَهَائِمُ تَأنَفُ الزِّنَا بِالمَحَارِمِ , وَتَغَارُ عَلى حَرِيمِهَا؛ فَكَيفَ بِالبَشَرِ لا يَعقِلُ ذَلِكَ؟ ".

وَ قَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ عَن مَيمُونٍ بنُ مَهرَانٍ أَنَّهُ رَأَى في الجَاهِلِيَّةِ قِردَةً زَنَت فَاجتَمَعَ عَليهَا القِرَدَةُ فَرَجَمُوهَا.

وَرَوَى مُسلِمٌ مِثلَهُ عَن أَبي رَجَاءٍ العَطَارِدِيّ..

فَنَعُوذُ بِاللهِ مِن أُمَّةِ البَهِائِمِ العَجمَاوَاتِ التي لا تَعقِلُ, فِطرَتُهَا أَصفَى وَأَنقَى مِنهَا.

وَ عَلِمَ اللهُ أَنَّنِي تَفَكَّرتُ في حَالِ هَؤُلاءِ طَوِيلاً, وَمَا الذِي أَوصَلَهُم إِلى هَذَا الحَدِّ كَمَا أَسلَفتُ؛ فَتَبَيَّنَ لي أَنَّ الذِي أَوصَلَ هَؤُلاءِ إِلى هَذَا المُستَنقَعِ الآسِنِ هُوَ أَنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ, وَمِثلَمَا تُدِينُ تُدَانُ, فَعِندَمَا تَجَرَّأَ هَؤُلاءِ عَلى الطَّعنِ في خَيرِ بَيتٍ وُجِدَ عَلى وَجهِ الأَرضِ, أَلا وَهُوَ بَيتُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ , إِذ تَجَرَّؤُوا عَلَى ذَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ إِذ قَالُوا كَمَا نَقَلَ السَّيدُ "حُسينٌ المُوسَوِيّ" عَن "عَلِيٍّ الغُرَوِيّ", أَحَدُ أَكبَرِ العُلَمَاءِ في الحَوزَةِ: "إنِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَ آلِه، لابُدَّ أَن يَدخُلَ فَرجُهُ النَّارَ لأَنَّهُ وَطِئَ بَعضَ المُشرِكَاتِ"! يُرِيدُ بِذَلِكَ زَوَاجَهُ مِن عَائِشَةَ وَحَفصَةَ.

وَ هَذَا كَمَا هُوَ مَعلُومٌ بِهِ إِسَاءَةٌ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ, وَسُوءَ ظَنٍّ بِهِ وَبِاللهِ سُبحَانَهُ الذِي أَرسَلَهُ, وَكُلُّ ذَلِكَ كُفرٌ وَضَلالٌ لم يَتَجَرَّأ عَلَى قَولِهِ كَافِرٌ سِوَاهُم.

كَمَا اتَّهَمُوا أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ, وَعَلَى رَأسِهِنَّ أُمُّنَا المُبَرَّأَةُ المُطَهَّرَةُ الصَّافِيَةُ النَّقِيَّةُ الصِّدِّيقَةُ بِنتُ الصِّدِّيقِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا, وَلم يُرَاعُوا حُرمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ في عَرضِهِ وَبَيتِهِ.

فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ مَزَّقَ اللهُ أَعرَاضَهُم شَرَّ تَمزِيقٍ, فَلَيسَ هُنَاكَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ ابتُلِيَت بِعِرضِهَا كَمَا هُم الرَّوَافِض , وَلِذَلِكَ تَرَى أَنَّ عِرْضَ الرَّافِضِيّ لا يُسَاوِي عِندَهُ شَيئًا, وَإِن أَظهَرَ خِلافَ ذَلِكَ.

وَ لا يَفُوتُنَا أَن نُثبِتَ هُنَا أَنَّ مَن يَذُبُّ وَيُدَافِعُ عَن صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ, وَنَخُصُّ مِنهُم أُمَّهَاتُ المُؤمِنِينَ فَسَيَذُبُّ اللهُ عَنهُ وَعَن عِرضِهِ, وَيَحفَظَهُ لَهُ بِإِذنِ اللهِ؛ لِدِفَاعِهِ هَذَا.

فَكَمَا هُوَ مَعرُوفٌ شَرعًا؛ الجَزَاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ.

وَ لا نَنسَى هُنَا أَن نَذكُرَ كَلامَ الإِمَامِ الشَّوكَانِيِّ حَولَ مُشَاهَدَاتِهِ الشَّخصِيَّةِ وَتَجَارِبِهِ مِن خِلالِ مُعَايَشَتِهِ لِرَافِضَةِ اليَمَنِ, فَكَشَفَ لَنَا أُمُورَاً عَجِيبَةً وَخَطِيرَةً في كِتَابِهِ [طَلَبُ العَلمِِ وَطَبَقَاتُ المُتَعَلِّمِينَ] , نَقلاً عَن د. "القَفَارِي" مِن كِتَابِهِ "أُصُولُ مَذهَبِ الشِّيعَةِ الإِمَامِيَّةِ", فَقَالَ: "لا أَمَانَةَ لِرَافِضِيٍّ قَطّ عَلى مَن يُخَالِفُهُ في مَذهَبِهِ وَيَدِينُ بِغَيرِ الرَّفضِ، بَل يَستَحِلُّ مَالَهُ وَدَمَهُ عِندَ أَدنَى فُرصَةٍ تَلُوحُ لَهُ، لأنَّهُ عِندَهُ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَالِ، وَكُلُّ مَا يُظهِرُهُ مِنَ المَوَدَّةِ فَهُوَ تُقيَةٌ يَذهَبُ أَثَرُهُ بِمُجَرَّدِ إِمكَانِ الفُرصَةِ"

وَ يَقُولُ: "وَقَد جَرَّبنَا هَذَا تَجرِيباً كَثِيراً فَلَم نَجِد رَافِضِيَّاً يُخلِصُ المَوَدَّةَ لِغَيرِ رَافِضِيٍّ، وَإِنْ آثَرَهُ بِجَمِيعِ مَا يِملِكُهُ، وَتَوَدَّدَ إِليهِ بِكُلِّ ممكن، وَلم نَجِد فِي مَذهَبٍ مِنَ المَذَاهِبِ المُبتَدَعَةِ وَلا غَيرِهَا مَا نَجِدُهُ عِندَ هَؤُلاءِ مِنَ العَدَاوَةِ لِمَن خَالَفَهُم، ثُمَّ لا نَجِدُ عِندَ أَحَدٍ مَا نَجِدُ عِندَهُم مِنَ التَّجَرُّئِ عَلى شَتمِ الأَعرَاضِ المُحتَرَمَةِ، فَإِنَّهُ يَلعَنُ أَقبَحَ اللَّعنِ، وَيَسَبُّ أَفظَعَ السَّبِّ, كُلَّ مَن تَجرِي بَينَهُ وَبَينَهُ أَدنَى خُصُومَةٍ وَأَحقَرَ جِدَالٍ، وَأَقَلَّ اختِلافٍ، وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا وَاللهُ أَعلَمُ أَنَّهُم لما تَجَرَّؤُا عَلََى سَبِّ السَّلَفِ الصَّالحِ هَانَ عَليهِم سَبُّ مَن عَدَاهُم، وَلا جَرَمَ، فَكُلُّ شَدِيدِ ذَنبٍ يُهَوِّنُ مَا دُونَهُ".

وَ قَد أَشَارَ الشَّوكَانِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - إِلى أَنَّهُم لا يَتَوَرَّعُونَ مِن اقتِرَافِ أَيِّ جَرِيمَةٍ في المُجتَمَعِ الإِسلامِيِّ، وَلا يَتَنَزَّهُونَ عَن فِعلِ أَيِّ مُحَرَّمٍ، فَقَالَ: "وَقَد جَرَّبنَا وَجَرَّبَ مَن قَبلَنَا فَلَم يَجِدُوا رَجُلاً رَافِضِيَّاً يَتَنَزَّهُ عَن مُحَرَّمَاتِ الدِّينِ كَائِنَاً مَن كَانَ وَلا تَغتَرَّ بِالظَّوَاهِرِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ قَد يَترُكُ المَعصِيَةَ في المَلأ وَيَكُونُ أَعَفَّ النَّاسِ عَنهَا في الظَّاهِرِ، وَهُوَ إِذَا أَمكَنَتهُ فُرصَةٌ انتَهَزَهَا انتِهَازَ مَن لا يَخَافُ نَارَاً وَلا يَرجُوجَنَّةً" أ. هـ.

فَلا تَكَادُ تَجِدُ بَيتَاً رَافِضِيًّا إِلا وَقَد عَاقَبَ اللهُ أَهلَهُ في أَعرَاضِهِم, وَ الجَزَاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ.

(المعلّق) أخِي المُستمعَ الكريم:

انْتَهَت مادّةُ هذا الشريط، شاكرينَ لكم حسن استماعكِم...

<المعلّق>

الهيئة الإعلامية لمجلس شورى المجاهدين في العراق تقدم: محاضرةً للشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي عضومجلس شورى المجاهدين في العراق وأمير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والمحاضرة بعنوان "هل أتاك حديث الرافضة"، وللعلم فإن مادة هذه المحاضرة في ثلاثة أشرطة..

فإليكم الشريط الثاني..

بِسمِ اللهِ, وَالحمدُ للهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ, مُحَمَّدٌ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ الأَحرَارِ, وَمَن تَبِعَهُم وَسَارَ عَلَى نَهجِهِم مِنَ المُسلِمِينَ الأَبرَارِ... وَبَعد:

فَلا بُدَّ بَعدَ هَذَا الاستِعرَاضَ التَّارِيخِيَّ لِجُملَةٍ مِن فَضَائِحِ وَخِيَانَاتِ الرَّافِضَةِ؛ أَن نُنَوِّهَ لأَمرٍ مُهِمٍّ جِدًّا, أَلا وَهُوَ أَنَّنَا حِينَ نَذكُرُ طَرَفًا مِن خِيَانَاتِ وَجَرَائِمِ الرَّافِضَةِ وَنُذَكِّرُ بِأَصلِ عَقِيدَتِهِم الفَاسِدَةِ, وَأَنَّ المُؤَسِّسَ لهَذَا الدِّينَ هُوَ اليَهُودِيُّ الحَاقِدُ ابنَ سَبَأ, وَحِينَ نَربِطُ فُرُوعَهُم الحَالِيةَ بِأُصُولهِم المَاضِيَةَ, وَحِينَ نَقُومُ إِزَاءَ هَذِهِ الجَرَائِمِ بَمَا نَقُومُ بِهِ مِن تَحكِيمٍ لِدِينِ اللهِ تَعَالى فِيهِم قَتلاً وَتَنكِيلاً؛ فَإِنَّنَا وَالحَالَةُ هَذِهِ, لَسنَا وَاللهِ بِدَعاً مِنَ المُجَاهِدِينَ, وَإِنَّمَا نَحنُ نُطَبِّقُ عَليهِم حُكمَ اللهِ كَمَا طَبَّقَهُ فِيهِم خِيرَةُ أَسلافِنَا.

فَهَاهُوأَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لم يُجَامِل, وَلم يُهَادِن في دِينِ اللهِ, وَلم يَبحَث عَن أَنصَافِ الحُلُولِ إِزَاءَ مَن ادَّعُوا مَحَبَّتَهُ وَمُشَايَعَتَهُ, بَل إِنَّهُ حَرَّق الغَالِيَةَ مِنهُم الذِينَ يَدَّعُونَ فِيهِ الأُلُوهِيَّةَ, أَوجُزءَاً مِنهَا.

وَ هَا هُوَ يَحكُمُ بِجَلدِ مَن يَسُبُّ صَاحِبَي الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

وَ هَا هُوَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَنبُذُهُم كَمَا نَبَذُوا عُهُودَهُم, يَتَبَرَّأُ مِنهُم وَيَتَنَازَلُ عَن الخِلافَةِ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ, فَيُبَايِعَهُ حَقنًا لِدِمَاءِ المُسلِمِينَ, وَمُخُالَفَةً لأَهوَائِهِم وَشَهَوَاتِهِم, حَيثُ طَالَبُوهُ بِمُقَاتَلَتِهِ.

وَ هَذَا الحُسَينُ يَدعُوعَليهِم وَمِن مَصَادِرِهِم بَعدَ أَن خَذَلُوهُ وَتَخَلوا عَنهُ قَبلَ مَقتَلِهِ فَيَقُولُ: "اللهُمَّ إِن مَتَّعتَهُم إِلى حِينٍ فَفَرِّقهُم فِرَقًا, وَاجعَلهُم طَرَائِقَ قِدَدَاً, وَلا تُرضِ الوُلاةَ عَنهُم أَبَدًا؛ فَإِنَّهُم دَعُونَا لِيَنصُرُونَا ثُمَّ عَدُوا عَلَينَا فَقَتَلُونَا".

وَ هَذَا الخَلِيفَةُ المَهدِيِّ العَبَّاسِيِّ, عُرِفَ بِشِدَّتِهِ عَلى مُبتَدِعِيهِم وَزَنَادِقَتِهِم, حَيثُ انتَشَرَت في العَهدِ العَبَّاسِيِّ بِدَعُهُم وَرَاجَت سُوقُهُم , حَتَّى إِنَّهُ كَلَّفَ الجَدَلِيِّينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ بِتَألِيفِ الكُتُبِ في الرَّدِّ عَليهِم وَدَحضِ شُبَهِهِم, وَلم يَكتفِ بِذَلكَ؛ بَل أَنشَأَ هَيئَةً مُتَخَصِّصَةً في مُلاحَقَةِ الزَّنَادِقَةِ, وَجَعَلَ لها رَئِيسَاً أَطلَقَ عَليهِ اسمَ "صَاحَبُ الزَّنَادِقَةِ" يُلاحِقُهُم وَيَقتُلُ كَلَّ مَن دَاهَنَ عَن الدِّينِ أَوأَلحَدَ فِيهِ.

وَفَوقَ ذَلِكَ, كَلَّفَ ابنَهُ "الهَادِي" بِتَتَبُّعِ الزَّنَادِقَةِ وَالبَطش بهم.

قَالَ "المَسعُودِيُّ" في "المَهدِيِّ": " إِنَّهُ أَمعَنَ في قَتلِ المُلحِدِينَ وَالمُدَاهِنِينَ عَن الدِّينِ لِظُهُورِهِم في أَيَّامِهِ وَإِعلانهِم عَن مُعتَقَدَاتِهِم في خِلافَتِهِ, لمَّا انتَشَرَ مِن كُتُبِ "ماني" و"ابن ذي صانا" و"مرقيون" ممَّا نَقَلَهُ عَبدُ اللهِ بنُ المُقَفَّعِ وَغَيرُهُ وَتَرجَمَهُ مِن الفَارِسِيَّةِ وَالفَهلَوِيَّةِ إِلى العَرَبِيَّةِ.

وَ مَا صَنَّفَ في ذَلِكَ "ابنُ أَبي العَوْجَاءِ" و"حَمَّادٌ" و"يحيَى بنُ زِيَادٍ" و"مُطِيعٌ بنُ إِيَاسٍ" مِن تَأيِيدِ المَذَاهِبِ "المَانَوِيَّةِ" و"َالدَّيصَانِيَّةِ" و"المَرقُونِيَّةِ", فَكَثُرَ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَةُ, وَظَهَرَت آرَاؤُهُم في النَّاسِ, وَكَانَ المَهدِيُّ أَوَّلَ مَن أَمَرَ الجَدَلِيِّينَ مِن أَهلِ البَحثِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ بِتَصنِيفِ الكُتُبِ في الرَّدِّ عَلى المُلحِدِينَ ممَّن ذَكَرنَا مِنَ الجَاحِدِينَ وَغَيرِهِم, وَأَقَامُوا البَرَاهِينَ عَلَى المُعَانِدِينَ, وَأَزَالُوا شُبَهَ المُلحِدِينَ فَأَوضَحُوا الحَقَّ لِلشَّاكِينَ" ا. هـ.

وَ أَمَّا السَّلاجِقَةُ الأَترَاكُ مِن أَهلِ السُّنَّةِ فَقَد كَانَ لهُم كَذَلِكَ مَوَاقِفُ حَاسِمَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ البَّاطِنِيَّةِ وَقِتَالهِم... وَمِن ذَلِكَ مَا كَانَ مِن السُّلطَانِ "مَلِك شَاه" مِن إِرسَالِ أَحَدِ عُلَمَائِهِ لِمُنَاظَرَةِ "الحَسَنِ بِن صَالح الصَّبَاح" المُؤَسِّسُ الحَقِيقِيُّ لِلمَزَارِيَّةِ الإِسمَاعِيلِيةِ, وَرَئِيسِهَا الفِعلِيِّ, بَعدَ استِيلائِهِ عَلى قَلعَةِ "آلموت" عَامَ 483 هـ, وَبَعدَ أَن نَشَرَ جَيشَهُ مِنَ الفِدَائِيَّةِ الذِينَ كَانُوا يَعِيثُونَ في الأَرضِ فَسَادًا؛ يَغتَالُونَ الآمِنِينَ, وَينهَبُونَ أَموَالهُم؛ فَأَرسَلَ إِليهِ أَولاً مَن يُنَاظِرُهُ فِكرِيًّا لِرَدِّهِ إِلى جَادَّةِ الصَّوَابِ لَوكَانَ مُرِيدَ حَقٍّ وَصَاحِبَ شُبهَةٍ.

وَ لمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَاحِبُ هوَىً وَشَهوَةٍ وَرَأَى امتِنَاعَهُ؛ قَرَّرَ السُّلطَانُ "مَلِك شَاه" رَدعَهُ بِالقِتَالِ؛ فَأَرسَلَ لَهُ جَيشَاً عَامَ 485 هـ فَحَاصَرَ قَلعَتَهُ "أَلمُوت", فَاستَنجَدَ "الصَّبَاحُ" في قَزوِينَ "بِدَهدَار أَبي عَلِيّ" الذِي بِدَورِهِ هَبَّ لِنَجدَتِهِ مِمَّا أَلحقَ الهَزِيمَةَ بِجَيشِ "مَلِكِ شَاه", وَمَعَ ذَلِكَ لم يَتَوَقَّف "مَلِكُ شَاه" مِن مُوَاصَلَةِ جِهَادِهِ ضِدَّ هَذَا البَاطِنِيِّ؛ بَل رَاحَ يُجَهِّزُ حَمَلاتٍ أُخرَى لِلقَضَاءِ عَلَى البَاطِنِيَّةِ, إِلا أَنَّ المَوتَ حَالَ دُونَهُ وَدُونَ إكمَالِ هَذِهِ الحَربِ.

وَ بَعدَ مَوتِ "مَلِك شَاه"؛ تَوَلى ابنَهُ السُّلطَانُ "بَارِتيَار" السُّلطَةَ, فَكَانَ مِن أَهَمِّ أَعمَالِهِ أَن طَهَّرَ جَيشَهُ مِن هَؤُلاءِ الذِينَ كَانُوا يَندَسُّونَ بَينَ صُفُوفِ الجُنُودِ وَهُم يَحمِلُونَ الفِكرَ وَالحِقدَ البَاطِنِيَّ؛ فَقَتَلَ كُلَّ مَن ثَبَتَ عَليهِ تُهمَةُ الانتِسَابِ لِلبَاطِنِيَّةِ, أَوحَتَّى مَن حَامَت حَولَهُ الشُّبَهُ, ثُمَّ هَاجَمَ البَاطِنِيَّةَ في كُلِّ مَكَانٍ فَأُخِذُوا مِن خِيَامِهِم وَمَنَازِلهِم, وَقُتِلُوا في مَيدَانٍ عَامٍّ, وَلم يُفلِت مِنهُم إِلا مَن لم يُعرَف, وَبَلَغَ عَدَدُ القَتلَى مِنهُم ثَلاثُمَائَةِ وَنَيِّفاً.

وَ لم يَكتَفِ بِذَلِكَ؛ بَل إِنَّهُ أَذِنَ لِلنَّاسِ أَن يَقتُلُوهُم أَينَمَا ثَقِفُوهُم؛ فَأَخَذَ النَّاسُ يَتَتَبَّعُونَ البَاطِنِيَّةَ وَيَقتُلُونَهُم, حَتَّى أَنَّ أَحَدَ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ, وَاسمُهُ "أَبي القَاسِمِ مَسعُودٌ بنُ مُحَمَّدٍ الخَجَندِيِّ" كَانَ يَحفِرُ الأَخَادِيدَ, وَيُوقِدُ فِيهَا النِّيرَانَ وَيحرِقُ البَاطِنِيَّةَ فِيهَا فُرَادَى وَجَمَاعَاتٍ, حَتَّى أَنَّهُ أَوعَزَ لِعُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ في الأَقَالِيمِ التَّابِعَةِ لهُ بِتَتَبُّعِ البَاطِنِيَّةِ وَالفَتكِ بِهِم؛ فَفَتَكَ بهم الأَمِيرُ "جَاولي" مَا يُقَارِبُ الثَّلاثِمَائَةَ وَذَلكَ بِحِيلَةٍ دَبَّرَهَا مَعَ أَصحَابِهِ مِن دَاخِلِ صُفُوفِ البَاطِنِيَّةِ؛ حَتَّى استَطَاعَ أَن يَظفَرَ بهِم وَيَقتُلَهُم.

ثُمَّ إِنَّهُ أَرسَلَ إِلى الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيِّ في بَغدَادَ يُشِيرُ عَليهِ بِأَن يَتَتَبَّعَ البَاطِنِيَّةَ في بِلادِهِ, فَأَمَرَ بِالقَبضِ عَلَى كُلِّ مَن يَظُنُّ فِيهِم ذَلِكَ.

وَ في ذَلِكَ يَقُولُ ابنُ الجَوزِيِّ في [المُنتَظَمِ]: "وَلَم يَتَجَاسر أَحَدٌ أَن يَشفَعَ في أَحَدٍ لِئَلا يُظَنَّ مَيلُهُ إِلى ذَلِكَ المَذهَبِ".

وَتَعَاوَنَ مَعَ أَخِيهِ السُّلطَانُ "سَنجَر" في مُحَارَبَةِ البَاطِنِيَّةِ وَالقَضَاءِ عَليهِم.

وَ في عَامِ 521 هـ, أَغَارَ السُّلطَانُ "سَنجَر" عَلَى البَاطِنِيَّةِ في قَلعَةِ "آَلمُوت"؛ فَقَتَلَ مِنهُم مَا يُقَارِبُ الإِثنَيْ عَشَرَ أَلفَاً.

وَ في عَامِ 456 هـ , أَرسَلَ السُّلطَانُ "سَنجَر" أَحَدَ أُمَرَائِهِ, الأَمِيرُ "قَجَق" عَلَى رَأسِ جَيشٍ كَبِيرٍ إِلى قَلعَةِ "طُرَيثِيثَ" فَأَغَارَ عَليهَا وَأَحرَقَ مَسَاكِنَهَا وَسَبَى مَا وَقَعَ عَليهِ يَدَيهِ, وَفَعَلَ بهِم الأَفَاعِيلَ العَظِيمَةَ, ثُمَّ عَادَ سَالِمَاً.

وَ أَمَّا في عَهدِ السُّلطَانِ "مُحَمَّدٌ السَّلجُوقِيَّ", وَالذِي عُرِفَ بِغِيرَتِهِ الدِّينِيَّةِ وَجِهَادِهِ في سَبِيلِ اللهِ, وَتَفَانِيهِ في نَشرِ المَذهَبِ السُّنِّيِّ, وَالقَضَاءِ عَلى دِينِ الرَّافِضَةِ وَ الفِكرِ البَاطِنِيِّ, فَقَد أَدرَكَ مُنذُ تَوَليهِ السُّلطَةَ أَنَّهُ لا يُمكِن أَن تَسلَمَ بِلادُ المُسلِمِينَ وَيَعلُوهَا دِينُ اللهِ إِلا بِالقَضَاءِ أَوَّلاً عَلَى البَاطِنِيَّةِ وَهَدمِ مَعَاقِلِهِم, وَأَنَّ مِن أَهَمِّ الأَعمَالِ التِي يَجِبُ عَليهِ القِيَامُ بهَا هُوَ القَضَاءُ عَليهِم, فَكَانَ مِن أَهَمِّ أَعمَالِهِ التي قَامَ بهَا؛ إِرسَالُهُ حَملَةً عَسكَرِيَّةً بِقِيَادَةِ الأَمِيرِ "آق سَنقر" لِمُحَاصَرَةِ قَلعَةِ "تَكرِيتَ" البَاطِنِيَّةَ, ثُمَّ قَامَ بِالقَبضِ عَلى وَزِيرِهِ "أَبي المَحَاسِنِ الآبِيِّ" لِتَوَاطُئِهِ مَعَ البَاطِنِيَّةِ, وَتَقدِيمِهِ العَونَ وَالدَّعمَ لهُم, الأَمرُ الذِي تَسَبَّبَ في تَأخِيرِ سُقُوطِ قَلعَةِ "أَصبَهَان"؛ فَعَاقَبَهُ وَأَربَعَةً مِن أَعوَانِهِ فَقَتَلَهُم ثُمَّ صَلَبَهُم عَلى بَابِ "أَصبَهَان", وَقَامَ بِمُحَاصَرَةِ قَلعَةِ "أَصبَهَانَ" بِنَفسِهِ؛ حَيثُ سَارَ إِليهَا عَلَى رَأسِ جَيشٍ كَبِيرٍ بَعدَ أَن كَثُرَ بِهَا أَذَى البَاطِنِيَّةِ, حَتَّى أَنَّ دَاعِيَهُم زَعِيمُ البَاطِنِيَّةِ "أَحمدٌ بنُ عَطَّاشٍ" الذِي كَانَ يُرسِلُ أَتبَاعَهُ مِنهَا لِقَطعِ الطَّرِيقِ عَلى النَّاسِ فَيَقتُلَ الأَبرِيَاءَ, وَيَنهَبَ الأَموَالَ مُستَحِلِّينَ تِلكَ النُّفُوسِ وَالأَموَالِ بِدِينِهِم, حَتَّى أَنَّهُم جَعَلُوا عَلى القُرَى المُجَاوِرَةِ لَهُ وَ أَملاكَ النَّاسِ الضَّرَائِبَ التِي تُجبَى مُقَابِلَ أَن يَكُفُّوا بَأسَهُم عَنهَا.

فَحَاصَرَهُم السُّلطَانُ "مُحَمَّدٌ" في هَذِهِ القَلعَةِ لمُدَّةِ أَربَعَةِ أَشهُرٍ, وَأَثنَاءَ الحِصَارِ؛ لجِئُوا إِلى حِيلَةٍ خَبِيثَةٍ يَرومُونَ مِن خِلالهِا إِثَارَةَ البَلبَلَةِ وَالشُّبَهِ حَولَ مَوقِفِ السُّلطَانِ "مُحَمَّد" مِن قِتَالهِم... تمَامًا كَمَا هُوَ حَالُهُم اليَومَ مِنَ المُجَاهِدِينَ, وَتَمَامًا كَمَا هُوَ مَوقِفُ مَن يَدَّعُونَ العِلمَ مِن مَشَايِخِ الفَضَائِيَّاتِ؛ فَأَرسَلُوا لِفُقَهَاءِ المُسلِمِينَ يَستَفتُونهُم بِطَرِيقَةٍ مُلتَوِيَةٍ في قَومٍ يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَاليَومِ الآخِرِ, وَلكِن يُخَالِفُونَ في الإِمَامِ؛ هَل يَجُوزُ لِلسُّلطَانِ مُهَادَنَتِهِم وَمُوَادَعَتِهِم, وَأَن يَقبَلَ طَاعَتَهُم, وَيَحرُسَهُم مِن كُلِّ أَذَى؟

وَ كَادَت هَذِهِ الحِيلَةُ بِالفِعلِ أَن تُفَرِّقَ كَلِمَةَ المُسلِمِينَ, وَتُغَيِّرَ المَوقِفَ لِصَالحِ البَاطِنِيَّةِ حِينَ أَجَابَهُم أَكثَرُ الفُقَهَاءِ بِجَوَازِ ذَلِكَ.. لكِن البَعض تَوَقَّفَ.

وَ لكِنَّ السُّلطَانَ محَمَّدَاً بِحِكمَتِهِ وَفِقهِهِ وَحِنكَتِهِ؛ جَمَعَ الفُقَهَاءَ وَدَعَاهُم لِلمُنَاظَرَةِ؛ فَانتَصَرَ رَأيُ الفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ "أَبي الحَسَن عَلِيّ بِن عَبدِ الرَّحمَنِ السَّمَنقَاني" الذِي أَفتَى بِوُجُوبِ قِتَالهِم وَسَفكِ دِمَائِهِم, وَأَنهُم لا يَنفَعُهُم التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَينِ لِرَأيِهِم في الإِمَامِ الذِي يَستَطِيعُ أَن يُحَرِّمَ عَليهِم مَا أَحَلَّ اللهُ, وَيُحِلُّ لَهُم مَا حَرَّمَ اللهُ, وَتَكُونُ طَاعَتَهُ لهُم في هَذِه الحَالَةِ حَسَبَ اعتِقَادِهِم فِيهِ وَاجِبَةً؛ فَتُبَاحُ دِمَاؤُهُم بهَذَا السَّبَبِ بِالإِجمَاعِ.

وَ حَاوَلَ بَعدَ ذَلِكَ السُّلطَانُ "محمَّد" أَن يُسقِطَ قَلعَةَ "آلمُوت", وَيُقَاتِلَ "الحَسَنَ بنَ الصَّبَاحِ" الذِي كَانَ مُتَحَصِّنَاً فِيهَا أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ, إِلا أَنَّ المَنِيَّةَ وَافَتهُ عَامَ 511 هـ أَثنَاءَ حِصَارِ جَيشِهِ بِقِيَادَةِ "أَنُشتَكِين" وَالتِي دَامَ مُدَّةَ حِصَارُهَا مَا يُقَارِبُ السِّتَ سَنَوَاتٍ؛ فَاضطرَّ القَائِدُ "أَنُشتَكِين", وَبَعدَ ضَغطِ جُندِهِ إِلى الانسِحَابِ.

وَ بَعدَ وَفَاةِ السُّلطَانِ "محمَّد"؛ تَسَلَّمَ السُّلطَةَ مِن بَعدِهِ ابنُهُ "مَحمُود", وَالذِي وَاصَلَ سِيَاسَةَ وَالِدِهِ, وَكَانَ يحمِلُ نَفسَ الهَمِّ وَالمَنهَجِ في مُلاحَقَةِ وَقِتَالِ الرَّافِضَةِ البَاطِنِيِّينَ وَالرَّغبَةِ في تَطهِيرِ البِلادِ مِن رِجسِهِم وَأَذَاهُم؛ فَحَاصَرَ قَلعَةَ "آلموت" حَتَّى سَقَطَت في يَدِهِ عَامَ 524 هـ , وَلَكِنَّهُم استَطَاعُوا أَن يَستَرجِعُوهَا بَعدَ وَفَاتِهِ عَام ِ525 هـ.

وَ كَانَ مِن حُكَّامِ الوِلايَاتِ آنَذَاكَ الأَمِيرُ "عَبَّاس" صَاحِبُ "الرَّي", وَكَانَ مِن غِلمَانِ السُّلطَانِ "محمُودٌ", وَكَانَ مِنَ المُجَاهِدِينَ المُخلِصِينَ؛ فَاستَطَاعَ أَن يَفتِكَ بِالبَاطِنِيَّةِ الذِينَ عِندَهُ؛ فَقَتَلَ مِنهُم خَلقًا كَثِيرًا حَتَّى أَنَّهُ بَنَى مَنَارَةً مِن رُؤُوسِهِم بِالرَّيِّ, كَمَا أَنَّهُ حَاصَرَ مُجَدَّدًا قَلعَةَ "آلموت", وَاستَطَاعَ أَن يَدخُلَ قَريَةً مِن قُرَاهُم, فَقَذَفَهَا بِالنَّارِ وَأَحرَقَ كَلَّ مَن فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ.

وَ كَانَ لِلدَّولَةِ "الغُورِيَّةِ" كَذَلِكَ مَوقِفٌ حَازِمٌ تِجَاهَ الرَّافِضَةِ البَاطِنِيَّةِ, وَمِن ذَلِكَ مَا حَصَلَ في عَامِ 597 هـ حِينَ سَارَ "شِهَابُ الدِّينِ الغُورِيُّ" إِلى "قَهِستَان" لمحَاصَرَتِهَا وَمَن فِيهَا مِنَ البَاطِنِيَّةِ, وَحِينَ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِقَريِةٍ ذُكِرَ لَهُ بِأَنَّ أَهلَهَا إسمَاعِيلِيَّةُ بَاطِنِيَّةٌ؛ أَمَرَ بِقَتلِ المُقَاتِلَةِ وَسَبيِ النِّسَاءِ, وَنهبِ الأَموَالِ غَنِيمةً, وَخَرَّبَ القَريَةَ وَجَعَلَهَا خَاوِيَةً عَلى عُرُوشِهَا, وَوَاصَلَ سَيرَهُ إِلى "كنبَاد", وَهِيَ مِن مُدُنِ البَاطِنِيَّةِ فَنَزَلَ عَليهَا وَحَاصَرَهَا.

وَ حِينَ أَرسَلَ إِليهِ صَاحِبُ "قَهِستَان" البَاطِنِيّ إِلى مَلِكِ "غور" يَشكُوإِليهِ أَخَاهُ "شِهَابُ الدِّينِ" وَيَقُولُ: "بَينَنَا عَهدٌ فَمَا الذِي بَدَا مِنَّا حَتَّى تُحَاصِرَ بَلَدِي؟ " وَمَعَ ذَلِكَ شَدَّدَ "شِهَابُ الدِّينِ" الحِصَارَ عَلى المَدِينَةِ؛ فَلَمَّا اشتَدَّ خَوفُهُم طَلَبُوا الأَمَانَ لِيَخرُجُوا, فَأَمَّنَهُم وَأَخرَجَهُم مِنَ المَدِينَةِ, وَاستَولَى عَليهَا وَأَقَامَ فِيهَا الصَّلاةَ وَشَعَائِرَ الإِسلامِ.

وَ كََذَلِكَ كَانَ لِلدَّولَةِ "الخَوَارِزمِيَّةِ" مَوقِفٌ حَازِمٌ تِجَاهَ البَاطِنِيَّةِ, وَمِن ذَلِكَ مَا حَصَلَ في عَامِ 624 هـ, حِينَ عَظُمَ شَرُّ البَاطِنِيَّةِ وَتَعَدَّى ضَرَرُهُم, حَتَّى أَنَّهُم قَتَلُوا أَمِيرًا مِنَ أُمَرَاءِ "جَلالِ الدِّينِ" ابنِ "خَوَارِزمَ شَاه", فَسَارَ بِعَسكَرِهِ مِن بِلادِهِم مِن حُدُودِ "آلموت" إِلى "كَردِيكُوك" بخُرَاسَان, فَخَرَّبَهَا جَمِيعًا فَقَتَلَ أَهلَهَا وَغَنِمَ أَموَالهُم وَسَبَى الحَرِيمَ, وَاستَرَقَّ الأَولادَ, وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَعَمِلَ بهِم الأَعمَالَ العَظِيمَةَ.

وَ أَمَّا مَوقِفُ "صَلاحُ الدِّينِ الأَيُّوبي" مِنَ الرَّافِضَةِ؛ فَكَانَ مِن أَشَدِّ المَواقِفِ وَأَقسَاهَا عَليهِم, حَيثُ أَسقَطَ دَولَتَهُم المَنِيعَةَ, وَالتي عَمَّرَت طَوِيلاً مِن قَبل, مَعَ أَنَّ القَادَةَ قَبلَهُ وَالأُمَرَاءَ مِن السَّلاجِقَةِ وَغَيرَهُم كَانَ لهُم صَولاتٍ مَعَهُم وَجَوَلاتٍ, وَكَانَت هُنَاكَ مُوَاجَهَاتٌ وَحُرُوبٌ وَقَتلٌ وَسَبيٌ, وَلكِنَّ الضَّرَبَاتِ التي تَلَقَّوهَا مِن "صَلاحِ الدِّينِ" كَانَت أَشَدُّ عَلى نُفُوسِهِم؛ حَيثُ فَرَّقَ جَمعَهُم, وَهَدَّمَ صَرحَهُم الكَبِير, وَقَضَى عَلَى كُلِّ أَحلامِهِم بِامتِلاكِ دَولَةٍ مُستَقِلَّةٍ ذَاتِ سِيَادَةٍ, وَنشرَ مَذهَبَ السُّنَّةِ بَعدَ أَن كَانَ دِينُ الرَّفضِ هُوَ السَّائِدُ, وَلِذَلكَ حَاوَلوا مِرَارًا قَتلَهُ وَاغتِيَالَهُ, وَلكِنَّهُم بِفَضلِ اللهِ وَحدَهُ فَشِلُوا في كُلِّ مُحَاوَلاتِهِم.

وَ كَانَ مما قَامَ بِهِ "صَلاحُ الدِّينِ" تِجَاهَ الرَّافِضَةِ عَلى مَا ذَكَرنَا سَابِقًا, وَبَعدَ مُحَاوَلاتِ اغتِيَالِهِ العَدِيدَةِ؛ اعتَقَلَ المُتَآمِرِينَ عَليهِ في مِصرَ, وَالذِينَ حَاوَلُوا الاتِّصَالَ بِالإِفرَنجِ لإِسقَاطِ مِصرَ, فَقَرَّرَهُم وَاحِدًا وَاحِدًا, وَبَعدَ أَن استَفتَى الفُقَهَاءَ في أَمرِهِم قَتَلَ رُؤُوسَهُم وَأَعيَانَهُم دُونَ أَتبَاعِهِم وَغِلمَانِهِم, وَحَاصَرَ قَلعَةَ "مِصيَافٍ" الرَّافِضِيَّةِ بَعدَ مُحَاوَلَتِهِم اغتِيَالَهُ حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا لِحَلَبَ, فَقَصَدَ قَلعَتَهُم عَامَ 572 هـ, وَحَاصَرَهَا وَنَصَبَ عَليهَا المِنجَنِيقَاتِ فَأَحرَقَهَا وَخَرَّبَهَا, وَأَوسَعَ أَهلَهَا قَتلاً وَأَسرَاً, وَغَنِمَ أَموَالهُم وَدَوَابَهُم, وَلم يَترُكهُم إِلا بَعدَ أَن أَدَّبَهُم وَلَقَّنَهُم دَرسَاً قَاسِيًا.

وَ لمَّا ثَارَ عَليهِ الرَّافِضَةُ مِن جُندِ السُّودَانِ المُمتَعِضِينَ لِمَوتِ مُؤتَمِنِ الخِلافَةِ, غَضَبًا لمَقتَلِهِ أَرسَلَ لمحِلَّتِهِم المَعرُوفَةِ بِالمَنصُورَةِ فَأَحرَقَهَا عَلى أَموَالهم وَأَولادِهِم وَحَرَمِهِم, فَلَمَّا عَلِمُوا بِذَلِكَ وَلَّوا مُدبِرِينَ فَأَجرَى عَليهِم السَّيفَ, وَظَلَّ فِيهِم القَتلُ حَتَّى قَضَى أَخُو"صَلاحُ الدِّينِ" "تورَان شَاه" عَلى آخِرِهم في مَنطِقَةِ "الجِيزَةِ".

وَ أَمَّا مَوقِفُ شَيخِ الإِسلامِ "ابنِ تَيمِيَّةَ" وِجِهَادِهِ للرَّافِضَةِ فَقَد كَانَ وَاضِحًا في مَوقِفَينِ؛

المَوقِفُ الأَوَّلُ: بَرَزَ في جَانِبِ التَّألِيفِ العِلمِيِّ للرَّدِّ عَلى بِدَعِهِم وَكُفرِيَّاتِهِم, وِكشفِ حَقِيقَةِ الرَّوَافِضِ وَبَيَانِ أَحوَالهِم وَحُكمِ الشَّرعِ فِيهِم, كَكِتَابِ "مِنهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ" وَغَيرِهِ.

وَ المَوقِفُ الثَّانِي: بَرَزَ في قِتَالِهِ العَمَلِيِّ لهُم حِينَ فَرَغَ مِن قِتَالِهِ لِلتَّتَارِ تَأدِيبًا لهُم لِمُشَارَكَتِهِم وَتَحَالُفِهِم مَعَ التَّتَارِ ضِدَّ المُسلِمِينَ.

وَ أَمَّا المَلِكُ المُظَفَّرُ "قُطُز"؛ فَقَاتَلَهُم في الشَّامِ بَعدَ انتِصَارِ المُسلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ في وَقعَةِ "عَينِ جَالوت", فَقَد كَانَ لهم أَيضًا دَورٌ كَبِيرٌ في مُحَارَبَةِ وَمُعَاقَبَةِ الرَّافِضَةِ, حيثُ قَرَّرُوا الانتِقَامَ مِنَ الخَوَنَةِ مِنَ النَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ الذِينَ مَالَؤُوا التَّتَارَ وَصَانَعُوهُم عَلى أَموَالِ المُسلِمِينَ وَقَتلِ العَامَّةِ.

