معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الرافضة (الشيعة) ..
بعد ما تحدثنا في المرة الماضية(1) عن فرقة الخوارج أشرنا إلى أن هناك تزامناً بين ظهور فرقة الخوارج وظهور الشيعة، واصطلاح الشيعة من جهة اللغة يقصد به مجرد الأشياع والأنصار (وإن من شيعته لإبراهيم)، أما في الاصطلاح فهم الذين يؤيدون علياً رضي الله عنه ويفضلونه على غيره، هذا في البداية، ولكن الموضوع تشعب وصار في الاصطلاح يطلق على طوائف من الشيعة رأت أن الإمامة بالنص والتعيين لعلي رضي الله عنه وأن هذا النص يشمل علي ثم الحسن و الحسين وعلي بن الحسين وهكذا إلى بقية الأئمة، على اختلاف فرق الشيعة في هذا من إسماعيلية وإمامية وغيرهم. أما مصطلح الرافضة نفسه فظهر أول ما ظهر عندما خرج زيد بن علي بن الحسين في خلافة هشام بن عبد الملك وتبعه الشيعة، فسألوه عن أبي بكر وعمر فتولاهما، فرفضه قوم أو كثير منهم، فقال رفضتموني، رفضتموني، فعند ذلك سموا رافضة، فالرافضة صارت تتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين، أما الزيدية فصارت تتولى زيد بن علي بن الحسين، ثم انقسمت الشيعة الزيدية والإمامية كما سنشير.
هذا عن مصطلح الشيعة ومصطلح الرافضة، وكثير من المنتسبين للسنة يفضلون  مصطلح الروافض لأنه هو الألصق  والأقرب من جهة الواقع التاريخي، ولأن التشيع لعلي وبنيه كلٌ يؤيده حتى أهل السنة يؤيدون علي وينصرونه ويعترفون بخلافته وليس لديهم إشكال في هذا، وإنما يرون أن الرافضة يغلون في حب علي وبنيه.  والرفض لم يبدأ دفعة واحدة ففي البداية - كما هو معلوم - ظهر السب لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وسموا السابة، وظهر من يقدم علياً على أبي بكر وعمر ويسمّون المفضّلة وإن لم يحصل منهم سب، وظهر أيضا ما يسمونه بالشيعة الغلاة الذين قالوا أيضا بتأليهه، وهذا الأمر مر بمراحل كثيرة وطويلة، ولعل الإشارة لبعض الأراء التي تكلمت عن بداية التشيع، ونشأته، تلقي الضوء على شيء من التطور في فكرة الشيعة:
 أ - هناك من يرى أن التشيع ظهر أول ما ظهر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول إن الأحاديث في فضل أهل البيت ومنزلتهم ومكانتهم هي البذرة الأولى للتشيع.
ب - وهناك من يرى أن التشيع بدأ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويفسر ما حصل في سقيفة بني ساعدة على هذا الاعتبار، فيرى أن الذين أيدوا علياً كأبي ذر وسلمان وأبي بن كعب هم حزب علي، ويرى أن الذين أيدوا أبا بكر حزب البكرية، وهكذا وهؤلاء يتأثرون بالواقع السياسي المعاصر، ويفسرون الأحداث بهذه الطريقة الحزبية.
ج - وهناك من يرى أن التشيع ظهر في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه، والشيعة ينكرون هذا الأمر إنكارا شديدا وسبب إنكارهم ذلك لأنه إذا ربطنا بداية التشيع في زمن عثمان رضي الله عنه، فهذا يعني أننا نربط التشيع بأصول يهودية، باعتبار أن الذين يربطونه بذلك الوقت يربطونه بابن سبأ وظهوره، والمسائل التي أثارها من فكرة الوصية وفكرة الرجعة وفكرة تأليه علي رضي الله عنه، وغيرها من الأفكار التي انتشرت فيما بعد عند الإمامية وعند الباطنية، وبعض المعاصرين منهم، مثل مرتضي العسكري وغيره أنكروا وجود شخصية ابن سبأ وقالوا إنها شخصية خيالية وليست حقيقية، وورد هذا أيضا عن طه حسين وغيره، ولكن هذا الأمر لا قيمة له الآن في الميزان البحثي العلمي بعدما أثبتت حتى كتب الشيعة المتقدمة كفرق الشيعة للنوبختي  والمقالات والفرق للقمي وجود شخصية ابن سبأ وأثرها.
د - وهناك من يرى أن بداية التشيع كانت في زمن علي رضي الله عنه كرد فعل لمذهب الخوارج.
ه - وهناك من يقول إن التشيع ظهر بقوة ووضوح بعد مقتل الحسين رضي الله عنه في سنة إحدى وستين هجرية، يوم حادثة كربلاء حيث أعطت التشيع شيئاً من الشحن العاطفي، يشبه من بعض الجوانب، قضية معركة النهروان التي أعطت الخوارج نوعا من الشحن والدفعة، وهناك من يرى أن التشيع ظهر بوضوح بما فيه من آراء كلامية وفلسفية في زمن هشام بن الحكم الرافضي وشخص آخر اسمه هشام الجواليقي المتوفى في سنة مائة وسبعين هجرية، ويقولون إن هؤلاء أول من تكلم عن قضية الرجعة والوصية وعدم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل وفكرة عصمة الأئمة، ويؤيدون هذا بأن كثيراً من أحاديث الشيعة في الكافي وغيره ترجع إلى ذاك الزمن؛ زمن جعفر الصادق الذي وجد أيضا في هذه الفترة مما يشير إلى أنه قد يكون لأمثال هؤلاء دور في نسبة بعض الغلو إلى جعفر الصادق والكذب عليه.
ولعل الأقرب إلى الصواب أن مفهوم التشيّع بالمعنى الغالي الذي حصل فيما بعد لم يظهر دفعة واحدة ولكن بداياته كانت في أواخر زمن عثمان رضي الله عنه على يد ابن سبأ وغيره، ثم تطور شيئا فشيئاً زمن علي رضي الله عنه ثم ابنه الحسين ثمّ تطوّر في زمن هشام ابن الحكم، فبدأت العملية بالتفضيل، ثم انتقلت من التفضيل إلى تكفير أبي بكر وعمر، ثم بعد ذلك إعطاء علي رضي الله عنه وبنيه بعض الخصوصية وهكذا مرّ بهذه المراحل، فبدأ يتبلور هذا المذهب شيئا فشيئا ككثير من مذاهب الضلال تبدأ بعض الحلقات الخفيفة نسبيا، ثم تتشعب أكثر فأكثر ويضيف إليها بعض أعلامهم ورموزهم بعض الغلو هنا وهناك.
أهم تعاليم الشيعة الاثني عشرية: إن أهم تعاليم الشيعة الاثني عشرية هو نظرتهم الخاصة أو مفهومهم الخاص لقضية الإمامة، أما مسائل العقيدة الأخرى فهم عالة على غيرهم من الفرق، وخاصة المعتزلة.
وخلاصة مذهبهم في الإمامة أنها تكون بالنصّ والتعيين لعلي رضي الله عنه ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين إلى أن يأتوا إلى ما سمّي بالإمام الثاني عشر الذي هو محمد بن الحسن العسكري، وأن هؤلاء الأئمة لهم العصمة، وأقوالهم عبارة عن تشريع، وأوتوا من العلم اللدنّي ويعلمون الغيب، وهذا الفهم للإمامة هو العمود الفقري لتفكيرهم، وهو الذي أدّى بهم إلى انحرافات متعددة مختلفة، فهم حينما قالوا  ذلك مثلا، واعتبروا أن علياً ليس فقط هو الأحق والأولى بل هو الإمام بالنصّ من الله عز وجل، فحينما رأوا في الواقع أن الذي تولى الخلافة هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم، اعتبروا أن خلافتهم باطلة وفاسدة، وأن هناك نوع من المؤامرة والمخادعة على إبعاد علي رضي الله عنه، وبسبب تآمرهم (أي الصحابة) على إبعاد علي عن الإمامة، اعتبروا أنهم قد كفروا وضلوا، وتبعاً لذلك كانت مواقفهم من القرآن والسنة فكثير منهم اعتبروا أن القرآن زيد فيه بعض الآيات في وقت الصحابة، وحذف منه بعض الآيات عن أهل البيت أو عن فضل أهل البيت، وحذفت بعض الآيات عن مثالب الصحابة، ويذكرون أمثلة كثيرة لذلك، كذلك لا يعترفون بكتب الأحاديث المشهورة، فلهم مصادرهم وأسلوبهم  في هذا الباب، أيضا كما لهم مفهومهم الخاص للإمام وأن أقواله تشريع ويؤتى العلم اللدنّي من الله عز وجل وأنه يعلم التأويل وهو مصدر العلم والتأويل وأنه يرجع إليه في جميع الأمور. فقولهم هذا أدى بهم إلى القول بعصمته ومكانته وفضله حتى أن كثيراً منهم قال: الأئمة أفضل من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، عند ذلك قالوا بعصمتهم بل اعتبر كثير منهم الإمام معصوماً من الخطأ والزلل والسهو والنسيان وهذا لم يقله أهل السنة في الأنبياء، بل إن بعضهم قال إن عصمتهم أولى من عصمة الأنبياء لأن الأنبياء يصحح لهم الوحي في حياتهم أما هؤلاء فلا يوجد وحي يصحح لهم.
ونحن نقول: إن مفهومهم الخاص للإمام أدى بهم إلى هذه الضلالات، وليس المقام مقام ذكر أدلتهم في هذا الباب ومناقشتها. ولكن نقول إن هذا المذهب يؤدي إلى لوازم باطلة كثيرة، ومن هذه اللوازم:
أ - إذا كان هذا الجيل جيل الصحابة وهو الجيل المثالي بهذه الصورة السوداوية القاتمة التي يصفها هؤلاء فكيف يكون هناك أمل في إرجاع الإسلام وقيادته في هذا العالم، إذا كان في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، أيام الداعي الأول، كان أنصاره بهذه المثابة حيث ذهبت جهود الرسول صلى الله عليه وسلم   هباءً - حسب زعمهم - حيث تركه الناس وتركوا مذهبه فور وفاته.
ب - ومن جانب آخر هذا طعن بالرسول صلى الله عليه وسلم وتربيته، لأن من لوازم كلامهم أنه مربّ فاشل لم يبقى ممن اتبعه أحد.
ج - وهذا فيه طعن في حكمة الله عز وجل وفي علمه حيث اختار هؤلاء لصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم. لماذا اختارهم؟ ألم يكن يعلم أنهم سيكفرون حسب زعمكم؟ وإن كان علم أنهم سيكفرون واختارهم فذلك أيضا عبث، وإن لم يكن يعلم فهذا فيه جهل.
د - أيضاً الطعن في أصحابه رضي الله عنهم طعن فيه صلى الله عليه وسلم، حيث إنهم أنصاره وأصهاره وأعوانه، فتزوج بنتي أبي بكر وعمر، بل إن علياً زوج ابنتيه لعمر وعثمان.. الخ.
ه - وإذا كانت الإمامة بالنصّ والتعيين، لماذا لم تظهر هذه النصوص زمن علي رضي الله عنه، ولماذا تنازل الحسن لمعاوية؟...الخ.
ومن المسائل العقدية والتعاليم الفكرية في المذهب الإمامي، فكرة المهدي ولها مفهوم خاص عندهم، ويرون أن محمد بن الحسن العسكري إمامهم الغائب دخل في سرداب سنة مائتين وستين هجرية، وظهر حسب زعمهم بعد سبعين سنة يسمونها الغيبة الصغرى، ثم غاب مرة أخرى غيبته الكبرى ويضعون لهذا المهدي صوراً عن عصمته ومكانته وأنه سيرجع، وفكرة الرجعة عندهم أن يبعث الكافرون والظلمة وعلى رأسهم الصحابة - على زعمهم - فيقتص منهم، ويزعمون أن له تصرفاً في الكون في فترة غيابه، والشيعة إلى زمن قريب يعطلون كثيراً من الأحكام والحدود وغيرها ينتظرون خروج المهدي إلى أن جاءت فكرة ولاية الفقيه التي قامت على أساسها الدولة الشيعية في إيران اليوم.
كذلك مسألة التقية أيضا من المسائل التي لها صلة بقضية الإمامة لأنهم يفسرون بها مواقف الأئمة المختلفة، من ذلك مثلاً لماذا يثني علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر ويتحدث عن مكانتهم وفضلهم،  فهذا تقية، وعندما يتنازل الحسن لمعاوية فهذا تقية، لكي يبررون كثيراً من التصرفات التي تخالف مذهبهم في موقف الأئمة من الحكام في زمانهم، وما يدل على موالاتهم، على أن هذا تقية، أما موضوع المهدي فالواقع أن كثيرا من الشيعة حتى المتقدمين ينكرون أن الحسن العسكري كان له ولد، فضلا أنه لم يرد في القرآن والسنة أن شخصا يختفي هذه المدة الطويلة ويكون حيا إلاّ ما ورد عن عيسى بن مريم عليه السلام كما هو معلوم، وقد كثر عند المعاصرين من الشيعة عدم القناعة بفكرة المهدي، حتى  الخميني وإن كان  يعتبر نفسه يعظم المهدي من جانب، فالواقع أن قوله بفكرة ولاية الفقيه محاولة لسد ثغرة في المذهب الشيعي الذي يقول بانتظار المهدي وتعطيل بعض الأحكام الشرعية حتى يخرج، فجاءت فكرة ولاية الفقيه، وكانت تطويرا لفكرة نواب الإمام، حيث كان له نواب في الغيبة الصغرى، فالبناء الأساسي لقضية ولاية الفقيه بناء عقلي وليس بناء نقلياً مأخوذاً من نصوص الشيعة المتقدمين، فنظر وقدر وقال إلى متى تعطل  الأمور والأحكام، في غياب الإمام الذي مضى على غيابه ألف سنة، وقد لا يأذن الله بخروجه ألفاً أخرى كما قال فتبقى الحدود والأحكام معطلة، فلابد من دولة تقيم هذه الحدود والأحكام، فهذه الفكرة وان كان فيها تطوير وتجديد وواقعية من جانب، إلا أنها نقض من الجانب الآخر لفكرة المذهب. لذا نرى أن بعض الشيعة المعاصرين لا يوافقه على هذه الفكرة.
الواقع أن كثيراً من المذاهب ومنها المذهب الشيعي تتكون من آراء بشرية يحاول أهلها أن يصبغوها بصبغة دينية من خلال بعض النصوص المختلفة التي يؤولونها حسب مقرراتهم وفهمهم المسبق، فهكذا فكرة ولاية الفقيه التي بدأت باعتبار أن الفقيه ينوب عن الإمام في كل شيء في بداية قوله إلا الإذن بالقتال، ثم بعد ذلك تطورت إلى حد ما إلى أن الفقيه يتصف بنفس صفات الإمام من العصمة وان أقواله واجتهاداته عبارة عن تشريع، وغيرها من الأمور، وأعطيت هذه الأفكار التي سطرها الخميني بقوة في كتابه الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه دفعة وزخم كبير جدا لما أنشأ دولة تقوم على أساس فكرة ولاية الفقيه، ولذلك أنشئ منصب مرشد الثورة الذي هو أعلى من رئيس الجمهورية من جهة الصلاحيات، وهذه القضية تثير جدلاً بين الشيعة الليبراليين إن صح التعبير وبقية الشيعة المحافظين.
وأما واقع الشيعة اليوم فالأمر ليس في حاجة إلى تذكير فهاهم اليوم موجودون في منطقة الخليج العربي وشرقي السعودية وإيران وأفغانستان وباكستان ولبنان بنسب متفاوتة ولاشك بان قيام دولة لهم منذ حوالي عشرين سنة، ودورها في الدعوة للمذهب ونشر كتبه وإنشاء مؤسسات دينية وكليات علمية وجامعات أعطى قوة ودفعة للمذهب، ورأينا من كتابات كثير من المعاصرين منهم مثل الخميني وجواد مغنية وهاشم الحسيني والصدر وغيرهم يطرحون نفس الطروحات والأفكار القديمة من فكرة الإمامة والمهدي والرجعة والعصمة ومواقفهم الغالية من الصحابة ومن الكتاب والسنة وغيرها من الأمور. ويكفينا هذا في الحصول على تصور كلي مجمل عن عقائد الإمامية الاثني عشرية.
4- الزيدية
وهي فرقة من فرق الشيعة تنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهذا الإمام كان من أئمة أهل السنة بعلمه وفضله ومكانته، وقوي أمره لما راسله أهل الكوفة وحثوه على أن يخرج على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وكان قد  تردد في البداية خوفا من أن يخذلوه كما خذلوا جده علياً رضي الله عنه وكما خذلوا الحسين أيضاً، ولكن أمام الإلحاح والضغوط خرج، واختُلف في سبب خروجه، والصحيح أن خروجه كان لإنكار الظلم والمنكر وخروجا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم تكن المسألة عنده أن يكون داعية لنفسه وغير ذلك مما يزعمون، ولكن كيف كان حال أهل الكوفة معه؟ الواقع انهم خرجوا معه في البداية وانتصر على الجيش الأموي، وبعد ذلك وهو يخطب في أتباعه سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما فرفضوه،  لذلك انسحب عنه بعضهم، وقد قتل رحمه الله عام 130 ه عند ذلك بدأت تتبلور فكرة الزيدية وأفكارها وما يتعلق بها من آراء.
والزيدية لا تقارن عقائدهم بعقائد الإمامية الاثني عشرية، فكل طائفة منهم تكفر الأخرى، فالزيدية مثلا مما اشتهر عن فرقهم عموما قولهم: إن الإمام لم يعين بالاسم، بل عين بالوصف، وان هذه الأوصاف تنطبق على علي رضي الله عنه، لذلك فهو أولى وأحق بالخلافة، لكن جوزوا إمامة أبي بكر وعمر مستندين إلى نظرية جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ويقصدون بهذا المعنى أن إمامة أبي بكر وعمر صحيحة، رغم وجود علي معهما وهو أفضل منهما، وزاد بعضهم بعض الشروط مثل أن يخرج الإمام داعيا إلى نفسه كما فعل زيد وكثير من أهل البيت، وان يكون ورعاً تقي وأن يكون من ولد فاطمة، سواء من أولاد الحسن أو الحسين، ولم يقولوا بالآراء الغالية عند الإمامية من فكرة عصمة الإمام وفكرة رجعته وغيرها، ولذلك فهم لا يعتبرون إمامية.
أما مسائل العقيدة الأخرى فإننا نجدهم قد تأثروا بالمعتزلة كثيراً حتى قال صاحب العلم الشامخ الذي هو المقبلي: إن الإمامية هم معتزلة إلا في بعض مسائل الإمامة، وفعلا كانت الصلة مبكرة بين الزيدية والمعتزلة وبعضهم قد يوصلها إلى تتلمذ زيد على واصل بن عطاء - كما زعموا - وهذا كلام مردود لأن الإمام زيد عالم ورع لم يعرف عنه أي قول شاذ في مسائل العقيدة تخالف كلام أهل السنة، ولكن بداية الصلة بالمعتزلة كما يبدو في رسائل القاسم الرسي، المتوفى تقريبا سنة 246 والذي له كتب عن العدل والتوحيد وغيرها من تأويل للصفات وإنكاره للرؤية والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين على طريقة المعتزلة، وكان أحد أحفاد القاسم الرسي ممن أسس دولة في اليمن تقريبا سنة 280 وقبله كانت لهم دولة في الديلم سنة 259 ه. فالقاسم الرسي هذا واضح التأثر بالاعتزال وكان مبكرا نسبيا، وأيضا نجد عند حفيده يحيى ابن الحسين أيضا المتوفى سنة 298 ه نفس الطريقة، وكثير من هذه الرسائل مطبوعة، وهذا موجود عند الزيدية المعاصرين فنجد نفس الطرح الاعتزالي ونفس القول بأصول المعتزلة الخمسة.
في المقابل نجد تراجعات في صفوف الزيدية عن المذهب الزيدي إلى المذهب السلفي، وهذا وجد كما هو معلوم عند الإمام الصنعاني وعند الإمام المقبلي وعند ابن الوزير اليماني صاحب كتاب إيثار الحق على الخلق وعند الإمام الشوكاني المعروف بالمصنفات المختلفة، وباعتبار أن هؤلاء رموز مؤثرة وكبيرة ومكانتهم العلمية معروفة، واتجهوا إلى مذهب السلف وألفوا ضد الاعتزال والتعصب والتقليد وغيرها مما كان له أثر بدون شك على كثير من اتباع الزيدية، بحيث دفعهم ذلك إلى أن يتخلوا أو يتراجعوا عن المذهب.
وفرق الزيدية كثيرة ولكن يجمعها اتجاهان: الاتجاه الأول الذي تمثله فرقة تسمى الجارودية، وهذه فرقة ظهرت مبكرة وتمثل الاتجاه الغالي عندهم، وأقوال الجارودية تعتبر غالية وقريبة من أقوال الإمامية، فمثلاً قالوا إن الإمام بالوصف غير أن الناس قصروا في معرفة هذا الوصف فكفروا بذلك، وقالوا كذلك بفكرة الرجعة نحوها من الأفكار الغالية.
والفرقة الأخرى هي فرقة السليمانية وهي الغالب على الزيدية، وفرق أخرى شبيهة - قالوا بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإن كانوا قد اختلفوا في إمامة عثمان رضي الله عنه وبعضهم كفره، ولكن الغالب عليهم هو ما أشرنا إليه من أفكار.
وكما ذكرنا كانت لهم دولة في أرض الديلم، وأخرى في اليمن وهي التي سقطت على يد الإسماعيلية سنة 325 ه بعد صراع بينهما، والفرقتان وإن كانتا تنتسبان إلى أهل البيت إلا أن بينهما خلافاً كبيراً في من هو الإمام ومفهوم الإمامة، وهذه الدولة الزيدية لما سقطت نشأت لهم دولة أخرى بعد ألف عام حوالي عام 1322 ه والتي سقطت هي الأخرى على يد الجمهورية اليمنية المعاصرة سنة 1962 م.
والزيدية اليوم في اليمن، وإن كانت اليمن مركزاً تاريخياً وفكرياً وثقافياً لهم غير أنها ضعفت كثيرا بعد أن صار الحكم الجمهوري لا يتبنى الاتجاه الزيدي ولا التراث الزيدي، بل هو ضد حكم الزيدية والإمامية وينظر إليه على أنه حكم ملكي إقطاعي رجعي، لذلك تعرضوا لاضطهاد في بداية العهد الجمهوري، ولم يحتفل بتراثهم مما أضعف وضعهم، يضاف إلى ذلك انتشار الصحوة السلفية في البلد مما زاد من ضعف الزيدية،  فأصبح الناس في اليمن أكثرية سنية وأقلية زيدية.
-----------------------------
(1) - في الحلقة الأولى التي نشرت في العدد الخامس والتسعون.
عدد مرات القراءة:
526
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :