مطاعنهم في الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة المكرمين وحضرة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
أعلم أولاً انه لم يسلم أحد من الكلام عليه وإلقاء التهمة بين يديه، ولله در من قال ممن وقف على حقيقة الحال:
قيل إن الرسول قد كهنا من لسان الورى فكيف انا ؟
قيل إن الإله ذو ولد ما نجا الله والرسول معاً
ومع هذا لا يخفى على دوى الألباب أن مطاعن هؤلاء لفرقة الضالة أشبه شئ ينبح الطلاب، بل لعمرى إنه لصرير، أو طنين ذباب. وإذا أتتك نقيصتى من ناقص فهي الشهادة لي أنى كامل فدونك فانظر فيها، وتأمل بظواهرها وخافيها. المطاعن الأولى في حق الصديق الأجل: فمنها أنه صعد يوماً على منبر رسول الله ، فقال له السبطان (( أنزل منبر جدنا )) فعلم ان ليس له لياقة الإمامة. والجواب – على فرض التسليم ( 1 ) – ان السبطين كانا إذ ذاك صغيرين، فإن الحسن ولد في الثالثة من الهجرة في رمضان والحسين في الرابعة منها في شعبان، والخلافة في أول الحادية عشرة، فأفعالهما إن أعتبرت بحيث تترتب عليها الأحكام لزم ترك التقية الواجبة، وإلا فلا نقص ولا عيب، فمن دأب الأطفال أنهم إذا رأوا أحداً في مقام محبوبهم ولو برضائه يزاحمونه ويقولون له قم عن هذا المقام، فلا يعتبر العقلاء هذا الكلام، وهم وإن ميزوا عن غيرهم لكن للصبي أحكاماً، ولهذا أشترط في الإقتداء البلوغ إلى حد كمال العقل. ألا ترى أن الأنبياء لم يبعثوا إلا على راس الأربعين إلا نادراً كعيسى، والنادر كالمعدوم. ومنها انه درأ الحد عن خالد بن الوليد أمير الأمراء عنده ولم يقتص منه ايضاً، ولهذا أنكر عليه عمر لأنه قتل مالك بن نويرة مع اسلامه ونكح امرأته في تلك الليلة ولم تمض عدة الوفاة. وجوابه أن في قتله شبهة، إذ قد شهد عنده ان مالكاً وأهله أظهروا السرور فضربوا -------------------------------- ( 1 ) وهذا الفرض لضيق المقام عن المناقشة في صحته، ولأنه لا يستحق المناقشة إذ المقرر عند جميع عقلاء المذاهب والأمم أن الأصل في مثل هذه الأخبار الكذب في جميع كتب الشيعة حتى المحترمة منها. فكل خبر مصدره شيعي يحتاج الشيعي أن يثبت صحته بصدق رواته قبل أن يحتاج غير الشيعي إلى أن يثبت عكس ذلك، لأن الأصل هو العكس دائماً بلا استثناء. بالدفوف وشتموا أهل الإسلام عند وفاة النبي ( 1 )، بل وقد قال في حضور خالد في حق النبي قال رجلكم أو صاحبكم كذا،، وهذا التعبير إذ ذاك من شعار الكفار والمرتدين. وثبت ايضاً أنه لما سمع بالوفاة رد صدقات قومه عليهم وقال: قد نجوت من مؤنة هذا الرجل، فلما حكى هذا للصديق لم يوجب على خالد القصاص ولا الحد إذ لا موجب لهما ( 2 ). فتدبر. وعدم الاستبراء بحيضة لا يضر ابا بكر، وخالد غير معصوم، على أنه لم يثبت أنه جامعها في تلك الليلة في كتاب معتبر ( 3 ). وقد أجيب عنه بان مالكاً كان قد طلقها وحبسها عن الزواج على عادة الجاهلية مدة مضى العدة، فالنكاح حلال. ثم أن الصديق قد حكم في درء القصاص حكم رسول الله إذ قد ثبت في التواريخ أن خالداً هذا أغار على قوم مسلمين ( 4 ) فجزى على لسانهم (( صبأنا صبأنا )) أى صرنا بلا دين، وكان مرادهم انا تبنا عن ديننا القديم ودخلنا الصراط المستقيم فقتلهم خالد، حتى غضب عبد الله بن عمر فاخبر النبي فاسف وقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد، ولم يقتص منه ( 5 )، فالفعل هو الفعل. على أن الصديق أداهم الدية. ويجاب أيضاً أنه لو توقف الصديق في القصاص طعناً لكان توقف الأمير في قتلة عثمان أطعن. وليس، فليس. وأيضاً أستيفاء القصاص إنما يكون واجباً لو طلبه الورثة. وليس، فليس. بل ثبت أن أخاه متمم بن نويره أعترف بارتداده في حضور عمر مع عشقه له ومحبته فيه محبة تضرب بها الأمثال، وفيه قال:
من الدهر حتى قيل لن يتصعدها لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
وكنا كندمانى جذيمة حقبة فلما تفرقنا كأنى ومالكاً
ثم إن عمر ندم كا كان من إنكاره زمن الصديق ( 6 ) والله ولي التوفيق. -------------------------
( 1 ) وزاد مالك بن نويرة على ذلك انه التحق بسجاح المتنبئة. ويقول البلاذرى في فتوح البلدان إن مالكاً وقومه قاتلوا سرايا خالد في البطاح فنصر الله سرايا خالد عليهم وأسروا مالكاً وأصحابه. ( 2 ) وفي شرح الحماسة للخطيب التبريزي أن أبا بكر هو الذى امر خالداً بقتل مالك ولم يفعل هذا إلا بما عنده من العلم عن ردة مالك وفساد سريرته وما ترتب على ذلك من فساد علانيته. ( 3 ) بل المقرر في الروايات المعتبرة عند أبن جرير وفي البداية والنهاية لابن كثير أن خالداً لم يدخل بهذه السبية إلا بعد انقضاء عدتها. وللأستاذ الشيخ أحم شاكر تحقيق نفيس في امر مالك بجزء شعبان سنة 1364 من مجلة الهدي النبوي لسنتها التاسعة فارجع إليه. ( 4 ) هم بنو جذيمة. ( 5 ) لأن خالداً كان معذوراص فيما فعل بعد أن سمعهم ردتهم بقولهم (( صبأنا صبأنا )) أما براءته مما فعل خالد فلا علان أنه لم يامره بذلك. ولولا أنه رأى خالداً معذوراً فيما فعل لعزله وأقتص منه. ( 6 ) لأن عمر تاثر أولا بمبالغات ابي قتادة ثم استوعب الحقيقة فندم على ما كان من تعجله. ومنها أنه تخلف عن جيش اسامة المجهز للروم مع انه أكد غاية التأكيد عليه حتى قال: جهزوا جيش اسامة، لعن الله من تخلف. وجوابه: إن كان الطعن من جهة عدم التجهيز فهذا أفتراء صريح لأنه جهز وهيأ. وإن كان من جهة التخلف فله عدة أجوبة: الأول أن الرئيس إذا ندب رجلاً مع جيش ثم أمره بخدمة من خدمات حضوره فقد أستثناه وعزله، والصديق لأمره بالصلاة كذلك، فالذهاب إما ترك الأمر الأهم ومحافظة المدينة المنورة من الأعراب. الثاني أن الصديق قد أنقلب له المنصب بعد وفاة النبي لأنه كان من آحاد المؤمنين فصار خليفة النبي فأنقلبت في حقه الأحكام، ألا ترى كيف أنقلبت أحكام الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا افاق، والمسافر إذا اقام، والمقيم إذا سافر إلى غير ذلك. والنبي لو عاش لما ذهب في جيش أسامة، فالخليفة لكونه قائماً مقامه يكون كذلك. الثالث أن الأمر عند الشيعة ليس مختصاً بالوجوب كما نص عليه المرتضى في ( الدرر والغرر ) فلا ضرر في المخالفة وجملة لعن الله من تخلف مكذوبة لم تثبت في كتب السنة. الرابع أن مخالفة آدم ويونس لحكم الله تعالى بلا واسطة عند الشيعة ( 1 ) فالإمام لو خالف أمراً واحداً لاضير فتدبر. ومنها أن النبي لم يأمر أبا بكر قط أمراً مما يتعلق بالدين فلم يكن حرياً بالإمامة. الجواب أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتورايخ فقد ثبت تأميره لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد وتأميره أيضاً في غزوة بني فزارة كما رواه الحاكم عن سلمة ابن الأكوع وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضاً ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام وتأميره أيضاً بالصلاة قبيل الوفاة إلى غير ذلك من مما يطول. ويجاب أيضاً – على تقدير التسليم – بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة بل لكونه وزيراً ومشيراً على ما هي العادة. روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال: سمعت رسول الله يقول: إني أريد أن أرسل الناس إلى الأقطار البعيدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين. فقال بعض الحضار: يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر، قال: إنه لا غنى لي عنهما، إنهما من الدين كالسمع والبصر، وأيضاً قال : أعطاني الله اربعة وزراء وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر. --------------------- ( 1 ) انظر العقيدة الخامسة والسادسة من الباب الرابع في النبوة ص 106 – 110. وأيضاً لو كان عدم الإرسال موجباً لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسين معاذ الله تعالى من ذلك. ومنها أن أبا بكر ولى عمر أمور المسلمين، مع أن النبي ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله، فالتولية مخالفة. ويجاب بأن محض الجهالة أن يقال لا نقطاع العمل عزل. وعلى تقدير العزل فأين النهي عن توليته كي تلزم المخالفة بالتولية ؟ فأفهم. ومنها أن النبي جعله عمر وتابعين لعمر بن العاص وأسامة ايضاً، ولو كانا لائقين لأمرهما. ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة، إذ المصلحة ربما أقتصت ذلك، فإن عمراً كان ذا خديعة في الحرب ودهاء وحيلة عارفاً بمكايد الأعداء، ولم يكن غيره فيها كذلك، كما يولى لقمع السارقين وعسس الليل ونحوهما من لا يولى لذلك من الأكابر وأسامة استشهد أبوه على أيدى كفار الشام والروم فكان ذلك تسلية له وتشفية. وأيضاً مقصود النبي من ذلك إطلاع أبي بكر وعمر على حال التابع والمتبوع كما هو شأن تربية الحكيم خادمه، فلا تغفل. ومنها ان ابو بكر أستخلف والنبي لم يستخلف، فقد خالف. ويجاب بأن النبي أشار بالإستخلاف، والإشارة إذ ذاك كالعبارة. وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب، وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله فلا معرفة لهم بالرموز والإشارات، فلابد من التنصيص والعبارات، حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات. وفي كل زمان رجال، ولكل مقام مقال. وأيضاً عدم أستخلاف النبي إنما كان لعلمه بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة، ونعم ما عمل، فقد فتح الفاروق البلاد، ورفع قدر ذوى الرشاد، وإباد الكفار وأعان الأبرار. ومنها أن أبا بكر كان يقول إن لي شيطاناً يعتريني، فإن أستقمت فأعينوني، وغن زغت فقوموني. ومن هذا حاله لا يليق للإمامة. ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا، فلا إلزام. بل الثابت أنه اوصى عمر قبل الوفاة فقال: (( والله ما نمت فحلمت، وما شبهت فتوهمت، وإنى لعلى السبيل ما زغت، ولم آل جهداً. وإني أوصيك بتقوى الله تعالى )) ألخ. نعم قال في أول خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد: يا أصحاب الرسول أنا خليفة الرسول فلا تطلبوا مني الأمرين الخاصين بالنبي : الوحي، والعصمة من الشيطان. وفي آخرها: إني لست معصوماً فإطاعتي فرض عليكم فيما وافق الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين، ولو أمرتكم بخلافها فلا تقبلوه مني ونبهوني عليه. وهذا عين الإنصاف. ولما كان الناس معتادين عند المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي كان لازماً على الخليفة التنبيه على الإختصاص بالجناب الكريم. وأيضاً روى في ( الكافى ) للكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق أن لكل مؤمن شيطاناً يقصد إغواءه، وفي الحديث المشهور ما يؤيد هذا ايضاً فقد قال (( ما منكم من احد إلا وقد وكل به قرينه من الجن )) فقالت الصحابة: حتى أنت يا رسول الله ؟ قال (( نعم، ولكن الله غلبني عليه لأسلم وآمن من شره )) فأي طعن فيما ذكروه ؟ والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة فينتبه، قال تعالى إن الذين أتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . نعم إن النقصان في أتباع الشيطان، وهو بمعزل عنه. ومنها أنه روى عن عمر بن الخطاب أنه قال ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقي الله المؤمنين شرها، فمن عاد بمثلها فاقتلوه قالوا: ويؤيد هذه الرواية رواية البخاري في صحيحه فقد دلت صراحة على بيعة أبي بكر قد وقعت بغتة بلا تأمل ولا مشورة، وإنها غير تمسك بدليل، فلم يكن إماماً بحق. والجواب أن هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول: إن مات عمر أبايع فلاناً وحدي أو مع آخر كما كان في مبايعة أبي بكر ثم أستقر الأمر عليها، فمعنى كلام الفاروق في ردة لهذا القول أن بيعة رجل أو رجلين شخصياً من غير تأمل سابق ومراجعة أهل الحل والعقد ليست بصحيحة، وبيعة ابي بكر وإن كانت فجأة بسبب مناقشة الأنصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت أهلها للدلائل على ذلك والقرائن على ما هنالك كإمامة الصلاة ونحوها وهذا معنى (( وقي الله المؤمنين شرها )) فلا يقاس غيره به. وفي آخر هذه الرواية التى رواها الشيعة (( وأيكم مثل أبي بكر )) أي في الأفضلية والخبرية وعدم الاحتياج إلى المشورة. على أنه قد يثبت عند أهل السنة وصح أن سعد بن عبادة وأمير المؤمنين علياً والزبير قد بايعوه بعد تلك المناقشة واعتذروا له عن التخلف أول الأمر. ومنها أن أبا بكر كان يقول للصحابة: إني لست بخير منكم، وعلى فيكم. فإن كان صادقاً في هذا القول لم يكن لائقاً للإمامة البتة، إذ المفضول لا يليق مع وجود الفاضل. وإن كان كاذباً فكذلك غذ الكاذب فاسق والفاسق لا يصلح للإمامة. والجواب على فرض التسليم بما يجاب من قبلهم عما يثبت في الصحيفة الكاملة وهي من الكتب الصحيحة عندهم من قول الإمام السجاد (( انا الذى أفنت الذنوب عمره الخ )) فإن كان صادقاً بهذا الكلام لم يكن لائقاً للإمامة أن الفاسق المرتكب للذنوب لا يصلح للإمامة، وكذا إن كان كاذباً، لما مر. فما هو جوابهم فهو جوابنا. وزاد بعض الشيعة على قول (( إني لست بخير منكم )) لفظ (( اقيلوني أقيلوني )) فأعترض على هذا البهتان بأن أبا بكر قد أستعفى عن الإمامة فلا يكون قابلاً لها. والجواب – على فرض تسليمه – بما يجاب عما صح في كتب الشيعة من أن الأمير لم يكن يقبل الخلافة بعد شهادة عثمان إلا بعد أن كثر إلحاح المهاجرين والأنصار، على أنه لو صح ذلك عن أبي بكر لكان دليلاً على عدم طمعه وحبه للرياسة والإمام بل إن الناس قد أجبروه على قبولها. ومنها أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله عنها من تركة ابيها حتى قالت: يا ابن قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي ؟ وأحتج أبو بكر على عدم توريثها بما رواه هو فقط من قوله (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) من ان هذا الخبر مخالف لصريح قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإنه عام للنبي وغيره، ومخالف أيضاً لقوله تعالى وورث سليمان داود وقوله تعالى فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب وجوابه أن أبا بكر لم يمنع فاطمة من الآرث لعداوة وبغض، بدليل عدم توريثه الأزواج المطهرات حتى أبنته الصديقة، بل السبب في ذلك سماعه للحديث بأذنه منه ، وقد روى علماء السنة هذا الحديث عن حذيفة ابن اليمان والزبير بن العوام وأبي الدرداء، وابي هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص، فقولهم إن هذا الحديث رواه ابو بكر فقط غير مسلم عند أهل السنة. وروى الكليني في ( الكافي ) عن ابي البخترى عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال (( عن العلماء ورثة الأنبياء لم يرثوا ولم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ بحظ وافر )) وكلمة (( إنما )) تفيد الحصر، لما هو مسلم عندهم، فثبت المدعى برواية المعصوم عندهم.أما كون هذا الحديث مخالفاً للآيات فجهل عظيم، لن الخطاب في يوصيكم لما عدا النبي ، فهذا الخبر مبين لتعيين الخطاب لا مخصص، بل لو كان مخصصاً للآية فأي ضرر فيه، فقد خصص من الآية الولد الكافر والرقيق والقاتل. ومما يدل على صحة هذا الخبر لدى أهل البيت أن تركة النبي لما وقعت في أيديهم أخرجوا العباس وأولاده ولم يورثوهم مما ترك ، وكذا لم يورثوا أمهات المؤمنين. وأما قوله تعالى ورث سليمان داود فالمراد النبوة. فقد روى الكليني عن ابي عبدالله أن سليمان ورث داود وان محمداً ورث سليمان، فقد علم أن هذه وراثة العلم والنبوة، وإلا فوراثة نبياً مال سليمان لا يتصور لا شرعاً ولا عقلاً، ولو كان المراد وراثة سليمان مال داود فما وجه تخصيصه بالذكر مع أنه كان لداود ابناً بإجماع المؤرخين، وعلى ما ذكرنا يحمل قوله تعالى ر يرثني ويرث من آل يعقوب إذ لا يتصور أن يكون يحيى وراثاً لجميع بني إسرائيل بل هو وارث زكريا فقط فما فائدة ذكر ويرث الخ. هذا وما إبقاء الحجرات في ايدى الأزواج المطهرات فلأجل كونها مملوكة لهن لا لكونها ميراثاً، فإن النبي بني كل حجرة لزوجة من أزواجه ووهبها لهن فتحققت الهبة بالقبض وهي موجبة للملك كحجرة فاطمة وأسامة، ولذا أضاف الله تعالى البيوت لهن في حياة النبي في قوله عز اسمه وقرن في بيوتكن . ومنها قولهم أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله تعالى عنها فد كاً وقد كان النبي وهبها لها ولم يسمع دعواها الهبة ولم يقبل شهادة علي وأم أيمن لها فغضبت فاطمة وهجرته، وقد قال النبي في حقها: من أغضبها أغضبني. الجواب أن ليس له اصل عند أهل السنة، بل ذكر في البخارى برواية عروة عن أبن الزبير عن عائشة رضي الله عنها: طلبت فاطمة رضي الله عنها فدكاً من أبي بكر لا بطريق دعوى الهبة بل بطريق الميراث، وعلى تقدير تسليم روايتهم فإن الهبة لا تتحقق إلا بالقبض، ولا يصح الرجوع عنها بعد تصرف الملتهب في الموهوب، ولم تكن فدك في عهده في تصرف فاطمة رضي الله عنها، بل كانت في يده يتصرف فيها تصرف المالك فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة ولكن بين لها أن الهبة لا يكون سبباً للملك ما لم يتحقق القبض فلا حاجة حينئذ إلى شهود، وما زعموا أنه صدر من علي كرم الله تعالى وجهه وأم أيمن محض إخبار، وأبو بكر لم يقض، لا أنه لم يقبل شهادتهما. لى انه لو لم يقبلها وردها لكان له وجه، فإن نصاب الشهادة في غير الحدود والقصاص رجلان أو رجل وأمرأتان. وأما إغضابه إياها فلم يتحقق منه، إذ الإغضاب إنما هو جعل أحد غضباناً بالفعل أو القول قصداً، وكيف يقصد الصديق إغضاب تلك البضعة الطاهرة وقد كان يقول لها مرارا (( والله با أبنة رسول الله إن قرابة رسول الله أحب إلي أن اصل من قرابتي )) وليس الوعيد على غضبها، كيف لا وقد غضبت على الأمير زوجها مراراً كغضبها يوم سمعت بخطبة الأمير بنت أبي جهل لنفسه حتى أتت اباها باكية فخطب إذ ذاك رسول الله وقال (( الا إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويربيني ما رأبها، فمن أغضبها أغضبني )) وكغضبها يوم ذهب الأمير إلى المسجد ونام على التراب ولذلك لقب بابي تراب، فقد أتاها النبي وقال لها: أين ابن عمك ؟ قالت: غاضبني فخرج ولم يقل عندي. ومع ذلك فقد ثبت عند الفريقين أن غضب فاطمة قد شق على الصديق حتى رضيت عنه، فقد روى صاحب ( محجاج السالكين ) وغيره من الإمامية أن أبا بكر لما رأى أن فاطمة أنقبضت عنه وهجرته ولم يتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد أسترضاءها فأتاها فقال لها صدقت با أبنة رسول الله فيما أدعيت، ولكني رأيت رسول الله يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد ان يؤتي منها قوتكم والصانعين بها. فقالت: أفعل فيها كما كان أبي رسول الله يفعل فيها. فقال: ولك الله على أن افعل ما كان يفعل ابوك. فقالت: والله لتفعلن ؟ فقال: والله لفعلن ذلك. فقال: اللهم اشده. فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه. وكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي على من ذكر. أنتهى والله الهادى للصواب. ومنها أن أبا بكر ما كان يعلم بعض المسائل الشرعية، فقد أمر بقطع يد السارق اليسرى، واحرق لوطياً، لم يعلم مسألة الجدة والكلالة، فلا يكون لائقاً للإمامة غذ العلم بالأحكام الشرعية من شروط الإمامة بإجماع الفريقين. الجواب عن الأمر الأول أن قطع يد السارق اليسرى في السرقة الثالثة موافق للحكم الشرعي. فقد روى الإمام محيى السنة البغوى في ( شرح السنة ) عن ابي هريرة قال: قال رسول الله في حق السارق (( إن سرق فأقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فأقطعوا رجله )). قال البغوي: أتفق أهل العلم على أن السارق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانياً تقطع رجله اليسرى، ثم إذا سرق ثالثاً تقطع يده اليسرى بناء على قول الأكثر، ثم إذا سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس. والذى قطع أبو بكر يده اليسر كان في المرة الثالثة فحكمه موافق لحكمة . والجواب عن الثاني أن الصديق لم يحرق أحداً في حال الحياة، لأن الرواية الصحيحة إنما جاءت عن سويد عن أبي ذر أنه امر بلوطي فضربت عنقه ثم أمر به فأحرق ( 1 )، وإحراق الميت لعبرة الناس جائز كالصلب، ولذلك فإن الميت لا تعذيب له بمثل هذه الأمور لعدم الحياة. وعلى فرض تسليم روايتهم فالذى يجيبون به عن إحراق علي بعض الزنادقة فهو جوابنا، وقد ثبت ذلك في كتبهم، فقد روى المرتضى الملقب عندهم بعلم الهدي في كتاب ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) أن علياً أحرق رجلاً أتى غلاماً في دبره. والجواب عن الثالث أن هذا الطعن لا يوجب إلزام أهل السنة، إذ العلم بجميع الأحكام بالفعل ليس شرطاً في الإمامة عندهم، بل الإجتهاد. ولما لم تكن النصوص مدونه في زمنه ولا روايات الأحاديث مشهورة في ايام خلافته استفسر من الصحابة. قال في ( شرح التجريد ) أما مسألة الجدة والكلالة فليست بدعاً من المجتهدين، إذ يبحثون عن مدارك الأحكام ويسألون من أحاط بها علماً، ولهذا رجع علي في بيع أمهات الأولاد إلى قول عمر، وذلك لا يدل على عدم علمه، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام. ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك ؟ وإلا فليس التعدد شرطاً في ---------------------- ( 1 ) أى وهو ميت بعد ان ضربت عنقه. الرواية، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له. وقد روى عبدالله بن بشر أن علياً سئل عن مسألة فقال (( لا علم لي بها )). جازى الله تعالى هذه الفرقة الضالة بعدله حيث يجعلون المنقبة منقصة. فرصاص من احببته ذهب كما ذهب الذى لم ترض عنه رصاص المطاعن الثانية في حق الفروق رضي الله عنه . فمنها وهو عمدة مطاعنهم ما روى البخاري ( 1 ) ومسلم ( 2 ) عن ابن عباس أنه قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة الحاضرين في حجرته المباركة: (( أئتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبدا )) فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ماله ؟ أهجر ؟ أستفهموه. فقال: (( ذرونى، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه )) فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها ( 3 ). وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر بوجوه: الأول أنه رد قول النبي وأقواله كلها وحي لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ورد الوحي كفر لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله بل قصد راحته ورفع الحرج عنه في حال شدة المرض، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض، مع عدم كون ذلك الآمر ضرورياً، لم يخاطب بذلك الرسول بل خاطب الحاضرين تأدباً وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً وقد نزلت الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر، وقد أنسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين، فيتمنع إحداث شئ، وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما في تلك الحالة. ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على الأمير أيضاً، فقد روى البخاري الذى هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وايقظها من مضجعها وأمرهما بصلاة التهجد مؤكداً، فقال الأمير: والله ما نصلى إلا ما كتب الله علينا أي --------------------------- ( 1 ) في كتاب العلم الباب 39، وفي كتاب الجزية والموادعة الباب 6، وفي كتاب المغازى الباب 83، وفي كتاب المرضى والطب الباب 17، وفي كتاب الاعتصام الكتاب والسنة الباب 26. ( 2 ) في كتاب الوصية، الحديث 22. ( 3 ) قال سفيان بن عينيه: هذا ( أى قوله فنسيتها ) من قول سليمان ( أى الأحوال، هو راوى الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ). الصلاة المفروضة، وإنما أنفسنا بيد الله، يعني لو وقفنا الله لصلاة التهجد لصلينا. فرجع النبي وهو يضرب على فخذيه ويقول وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً فقد رد الأمير قول الرسول، ولكن لما كانت القرائن الحالية دالة على صدق الأمير وأستقامته لم يلمه النبي . وروى البخاري أيضاً أن النبي لما تصالح مع قريش في الحديبية كتب الأمير كتاب الصلح وزاد لفظ (( رسول الله )) فأمتنع الكفار عن قبوله وقالوا: لو سلمنا بهذا اللقب لما حار بناه وصددناه عن طوائف البيت، فأمر النبي علياً أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك، فلم يمحه الأمير لكمال الإيمان وخالف الرسول في ذلك حتى محاه النبي بيده الشريفة. وقد ثبتت مخالفة الأمير أيضاً في كتبهم، فقد روى محمد بن بابويه في ( الأمالى ) والديلمي في ( إرشاد القلوب ) أن رسول الله أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال: أعطيها علياً ومريه أن يشترى لأهل بيته طعاماً فقد غلب عليهم الجوع، فأعطتها علياً وقالت: إن رسول الله أمرك أن تبتاع لنا طعاماً. فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاماً لأهل بيته فسمع رجلاً يقول: من يقرض الملى الوفي ؟ فأعطاه الدراهم. فقد خالف قول الرسول، وتصرف في مال الغير، ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات، بل لا يعدون ذلك مخالفة. فكيف يطعنون على عمر بما هو اخف منها ( 1 ). وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله لو كانت كلها وحياً فلم قال الله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم وقال تعالى ولاتكن للخائنين خصيماً وقال تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وأيضاً يلزمهم أن الأمير ايضاً قد رد لوحي حين أمره النبي ، ومحو اللفظ، وأبتياع الطعام مع انهم لا يقولون بذلك. الثاني من وجوه الطعن أنه قال (( أهجر )) مع أن الأنبياء معصومون من هذه الأمور فاقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال والأوقات كلها معتبرة وحيقية بالاتباع، والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر ؟ مع أنه قد وقع في أكثر الروايات (( قالوا )) بصيغة الجمع (( استفهموه )) على طريق الإنكار، فإن النبي لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون انه ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه لقوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك ولذا قالوا فاسئلوه. وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو أختلاط الكلام بوجه غير مفهم، وهو على قسمين: قسم لا نزاع لحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم ------------------------- ( 1 ) وهو التخفيف عن النبي في شدة مرضه. تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته . والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشى العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئاً من العوارض البدنية ولكن قد أختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياساً على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول يعنى ان هذا الكلام خلاف عادته فلعنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال. الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي وقد قال تعالى يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي . والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت ؟ وعلى تقديره فرفع صوته إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي المنهي عنه في الآية، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال كجهر بعضكم لبعض، وقوله في إحدى الروايات (( قوما عني )) من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره، وما يصدر من المريض في حق أحد لا يكون محلاً للطعن عليه، مع أن الخطاب كان لجميع الحاضرين المجوزين والمانعين. الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة أنه أتلف حق الأمة، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون، ووبال جميع ذلك على عمر. والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر. وقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الاية تدل على عدم الحدوث، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه، وإلا فلا يتصور منه أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط، مع أن زمن نبوته أمتد ثلاثاً وعشرين سنة، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر، فإنه قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين. فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمراً دينياً فلم قال (( لن تضلوا بعدي )) ؟ قلنا: للضلال معان ( 1 )، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الدين. فقد تبين لك بطلان ما ----------------------- ( 1 ) منها قوله عز وجل للهادي الأعظم ووجدك ضالاً فهدى . طعنوا به، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه. والحمد لله رب العالمين ( 1 ). ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك ! والجواب أن هذه القصة محض هذيان، وزور من القول وبهتان. ولذا قد انكر صحتها أكثر الإمامية، أن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية، مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الأنتظام في أمور الدنيا والدين: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ومنها أن عمر أنكر موت الرسول وحلف أنه لم يمت، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون . والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشئ، وكثيراً ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية ألا ترى أن يوشع – مع كونه نبياً معصوماً – نسى أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل، بل إن موسى - مع كونه من أولى العزم – قد نسى معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات، وقال تعالى في حق آدم فنسى ولم نجد له عزماً يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو (( بسم الله وبالله، وصلى الله على محمد وآله وسلم )) فأى ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الامر العظيم، وأى طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه ؟ فتباً لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله. ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التى هي شرط في الإمامة والخلافة كأمره برجم الحامل من الزنا، فرده الأمير وقال له: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها، فندم حينئذ وقال: لولا علي لهلك عمر. وكما أراد رجم أمرأة مجنونة فرده الأمير بقوله (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون -------------------------- ( 1 ) وقد نبه السيد الحاج عمر نائب القضاء للدولة العثمانية في مدينة بغداد عند طبع هذا المختصر في الهند سنة 1315 على أن جميع روايات هذا الحديث مروية عن ابن عباس، وأنه كان عند وفاة النبي صغير السن، ولذلك نقلت عنه الواقعة بألفاظ مختلفة. وأن عمر كان يعلم أن العباس كان له هوى في أن يؤثر عن النبي قول في أستخلافه أو أستخلاف يصرح النبي باسم أبي بكر فيدخل من ذلك في أبي بكر دل عليه تقديمه للصلاة بالناس. فخشى عمر أن يصرح النبي باسم ابي بكر فيدخل من ذلك شئ من الحزن على نفس العباس، فأراد أن يبقى هذا الآمر لتقدير الله عز وجل، والذى يريده الله لهذه الأمة فلن يكون غيره. وهذا ما وقع بالفعل والحمد لله على ما كان، وقد كان به الخير كله لهذا الدين وأهله. ورضي الله عن الخلفاء الراشدين كلهم وعن صحابة رسول الله أجمعين. حتى يفيق ))، وكإتمامة عدد الضربات في حد أبنه أبي شحمة بعد ان مات في اثناء الحد، مع أن الميت غير معقول، وكعدم علمه بحد شرب الخمر حتى قرره بمشورة الصحابة ورأيهم. والجواب عن الأول أن عمر لم يكن على علم بحمل المرأة لأن هذا أمر لا يدرك بالبصر إلا بعد تمام مدة الحمل وما يقاربه، والأمير كان مطلعاً على ذلك وأخبر بحملها فنبه عمر إلى ذلك فشكره، والقضاء على ظاهر الحال لا يوجب النقص في الإمامة، بل ولا في النبوة. ألا ترى أن موسى أخذ برأس أخيه الكبير ولحيته مع انه نبي وأهانه حين لم يطلع على حقيقة الآمر، وقال النبي (( إنما أن بشر، وإنكم تختصمون إلى، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار ))، وقد روى عند الفريقين أن النبي أمر علياً بإقامة الحد على أمرآة حديثة بنفاس فلم يقم عليها الحد خشية أن تموت، فذكر ذلك للنبي فقال (( أحسنت، دعها حتى ينقطع دمها )) فقد تبين أن عدم الاطلاع على حقيقة الحال غير الجهل بالمسائل الشرعية. وعن الثاني أن عمر لم يكن واقفاً على جنونها أيضاً، فقد روى الإمام أحمد عن عطاء بن السايب عن أبي ظبيان الحصين بن جندب الجنبي أن امرأة أتوابها مأخوذة إلى عمر بجريمة الزنا فحكم برجمها بعدما ثبت، فقادوها للرجم، فإذا على لا قاهم في الطريق فسألهم: أين تذهبون بهذه المرأة ؟ فقالوا: إن الخليفة أمر برجمها لثبوت الزنا عنده، فأخذها الأمير من ايديهم وجاء بها إلى عمر وقال: هذه المرأة مجنونة من بني فلان أنا أعلمها كما هي، وقال (( رفع القلم عن المجنون حتى يفيق )) فمنع عمر من رجمها. فقد علم أن عمر كان يعلم أن المجنونة لا ترجم، ولكن لم يكن له علم بجنونها. وعن المحدود بقى حياً بعد الحد، نعم قد غشى عليه أثناء الحد، ولذا توهم الناس موته. وعن الرابع أن عدم العلم بشئ لم يحدث من قبل ولم يعين في الشرع حكمه ليس محلاً للطعن، لأن العلم تابع المعلوم، وحد شارب الخمر لم يكن في عهده معيناً ومقرراً، بل كانوا يضربون الشارب بالنعال والجرائد والأسواط، وقد خمن الصحابة ذلك من زمن أبي بكر بأربعين ضربة، وقد تعدد شرب الخمر في خلافة عمر فجمع الصحابة كلهم وشاورهم في ذلك فقال الأمير وعبد الرحمن بن عوف: ينبغي أن يكون كحد القذف ثمانين جلدة، لأن السكران يزول عقله بالسكر فربما يسب أحداً ويشتمه، فأرتضى جميع الصحابة ذلك الاستنباط وأجمعوا عليه، وقد ذكر هذه القصة ابن المطهر الحلي أيضاً في ( منهاج الكرامة ( 1 ) ) وبما ذكرنا من أن عمر زاد حد الخمر بقول الأمير أندفع الخامس، هذا مع أن معرفة جميع الأحكام الشرعية بالفعل ليست شرطاً للإمامة، بل ولا النبوة، فقد كانت توحي إلى -------------------------- ( 1 ) الذى رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتاب ( منهاج السنة ). النبي الأحكام الشرعية على حسب الوقائع. والإمام يعلم بعض الأحكام بالاجتهاد، وربما يخطئ فيه كما روى الترمذي عن عكرمة أن علياً أحرق قوماً أرتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال (( لو كنت أنا لقتلتهم )) فبلغ ذلك علياً فقال (( صدق ابن عباس )) والله تعالى الهادي. ومنها أن عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع ثبوته بالبينة وهي اربعة رجال، ولقن الرابع كلمة تدرأ الحد فقد قال له لما جاء للشهادة: أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلاً من المسلمين. والجواب أن درء الحد إنما يكون بعد ثبوته، ولم يثبت لعدم شهادة الرابع كما ينبغي، وتلقينه الشاهد كذب وبهتان من أهل العدوان، إذ قد يثبت في التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن الأثير وغيرهما أنه لما جاء الرابع وهو زياد ابن ابيه قالوا له: أتشهد كأصحابك ؟ قال: أعلم هذا القدر، إني رأيت مجلساً ونفساً حثيثاً وأنتهازاً ورأيته مستبطنها 0 أى مخفيها تحت بطنه – ورجلين كأنهما أذنا حمار، فقال عمر: هل رأيت كالمليل في المكحلة ؟ قال: لا. وقد وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة. فأين التلقين يا أرباب الزور المفترين ؟ ولفظ (( أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلاً من المسلمين )) إنما قاله المغيرة في ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود، ولا سيما إذا كان يترتب عليه حكم موجب لهلاكه. على ان عمر لو درأ الحد لكان فعله لفعل المعصوم ( 1 )، فقد روى ابن بابويه في ( الفقيه ) أن ردلاً جاء إلى أمير المؤمنين وأقر بالسرقة إقراراً موجباً للقطع، فلم يقطع يده، والله تعالى الهادي. ومنها أن عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت بقوله تعالى وأعلموا إنما غنمتم من شئ، فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقد خالف حكم الله تعالى. والجواب أن فعل عمر موافق لفعل النبي . وتحقيقه أن أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم ذوى القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ومساكينهم كما كان ذلك في زمن النبي وعليه الحنفية وجمع كثير من الإمامية، وذهب الشافعية إلى أن لهم خمس الخمس يستوى فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون بين بني هاشم والمطلب دون غيرهم، والأمير أيضاً عمل كعمل عمر فقد روى الطحاوى والدارقطني عن محمد بن إسحق أنه قال: سألت أبا جعفر محمد بن الحسين: إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما ولى أمر الناس كيف كان يصنع في سهم ذوى القربى ؟ فقال: سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر. إلى غير ذلك من رواياتهم، فإذا كان فعل عمر موافقاً لفعل النبي والأمير يكون محلاً للطعن ؟ ومن يضلل الله فلا هادي له، نسأله تعالى السلامة من الغباوة والوله. -------------------------- ( 1 ) أي في إدعاء الخصوم. ومنها أن عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح وإقامتها بالجماعة، فإنها بدعة كما أعترف هو بذلك، وكل بدعة ضلالة. وقد روى عن النبي (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه )) . والجواب أنه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة متواترة أنه صلة التراويح بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ولم يخرج في الليلة الرابعة وقال (( إني خشيت أن تفرض عليكم )) فلما زال هذا المحذور بعد وفاته أحيى عمر هذه السنة السنية، وقد ثبت في أصول الفريقين أن (( الحكم إذا كان معللاً بعلة نص الشارع يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة )) وأعترف عمر بكونها بدعة حيث قال (( نعمت البدعة هي )) فمراده أن المواظبة عليها بالجماعة شئ حديث لم يكن في عهد النبي ، وما ثبت في زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه لا يسمى بدعة، ولو سميت بدعة فهي حسنة، والحديث مخصوص بإحداث ما لم يكن له اصل في الشرع. ومعلوم أن الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم قتل عمر ( 1 )، وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، وتعظيم النيروز ( 2 )، وتحليل فروج الجوارى ( 3 )، وحرمان بعض الأولاد من بعض التركه ( 4 )، إلى غير ذلك من الأمور التى لم تكن في زمنه بناء على زعمهم أن الأئمة أحدثوها. أما أن لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر فلانه عندهم كالأئمة عند الشيعة لقوله (( ومن يعش منكم بعدي فسيرى أختلافاً كثيراً، فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ )) والله سبحانه الهادي. ومنها ان عمر منع من متعة النساء ومتعة الحج، مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه ، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله (( متعتان كانتا على عهد رسول الله وانا أنهي عنهما )). والجواب أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ( 5) --------------------------- ( 1 ) أنظر ص 208 – 209. ( 2 ) أنظر ص 209 – 210. ( 3 ) أنظر ص 224 ( في الرهن والوديعة ) وص 225 ( في العارية والإجازة والهبة ) وص 226 ( في الوقف ) إلخ. ( 4 ) أنظر بحث المتعة وما يترتب عليها في ص 227 – 320. ( 5 ) في باب المتعة من كتاب النكاح في صحيح مسلم ( ك 16 ح 18 ) عن إياس بن سلمه ابن الأكوع عن أبيه قال: رخص رسول الله عام أو طاس في المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها. وسبرة بن معبد الجهني ( 1 ) أنه قد حرم هو المتعة بعد ما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبداً إلى يوم القيامة. ومثل هذه الرواية في الصحاح الآخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها، فإن ادعت الشيعة ان ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس فمردود، لأن غزوة جيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: (( امرني رسول الله أن أنادي بتحريم المتعة )) فقد علم ان تحريم المتعة كان في عهد رسول الله مرة أو مرتين، فالذى بلغه النهي أمتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر أرتكابها أظهر حرمتها واشاعها وهدد من كان يرتكبها. وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها وقد سبق ذلك في المسائل الفقيه ( 2 ) فنذكر فما في العهد من قدم. والجواب عن متعة الحج – اعنى تادية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته – ان عمر لم يمنعها قط، ورواية التحريم عنه افتراء صريح. نعم إنه كان برى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعها في إحرام واحد وهو القران، أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه، وغيرهم لقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله – إلى قوله – فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية، فأوجب سبحانه الهدى على المتمتع لا على المفرد جبراً لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، لأنه حج في حجة الوداع منفرداً واعتمر في عمرة القضاء وعمرة جعرانة كذلك ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة. وأما ما رووا من قول عمر (( وأنا أنهي عنهما )) فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى ( 3 ) ----------------------------- ( 1 ) في ذلك الباب من صحيح مسلم ( ح 19 ) عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه ابن معبد أنه قال: أذن لنا رسول الله بالمتعة.. ثم إن رسول الله قال: (( من كان عنده شئ من هذه النساء التى يتمتع فليخل سبيلها )). وبعده ( ح 21 ) عن الربيع ابن سبره الجهني أن كان مع رسول الله فقال: (( يا أيها الناس، إني قد اذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً )). والآحاديث في تحريم المتعة متعددة، وهي من أصح الأحاديث عن رسول الله . ( 2 ) ص 227 – 230. ( 3 ) أى في النهي عن المتعة بالنساء. فمن أبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وقوله تعالى ( 1 ) وأتموا الحج والعمرة لله إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك مزيد ضلالهم، والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو. المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين . فمنها ان عثمان ولى وأمر من صدر منه الظلم والخيانة وارتكاب الأمور الشنيعة كالوليد ابن عقبة( 2 ) الذي شرب الخمر وأم الناس في الصلاة وهو سكران وصلى الصبح أربع ركعات ثم قال: هل ازيدكم ( 3 ) ؟ وولي معاوية الشام التى هي عبارة عن أربع ممالك فتقوى حتى انه نازع الأمير وبغي عليه في ايام خلافته ( 4 ). وولى عبد الله بن سعد مصر فظلم أهلها ظلماً شديداً حتى اضطرهم إلى الهجرة إلى المدينة وخرجوا عليه. وجعل مروان وزيره وكاتبه فمكر في حق محمد بن أبي بكر وكتب مكان اقبلوه أقتلوه ( 5 ). ولم يعزلهم بعد الاطلاع على أحوالهم حتى تضجرت الناس منه فآل أمره إلى أن قتل، ومن كان في هذا حاله فهو غير لائق بالإمامة. والجواب أن الإمام لابد له ان يفوض بعض الأمور إلى من يراه لائقاً لما هنالك بحسب الظاهر إذ ليس له علم الغيب، فإنه ليس بشرط في الإمامة عند أهل الحق. وقد كان عماله ظاهراً مطيعين له منقادين لأوامره. وقد ثبت في التاريخ أنهم خدموا الإسلام وشيدوا الدين، فقد فتحوا بلاداً كثيرة حتى وصلوا غرباً إلى الأندلس وشرقاً إلى بلخ وكابل وقاتلوا براً وبحراً، وأستأصلوا أرباب الفتن والفساد من عراق العجم وخراسان، وقد عزل بعض من تحقق لديه بعد ذلك سوء حاله كما عزل ---------------------------- ( 1 ) أى في متعة الحج. ( 2 ) الوليد بن عقبة أخو أمير المؤمنين عثمان لأمه، أمهما أروى بنت كريز، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، عمه النبي وتوأمة ابيه. أدرك خلافة الصديق الأكبر في اول شبابه وكان محل ثقته، وموضع السر في الرسائل الحربية التى دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12. ثم وجهه مدداً إلى قائده عياض بن غنم الفهرى ( الطبري 4: 22 ). وفي سنة 13 كان الوليد بلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة فكتب إليه وإلى عمرو يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد فسار عمرو بلواء الإسلام نحو فلسطين وسار الوليد إلى شرق الأردن ( الطبري 4: 29 – 30 ). ثم رأينا الوليد سنة 151 أميراً لعمر بن الخطاب على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة يحمى ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم. وكان الوليد أول ناشر لدعوة الإسلام بين نصارى تغلب وبقايا إياد بحماسة وغيرة لا مثيل لها. وبهذه الثقة الكبرى التى نالها الوليد من أبي بكر وعمر ولاه عثمان ولاية الكوفة، وكان من خير ولاتها عدلاً ورفقاً وإحساناً، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة. وأنظر في تاريخ الطبري ( 5: 60 ) شهادة الإمام الشعبي له في إمارته وفي جهاده وجزيل إحسانه إلى الناس. ( 3 ) لاتهام الوليد بالشرب حكاية سنشير إليها فيا بعد. ( 4 ) قال ابن تيميه في منهاج السنة ( 2: 219 ) لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء. ( 5 ) هذا الكتاب زوره الأشتر وحكيم بن جبله. أنظر ( العواصم ) ص 109 – 110. الوليد ( 1 ). ومعاوية لم يبلغ في زمنه حتى يستحق العزل، بل قد أجرى خدمات كثيرة، كما غزا الروم وفتح منها بلاداً متعددة ( 2 ). وأما الشكايات التى وقعت على عبدالله بن سعد فمن تزوير عبدالله ابن سبأ وتسويلاته ( 3 ). وبالجملة لم يكن لعثمان صقور مما هنالك، وحالة مع عماله كحال الأمير مع عمله، إلا أن عمال عثمان كانوا منقادين لأوامره ومطيعين له، بخلاف عمال الأمير ومن راجع ما سلف منا من خطب الأمير في حق أتباعه وجنده وأشياعه تبين له صدق هذا الكلام، وأن لا عتب على ذى النورين في ذلك ولا ملام. وقد كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه إلى المنذر الجارود العبدى (( أما بعد فصلاح أبيك غرني وظننت انك تتبع هداه وتسلك سبيله، فإذا أنت – فيما نما إلى عنك – لا تدع لهواك أنقياداً، ولا تبقى لآخرتك عتاداً. تغمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك )) إلى آخر ما قال. ومثل هذا كثير في ذلك الكتاب. فكما أن الأمير لا يلحقه طعن بسبب ما وقع من عماله، كذلك عثمان. وإلا فما الفرق ؟ والله سبحانه الموفق للهداية وبه نستعيذ من الضلالة والغواية. ومنها ان عثمان أدخل الحكم ( أبا مروان ) بن العاص المدينة وقد أخرجه رسول الله . والجواب أن الرسول إنما أخرجه لحبه المنافقين وتهيجه الفتن بين المسلمين ومعاونته الكفار ( 4 )، ولما زال الكفر والنفاق بعد وفاته وقوى الإسلام في خلافة الشيخين لم يبق محذور من إرجاعه إليها. وقد سبق مما هو مقرر عند الفريقين أن (( الحكم إذا علل بعلو ثم زالت ------------------------- ( 1 ) مما لا ريب فيه أن الوليد بن عقبة كان في ولايته على الكوفة الحاكم العادل الرحيم المحسن إلى الناس جميعاً. وكانت الكوفة منزل جهاد للفيالق التى يسيرها الوليد ابن عقبة إلى سواحل بحر الخزر وبلاد روسيا الآن. وأتفق ذات ليلة أن سطا بعض الأشرار على منزل رجل في الكوفة اسمه ابن الحيسمان فقتلوه. وكان في جوار المنزل صحابي مجاهد هو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله على جيش خزاعة يوم فتح مكة، جاء إل الكوفة هو أبنه ليلحقا بكتائب الجهاد، واتفق نزوله في جوار بيت ابن الجيسمان فلما سطا الأشرار على ابن الحيسمان ليلاً رآهم أبو شريح الخزاعي وابنه وشهدا عليهم أمام الوليد بن عقبة فحكم عليهم الوليد بن عقبة بإقامة الحد الشرعي. إن الشاهدين اللذين شهدا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر ها ابوان لأثنين من الأشرار الذين سطوا على ابن الحيسمان، وقد حنقا على الوليد لإقامة الجد الشرعي عليهما، وشهدا عليه عند عثمان زوراً وكذباً، فقال أمير المؤمنين عثمان لواليه الوليد عقبة (( تقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار )). وفي تعليقات كتاب ( العواصم من القواصم ) ص 94 – 99 بيان لحقيقة هذه الشهادة نقلاً عن المصادر الإسلامية المحترمة. فارجع إليها لتعلم أن الوليد بن عقبة رضوان الله عليه من خيرة رجال الدولة الإسلامية الأولى، أنه كان موضع ثقة أبي بكر وعمر فضلاً عن عثمان رضوان الله عليه، وان أياديه على الإسلام جعلته في طليعة المجاهدين العادلين الناصحين. ( 2 ) أنظر في هامش ص 123 – 124 الكلمة المأثورة في زمن الدولة العباسية عن الإمام سليمان بن مهران الأعمش في تفضيله معاوية على عمر بن عبدالعزيز حتى في عدله، وقول قتاده وهو من أعلام الإسلام (( لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي )). ( 3 ) في حوادث سنة 27 من تاريخ الطبري ( 5: 49 ) أن عثمان لما أمر عبدالله ابن سعد بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له (( إن فتح الله غداً عليك إفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا )) فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها سهلها وجبلها، وقسم عبدالله بن سعد على الجند ما أفاء الله عليهم وأخذ الخمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن كان مع وثيمة ما أخذه عبدالله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد، قالوا: إنا نسخطه، فامر عثمان عبدالله بن سعد بأن يرده، فرده ورجع عبدالله بن سعد إلى مصر وقد فتح وليس في يده شئ مما أفتروا عليه. ( 4 ) أى قبل الهجرة والفتح. زال )) ( 1 ) وعدم إرجاع الشيخين إياه لما حصل عندهما من ظن بقائه على ما كان عليه في زمن الرسول ، وقد أرتفع ذلك عن عثمان زمن خلافته لأن الحكم كان ابن أخيه، على ان عثمان قال اعترضوا عليه بذلك: إني كنت أخذت الإذن من رسول الله في مرض موته على دخول الحكم المدينة وعدم قبول ابي بكر ذلك منى لطلبه شاهداً آخر على إذنه له بالدخول المدينة. وكذلك عمر. ولما ادت النوبة إلى عملت بما علمت. وأيضاً قد ثبت أن الحكم قد تاب في آخر عمره من النفاق ومما كان يفعله من التزوير والاختلاق، والله تعالى الهادي إلى طريق السداد، ومنه التوفيق والرشاد. ومنها أن عثمان وهب لأهل بيته واقاربه كثيراً من المال، وصرف من بيت المال مصارف كثيرة في غير محلها مما يدل على إسرافه، كما اعطى الحكم مائة ألف درهم وأعطى كروان خمس إفريقية ( 2 ) وخالد بن اسيد بن العاص ثلاث مائة ألف درهم وذلك لما جاء من مكة، إلى غير ذلك من الإسراف الوافر والبذل المتكاثر، ومن كان بهذه الأحوال كيف يستحق الإمامة من بين الرجال. والجواب – على فرض التسليم – ان عثمان بذل ذلك من كيسه لا من بيت المال، فإنه كان من المتمولين قبل ان يكون خليفة، ومن راجع كتب السير أقر بهذا الأمر، فقد كان يعتق في كل جمعة رقبة، ويضيف المهاجرين والأنصار، ويطعمهم في كل يوم، قد روى عن الإمام الحسن البصري ( 3 ) أنه قال: إنى شهدت منادى عثمان ينادى (( يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم )) فيغدون فيأخذونها وافرة (( يا ايها الناس أغدوا على رزقكم )) فيغدون ------------------------ ( 1 ) قال شيخ الإسلام ابن تيميه في منهاج لسنة ( 3: 196 ): قصة نفي النبي للحكم ليست في الصحاح، ولا لها في إسناد يعرف به أمرها. ثم قال (( لم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة فإن كان طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة. وقد طعن كثير من اهل العلم في نفيه وقالوا: هو ذهب باختياره. وإذا كان النبي عزر رجلاً بالنفي لم يلزم أن يبقى منفياً طوال الزمان، فإن هذا لا يعرف في شئ من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفياً دائماً )) إلى أن قال: (( وقصة الحكم فإنما ذكرت مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه، فلم يكن هناك نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان، والمعلوم من فضائل عثمان، ومحبة النبي له وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة ( أى في حادث الحديبية ) ومبايعته له عنه ( أى بيعة الرضوان )، وتقديم الصحابة له في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله مات وهو عنه راض، وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسناده ولا يعرف كيف وقع، ويجعل لعثمان ذنب لا تعرف حقيقته … إلخ )) وأنظر أيضاً ( 3: 235 – 236 ) من منهاج السنة. وتحقيق الإمام ابن حزم في كتاب الفصل ( 4: 154 )، وما نقله مجتهد اليمن محمد بن إبراهيم الوزير في كتابه ( الروض الباسم، في الزب عن سنة ابي القاسم ) 1: 141 – 142 عن الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي المتشيع ان رسول الله أذن لعثمان في رد الحكم. وترى تفصيل ذلك في ( العواصم من القواصم ) ص 77 – 79 للقاضي أبي بكر بن العربي والتعليقات عليه. ( 2 ) هو خمس الخمس لا الخمس، وقد أعطاه لعبد الله بن سعد فاتح إفريقية لا لمروان وقد علمت مما نفلناه آنفاً عن الطبري أنه استرجعه من عبد الله بن سعد. ( 3 ) أنظر التعليق على كتاب ( العواصم من القواصم ) ص 54. فيأخذونها وافية حتى واله لقد سمعته أذناى يقول (( أغدوا على كسوتكم )) فيأخذون الحلل. ومن راجع كتب التواريخ علم درجة ، ولم يقل عن احد أن الإنقاق في سبيل الله تعالى موجب للطعن ( 1 ) والله تعالى الهادي. ومنها ان عثمان قد عزل في خلافته جمعاً من الصحابة عن مناصبهم كما عزل ابا موسى الأشعري عن البصرة ( 2 ) ونصب مكانه عبدالله بن عامر، وعزل عمرو بن العاص عن مصر ونصب مكانه عبدالله بن سعد ( 3 ) مع أنه قد أرتد في عهد الرسول ولحق بمشركي مكة وأباح دمه يوم الفتح حتى تكفله عثمان فأسلم ( 4 ) وعزل عمار بن ياسر عن الكوفة وعبدالله بن مسعود عن قضائها. والجواب أن عزل العمال ونصبهم من وظيفة الخلفاء والأئمة، ولا يلزمهم إبقاء العمال السابقين على حالهم. نعم لا ينبغي العزل من غير سبب وعزل هؤلاء كان لسبب، وقد فصل ذلك في كتب التواريخ فراجعها. ومنها أن عثمان درأ القصاص عن عبيد الله بن عمر وقد قتل الهرمزان ملك الأهواز الذى اسلم في زمن عمر بعد ان اتهمه في مشاركة من قتل عمر ( 5 )، مع أن القاتل كان ابا لؤلؤة فقط ------------------------- ( 1 ) قال الطبري في تاريخه ( 5: 103 ): كان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبى العاص فاعطي آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف، فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وبني العيص وفي بني حرب. وقد أشار عثمان إلى ذلك في خطبته المشهورة على منبر رسول الله رداً على زعماء الفتنة والبغاة عليه فقال: (( وقالوا إنى أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي لهم فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس. وقد كنت اعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتت على اسنان أهل بيتي وفنى عمرى وودعت الذى لى في أهلي قال الملحدون ما قالوا ؟ )). نعم إن عثمان يود ذوى قرابته، ومودته لهم من فضائله، وهم لذلك أهل ورسول الله ما أستعان برجال من عشيرة ولا ولى عدداً من فريق بقدر ما أستعان برجال بني أمية وولى أموره لرجالهم. وحتى بلدة مكة ولاها لفتى من فتيانهم، وكان هو وكان بقية هؤلاء الرجال الأماجد عند حسن ظنه بهم، وكذلك كانوا مدة ابي بكر وعمر وعثمان وفي كل زمان ومكان إلا النادر منهم، وما هم بمعصومين. وهذا الخلق الكريم في مودة عثمان لذوى رحمه أثني عليه به علي فقال (( إن عثمان أوصل الصحابة للرحم )) وعلي أعرف الناس بابن عمه عثمان وكان عثمان وعلي في زمن النبي شديدي الصلة والمحبة فيما بينهما، وكان الناس يحملون ذلك على أنهما من بني عبد مناف. ( 2 ) وفي اول مجئ على العراق في خلافته كان أبو موسى الأشعري والياً على الكوفة وكان على منبر الكوفة يخطب الناس في فضائل البعد عن الفتنة وما أوصى به النبي عند وقوعها. فتركه الشتر يتكلم على المنبر بأحاديث رسول الله وذهب إلى دار الإمارة فأحتلها ومنع من دخولها، وبذلك صار أبو موسى معزولاً يومئذ. ( 3 ) الآن صار الشيعة ينتصرون لعمر بن العاص ويتوجهون له، فيا سبحان الله !. ( 4 ) والإسلام يجب ما قبله. وصار مجاهداً فاتحاً وله مثل ثواب كل من أسلم على يده من سكان شمال إغريقية. ( 5 ) قال القاضي أبو بكر بن العربي في ( العواصم من القواصم ) ص 107: كان ذلك والصحابة متوافرون والآمر في اوله وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه. وفي تاريخ الطبري ( 5: 42 ) شهادة عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق على الهرمزان مروية عن سعيد بن المسيب. وقال شيخ الإسلام ابن تيميه في منهاج السنة ( 3: 200 ): وقد قال عبدالله بن عباس لما طعن عمر – وقال له عمر: كنت أنت وابوك تحبان ان تكثر العلوج بالمدينة – فقال ابن عباس: إن شئت نقتلهم. قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا في المدينة. لما أتهموهم بالفساد، اعتقدوا جواز مثل هذا. وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين فيجب أنه يقتل عمر بن الخطاب، فإنهم يعيدون لمقتل عمر ويسمون قاتله وهو أبو لؤلؤة ( بابا شجاع الدين ) === وقد قتل ايضاً جفينة النصراني لأتهامه بذلك وقد أجتمع الصحابة عليه ليقتص من عبيد فلم يوافقوهم وأدى ديتهم عنه فخالف حكم الله فليس يليق للإمامة. والجواب أن القصاص لم يثبت في تلك الصور، لأن ورثة الهرمزان لم يكونوا في المدينة بل كانوا في فارس، ولما أرسل عليهم عثمان لم يحضروا المدينة خوفاً كما ذكر المرتضى في بعض كتبه ( 1 ). وشرط حضور جميع ورثة المقتول كما ذهبت إليه الحنفية، فلم يبق إلا الدية، وقد أعطاها من بيت المال لا من القاتل، ولأن بنت ابي لؤلؤة كانت مجوسية كان نصرانياً وقد قال (( لا يقتل مسلم بكافر )) وهذا ثابت عندهم، على أنه لو أقتص عثمان من عبيد الله لوقعت فتنة عظيمة لأن بني تيم وبني عدى كانوا مانعين من القتل، وكانوا يقولون لو أقتص عثمان من عبيد الله لحاربناه، ونادى عمرو بن العاص وهو رئيس بني سهم فقال: أيقتل أمير المؤمنين أمس ويقتل أبنه اليوم ؟ لا والله لا يكون هذا أبداً، وهذا كما ثبت عندهم من ان الأمير لم يقتص من قتله عثمان خوفاً من الفتنة. مختصر التحفة الإثني عشرية ومنها أن عثمان غير سنة رسول الله لأنه صلى اربع ركعات في منى مع انه كان يقصر الصلاة الرباعية في سفره دائماً و قد أنكر عليه الجماعة من الصحابة ذلك الفعل والجواب أن عثمان ما كان إذ ذك مسافراً لأنه تزوج في مكة وتبوأ منزلاً فيها وأقام في تلك البقعة المباركة ( 2 )، ولما طلع الأصحاب على حقيقة الحال زال عنهم الإنكار والإشكال. ومنها أن عثمان قد وهب لصحابه ورفقائه كثيراً من أراضى بين المال وأتلف حقوق المسلمين. والجواب أنه كان يأذن لهم بإحياء أراضى الموات، ومن يحيى الموات فهي له لقوله تعالى (( موتان الأرض لله ولرسوله فمن أحيا منها شيئاً فهو له )) ولم يهب لأحد ارضاً معمورة مزروعة كا يعلم ذلك من التاريخ ( 3 ). ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ( 4 ) ويتبرأون منه ( 5 ) حتى تركوه بعد قتله -------------------------- === كما تقدم في ص 208 – 209. اللهم أحشرهم معه، وأحشرنا مع عمر، فإن المرء يحشر مع من أحب. ( 1 ) في رواية للطبري في تاريخه ( 5: 43 – 44 ) عن سيف بن عمر عن أشياخه أن القماذ بن الهرمزان دعاه عثمان وامكنه من عبيد الله فقال القماذ باذ (( تركته لله ولكم )). وانظر تفاصيل ذلك في التعليقات على ( العواصم من القواصم ) ص 106 – 108. ( 2 ) انظر تفاصيل ذلك في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 78 – 80. ( 3 ) قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في متاب ( الخراج ) ص 61 صبع المطبعة السلفية: وقد اقطع رسول الله وتألف على الإسلام أقواماً وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا أن في إقطاعه صلاحاً ( وضرب أبو يوسف الأمثلة على ذلك ). وأنظر باب القطائع ص 77 – 78 من كتاب ( الخراج ) ليحيى بن آدم القرشي طبع السلفية أيضاً. وذكر الإمام الشعبي بعض الذين اقطعهم عثمان فقال: (( واقطع الزبير،و خباباً، وعبد الله اب نمسعود، وعمار بن ياسر، ابن هبار. فإن يكن عثمان أخطأ، فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا )) ( أنظر الطبري 4: 148 ). وأقطع على ابن ابي طالب كردوس بن هاني ( الكردوسية )، وأقطع سويداً بن غفلة أرضاً لدا ذويه. فكيف ينكرون على عثمان و يسكتون عن عمر وعلى ؟ وللقاضي أبي يوسف كلام سديد في هذا الموضوع في كتاب ( الخراج ) ص 60 – 62. ( 4 ) أي نقل سيدنا عثمان خليفة رسول الله وضهره المشهود له منه بالجنة. ( 5 ) نقل البلاذرى في كتابه ( أنساب الأشراف ) ج 5 ص 103 عن المدائني عن سلمه ابن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: (( دخل === ثلاثة أيام بلا دفن. والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلاً عن ذوى العرفان، ألا ترى أن طلحه والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان، وقد ثبت في التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهداً في دفع البلوى عنه حتى أستأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم ( 1 ) وكانوا مهما تمكنوا يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه. وجاء زيد بن ثابت الأنصار وقال شبابهم له: إن شئت كنا أنصار مرتين، وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال: إن الذين خرجوا عليك آمنوا سيوفنا، واستأذنه لقتالهم فلم يأذن له، وكان السبطان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة وابو هريرة وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم، وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال (( والله قد دفعت عنه )) إلى غير ذلك، وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه الملطخة بالدم ليلاً ولم يؤخروه، وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ الدمشقي مرفوعاً عن النبي أنه قال (( يوم موت عثمان تصلى عليه ملائكة السماء )) قال الراوى: قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو الناس عامة ؟ قال: عثمان خاصة. ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور، وذلك في غاية الظهور. فقد روى الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في ( المنتقى ) عن الحسن بن علي قال (( ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رايتها: رأيت رسول الله واضعاً يده على العرش، ورأيت ابا بكر واضعاً يده على منكب رسول الله ، ورأيت عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعاً يده على منكب عمر، ورأيت دماً دونه، فقلت: ما هذا ؟ فقالوا: دم عثمان يطلب الله به )). وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت علياً يوم الجمل يقول (( اللهم إنى أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلى يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: ألا أستحي من الله أن ------------------------ === علي بن أبي طالب على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال: مالكن تبكين ؟ قلن: نبكي علي عثمان. فبكى وقال: أبكين )) أبهذا يتبرأون منه ؟. ( 1 ) نقل البلاذرى في انساب الأشراف ( 5: 73 ) من حديث الإمام محمد بن سبرين أن زيد بن ثابت دخل على عثمان وقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون (( إن شئت كنا أنصار الله مرتين )) فقال عثمان (( لا حاجة لي بذلك كفوا )). قال القاضي أبو بكر بن العربي في ( العواصم من القواصم ) ص 136: (( إن أحداً من الصحابة لم يسع عليه ولا قعد عنه. ولو أستنصر ما غلب الف أو أربعة آلاف غرباء عشرين ألفاً بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة )). ( قلت: لأنه أختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين. وعثمان أفتدى دماء أمته بدمه مختاراً فما أحسن الكثيرون منا جزاءه. وإن أوروبا تعبد بشراً بزعم الفداء ولم يكن فيه مختاراً ). ثم القاضسي أبو بكر بن العربي ( ص 137 ): (( وقد أختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقى بيده، أو يستنصر ؟ واجاز بعضهم أن يستسلم ويلقى بيده أقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي بذلك في الفتنة )). والذى أعلمه أن سياسة الإسلام في ذلك أن يختار المسلم في كل حاله أقلها شراً وأخفها ضرراً، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته، فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد. وإن لم يكن للخير قوة غالبة – كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه – فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان. أعلى الله مقامه في دار الخلود. أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، إنى لأستحي من الله أن ابايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فأنصرفوا. فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت عزيمة فبايعت. قال: فقالوا (( يا أمير المؤمنين )) فكأنما صدع قلبي )) وروى ابن السمان أيضاً عن محمد بن الحنفية أن علياً قال يوم الجمل (( لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل )) وعنه أن علياً بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال (( وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل )) مرتين أو ثلاثاً. إلى غير ذلك من اقوال أهل البيت وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته. وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان. كيف وقد اجمع المؤرخون على أن شهادته بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة، ودفن في البقيع ليلة السبت وأرضاه، وجعل الغرف العالية مستقرة ومثواه، ونسأله تعالى ان يحشرنا في زمرتهم، ويميتنا على محبتهم. المطاعن الرابعة في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخر العوالم على الحقيقة. منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة ( 1 ) ومنها إلى البصرة ومعها ما يزيد عل ستة عشر ألف رجل من العسكر وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن. والجواب أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقاً لما أخرجهن رسول الله بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية اقاربهن. واللازم باطل فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب بان لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق والأسواق كنساء العوام، ولا منافاة بين السفر وبين التستر والحجاب، ألا ترى أن المخدرات من نساء الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع. ولا سيما إذا كان السفر متضمناً لمصلحة دينية ودنيوية كالجهاد والحج والعمرة. وسفر أم المؤمنين كان من هذا القبيل، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ القصاص من قتلة عثمان المقتول ظلماً وعدواناً، وذلك لا ------------------------- ( 1 ) لقد خرجت رضي الله عنها من المدينة إلى مكة حاجة بيت الله الحرام عند اشتداد فتنة البغاة على أمير المؤمنين وقبيل شهادته. يعد تبرجاً ويجاب أيضاً بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة أيضاً لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطيه وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالباً منهم الإعانة على ما غصب من حقها ( 1 ) زمن خلافة الصديق . ويجاب أيضاً بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي بالاتفاق، وجميع من كان مع الصديقة في سفرهافهم أبناؤه. ولذا طلبت القصاص من القتلة، فلا إشكال، ولا قيل ولا قال. وسيأتى قريباً بيان هذه القصة مفصلاً إن شاء الله تعالى. ومنها أن عسكر عائشة لما أتوا البصرة نهبوا بيت المال واخرجوا عامل الأمير عثمان ابن حنيف الأنصاري مهاناً، مع أنه من صحابة رسول الله . والجواب أن هذه الأمور لم تقع برضاء عائشة ولا علمت بذلك، حتى أنها لنا علمت ما جرى في حق عثمان بن حنيف أعتذرت له وأسترضته. ومثل هذا وقع لعسكر الأمير مع ابي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة ومنهم مالك الأشتر. ومنها أن عائشة أفشت سر النبي ، قال تعالى وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض، فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير . والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رات النبي مع مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها إني حرمت مارية على نفسي فأكتميه ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الآمر فظنت أن الذى أمرت بكتمانه هو ما راته من الشق، لا التحريم، وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها، وقد ثبت ذلك في تفاسير الشيعة كمجمع البيان للطبرسي. ومنها أن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله يكثر ذكرها. والجواب أن الغيرة محبوبة في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة في تتوجه الملامة، وفي الحديث الصحيح ان بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين ارسلت إلى رسول الله طعاماً لذيذاً وكان النبي إذ ذاك في بيت من تغار وأخذت الطبق من يد خادمها فضربت به على الأرض حتى أنكسر وأنصب الطعام فقام رسول الله إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتناه وجمعه ------------------------- ( 1 ) أي بزعم الشيعة في روايتهم هذه. من الأرض وقال (( قد غارت امكم )) ولم يعاتبها ولم يوبخها، فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا امهات المؤمنين هدفاً لسهام مطاعنهم ؟ والله الموفق. ومنها أن عائشة كانت تقول في آخر الحال: قاتلت علياً ووددت انى كنت نسياً منسياً. والجواب أن هذه الرواية ما صحت بهذا اللفظ، والذى صح أنها تذكر يوم الجمل وتبكي بكاءاً شديداً حتى يبتل معجرها المبارك بالدموع لا ستعجالها وترك التأمل ولم تحقق من قبل أم ماء الحوأب واقع في أثناء السبيل أم لا ( 1 ) وعلى تقدير صدور ذلك منها فلا ضير، إذ قد صح عند أهل السنة صدور مثل هذا اللفظ عن الأمير كرم الله تعالى وجهه لما طاف على القتلى من الطرفين فقال (( يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً )) وهو يضرب فخذيه. ومنها أنها زينت يوماً جارية كانت عندها وقالت: لعلنا نصطاد بها شاباً من شباب قريش بأن يكون مشغوفاً بها. والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم عن عائشة رضي الله عنها، وعمار بن عمران والامرأة مجهولان فلا تقبل هذه الرواية. والحاصل أن هذا الخبر لا صحة له عند اهل السنة بل لا ورود له. وعلى تقدير وروده عند الشيعة فبمقتضى قواعد الأصول عند الفريقين أنه غير مقبول لما ذكر. ولا يخفى على من يعرف مالهم في هذا الباب من المصنفات أن جميع مطاعنهم واعتراضاتهم من قبيل هذه الهذيانات. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية، والعصمة من الضلالة والغواية. ------------------------ ( 1 ) خبر الحوأب لم يذكر في كتاب من كتب السنة المعتبرة. ويرويه الطبري ( 5: 170 ) عن إسماعيل بن موسى الفرازي ( قال ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع ) ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق ( قال عنه النسائي: مجهول ) وهذا الهجري المجهول عن أبي الخطاب الهجري ( قال الحافظ في تقريب التهذيب: مجهول ) وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي ( قال الذهبي في ميزان الاعتزال: مجهول ). هذا هو خبر الحواب. ثم أنه بعد ذلك على أعرابي لا نعلم من هو زعموا أنهم لقوه في ريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة فأشتروه منه وسار معهم حى وصلوا إلى الحوأب، فزعموا أنه سمع الكلام الذى رواه عنه مجهول بعده مجهول بعده مجهول بعده ضعيف بعده شيعي من غلاة الشيعة لعله هو مخترع هذه الخرافة. مع أن جمل عائشة أسمه (( عسكر )) جاء به يعلى بن امية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق. وفي خبر آخر تجده في مادة ( الحوأب ) من معجم البلدان لياقوت ان المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التى قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب فسباها المسلمون ووهبت لعائشة فأعتقتها، وهي التى قيلت فيها هذه الكلمة إن صحت، ولا نخالها صحيحة. مطاعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله إلى العير التى جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو وأشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة. والجواب أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة ( 1 )، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الاداب الشريعة كما ينبغي، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة، وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء، ولم يخرجوا جميعهم بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ( 2 )، ولذا لم يشنع عليهم ( 3 ) ولم يوعهم سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول أيضاً. ومنها ان اهل السنة رووا في صحاحهم عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (( سيجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال، فاقول: أصحابي اصحابي، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت انت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد. فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )). والجواب أنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدى ابي حنيفة أصحاب ابي حنيفة ولمقلدي الشافعي اصحاب الشافعي وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في مذهب أصحابنا، مع ان بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفته لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تاديباً لهم وعقاباً على معاصيهم، ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو معلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق ، وقوله (( أصحابي أصحابي )) لظن انهم لم يرتدوا كما يؤذن به ما قيل في جوابه من انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك. فإن قلت: إن (( رجالاً )) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة. أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والأحاديث وأقوال الئمة مانع من إرادة --------------------------- ( 1 ) وعند ما كانت خطبة الجمعة بعد الصلاة لا قبلها كما في تفسير سورة الجمعة للحافظ ابن كثير عن ابي داود في مراسيله. ( 2 ) في حديث جابر بن عبدالله ان الذين ثبتوا مع النبي أثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر. ( 3 ) أى على اللذين خرجوا عند وصول القافلة التجارية إلى المدينة، وكان الذى جاء بالقافلة دحية بن خليفة. ما زعمته الشيعة. أما الآيات فكقوله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم وقوله تعالى الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها ابداً إن الله عنده أجر عظيم وقوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وقال تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة إلى غير ذلك من الآيات التى لا تحصى. وأما الأحاديث فقوله (( أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم أهتديتم )) قوله (( الله الله في أصحابي )) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار التى يضيق عنها المقام، وأما اقوال الأئمة فقد مر لك شئ منها، ولا مساغ للتخصيص الذى يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه. ومنها ان كثيراً من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين، الفرار من الزحف من أكبر الكبائر. والجواب أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه، بدليل قوله تعالى ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم ( 1 ) واما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فراراً في الحقيقة معاتباً عليه ما يصر عليه اولئك المخلصون بل أنقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم انزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين مفروا وذلك جزاء الكافرين . ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله قال: (( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أى قوم أنتم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله تعالى. فقال رسول الله : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض )) فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة. والجواب ان الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم، وهو لا يستدعى ان يكون منهم، ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون او انصار، والحديث صريح في ان أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين، والواقع ينفى كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا -------------------------- ( 1 ) سورة آل عمران الآية 155. المهاجرين على التحارب، فتعين أنهم من التابعين، وقد وقع ذلك منهم، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه، ولا كلام لنا فيهم ( 1 ). ومنها أن الصحابة قد آذوا علياً وحاربوه، وقد قال (( من آذى علياً فقد آذاني )). والجواب أن تلك المحاربات كانت لأمور اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك. ولا بد ههنا من التفصيل، ليتبين من هو على الحق ممن سلك التضليل فأقول: أعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما وقع في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه، فنشأ منه وقعتان عظيمتان: وقعة الجمل، ووقعة صفين. والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان. ، وأنكر الهشامية ( 2 ) تلك الوقعتين، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع، لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه. وتلخيص الأولى أنه لما قتل عثمان عنه صبراً توجع المسلمون، فسار طلحة والزبير وعائشة – وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها – نحو البصرة، فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام، ففاتوه، وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة واهل الكوفة، ولما قدموا البصرة أستعانوا باهلها وبيت مالها، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك ( 3 )، فثار قتلة عثمان وكان ما كان، وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة. ولما ظهر علي جاء إلى أم المؤمنين فقال (( غفر الله لك )) قالت (( ولك. وما أردت إلا الإصلاح )) ثم انزلها دار عبدالله بن خلف ( 4 ) وهي أعظم دار في البصرة على سنيه بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة ( 5 ) فامر القعقاع بن عمر ان يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وان ---------------------- ( 1 ) أنظر البيان الوافى عن الأشتر في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 109 ثم في ص 116 – 119 وص 122 وتقدم في هامش ص 259 أنه هو أحد اثنين زورا الكتاب على لسان عثمان إلى والى مصر. وفي تاريخ الطبري ( 5: 194 ) أعتراف الأشتر بانه أحد قتلة عثمان، وذلك عند ما سخط على علي كرم الله تعالى وجهه لأنه ولي عبدالله بن عباس البصرة فقال الأشتر (( ففيم قتلنا الشيخ إذن ؟ )) أما أضراب الأشتر ممن شاركه في قتل عثمان فتجد البيان عنهم في ( العواصم من القواصم ). ( 2 ) اصحاب هشام بن الحكم، ويسمون ( الحكمية ) أيضاً. ظهروا سنة 109. وتقدم وصفهم في ص 15. ( 3 ) وعلى راسهم القعقاع بن عمرو والتميمى . ( 4 ) هو الد طلحة بن عبدالله بن خلف الخزاعي الذى يسمى طلحة الطلحات. أحد أجواد العرب وتولى إمارة سجستان. وكان في حرب الجمل مع عائشة رضي الله تعالى عنها. ( 5 ) روى الطبري ( 5: 223 ) عن سيف بن عمر التميمى عن اشياخه أنهما من أزد الكوفة يقال لها عجل وسعد أبنا عبدالله. يجردهما من ثيابهما ففعل ( 1 ). ولما ارادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغى من مركب وزاد ومتاع واذن لمن نجا من الجيش ان يرجع إلا أن يحب المقام، وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها اخاها محمداً. ولما كان اليوم الذى ارتحلت فيه جاء علي كرم الله تعالى وجهه فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: (( يا بني لا يغتب بعضكم بعضاً، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار )) فقال علي كرم الله تعالى وجهه (( صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة )) وسار معها مودعاً أميالاً، وسرح نبيه معها بقية ذلك اليوم، وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها. ففي هذه المعاملة من الأمير كرم الله تعالى وجهه دليل على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها – وحاشاها رضي الله عنها – وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك. وقال غير واحد إنها أجتهدت ولكنها أخطات في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على أجتهاده ( 2 ) وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. نعم قالت الشيعة إنه يبطل إجتهادها أنه قال يوماً لأزواجه كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب، فإياك أن تكون يا حميراء ( 3 ) والحوأب كجعفر منزل بين البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في النهي ولم ترجع. والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن طلحه همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب، على أن (( إياك أن تكوني يا حميراء )) ليس موجوداً في الكتب المعول عليها عند أهل السنة ( 4 ) فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، على أنه لو كان فلا يرد محذوراً أيضاً لأنها أجتهدت فسارت ------------------------- ( 1 ) ولو مد الله في حياته لمر بجلد كل شيعي يسب عائشة وتجريده من ثيابه. ( 2 ) إنها أجتهدت واصابت، لأنها أرادت الإصلاح والتعاون مع أمير المؤمنين علي على إقامة حدود الله في القتلة المجرمين. والدماء التى سفكت في وقعة الجمل كانت جريمة اخرى من جرائم قتلة عثمان لا يلحق منها شئ بعلي ولا بعائشة ومن معها، ولو توفقوا إلى إقامة الحدود على قتلة عثمان، لتغيرت الحوادث بعد ذلك، ولما وجدت الخوارج ولا الروافض، ولما قتل علي كرم الله تعالى وجهه. ولكن لله في كل شئ حكمه قد يطلعنا عليها وقد تخفى عنا. ( 3 ) تقدم في هامش ص 270 – 271 أن خبر الحوأب يرويه شيعي من غلاة الشيعة عن راو ضعيف والراوى الضعيف يرويه عن راو مجهول الحال وهذا الراوى مجهول الحال يرويه عن أعرابي مجهول الأسم لمناسبة غير معقوله. وروينا هناك أن التى قيل لها في خبر الحوأب ليست عائشة بل أمرأة أرتدت عن الإسلام وسباها المسلمون ووهبت لعائشة وأعنقتها عائشة ومع ذلك فالخبر عن هذه المرتدة ايضاً ليس له قيمة تاريخية. ولم يثبت أن عائشة في مجيئها إلى البصرة مرت بماء الحوأب. وكل هذه الأمور من صنع الشيعة، وما أكثر ما صنعوا. ( 4 ) وهذا هو الواقع، وقد تبين لك ذلك مما أوردناه في التعليق السابق. حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، لو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه. وليس في الحديث بعد هذا النهي امر بشئ لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة. واما طلحة والزبير رضي الله عنهما فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم الله تعالى وجهه. وأما طلحة فقد روى الحكم عن ثور بن مجزأة أنه قال: مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي: من أنت ؟ قلت: من اصحاب أمير المؤمنين علي ، فقال: أبسط يدك أبايعك، فبسطت يدى فبايعني وقال: هذه بيعة علي، وفاضت نفسه. فأتيت علياً فأخبرته فقال: الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله ابي الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه. وأما الزبير فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي له: لتقاتلن علياً وأنت له ظالم، فقال: لقد اذكرتني شيئاً أنسانيه الدهر، لا جرم لا أقاتلك ابداً، فخرج من العسكرين نادماً وقتل بوادي السباع مظلوماً قتله همرو بن جرموز. وقد ثبت عند الفريقين أنه ( 1 ) جاء بسيفه واستاذن على الأمير كرم الله تعالى وجهه فلم ياذن له، فقال: أنا قاتل الزبير، فقال: أبقتل أبن صفية تفتخر ؟ سمعت رسول الله يقول (( بشر قاتل ابن صفية بالنار )). واما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما قيل، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناساً من الصحابة ذهبوا يتطرقون، فقتل واحد منهم رجلاً قد فر وهو يقول: إني مسلم، فغضب رسول الله غضباً شديداً ولم يقتل القاتل. وكذا قتل أسامة فيما أخرجه السدى رجلاً يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلامه رسول الله جداً ولم يقبل عذره وقال له: كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ ونزل قوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً الآية وأجاب آخرون بأن العلماء أختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم يطلبه الولي أم لا ؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع. وروى أيضاً أن الأمير قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه (( مرحباً بابن أخي، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين )) وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين. ----------------------------- ( أي عمرو بن جرموز. وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية كان قد أستنصر ابنا عثمان ووكلاه في طلب حقهما من قتله أبيهما، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيرة إلى الشام خرج عن دمشق ( 1 ) حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب من الفرات، فلما ورد الأمير دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا، وطلبوا منه قتلة عثمان – وكانوا قد أنحازوا إلى عسكره، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم – فمال إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره، فأبي معاوية إلا تسليم من يزعمونه قاتلاً. وكثر القيل والقال حتى أتهم بنو أمية الأمير كرم الله تعالى وجهه بأنه الذى دلس على قتلة عثمان ، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم:
إذا غار نجم لاح نجم يراقبه ولا تنهبوه لا تحل مناهبه سواء علينا قاتلوه وسالبه كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه وعند علي سيفه وحرائبه وهل ينسين الماء ما عاش شاربه كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه
ألا ما لليلى لا تغور كواكبه بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ( 2 ) بني هاشم لا تعجلونا فإنه وإنا وإياكم وما كان منكم بني هاشم كيف التعاقد بيننا لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتله ( 3 ) هم قتلوه كي يكونوا مكانه
وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن القتلة ويقول (( يا معاوية، لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتنى أبرأ الناس من قتلة عثمان )). وتصرفه بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال، وحكمه إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام. ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مراراً وبقى كرم الله تعالى وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة وقيل تسعة، وجرى ما تشيب منه الرءوس وتهون معه حرب البسوس، وليلة الهرير أمرها شهير، وآل الأمر إلى التحكيم، وحدث من ذلك ما أوجب ترك القتال مع معاوية والاستغال بأمر الخوارج، وذلك تقدير العزيز العليم. ------------------------------ ( 1 ) لما أنتهى على من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة فدخلها يوم الأثنين 12 من رجب، وأرسل جرير بن عبداله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته، فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام وأستشارهم فيما يطلب علي. فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا. فرجع جرير إلى علي بذلك. فأستخلف علي على الكوفة ابا مسعود عقبة بن عامر وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام م العراق. وبلغ معاوية أن علياً تجهز وخرج بنفسه لقتاله فخرج هو ايضاً قاصداً صفين. ( 2 ) لأن عثمان كانت جدته لأمه البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم وكنيتها أم حكيم. ( 3 ) هي أروى بنت كريز أم عثمان، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب. وأهل السنة إلا من شذ يقولون: إن علياً كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر، وغن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا بكافرين خلافاً للشيعة، ولا فاسقين خلافاً للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من المعتزلة. وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى وجهه فغني عن البيان، وأما كون المقاتل باغياً فلأن الخروج على الإمام الحق بغي، وقد صح عنه أنه قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية ( 1 ) وقد قتله عسكر معاوية. وقوله حين اخبر بذلك (( قتله من أخرجه )) ومما لا يلتفت إليه ( 2 ) وإلا لصح أن يقال إن رسول الله قاتل حمزة وأضرابه ممن قاتل معه ، وكذا قول من قال: المراد من الفئة الباغية الفئة الطالبة أى لدم عثمان، فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى المذموم، وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن علياً كرم الله تعالى وجهه خطب يوماً فقال: (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة ))، وقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (( مؤمنين )) وامر بالإصلاح بينهما. واجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام والنعي عليه، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين طائفتين من المؤمنين أقتتلوا فيما بينهم، وأن يقاتلوا إذا بلغت إحداهما حتى تفئ. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب اصلاً، لأن الأمر الثاني يستدعى أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم. ومما يدل على ؟أن المحارب غير كافر صلح الحسن مع معاوية، وهو مما لا محال لإنكاره ( 3 ). وقد روى المرتضى وصاحب ( الفصول المهمة ) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح بينه وبين معاوية خطب فقال: إن معاوية نازعني حقاً لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كتنم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ولم ارد بذلك إلا صلاحكم أنتهى. وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق الصالح وأن المصالحة لم تقع إلا أختياراً، ولو كان المصالح -------------------------- ( 1 ) قال النبي ذلك لما كانوا يبنون المسجد. فكان الناس ينقلون لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فقال النبي فيه هذه الكلمة. وقد قلنا في التعليق على العواصم ( ص 170 ) إن كل من قتل من المسلمين بأيدى المسلمين منذ قتل عثمان فإنما إثمه على قتله عثمان، لأنهم فتحوا باب الفتنة، وواصلوا تسعير نارها، وأوغروا صدور المسلمين بعضهم على بعض، فكما كانوا قتله عثمان فإنهم كانوا القاتلين لكل من قتل بعده. ومنهم عمار ومن هم افضل من عمار كطلحة والزبير، ومنهم من قتل علياً ايضاً فيما بعد. ( 2 ) هذا إن كان المراد بالذى اخرجه أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه. اما إذا وسعنا نظرنا، وأعتبرنا مسعرى الفتنة هم الذين أخرجوا علياً نفسه، وأوقعوا المسلمين بعضهم ببعض، فحينئذ يكون لهذه الكلمة وجه وجيه. ( 3 ) والحسن عليه السلام معتبر في دين الشيعة معصوماً، وكل ما يصدر عن المعصوم يجب عليهم أن يؤمنوا بأنه الحق، فبيعة الحسن لمعاوية من عمل المعصوم في مذهبهم ومعاوية هو الإمام الحق ببيعت المعصوم له. وأنظر التعليق على العواصم ص 197 – 198. كافراً لما جاز ذلك ولما صح أن يقال (( فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة )) أه. فقد قال سبحانه وتعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . ويدل على وقوع ذلك أختياراً أيضاً ما رواه صاحب ( الفصول ) عن ابي مخنف ( 1 ) من أن الحسين كان يبدى كراهة الصلح ويقول لو جز أنفى كان أحب إلى مما فعله أخى، فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح من اخيه رضي الله عنهما أختياراً فإن الضرورات تبيح المحظورات وهو ظاهر. وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية ندم على ما كان منه في المقاتلة والبغي على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج ابن الجوزى عن ابي صالح قال: قال معاوية لضرار: صف لي علياً. فقال: أو تعفيني. قال: بل تصفه. فقال: أوتعفيني. قال: لا أعفيك. قال: أما ولابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشن. كان والله كاحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه. إلى أن قال: لا تطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأنى اسمعه يقول: يا دنيا يا دنيا ألى تعرضت أم بي تشوقت ؟ هيهات هيهات، غرى غيرى قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطوك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. قال: فذرفت دموع معاوية، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، وقد أختنق القوم بالبكاء. ثم قال معاوية: رحم الله تعالى أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها. انتهى، وما يذكره المؤرخون من ان معاوية كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي ان يعول عليه او يلتفت إليه، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، واكثرهم خاطب ليل لا يدرى ما يجمع ( 2 ) فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمة القفر الذى تضل فيه القطا وتقصر دونه الخطا مما لا يليق بشان عاقل فضلاً عن فاضل، ------------------------ ( 1 ) هو مؤرخ الشيعة، وصفه ابن عديس بانه (( شيعي محترق )). ( 2 ) بل فيهم صاحب الهوى الذى يكذب توزلفاً لحاكم منحرف، أو متعصباً لمذهب يبيح الكذب نكاية بالخصم ومن يخالف المذهب. وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة فينبغي ايضاً التوقف عن قبوله والعمل بموجبه، لأن له معارضات مسلمة في الصحة والثبوت. على أن من سلم من داء التعصب بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الماثل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video