إِذَن وَ بَعدَ هَذَا الاستِعرَاضِ التَّارِيخِيِّ المُجمَلِ, وَالمُجمَلِ جِدًّا, لجَرَائِمِ وَخِيَانَاتِ الرَّافِضَةِ نَستَطِيعُ أَن نَخلُصَ إِلى عِدَّةِ أُمُورٍ مُهِمَّةٍ وَكَمَا يَأتِي:

أولاً: النَّاظِرُ وَالبَاحِثُ في عَقَائِدِ الرَّافِضَةِ يجِدُ أَنَّهُم قَد أَشرَكُوا وَأَسَاؤُوا إِلى مَقَامِ اللهِ تَعَالى الوَاحِدِ الأَحَدِ. وَمِن ذَلِكَ وَصفَهُم اللهَ تَعَالى بِصِفَاتِ الحَوَادِثِ وَالنَّقصِ كَحُلُولِهِ تَعَالى -حَاشَاهُ - بِبَعضِ أَجسَادِ الأَئِمَّةِ وَرِجَالاتِهِم, وَالذِينَ عَبَدُوهُم مِن دُونِ اللهِ.

وَكَذَا شَرَّكُوا الإِلَهَ الوَاحِدَ بِالعِبَادِةِ المُستَحَقَّةِ للهِ تَعَالى وَحدَهُ غَيرَهُ, مِن نَذرٍ وَ دُعَاءٍ وَتَقَرُّبٍ بِالعِبَادَةِ للأَئِمَّةِ الذِينَ اعتَبَرُوهُم مُقَدَّسِينَ وَمَعصُومِينَ.

وَ لم يَقِف الأَمرُ إِلى هَذَا الحَدِّ بَل نَسَبُوا الصِّفَاتِ التِي يَتَّصِفُ بِهَا اللهُ تَعَالى, كَالرِّزقِ وّالعِلمِ بِالغَيبِ وَنَحوَ ذَلِكَ لهَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ, فَلم يَكتَفُوا بِالإِسَاءَةِ لمَقَامِ اللهِ تَعَالى بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ فَحَسب؛ بَل تَعَدَّى ذَلِكَ نِسبَتَهُم النَّقِيصَةَ لأَنبِيَاءِ اللهِ تَعَالى وَخَاصَّةً حِينَمَا جَعَلُوهُم فِي مَقَامِ التَّفضِيلِ وَالمُقَارَنةِ لأَئِمَّتِهِم المَعصُومِينَ, فَنَسَبُوا أَوصَافًا وَمَنَاقِبَ لأَئِمَّتِهِم تَفُوقُ مَنَاقِبَ وَمَزَايَا هَؤُلاءِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ, حَتَّى أَنَّهُم ادَّعُوا أَنَّ هَؤُلاءِ المُرسَلِينَ كَانُوا مِمَّا بُعِثُوا بِهِ: عَقَيدَةَ الوِلايَةِ لِلأَئِمَّةِ الذِينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُم مَعصُومُونَ.

وَ مَعَ غَيَابَاتِ هَذِهِ الظُّلُماتِ أَضَافُوا لِمُعتَقَدَاتِهِم الرَّذِيلَةَ قَولَهُم بِتَحرِيفِ القُرآنِ, سَوَاءً أَكَانَ بِاللفظِ أَم بِالمَعنَى وَالشَّرحِ, وَهُم عَلَى هَذَا لم يَجعَلُوا المَرجِعِيَّة الحَقَّةَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, لأَنَّهُم طَعَنُوا بِالكِتَابِ عَلى أَسَاسِ أَنَّهُم لم يَجِدُوا فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا لِعَقَائِدِهِم, فَلَم يَكتَفُوا بِمَا هُوَ مَوجُودٌ مِنهُ اليَومَ.

وَكَذَا طَعَنُوا بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مِن خِلالِ طَعنِهِم بِأَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ مِن رِوَايَاتِ الحَدِيثِ, أَوأَخذِهِم مَروِيَّاتٍ وَضَعُوهَا كَذِبًا عَلَى أَئِمَّةِ أَهلِ البَيتِ, بِرُوَاةٍ زَنَادِقَةٍ أَصَحَابِ عَقَائِدَ مُنحَرِفَةٍ وَبَاطِلَةٍ لا تُؤَهِّلَهُم لِقَبُولِ رِوَايَاتِهِم نَاهِيكَ عَن ضَعفِهِم وَجَهَالَتِهِم.

ثانياً: إِنَّ الرَّافِضَةَ مُدَّعِي مَحَبَّةَ آلِ البَيتِ وَنُصرَةَ عُترَتِهِ وَالمُتَبَاكِينَ عَلى الحُسَينِ نِيَاحَةً وَ لَطماً, وَالذِينَ يَتَّهِمُونَ أَهلَ السُّنَّةِ بِأَنَّهُم نَوَاصِبٌ نَاصَبُوا أَهلَ البَيتِ العَدَاءَ هُم مَن قَامَ بِقَتلِ الحُسينِ مِن بَعدِ أَن كَادُوا يَقتُلُونَ الحَسَنَ وَيُسَلِّمُوهُ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا, وَذَلِكَ ثَابِتٌ في أُصُولِ مَرَاجِعِهِم وَأُمَّهَاتِ كُتُبِهِم.

فَقَد جَاءَ في كِتَابِ [الإِرشَادِ] لِلمُفِيدِ َقولُ الإِمَامِ الحُسَين عَليهِ السَّلامُ في دُعَائِهِ عَلى شِيعَتِهِ الذِي ذَكَرنَاهُ آنِفًا, وَجَاءَ في كِتَابِ [الاحتِجَاجِ]: "لكِنَّكُم أَسرَعتُم إِلى بَيعَتِنَا كَطَيرَةِ الدِّبَاءِ، وَتَهَافَتُّم كَتَهَافُتِ الفَراشِ، ثُمَّ نَقَضُّتُمُوهَا، سِفَهاً وَبُعداً وَسُحقاً لِطَوَاغِيتِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَبَقِيَّةِ الأَحزَابِ، وَنَبَذةِ الكِتَابِ، ثُمَّ أَنتُم هَؤُلاءِ تَتَخَاذَلُونَ عَنَّا، وَتَقتُلُونَنَا، أَلا لَعنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ".

وَ يُعَلِّقُ السَّيدُ "حُسَينٌ المُوسَوِيُّ" بَعدَ هَاتَينِ الرِّوَايَتَينِ بقولهِ: "وَهَذِهِ النُّصُوصُ تُبَيِّنُ لَنَا مَن هُم قَتَلَةُ الحُسَينِ الحَقِيقِيُّونَ، إِنُّهُم شِيعَةُُ أَهلِ الكُوفَةِ، أَيْ: أَجدَادُنَا، فَلِمَاذَا نُحَمِّلُ أَهلَ السُّنَّةِ مَسؤُولِيَّةَ مَقتَلِ الحُسَينِ؟ "!.

وَ يَقُولُ السَّيدُ "مُحسِن الأَمينُ" في كِتَابِ [أَعيَانُ الشِّيعَةِ]: "بَايَعَ الحُسَينَ مِن أَهلِ العِرَاقِ عِشرُونَ أَلفاً، غَدَرُوا بِهِ، وَخَرَجُوا عَليهِ، وَبَيعَتُهُ في أَعنَاقِهِم، وَقَتَلُوهُ".

وَ جَاءَ في كِتَابِ [الاحتِجَاجِ]: "قَالَ الإِمَامُ "زَينُ العَابِدِينَ" عَليهِ السَّلامِ, لأَهلِ الكُوفَةِ: (هَل تَعلَمُونَ أَنَّكُم كَتَبتُم إِلى أَبي وَخَدَعتُمُوهُ وَأَعطَيتُمُوهُ مِن أَنفُسِكُم العَهدَ وَالمِيثَاقَ ثُمَّ قَاتَلتُمُوهُ وَخَذَلتُمُوهُ.. بِأَيِّ عَينٍ تَنظُرُونَ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ, وَهُوَ يَقُولُ لَكُم: قَاتَلتُم عترَتِي وَانتَهَكتُم حُرمَتِي, فَلَستُم مِن أُمَّتِي) ".

وَ قَالَ أَيضًا عَنهُم: إِنَّ هَؤُلاءِ يَبكُونَ عَلينَا فَمَن قَتَلَنَا غَيرُهُم؟

وَجَاءَ في كِتَابِ [الاحتِجَاجِ] أَيضًا عَن "فَاطِمَةَ الصُّغرَى" عَليهَا السَّلامُ في خُطبَةٍ لها في أَهلِ الكُوفَةِ:

"يَا أَهلَ الكُوفَةِ، يَا أَهلَ الغَدرِ وَالمَكرِ وَالخُيَلاءِ، إِنَّا أَهلُ البَيتِ ابتَلانَا اللهُ بِكُم، وَابتَلاكُم بِنَا؛ فَجَعَلَ بَلاءَنَا حَسَنًا.. فَكَفَّرتُمُونَا وَكَذَّبتُمُونَا وَرَأَيتُم قِتَالَنَا حَلالاً وَأَموَالَنَا نَهَبًا.. كَمَا قَتَلتُم جَدَّنَا بِالأَمسِ، وَسُيُوفُكُم تَقطُرُ مِن دِمَائِنَا أَهلُ البَيتِ.. تبًا لكُم فَانتَظِرُوا اللعنَةَ وَالعَذَابَ فَكَأَنَّ قَد حَلَّ بِكُم.. وَيذِيقُ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ, وَتَخلُدُونَ في العَذَابِ الأَلِيمِ يَومَ القِيَامَةِ بما ظَلمتُمُونَا، أَلا لَعنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالمِينَ. تَبَّاً لكُم يَا أَهلَ الكُوفَةِ، كَم قَرَأتُم لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلهِ قَبلَكُم، ثُمَّ غَدَرتُم بِأَخِيهِ عَلِيّ بِن أَبي طَالِبَ وَجَدِّي، وَبَنِيهِ وَعُترَتِهِ الطَّيِّبِينَ.

فَرَدَّ عَليهَا أَحَدُ أَهلِ الكُوفَةِ مُفتَخِراً, فَقَالَ:

نَحنُ قَتَلنَا عَلِياً وَابنِ عَلِيٍّ

بِسُيُوفٍ هِندِيَّةٍ وَرِمَاحِ

وَ سَبينَا نِسَاءَهُم سَبي تُركٍ

وَنَطَحنَاهُمُ فَأَيُّ نِطَاحِ".

ثَالِثاً: يَنبَغِي عَلى المُسلِمِ الامتِثَالِ لأَمرِ اللهِ تَعَالى الآمِرِ بِالتَّفَكُّرِ وَالإتِّعَاضِ بِأَحوَالِ الأُمَمِ وَالعُصُورِ السَّالِفَةِ, فَنَأخُذَ مِنهَا الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ.. {وَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة:126].

وَ وَرَدَ في الأَثَرِ: "لا يُلدَغُ المُؤمِنُ في جُحرٍ مَرَّتَينِ", وَقَد مَرَّت بِنَا نَتَائِجُ وَأَضرَارُ هَذَا التَّقرِيبُ مَعَ الرَّافِضَةِ حَيثُ تَجَلَّت لنَا خِيَانَتُهُم للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ, فَوَالَوا الكُفَّارَ وَأَعدَاءَ الدِّينِ, وَطَغَوا في البِلادِ وَأَكثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ, فَأَوجَبَت مُوالاتَهُم هَذِهِ رِدَّتَهُم عَن الدِّينِ وَمُرُوقَهُم عَن أَمرِ رَبِّ العَالمَينَ, وَنَاهِيكَ بِفَسَادِ طَعنِهِم بِأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ, وَبِخَاصَّةٍ مَن بَرَّأَهَا وَزَكَّاهَا اللهُ تَبرِئَةً قَطعِيَّةً في كِتَابِهِ العَزِيزِ.

وَ لما تَقَدَّمَ أَقُولُ مُنَبِّهًا؛ إِنَّهُ كُلَّمَا تَوَاجَهَ المُسلِمُونَ ضِدَّ الكُفَّارِ مِن اليَهُودِ وَ النَّصَارَى, وَفي كُلِّ حَربٍ عَلى مَرِّ التَّارِيخِ, وَحَتَّى في عَصرِنَا الحَاضِرِ نَجِدُ الرَّافِضَةَ يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا إِلى مُعَسكَرِ الكُفرِ, وَيَمُدُّونَهُم بِجَمِيعِ أَنوَاعِ الإِمدَادَاتِ المُتَوَفِّرَةِ إِليهِم عَسكَرِيًّا وَمَعلُومَاتِيّاً, وَيُفَضِّلُونَ المَوتَ أَوانتِصَارَ الكُفرِ عِلَى أَن يَنتَصِرَ المُسلِمُونَ وَتَكُونَ لهُم اليَد العُليَا, وَهُم لا يُقَاتِلُونَ أَعدَاءَ الإِسلامِ مِنَ الكُفَّارِ الأَصلِيِّينَ, وَأَنَّهُ حَتَّى في الحَالاتِ التي كَانُوا يُظهِرُونَ أَنهُم يُقَاتِلُونُهُم إِمَّا أَن يَكُونُوا تَحتَ قِيَادَةٍ سُنِّيَّةٍ هِيَ التِي تُحَرِّكُهُم, وَمن بَابِ التُّقيَةِ يَتَحَرَّكُونَ. وَ ذَلِكَ في حَالاتٍ نَادِرَةٍ.

أَوفي حَالَةِ غَدرٍ وَاستِهتَارِ الكُفَّارِ بهِم, وَ بِأَرَاضِيهِم وَمَصَالحِهِم كَمَا حَصَلَ مَعَ الوَزِيرِ "الأَفضَلِ" حِينَ استَنجَدَ بِالدَّمَاشِقَةِ السُّنِّيِّينَ لمَّا رَأَى استِهتَارَ الصَّليبِيِّينَ بِهِ وَبِمَصَالِحِهِ, بَعدَ أَن قَدَّمِ لهُم كُلَّ التَّنَازُلاتِ المُمكِنَةِ, وَطَلَبَ مِن عَسكَرِهِ فِيمَا بَعد الانضِوَاءَ تَحتَ قِيَادَةِ "طَغتِكِينَا أَتَابك".

وَ كَمَا حَصَلَ مَعَ الخَلِيفَةِ العُبَيدِيّ "العَاضِد" لما رَأَى اجتِيَاحَ الفِرَنجِ لِبِلادِهِ وَخَشِيَ عَلَى قَصرِهِ وَنِسَائِهِ فَأَرسَلَ إِلى "نُورِ الدِّينَ" يَستَنجِدُ بِهِ, وَيَستَغِيثُ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ أَرسَلَ شُعُورَ نِسَائِهِ قَائِلاً: "هَذِهِ شُعُورُ نِسَائِي مِن قَصرِي يَستَغِثنَ بِكَ لِتُنقِذَهُنَّ مِنَ الفِرَنجِ".

رَابِعَاً: إِنَّهُ لا يُمكِنُ أَن يَكُونَ لِلمُسلِمِينَ نَصرٌ وَلا غَلَبَةٌ عَلى المُحَارِبِينَ الكُفَّارِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلا بَعدَ القَضَاءِ عَلَى مَن دُونَهُم مِن العُمَلاءِ المُرتَدِّينَ, وَعَلَى رَأسِهِم الرَّافِضَةُ تَمَاماً, كَمَا رَصَدَ لنَا التَّارِيخُ كَيفَ أَنَّ بَيتَ المَقدِسِ الذِي سَقَطَ بِيَدِ الصَّلِيبِيِّينَ بِمُعَاوَنَةِ الرَّافِضَةِ العُبَيدِيِّنَ لم يُستَعَد إِلا عَلَى يَدِ "صَلاحِ الدِّينِ", مَعَ أَنَّ "نُورَ الدِّينِ مَحمُوداً" كَانَ أَشَدَّ عَلَى الصَّلِيبِيِّينَ مِن "صَلاحِ الدِّين", وَلكِن قَدَرُ اللهِ تَعَالى أَن يَكُونَ النَّصرُ وَتَحرِيرُ بَيتِ المَقدِسِ عَلَى يَدِ "صَلاحِ الدِّينِ", وَلكِن مَتَى؟ بَعدَ أَن حَارَبَ الرَّافِضَةَ العُبَيدِيِّنَ لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ, وَقَضَى عَلى دَولَتِهِم تَمَامًا وَأَسقَطَهَا, ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ تَفَرَّغَ لِلصَّلِيبِيِّينَ حَتَّى تَمَّ لَهُ النَّصرُ عَليهِم, وَاستَعَادَ بَيتَ المَقدِسِ الذِي ظَلَّ سَنَوَاتٍ تَحتَ قَبضَتِهِم بِسَبَبِ أَهلَ الخِيَانَةِ الرَّوَافِض.

فَهَذَا دَرسٌ مُهِمٌّ جِدَّاً يُقَدِّمُهُ لَنَا التَّارِيخُ لا يَجِبُ التَّغَافُلُ عَنهُ أَبَدًا...

لَن يَكُونَ لَنَا نَصرٌ قَطّ, عَلَى الكُفَّارِ الأَصلِيِّينَ إِلا بَعدَ قِتَالِ الكُفَّارِ المُرتَدِّينَ مَعَ الكُفَّارِ الأَصلِيِّينَ, وَمَا الفُتُوحَاتُ الإِسلامِيَّةُ التِي تَمَّت في عَهدِ الرَّاشِدِينَ إِلا بَعدَ تَطهِيرِ جَزِيرَةِ العَرَبِ مِن المُرتَدِّينَ, وَلِذَلِكَ أَبغَضُ مَا يُبغِضُهُ الرَّافِضَةُ هُوَ "صَلاحُ الدِّينِ", فَهُم يُطِيقُونَ المَوتَ وَلا يُطِيقُونَه!!.

خَامِسَاً: مَعلُومٌ لِذَوِي الفِطرَةِ السَّلِيمَةِ أَنَّ أَسَاسَ النَّجَاةِ لِلنَّاسِ في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الشِّركِ وَالبِدَعِ, فَكَيفَ يُمكِنُ التَّقرِيبُ بَينَ عَقِيدَةِ الحَقِّ وَ عَقِيدَةِ الرَّافِضَةِ التِي ذَكَرنَاهَا آنفًا؟

فَبِاللهِ عَليكُم كَيفَ يَتَقَرَّبُ مِنهُم عَمَليًّا بِعَقِيدَةٍ لَوأَخَذنَا بِبَعضِ مَا امتَازَت بِهِ ضَلالاتُهُم وَكُفرِيَّاتُهُم لكُنَّا في الهَلاكِ وَالخُسرَانِ الدِّينِيِّ.. فَالدِّينُ جَاءَ لِنَجَاةِ العِبَادِ بِمَا أَرَاَدَ رَبُّ العِبَادِ, فَكَيفَ تَحصُلُ النَّجَاةُ الأُخرَوِيَّةُ بِدُونِ مُقَدِّمَاتٍ مَبنِيَّةٍ عَلَى عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ سَلِيمَةٍ..؟.

فَكَمَا يُقَالُ: صِحَّةُ المُقَدِّمَاتِ تَستَلزِمُ صِحَّةَ نَتَائِجَهَا, وَفَسَادَهَا يُؤَدِّي لِفَسَادِ نَتَائِجَهَا.

وَ لَوادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُم مُوافِقُونَ لَنَا في أَصلِ الاعتِقَادِ المُنَجِّي مِن عَذَابِ اللهِ فَهَذَا عِندَهُم حِينئِذٍ إِمَّا:

مِن بَابِ عَقِيدَةِ التُّقيَةِ التِي يَدِينُونَ بهَا حَالَ استضعَافَهُم مَعَ أَهلِ السُّنَّةِ, أَويَكُونُونَ بِهَذَا الاتِّفَاقِ العَقَدِيِّ مَعَنَا عَلَى مَذهَبِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُستَقِيمِ فَيَخرُجُوا حِينَئِذٍ مِن وَصفِ الرَّافِضَةِ وَضَلالاتِهِم, وَعَلَى هَذَا فَلا يُسَمَّى مِثلُ هَذَا تَقَارُبًا, بَل تَرجِيعًا وَعَودَةً وَإِنَابَةً مِنهُم للحَقِّ المُبِين.

وَ لما تَقَدَّمَ أَقُولُ: إِنَّهُ لا يُمكِنُ أَن يَكُونَ هُنَاكَ أَدنَى تَقَارُبٍ عَقَدِيٍّ وَفِكرِيٍّ بَينَ أَهلِ السُّنَّةِ وَ بَينَ الرَّوَافِضِ, وَقَد رَأَينَا نَتِيجَةَ التَّقَارُبِ مَعَ الرَّافِضَةِ عَبرَ التَّارِيخِ مِن خِلالِ تَقرِيبِ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ لِلرَّافِضَةِ وَجَعلِهِم لهُم وُزَرَاءَ وَقَادَةً؛ كَابن العَلقَمِيّ وَنَصِيرِ الدِّينِ الطُّوسِيّ, وَمِن خِلالِ مُصَاهَرَتِهِم كَمَا ذَكَرنَا مَعَ مَرَاجِلِ أُمِّ المَأمُونِ... فَمَا كَانَ مِن هَذَا التَّقَارُبِ إِلا أَن عَادَ بِالهَلَكَةِ للأُمَّةِ, وَكَانَ سَبَبَ سُقُوطِ دَولَةٍ اسلامِيَّةٍ, وَقِيَامِ دُوَيلاتٍ رَافِضِيَّةٍ عَلَى أَشلائِهَا, كَمَا تَسَبَّبَ هَذَا التَّقَارُبُ في افسَادِ العَقِيدَةِ, بِإِلزَامِ النَّاسِ بِالقَولِ بمُحُدَثَاتِ الأُمُورِ وَبِدَعَهَا وَبَثِّ الشُّبَهِ بَينَ المُسلِمِينَ, حَتَّى زَعزَعَت عَقَائِدَهُم وَشَابَهَا كَثِيرٌ مِنَ الانحِرَافَاتِ، كَمَا هُوَ القَولُ بِخَلقِ القُرآنِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَفكَارِ وَالعَقَائِدِ التي اكتَسَبَهَا أَبنَاءُ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ مِن أُمَّهَاتِهِم الفَارِسِيَّاتِ.

وَ مَا أَجدَرَ بِنَا في هَذَا المَقَام أَن نَذكُرَ أَقوَالَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَالمُثَقَّفِينَ الذِينَ كَانُوا يَدْعُونَ جَهلاً بِالوَاقِعِ القَرِيبِ وَالبَعِيدِ إِلى التَّقَارُبِ مَعَ الرَّافِضَةِ, ثُمَّ لما تَبَيَّنَ لهُم الحَقَّ عَادُوا إِليهِ كَرِسَالَةِ وَعظٍ وَتَذكِيرٍ وَتَنبِيهٍ لِدُعَاةِ التَّقَارُبِ اليَومَ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ.

قَالَ الدُّكتُورُ "مُصطَفَى السِّبَاعِيّ" في كِتَابِهِ [السُّنَّةُ وَمَكَانَتُهَا في التَّشرِيعِ الإسلامِيّ]: "فَتَحتُ دَارًا لِلتَّقرِيبِ بَينَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ بِالقَاهِرَةِ مُنذُ أَربَعَةِ عُقُودٍ لَكِنَّهُم رَفَضُوا أَن تُفتَحَ دُورٌ مُمَاثِلَةٌ في مَرَاكِزِهِم العِلمِيَّة كَالنَّجَفِ وَقُم وَغَيرَهَا, لأَنَّهُم إِنَّمَا يُرِيدُونَ تَقرِيبَنَا إِلى دِينِهِم".

وَ يَقُولُ الدُّكتُورُ "عَلي أَحمَد السَّالُوس" أُستَاذُ الفِقهِ وَأُصُولِهِ: "بَدَأتُ دِرَاسَتِي بِالدَّعوَةِ إِلى التَّقرِيبِ بَينَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ بِتَوجِيهٍ مِن أُستَاذِيَ الجَلِيل الشَّيخُ "مُحَمَّد المَدَنِي"، عَلَى أَنَّ التَّشَيُّعَ مَذهَبٌ خَامِسٌ بَعدَ أَربَعَةِ أَهلِ السُّنَّةِ؛ غَيرَ أَنَّنِي بَعدَمَا بَدَأتُ البَحثَ وَاطَّلَعتُ عَلَى مَرَاجِعِهِم الأَصلِيَّةِ وَجَدُّتُ الأَمرَ يَختَلِفُ تَمَامًا عَمَّا سَمِعتُ.. فَدِرَاسَتِي إِذَن بَدَأَت بِتَوجِيهٍ مِنَ الشَّيخِ "المَدَنِيّ" مِن أَجلِ التَّقرِيبِ، وَلكِنَّ الدِّرَاسَةَ العِلمِيَّةَ لهَا طَابِعُهَا الذِي لا يَخضَعُ للأَهوَاءِ وَالرَّغَبَاتِ" ا. هـ.

فَإِذَن؛ بَعدَ مَعرِفَةِ حُكمِ اللهِ فِيهِم, وَمعرِفَةِ أَنَّ دِينَ الرَّافِضَةِ لا يَلتَقِي مَعَ دِينِ الإِسلامِ لا بِفَرعٍ وَلا بِأَصلٍ, وَأَنَّهُ أُنشِئَ أَسَاساً, وَأُقِيمَ لهَدمِ الدِّينِ, نَقُولُ إِنَّهُ لا يُدَافِعُ عَن هَؤُلاءِ القَومِ وَيُنَادِي بِبِرَاءَتِهِم, وَيَدعُوا جَهَارًا نَهَارًا للتَّقَارُبِ مَعَهُم وَيَستَجدِي وِصَالَهُم, وَيَعتَذِرُ لهُم, وَيُبَرِّرُ جَرَائِمَهُم إِلا مَن هُوَ جَاهِلٌ غَافِلٌ لا يَعلَمُ مَا يَقولُ.. أَوهُوَ أَجرَمُ وَأَظلَمُ وَأَخوَنُ لِلأُمَّةِ مِنهُم, وَحُكمُهُ حُكمَهُم, بَل إِنَّهُ يَصدُقُ فِيهِ قَولُ اللهِ تَعَالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159].

وَ بَعْدَ مَا تَقَدَّم, نَقُولُ إِنَّ دُعَاةَ التّقْرِيبِ بينَ السُّنةِ وَ الشِّيْعةِ هُمْ أَحَدُ رَجُلَين:

1 - رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَخَانَ دِينَهُ وَ أُمَّتَه, وَ بَاعَهَا بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا يَسِيْر.

2 - وَ آخَرُ جَهِلَ هَؤُلاء, فَهُوَ جَاهِلٌ يُعَلَّم.

فَكِيْفَ يَا مَنْ تَدْعُوْنَ إِلى التَّقْرِيْبِ بَيْنَ السُّنةِ وَ الرَّافِضَة، وَ هُمْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الشِّرْكِ الصُّرَاح, وَ الكُفْرِ البَوَاحِ وَ الطَّعْنِ فِيْ عِرْضِ نَبيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم, وَ سَبِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ الذِيْنَ مَاتَ عَنْهُمُ النّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَ سَلَّمَ وَ هُوَ رَاضٍ عَنْهُم.

فَوَاللهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ أَحِد مِنْ هَؤُلاءِ طُعِنَ فِيْ عِرْضِه, وَ رُمِيَ فِيْ زَوْجَتِه؛ لأَقَامَ الدُّنْيَا وَ أَقْعَدَهَا, وَ لمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ فِيْ وَجْهِ مَنْ رَمَاه!.

فَمَا بَالُهُ يَرْضَى ذَلِكَ عَلَى عِرْضِ نَبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم..؟

اللهُمَّ إِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّ عِرْضَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ سَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَعْرَاضِنَا, ونُشْهِدُكَ أَنَّ شَعْرَةً فِيْ رَأْسِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أَحَبُّ إِلَيْنا مِنْ أَنْفُسِنَا وَ أَهْلِيْنَا وَ النَّاسِ أَجْمَعِين.

وَ لا يَفُوتُنَا القَوْلُ: إِنَّهُ كُلّما أطْلَقَ الرّافِضَةُ شِعَارَاتُ العَدَاء, وَ عِبَارَاتُ المَوتِ وَ الهَلاكِ مِنَ الكُفّارِ وَ اليَهُودِ وَ النَّصَارَى وَ غَيْرِهِم؛ كُلَّمَا عَرَفنا أنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التّقِيّةِ التِّي يُدِيْنُونَ بِهَا وَ يَعْتَبِروْنَهَا رَكناً رَكِيناً فِيْ دِيْنِهِم, وَ بِقَدْرِ مَا تَكُونُ الشِّعَارَاتُ مُدَويَّةً أْكْثَر؛ بِقْدْرِ مَا يَكُونُ كَذِبُهُم وَ ادِّعَاؤُهُم فِيْ هَذِهِ الشِّعَارَات.

وَ أَقْرَبُ مِثَالٍ لِذَلِكَ فِيْ الوَقْتِ الحَالِيِّ مَا يَقُوْمُ بِهِ الرَّئِيسُ الإِيْرَاني الجَدِيدُ "أحمدي نجاد", حِين مَلأ الدّنيا بِصِياحِهِ بِضَرُورَةِ مَحْوِ إِسْرَائِيلَ مِنَ الخَارِطَةِ... إِيْ وَ الله, مِنَ الخَارِطَةِ فقط!!.

سادساً (1): إِنَّ دِيْنَ الرَّافِضَةِ يَقُومُ عَلَى هَدْمِ الضَّرُوْرِيَّاتِ -كُلّ الضَّرُوْرِيَّات - التِّي جَاءَ الدِّيْنُ الإِسْلامِيُّ - بَلْ وَكُلُّ الأَدْيان - بِحِفْظِهَا وَ المُحَافَظَةِ عَلَيْهَا, فَهُم يَهْدِمُونَ الدِّيْنَ بِتَحْرِيفِهِ, وَ القَوْلِ بِالزِّيَادَةِ فِيْ القُرْآنِ وَ نَقْصِه، وَ رَفْضِهِم لِلأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ, وَ تَكْذِيبِه وَ تَشْنِيعِهِم عَلَى الصَّحَابَة, وَ بِثِّهِم للشُّبَهِ للتّشْكِيكِ فِيْ دِيْنِ اللهِ الحَقِّ, وِ إِظْهَارِهِم للْبِدَعِ البَاطِلَة, وَ الإِلْحَادِ فِيْ دِيْنِ اللهِ وَ الزَّنْدَقَة, وَ يَهْدِمونَ النَّفْسَ وَ المَالَ بِاسْتِحْلالِ دِمَاءِ أَهْلِ السُّنةِ وَ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقِّ, وَ يَهْدِمُونَ النَّسَبَ وَ كُلِّ خَلْقٍ وَ أَدَبٍ سَلِيْم؛ بِقَوْلِهِم بِجَوَازِ المُتْعَةِ وَ إِتْيانِ الدُّبُرِ وَ إِعَارَةِ الفُرُوجِ ونِكَاحِ الذّكَرَانِ العياذ بالله.

وَ يَهْدِمُونَ العَقْلَ حِيْنَ يُجِيْزُونَ اسْتِخْدَامَ الحَشَائِشِ وَ المخدِّرَاتِ مِنْ أَجْلِ اسْتِخْدَامِهَا للتَّأثِيرِ بِهَا عَلَى أَتْبَاعِهِمْ مِنَ الفِدَائِيّة قَدِيماً, وَ عَوَامِّهِم أَصْحَابَ اللطْمِ حَدِيْثاً.

وَ حِيْنَ يَضْحَكُ آيَاتُهُم عَلَى عُقُولِ العَوَامِّ وَ الجُهَّالِ بِدَعْوَى انْتِسَابِهْم لآلِ البَيْت, وَ مِنْ ثَمَّ ادِّعَاءِ الْعِصْمَة, وَ مِِنْ ثَمَّ يَبُثُّونَ فِيْهِم ضَلالاتِهِمُ المُغْرَضة وِفْقَ مَصَالِحِهِم وَ أَهْوَائِهِم الشَّخْصِيّة.

__________

(1) في التسجيل الصوتي قال الشيخ تقبله الله: "خامساً" والصحيح أنها "سادساً" وكذا الحال إلى نهاية الترقيم. فاقتضى التصحيح والتنويه وجل من لا يسهو.

سابعاً: إِنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ رَافِضَةِ إِيْرَانَ الصَّفَوِيّة, وَ بَيْنَ غَيْرِهِم مِنْ رَافِضَةِ العَرَب؛ كَرَافِضَةِ العِرَاقِ وَ لبْنَانَ وَ الشّام, فَدِيْنُ الرّافِضَةِ وَاحِدٌ وَ أُصُولُهُم وإِنْ تَفَرَّعَت وَاحِدَة, وَ مَرْكَزُهُم وَ مَرْجِعِيّاتُهُم وَاحِدَة, وَ عِدَاؤُهُم لأهْلِ السُّنةِ هُوَ نَفْسُ العِدَاء.

ثامناً: إِنَّ أُصُولَ الرَّافِضَةِ وَ أُصُولَ اليَهُودِ وَاحِدَة؛ وَ لِذَلِكَ فِإِنَّ تَعَالِيْمَ الرَّافِضَةِ تُشَابِهُ كَثِيْراً مِنْ تَعَالِيمِ اليَهُود, وَ اجْتِمَاعَاتِهِم وَ مُؤْتَمَراتِهِمُ السِّرْية، وَ اسْتِخْدَامِهِم للتّقِيّة التِي يُظْهِرُونَ بِهَا مَا لا يُبْطِنُونَ للمُسْلِمِين, كُلُّ ذَلِكَ يَتَعاطَاهُ إِخْوَانُهُم اليَهُود.

وَ إِنّ المُطّلِعَ عَلَى مَا جَاءَ فِيْ بُروتُوكُولاتِ اليَهُودِ وَ تَعَالِيْمِ التّلْمُودِ نَحْوالأمَمين غِيرِ اليَهَود؛ يَجِدهُ مُتَطابقاً تَمَاماً مَعْ فَتَاوَى آياتِ وَ أَسْيادِ الرَّافِضَةِ نَحْوَ المُسْلِمِيْنَ خَاصَّة.

وَ مِنْ ذَلِك, فَإِنَّ تَعَالِيْمَ اليَهُودِ تُحَرِّمُ عَلَى اليَهُودِيّ أَنْ يَتَعَامَلَ بِالرِّبَا وَ الغُشِّ مَعَ اليَهُوْدِي, وَ تُوجِبُهُ مَعْ غَيْرِ اليَهُودِي, وَكذَلِكَ فِيْ دِيْنِ الرَّافِضَةِ يُحَرِّمُونَ التَّعَامُلَ بِالرِّبَا وَ الغُشِّ فِيْمَا بَيْنهُم, وَ يَعْتَبِرُونَ أَمْوَالَهُم بَيْنَهُم حَرَام, وَ يُحِلُّونَ وَ يُوْجِبُونَ اسْتِحْلالَ أَمْوُالِ أَهْلِ السُّنّة.

وَ مِنْ تَعَالِيمِ اليَهُودِ أَنّهُ يُحَرِّمُ عَلَى اليَهُودِيّ أَنْ يُسَاعِدَ أَوْ يُنْقِذَ غَيْرِ اليَهُودِيِّ إِنْ رَآهُ فِيْ حَالَةِ غَرَقٍ أَوْ مُوشِكٌ عَلَى السُّقُوطِ؛ بَلْ يَجِبْ هَدْمُ الحَائِطِ عَلَيهِ إِنِ اسْتَطَاع.

وَ كَذَلِكَ الرَّافِضَةُ يُفْتُونَ لِعَوَامِّهِمِ مِثْل ذَلِك, وَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِيْ كِتَابِ الأَنْوَارِ النُّعْمَانِيِّةِ لِعَالِمِهِم المَعْرُوفِ بِنِعْمَة الله الجزائري, وَ كِتَابِ [نَصْبِ النَّوَاصِبِ] لمِحسن المعلم مَا نَصُّه: "وَ فِيْ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَلي بنَ يقطين, وَ هُوَ وَزِيرُ الرَّشِيْد, قَدِ اجْتَمَعَ فِيْ حَبْسِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ المُخَالِفِينَ, وكَانَ مِنْ خَوَاصِّ الشِّيْعَة, فَأَمَرَ غِلْمَانَهُ وَ هَدُّوْا سَقْفَ الحَبْسِ عَلَى المَحْبوسِيْن؛ فَمَاتُوا كُلُّهُم وَ كَانُوْا خَمْسمائة رَجُلٍ تَقْريباً فَأَرادُوا الخَلاصَ مِنْ تَبِعَاتِ دِمَائِهِم؛ فَأَرْسَلَ إِلَى الإمام مَوْلانَا الكَاظِم, فَكَتَبَ عَلِيهِ السَّلامُ إِلَىِ جَوابَ كِتَابِه: بِأنَّكَ لَوكُنْتَ تَقَدَّمْتَ إِليَّ قَبْلَ مقْتَلِهِم لَمَا كَانَ عَلَيكَ شَيْءٌ مِنْ دِمَائِهِمْ وَ حَيْثُ أَنّكَ لَمْ تَتَقدَّمْ إِليَّ فَكَفّرْ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ قَتَلتَهُ مِنْهُمْ بِتَيْسٍ، وَ التَّيْسُ خَيْرٌ مِنْه".

وَ هَذَا الأَمْرُ يُطَبَّقُ حَتَّى فِيْ أَيَّامِنَا هَذِه، فَهُنَاكَ طَبِيبٌ مِنْ "تلعفر" يُدْعَى: "عباس قلندر", تَابِعٌ لِلْمَجْلِسِ الأَعْلَى لِلثَّوْرَةِ الرَّافِضِيَّةِ الذِيْ يَتَزَعَّمَهُ عَبْدُ العَزِيزِ الحَكِيم, وَ كَانَ هَذَا الطَّبِيْبُ مُرَشَّحَاً لأَنْ يَكُوْنَ قَائمَقَام "تلعفر", كَانَ قَدْ أَعْطَى لِطِفْل, وَ هَذَا العِلاجُ كَانَ يُضَاعِفُ مِنْ الآثَارِ الجَانِبِيِّة للمَرَضِ مُتَعمِّداً ذَلِكَ لِسَببٍ بَسِيطٍ هُوَ أَنَّ الطِّفْلَ اسْمُه: "عمر"!.

وَ كَانَ هُنَاكَ طَبِيْبٌ آَخَر فِيْ "بعقوبة"؛ مَرْكِز مُحَافَظِةِ "ديالى" يَرْفُضُ أَنْ يُعَالِجَ أَيَّ مَرِيضٍ اسْمُهُ "عمر", أَوْ أَيَّةَ مَرِيْضَةٍ اسْمُهَا "عائشة".

وَ قَدْ قَامَ المُجَاهِدُونَ بِفَضْلِ اللهِ بِمُحَاوَلَةِ اغْتِيالِ هَذَا الرَّافِضِيِّ الخَبِيثِ فَأَطْلَقُوا عَلِيهِ النَّار دَاخِلَ عِيَادَتِهِ فَأُصِيْبَ إِصَابَةً بَالِغَةً فِيْ رَقَبَتِه وَ اسْتَطَاعَ بَعْدَهَا الفِرَارَ إِلَى "إيران".

تاسعاً: إِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الجَرَائِمَ السِّيَاسِيّةِ فِيْ مَجَالِ الغَدْرِ وَ الاغْتِيَالاتِ عِنْدَ الرَّافِضَةِ لَيْسَت جَرَائِمَ فَرْدِيَّةً وَ لا عَشْوَائِية, وَ إِنَّما هِيَ جَرَائِمُ مُعدَّةٌ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِم وَ رُمُوزِهِم وَ رُؤَسَائِهْم, وَ تَقُومُ علَى أَسَاسٍ عَقَدِيِّ سِيَاسِيّ, وَ هِيَ مُرَتّبةُ تَرْتيباً عَسْكَريّاً مُنَظّمَاً, وأَفْرَادُهُ يُعْتَبَرُونَ مِنْ أَهَمِّ فَصَائِلِ وَ أَجْنِحَة الرَّافِضَة, كَيْفَ لا؟ وَ دَوْلَتُهُم وَ حُكْمُهُم وَ دَعْوَتُهُم لا تَقُولُ إِلا عَلَى عَاتِقِهِم, وَ لِذَلِكَ فِإِنَّ أَفْرَادَ هَذِهِ الفِرَقِ - فِرَقُ الاغْتِيالات- مُنْتَقُونَ بِعِنَايَةٍ فَائِقَة, وَ يُنْفَقُ عَلَى إِعْدَادِهِم المَبَالِغُ الطّائِلَة, وَ هَمْ حَرِيْصُونَ عَلَى أَنْ تَكُونَ ثَقَافَتَهُم عَالِية, وَ أَنْ تَكُوْنَ لَدِيْهِم مَعْرِفَةٌ بِلُغَاتٍ مُتَعدِّدَة, وَ لَهُم مُخَصَّصَاتٌ وَ رَوَاتِبٌ عَالِيَة, بِالإِضَافَة إِلى التَّأثِيْرَاتِ الدِّيْنِيّةِ والإِيْحَاءَاتِ النّفْسِيةِ الدَّافِعَةِ لِتَثْبِيتِهِم عَلَى مَا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ جَرَائِمَ حَتَّى يَعْمَدَ إِلَى تَخْدِيْرِهِم مِنَ خِلالِ إِسْقَائِهم الحشِيشَ الأَفْيونَ كَمَا كَانَتْ قَدِيْمَاً جَمَاعةُ الفَدَائيّينَ عِنْدَ القَرَامِطَةِ الإِسْمَاعِيلِية, وَ حَدِيْثاً يُمثِّلُ هَذِهِ الفِرَقُ فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَنْتَمِي جَمِيْعُهَا مِنْ حَيْثُ اسْتِقَاؤُهَا وَ تَلَقِّيْهَا للمُهِمَّاتِ السِّريةِ الخَطِيْرَةِ

لمَرْكَزٍ وَاحِد, أَلا وَ هُوَ مَرْكَزُ الإِمَامِ أَوْ نُوَّابِه, كُلُّ فِيْ قُطْرِه مُبَاشَرَة.

وَ مِنْ ذَلِكَ أَفْرَادُ الحَرَسِ الثَّوْرِي الإِيْرَانِي, وَ قُوَّاتُ التَّعْبِئةِ العَامَّةِ بِالباسيج, وَ الحَرَكَاتُ المسَلَّحَة؛ كَحَرَكةِ "أمل", وَ فِرَقِ الاغْتِيَالاتِ فِيْ حِزْبِ الله، وَ غَيْرِه.

وَ حَتَّى إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ جَرَائِمُ اغْتِيَالاتٍ ونَهْبٍ فَرْدِية, فَذَلكَ أَيْضاً يَرْجِعُ إِلى فَتَاوَى عُلَمِائِهِم وَ تَحْرِيْضِهِم عَلَى قَتْل أَهْلِ السُّنةِ وَ اعْتِبَارِهْم مُسْتَبَاحِيْ الدَّمِ وَ المَاْل.

فَقَدْ جَاءَ فِيْ كِتَابَيْ [وَسَائِلِ الشِّيْعة] , وَ [بحار الأنوار]: عَنْ دَاوُودَ بِنِ فَرْقَد قَاْل: قُلْتُ لأبِيْ عَبْدِ اللهِ عَلِيهِ السَّلام: مَا تَقُوْلُ فِيْ قَتْلِ النَّاصِبِ؟ فَقَال: حَلالُ الدَّم. وَ لَكِنْ اتَّقِيْ عَلَيْك, فَإِنْ قَدَّرْتَ أَنْ تَقْلِبَ عَلَيْهِ حَائِط أَوْ تُغْرِقَه فِيْ مَاءٍ لِكَي لا يَشْهدَ عَلَيْكَ فَافْعَل.

وَ عَلّقَ الإِمَامُ الخُمَيْنِيُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِه: فِإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ فَخُذْهُ وَ ابْعَثْ إِليْنَا بِالخُمُس!.

يَقُولُ صَاحِبُ كِتَاب [لله ثم للتاريخ]:"لَمَّا انْتَهى حُكْمُ آل بهلوي فِيْ إِيْرَانَ علَى أَثْر قِيَامِ الثَّوْرَةِ الإِسْلامِيَّةِ وَ تَسَلُّمِ الإِمَامِ الخُمَيْنِي زِمَام الأُمُورِ فِيْهَا، تَوَجَّبَ عَلى عُلَمَاءِ الشِّيْعَة زِيَارة وتَهْنِئَة الإِمَامِ بِهَذا النَّصْرِ العَظِيْمِ لِقِيامِ أوَّلِ دَوْلَةٍ شِيْعِيةٍ فِيْ العَصْرِ الحَدِيْثِ يَحْكُمُهَا الفُقَهَاء.

وَ كَانَ وَاجِبُ التَّهْنئةِ يَقَعُ عَليَّ شَخْصِيّاً أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِي لِعَلاقَتِيْ الوَثِيْقَةَ بِالإِمَامِ الخُمَيّنِي. فَزُرْتُ إيران بَعْدَ شَهْرٍ وَ نَصْف - وَ رُبَّما أكثر - مِنْ دُخُولِ الإِمَامِ طَهران إِثْر عَوْدَتِه مِنْ مَنْفَاهُ باريس، فَرَحَّبَ بي كثيراً، وَ كَانِتْ زِيَارِتِيْ مُنْفَرِدَةً عَن زِيَارَةِ وَفْدِ عُلَمَاءِ الشِّيْعَةِ فِيْ العِرَاق.

وَ فِيْ جَلْسَةٍ خَاصَّةٍ مَعَ الإِمَامِ قَالَ لِيْ: سَيِّد حُسين، آنَ الأوانُ لِتَنْفِيذِ وَصَايَا الأئَمّة صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم، سَنَسْفِكُ دِمَاءَ النَّواصِبِ نَقْتُلُ أَبْنَاءَهُم وَ نَسْتْحِيي نِسَاءَهُم، وَ لَنْ نَتْرِكَ أَحَداً مِنْهُمْ يُفْلِتُ مِنَ العِقَاب، وَ سَتَكُونُ أمْوَالُهُم خَالِصَةً لِشِيْعَةِ أَهْلِ البَيْت، وَ سَنَمْحُومَكَّةَ وَ المَدِيْنَة مِنْ وَجْهِ الأَرْضِ لأَنَّ هَاتَينِ المديْنَتِينِ صَارَتَا مَعْقَلَ الوَهَّابِيِّين، وَ لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كربلاء أَرْضَ الله المُبَارَكِةِ المقَدَّسَة، قِبْلَةً للنِّاسِ فِيْ الصَّلاةِ وَ سَنُحَقَّق بِذَلِكَ حُلْمَ الأَئِمّةِ عَلَيْهِم السلام.

لَقَدْ قَامَتْ دَوْلَتُنا التِيْ جَاهَدْنَا سَنَواتٍ طَويلة مِنْ أَجْلِ إِقَامَتِهَا، وَ مَا بَقِيَ إِلا التّنفِيذ!! " ا. هـ.

وَ إِذَا رَبَطْنَا هَذِهِ المَقُولَة بِوَاقِعِ الرَّافِضَةِ اليَوْمَ فِيْ العِرَاق؛ نَجِدُ أنّ فَيْلق الغدر وَ جَيْشُ المَهْدِيّ المزْعُومِ وَ غَيْرِهِما قَدْ قَامَ بِهَذِهِ المُهِمَّةِ خَيْرَ قِيَام.

فَهُوَ يُدَاهِمُ بُيُوتَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحُجَّّةَ ِالبَحَثِ عَنْ المُجَاهِدِين, وَ حَتى لَوْ لمَ يَجِدُوهُم، فَإِنِهَّمُ يَقُومونَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ، وَ اقْتِيَادِ النِّسَاءِ، وَ سَجْنِهِم، وَ اسِتَباحَةِ أَعْرِاضِهِمِ، وَ نَهْبِ كُل مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَهَبَ مِنْ بُيُوتِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَصْبَحَتْ هُنَاكَ َالعَدِيدُ مِنِ َالجَرَائِمِ، وَ الانْتِهَاكَاتِ، وَ المَآسِي التِّّي قَامَتْ بِهَا هَذِهِ العِصَابَاتِ وَ المِلِيشِيَّات الرَّافِضِيَّة بِمُفْرَدِهَا أَوْ بِمُسَاعَدَةِ القُوَّاتِ الأَمْرِيكِيَّة المُحْتَلَّةِ وبِتَحْرِيضِ مِنَهَا, وَ التّي تَدُلُّ عَلَى بَشَاعَةِ مَا حَدَثَ خِلَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ العِجَافِ, فَقَتَلَ المِئاَتِ مِنْ حَمَلَةِ الشَّهَادَاتِ العُلْيَا , وَ الخِبْرَاَتِ العِلْمِيَّةِ والأََكَادِيمِيَّةِ في عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، وَ الطِبِّ، وَ الَهَنْدَسَةِ؛ نَاهِيكَ َعَنْ المِئاَتِ مِنْ القَتْلَى مِنْ أَئِمَّةِ المَسَاجِدِ، وَ الخُطُبَاَءِ، وَ العَامِلِينَ فِي المَسَاجِدِ مِنْ مُنْتَسِبِي دِيوَانِ الوَقْفِ السُّنِيّ, وَ مِئَات المُعْتَقَلِينَ مِنْ أَئِمَّةِ المَسَاجِدِ وَ الخُطُبَاَءِ وَ أَهْلِ المَسَاجِدِ, وَ مِئَات مِنْ المَسَاجِدِ التِّي تَمَّ مُدَاهَمَتُهَا وَ إِهَانَتُهَا, وَ عَشَرَاتِ المَسَاجِدِ التي دمرت أوتَضَرَّرَتْ ضررًا كبيرًا , أَوْ التِّي اسْتُوْلِيَ عَلَيْهَا، وَ حَوَّلَتْ إلى حُسَيْنِِيِّاتٍ أَوْ أَمَاكِن لِلْتَعَذِيبِ, وَ خَاصَّةً فِي المُحَافَظَاتِ الوُسْطَى، وَ الجَنُوبِيَّةِ.

وَ لمْ يَقِفْ بَغْيُهُم، وَ جَورُهُم عَلَى الرِّجَالِ؛ بَلْ طاَلَ اِعْتِقَالَ النِّسَاءِ، وَاِغْتِصَابَهِنَّ، وَقَتْلَ الحَوَامِلِ مِنْهُنَّ, وَكَذَلِكَ قَتْلَ الأَطْفَالِ حَتَّى الرُّضَّعِ مِنْهُم، وَلَا مِنْ نَصِير مِنْ المُسْلِمِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ, فَإِنَّا لله وَ إنَّا إليْهِ رَاجِعُونَ.

عاشراً: لَقَدْ ثَارَتْ أُمَّةُ الإِسْلَام عَلَى مَا رَسَمَهُ أَحَدُ الصَّلِيبِيِينَ مِنَ الدِّنِمَرْك مُسْتَهْزِئاً بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ, وَ هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى غيرَتِهَا عَلَى رَسُولها عَلَيْهِ الصَّلاةِ وَ السَّلَامِ. فَكَيْفَ لَا تَثُورُ غِيرَةُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ وَ دُعَاتِهِ عَلَى شَرَفِ، وَ مقَامِ النَبَيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَمَّ الذِي يَنْتَقِصُهُ هؤلاءُ الرَّافِضَة اللِّئَامِ، الَّذِينَ يَتَسَتَّرُونَ بِثَوْبِ حُبِّ أَهْلِ البَيْتِ، وَ هُمْ مِنْهُم بُرَآءٌ؛ بِالطَّعْنِ بأزْوَاجِ النَّّبِيّ، وَ أَصْحَابِهِ، وَ حَمَلَةِ دِينِهِ إلى النَّاسِ أَجْمَعِين.

فَوَاللهِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلى هؤلاءِ الرَّافِضَةِ المُبْتَدِعَةِ المُفْسِدِينَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ مَا هُوَ إلَّاَ رَجُلٌ قَدْ قَسَى قَلْبُهُ, وَ أَظْلَمَ وَجْهُهُ، وَ جَمُدَتْ عَيْنُهُ.

حادِي عشر: إِنّ الرَّافِضَة هُمْ أَوَّلُ مِنْ تَبَنَّى وَ أَسَّسَ المَنْهَجَ التَّكْفِيرِيّ الضَّال المُنْحَرِفَ، حَيْثُ كَفَّرُوا ابْتِدَاءً جُلَّ صَحَابَةِ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَمَّ مِمَّنْ نَقَلُوا لَنَا الدِّينَ، وَ فَتَحَ اللهُ بِهِم الإِسْلَامَ إِلَى أَرْجَاء المَعْمُورَةِ, وَ لَمْ يَكُنْ خَطَرُ تَكْفِيرِهِم محصُوراً فِي الجَانِبِ النَّظَرِيّ فَحَسْب، بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إلى الجَانِبِ العَمَلِيّ, فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ بِقَتْلِ أَئِمَةِ وَ خُلَفَاءِ المُسْلِمِينَ، كَمَا فَعَلُوا مَعَ سَيِّدْنَا عُمَرَ الفَاروق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَ غَيْرُه. وَ تَتَمَادَى عَجَلَةُ عَقِيدَةِ التَّكْفِيرِ عِنْدَهُمُ إلى تَكْفِير أَهْلِ السُّنَّةِ كَافَّةً، مِمَّنْ يَسْمُونَهُم أَبْنَاءَ العَامَّة النَّوَاصِبَ بِحُجَّةِ إِنْكَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَصْلٍ أَصِيلٍ عِنْدَهُمْ مِنْ أُصُولِ دِينِهِم؛ أَلَا وَ هُوَ أَصْلُ الإِمَامَةِ وَ العِصْمَةِ, وَ الذِي جَعَلُوهُ مِنْ أَهَمِّ مُرْتَكِزَاتِ وَ أُصُولِ عَقَائِدِهِم الفَاسِدِةَ.

وَ مِمَّا يُجَسِّدُ هَذَا المعْنَى، وَاقِعَهُم العَمَلِيّ عَلَى مَرِّ الأزْمِنَةِ، فَنَرَاهُم حَيْثُ تَمَكَّنُوا وَ تَهَيَّأَ لَهُم ظَرْفُ الغَدْرِ وَالخِيَانَةِ وَالعِمَالَةِ دَعَوْا لِتَطْبِيقِ هَذَا المَنْهَجِ التَّكْفِيرِيّ المُنْحْرِفِ, وَاليَوْمِ اسْتَبَاحُوا بِمَا يُغْنِي بِهِ لِسَانُ الحَالِ عَنْ لِسَانِ المَقَالِ دِمَاءَ، وَ أَعْراضَ، وَ أْمَوالَ أَهْلِ السُّنَّةِ حَيْثُ اتَّخَذُوا ذَرِيعَةَ ضَرْبِ بَعْضِ المَرَاقِدَ الشِّرْكِيَّةِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لأهْلِ السُّنَّةِ عَلَى زَعْمِهِم, عِلْمًا أَنَّ خُطُوطِهِمُ الحَمْرَاءِ قَدْ تَجَاوَزَهَا سَادَاتُهِم الأمريكان بِفَرَاسِيخَ وَأَمْيَالٍ عَدِيدَةٍ, وَلَمْ تُحَرِّكْ مَرَاجِعُهُم الهَارِبَةُ خَارِجَ البِلَادِ حِينَئِذٍ -نَاهِيكَ عَنْ عَوَامِّهِم- سَاكنًا كَمَا فَعَلَتْ اليَوْمَ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ, بَلْ وَ قَابَلَ وَكَافَأَ جَيْشُ مَهْدِيهِم قُوَّاتِ الاحْتِلَالِ التِّي ضَرَبَتْ المَرْقَدَ المَزْعُومِ ِللإِمامِ ِعَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِتَسْلِيم أَسْلِحَتَهِمُ بِذِلَّةٍ وَصِغَارٍ لمن قَتَلَهُم وَأَذَلَّ مُقَدَّسَاتِهِم، فَكَانَت مَسْرَحِيَّة ضَرْبِ مَرْقَدَيّ الَهادِي وَالعَسْكَرِيّ المَزْعُومَيْنِ ذَرِيعةً وَاهِيَةً زَائِفَةً كَشَفَتْ عَنْ قِنَاعِ حِقْدِهِم الدَّفِين عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ دُونَ أَنْ تُمَيِّزَ بين جَمَاعَةٍ مِنْهُم أَوْ أُخْرَى.

وَ مِمَّا يُثِيرُ العَجَبَ، أَنَّ هَذَهِ الأَفْعَالِ الوَحْشِيَّة مِنْهُم لَمْ تَنِلْ أَعْدَاءَ الإِسْلَامِ مِنْ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالمِ كَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ، بَلْ عَلَى العَكْسِ؛ كَانُوا لهُمْ خَيْرَ عَوْنٍ وَنَصِير عَلَى مَرِّ العُصُورِ، وَ كَرَ ِّالدُّهُورِ عَلَى الإِسْلَام وَأَهْلِهِ. وَ بِهَذَا تَتَجَلَّى لِلْنَاسِ كَافَة أَنَّ ثَوْرَتَهُم الغَوْغَائِيَّة هَذِهِ بِسَبَبِ مَرَاقِدِهِم الشِّرْكِيَّة، والتي اِفْتُعِلَتْ أَزْمَتُهَا مِنْ سَادِتِهِم المجُوسِ، لَهِي خَيْرُ دَلِيل عَلَى تَعْظِيمِهِم بَلْ وَ تَقْدِيمهم حُرُمَاتِ أَئِمَّتِهِم المَعْصُومينَ عَلَى حُرُمَاتِ اللهُ وَرَسُولِهِ وَالمُسْلِمِين حِينَمَا تُنْتَهَكُ مِنْ قِبَلِ أَعْدَاءِ الدِّينِ فِي شَتَّى بِقَاعِ الأرْضِ، فَمَثلاً؛ لم تَثُرْ ثَائِرَتُهُم كَمَا نَرَاه من أفْعَالهِمُ اليَوْمَ عَلَى مَنْ نَشَرَ الصُّوَرَ المُسِيئَةَ للرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ, وَ عَلَى الْمُحْتَلِين الذين أَسَاؤوا لعَقِيدَةِ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِمّا يَدُلُّنَا عَلَى تفْضَيلِهِم أئمَّتَهَم عَلَى مَقَامِ اللهِ وَ رَسُولِهِ الْكَرِيم.

* * *

فَيَا أَهْلَ السُّنَّةِ أَفِيقُوا وَانْتْهِضُوا, وَ اِسْتَعِدُّوا لِلَفْظِ وَ بَكَرْ ِسُمُومِ أَفَاعِي الرَّافِضَة، التِّي كَانَتْ تَلْدَغُ بِكُم وَتَسُومُكُم سُوءَ العَذَابِ مُنْذُ احْتِلَالِ العِرَاقِ, وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا, وَ كَفَاكُم مِنْ دَعَاوَى تَرْكِ الطَّائِفِيَّةِ وَ الوِحْدَةِ الوَطَنِيَّة, وَ التّي أَصْبَحَتْ تُسْتَخْدَم سِلَاحًا لِتَرْوِيضِكُم وَ تَثْبِيطِكُم وَ اِسْتِسْلَامِكُم, وَ تَطْبِيعِكُم عَلَى الُجْبِنِ حينَ تَتَعَرَّضُون لِكَيْدِ وَ لَؤمِ هؤلاءِ، الذِينَ كَانُوا مِنْ أَبْرَزَ مَنْ وَالَى وَ سَالمَ المُحْتَلَ, وَ سَعَى فِي تَخْريبِ وَنَهْبِ خَيْرَاتِ البِلَاد. وَ لَم يَكْتَفُوا بِهَذَا, بَلْ وَاسْتَمَرُوا بِتَنْفِيذِ مُخُطَّّطَاتِهِم وَ سُمُومِهِم عَلَيْكُم بِزِيّ الحَرَسِ وَ الشُّرْطَةِ، فَأَوْقَعُوا مَا أَوْقَعَوُا مِنْ جَرَائِمَ، وَ فِتَنٍ بَيْنَ صُفُوفِكُم مِنْ قَتْلٍ، وَ نَهْبٍ، وَ اعْتِقَالٍ لِرِجَالٍ، وَ أَطْفَالٍ، وَ نِسَاءٍ, سَوَاءٌ أَكَانَ بِمُسَانَدَتِهِم لَقُوَّاتِ الاحْتِلَال أَوْ بِمَنَاصِبِهِم الرَّّسْمِيَّةِ، وَ التي اتَّخَذُوهَا غِطَاءً يُسُومُونَكُم بِهِ سُوءَ العَذَابِ، فَيُذَبِّحُون بِهِ أَبَنَاءَكُم, وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ, وَ نَرَاهُم عَقَدُوا الخُطَطَ المُشْتَرَكَةَ َالخَبِيثَةَ، وَ تَقَاسَمُوا أَدْوَارَهَا, فَالسِيسْتَانِيّ الإيرَانِيّ وَاعِظُ المحْتَلِ إِمَامٌ لِلْكُفْرِ وَ الزَّنْدَقَةِ يُشَرْعِنْ الفَتَاوَى ذَاتِ البَلَاوَىَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ, وَ بِمَا يخْدُمُ مَصَالحَ المحْتَلِينَ، وَ الحَكَيِم، وَ الجَعْفَرِيّ، وَ مَنَ ْوَالَاهُم مِنِ ذِئَابِهِم يَتَسَتَّّرُون بِجُلُودِ الخِرَافِ، بِلَبْسِ ثَوْبِ العَمَلَيَّة السِيَاسِيَّة المَزْعُومَة ظاهراً, وَ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ وَ الوَاقِعِ لتَثْبِيتِ وَ تَوْسِيعِ

الرُّقْعَةِ الجُغْرَافِيَّةِ لِلْحُكْمِ الفَارِسِيّ الإيرَاني الرَّافِضِيّ.

وَ أَمَّا في مَا وَرَاءَ الكَوَالِيس فَيُمَارِسُونَ حمْلَةَ الإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ المُنَظَّمَةِ الشَّرِسَة مُنْذُ أَكَثْرَ ِمنْ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ عَلَى مُخْتَلِفِ طَبَقَات المُجْتَمَع, وَ بِخَاصَّةً الفِئَة البَنَّاءَة السُّنِّيِة في المُجْتَمَعِ من خِلَال الاغْتِيَالاتِ وَ الاعْتِقَالاتِ فِي غَيَابَات سُجُونِ الدَّاخِلِيَّة، وَ بعضِ حُسَينِيَّاتهم التّي يَسُومُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فيها سُوءَ العَذَابِ.

أَمَّا جَيْشُ المَهْدِيّ المَزْعُوم عِنْدَهُم، فَقَد كَانَ تَشْكيلُه مَعْقُودًا أَسَاساً عَلَى حِمايَةِ عَقِيدَتِهم الرَّافِضِيَّة، وَ محَارَبَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ, وَ أَرَادُوا من تَهْيِأِتِهِ؛ جَعْلَهُ وَرَقَةً بَدِيلَةً يُقَامِرُونَ بِهَا لِتَمْكينِ العَقِيدَةِ الرَّافِضِيَّةِ فيما إِذَا كَانَتْ كَفَّة المُقَاوَمَة رَاجِحَة عَلَى كَفَّةِ السِيَاسِيينَ لاعْتِلَاء الحُكْم. وَ مِمِاَّ يَدُلُّنَا عَلَى عُمْقِ، وَ جُذُورِ حِقْدِهِم: مَا ذَكَرَهُ مُقْتَدَى الصَّدر فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ لَهُ فِي الكُوفَةِ بَعْدَ دُخُولِ الصَّلِيبيينَ، وَ تَشْكِيلِ جَيْشِهِم, قَالَ فِيهَا: (إِنَّ هَذَا الجَيْشَ أُنشِأَ لِمُعَاقبةِ من تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ أمِيرِ المؤْمِنِينَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ!)، فَتَأَمَّلُوا يَا إِخْوَتِي هَذَا الكَلَام الذِي صَدَرَ مِنْهُ قبْلَ أَنْ تطْلَقَ طَلْقَةٌ بَيْنَنَا، وَ بَيْنَهُم. وَ قد جَاءَ اليَوْمِ الذِي بَانَتْ سَوْءَتُهُم لِلْقَاصِي، وَ الدَّاني, وَ ظَهَرَتْ حَقِيقَتُهُم لِكُلِ راءٍ، وَ سَامِعٍ بِمَا لا يجْعَلُ مَجَالًا لِلْشَكِّ, لَأَنّ هَؤُلَاء الحَاقِدِينَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلَّاً وَ لَا ذِمَّة, وَ مَا تُخْفِي صُدُورِهِم أَكْبَر, فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ بَغْيٍ، وَ ظُلْمٍ، وَ قتلِ المَشَايِخِ، وَ المُصَلِّّينَ، وَ أَبْرِياء النَّاسِ بعَمَلِيَّة دُبِّرَتْ بِلَيْلٍ بالأَمْسِ القَرِيب, وَ بِفِتْرَةً قِيَاسِيَّة عَلَى مَا يقْرُبُ مِنْ المائتَيّ مَسْجِدٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا العَمَلَ ِالجَبَانِ مِنْهُم كَانَ مُدَبرًا مُفُتْعَلاً، وَ مَدرُوسًا بِتَرْتِيبِ الدَّوْلَة السَّبَئِيَّة، فقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ

لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:114]، وَلَمْ يَقِف الأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الحَدّ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَةً يَنْدَى لهَاَ جَبِين التَّارِيخِ المُعَاصِرِ بتَفَرُّدِهِم بِأَفْعَالٍ كُفْرِيَّةٍ مُشُينَةٍ فَاقُوا، وامْتَازُوا بِهَا عَنْ الكُفَّار الأَصْلِيينَ المُحَارِبِينَ لِهَذَا الدِّينِ، حَيْثُ مَزَّقُوا المَصَاحِفَ، وَ الآيَاتِ القُرْآنيَّةَ، وَ المَعَالمَ الإِسْلَامِيَّة فِي العَشَرَاتِ من بيُوتِ اللهِ حَتّى أَثْبَتُوا أَنَّهُم أَعْدَاءُ اللهِ حقًّا قَاتَلَهُم الله أنَّى يُؤْفَكُون!.

فَنَقُولُ لَهُ: لَقَد تَعَدَّيْتَ حُدُودَكَ، وَ اجْتَرَأْتَ عَلَى حِمَى أَهْلِ السُّنَّةِ, ثُمَّ بَعَدَ ذَلِكَ ادَّعَيْتَ زُوراً، وَ كَذِبًا وَ تْدِليساً، وَ تمْوِيهاً، بَأَنَّكَ مِمَّنْ أَمَر أَتْبَاعَهِ بِحِمَايَةِ مَسَاجِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ, وَ عَلَيْهِ فَنَحْنُ قَدْ قَبِلْنَا دُخُولَ المَعْرَكَةِ مَعَكَ, وَ مَعَ قَطيعِ أَغَنَامِكَ، وَ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ اثَنْيْنِ, لابُدَّ أَنْ تَقُومَ بِهِمَا, وَ لَا أَخَالُكَ تَفْعَل، الشَّرْطُ الأَوَّلُ:

أَنْ تَقِفَ أَنْتَ، وَ مَنْ مَعَك وَقْفَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَسْتَرِّدُونَ فِيهَا أَسْلِحَتَكُم التّي بِعْتُمُوهَا لِلْصَلِيبِيينَ، وَ أَنْتُم أَذِلّة صَاغِرِينَ, يَوْم أََنْ فَرَضَ عَلَيَكْمُ شُرُوطَه، وَ قَامَ بِإِهَانَتِكُم فِي عُقْرِ دَارِكُم، وَ وَطئَتْ أَقْدَامِ جُنُودِهِ الصَّحْنَ الحيْدَرِيّ المَزْعُوم. والشَّرْطُ الثَّاني:

أَلَّا يَخْرُجَ فِي جَيْشِكَ لِقِتَالِنَا إِلَّا مَنْ عَرَفَ وَالِدَهُ.

وَ الله غالبٌ عَلَى أَمْرِه وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَيِنَ

(المعلّق) أخِي المُستمعَ الكريم:

انْتَهَت مادّةُ هذا الشريط، وبه تنتهي المحاضرة شاكرينَ لكم حسن استماعكِم وإنصاتكم... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نهاية المادة المفرغة

تم بحمد الله

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

يسرّ الشبكة والورشة أن تستقبل تعليقاتكم وتوجيهاتكم بخصوص هذا العمل وأعمال أخرى

ولا تنسونا من صالح دعواتكم

سبحانك ربي رب العزة عما يصفون

وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين

عدد مرات القراءة:
634
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :