معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الخلاصة في أحكام التقية - علي الشحود ..
الكاتب : علي الشحود ..

الخلاصة في أحكام التقية

إعداد
الباحث في القرآن والسنة
 علي بن نايف الشحود

 

الطبعة الأولى
1433هـ 2012 م
حقوق الطبع لكل مسلم

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وعلى آله وصحبه أجمعين،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن المسلم قد تمرُّ به بعض الظروف الصعبة التي لا يستطيع أن يتحملها،في ظل أوضاع محاربة للدين الحق،فماذا عليه أن يفعل إذا أجبر على الكفر ؟ هل يجيب الكفار لما يريدون منه كفر .... أو يثبت حتى آخر مق بحياته ؟!
 وكلا الأمرين وارد في الشريعة الإسلامية التي جاءت من عند الله العزيز الحكيم،قال تعالى:{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [آل عمران: 28]
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ،فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ r وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ،فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ rقَالَ:"مَا وَرَاءَكَ؟ " قَالَ:شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نُلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، قَالَ:" كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ "قَالَ:مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ:"إِنْ عَادُوا فَعُدْ "[1]
وقد تكلم العلماء في هذا الموضوع تحت باب (( التقية )) ولكن هناك فروق كبيرة بين التقية بمفهومها عند أهل السنة والجماعة،وبين مفهوم التقية عند الرافضة....
 وفي هذا الكتاب جمعت ما يتعلق بهذه المسألة الجلل ..
 وقد سرت فيه وفق المباحث التالية :
المبحث الأول = تفسير آية التقية من خلال أقوال المفسرين القدامى والمحدثين
المبحث الثاني =أحكام التقية عند الفقهاء،بشكل مفصل
المبحث الثالث = بعض الفتاوى المعاصرة حول التقية
سائلا المولى سبحانه وتعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .
عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ r بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ:لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ،وَلاَ تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ،وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ،وَلاَ تَتْرُكَنَّ صَلاَةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ،وَلاَ تَشْرَبَنَّ خَمْرًا؛فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ،وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ،وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مُوتَانٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ،وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ،وَلاَ تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ."[2]
  جمعه وأعده
الباحث في القرآن والسنة
 وعضو هيئة علماء المسلمين في سورية
 علي بن نايف الشحود
 
الثلاثاء 13 ربيع الآخر 1433 هـ الموافق ل 6/3/2012 م
 
!!!!!!!!!!!!!
 

المبحث الأول
تفسير آيات التقية
 
 الآية الأولى :اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين :
قال تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:" كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ،وَقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ،قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ،فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرٍ،وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ،وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفْرِ:اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ وَاحْذَرُوا لُزُومَهُمْ وَمُبَاطَنَتَهُمْ،لَا يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ،فَأَبَى أُولَئِكَ النَّفْرُ إِلَّا مُبَاطَنَتَهُمْ وَلُزُومَهُمْ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] إِلَى قَوْلِهِ:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:284] "[3]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،فِي قَوْلِهِ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] قَالَ:نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ،وَيَتَّخِذُونَهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ،فَيُظْهِرُونَ اللُّطْفَ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ،وَذَلِكَ قَوْلُهُ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28][4]
وعَنْ مُجَاهِدٍ،فِي قَوْلِهِ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] «إِلَّا مُصَانَعَةً فِي الدُّنْيَا وَمُخَالَقَةً»[5]
وعَنِ الرَّبِيعِ،فِي قَوْلِهِ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] إِلَى:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] قَالَ:قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ:«التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَلَيْسَ بِالْعَمَلِ»[6]
وعن عُبَيْدَ،قَالَ:سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ،يَقُولُ فِي قَوْلِهِ:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] قَالَ:«التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ مَنْ حَمَلَ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ،فَتَكَلَّمَ مَخَافَةً عَلَى نَفْسِهِ،وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ،إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ»[7]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،فِي قَوْلِهِ:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] «فَالتَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ مَنْ حَمَلَ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهُ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخَافَةَ النَّاسِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ،إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ» وَقَالَ آخَرُونَ:مَعْنَى:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28]  [8]
وعَنْ قَتَادَةَ،قَوْلُهُ:{لَا يَتَّخِذِ [ص:319] الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [آل عمران:28] مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً «نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَادُّوا الْكُفَّارَ أَوْ يَتَوَلَّوْهُمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ»،وَقَالَ اللَّهُ:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] «الرَّحِمُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ فِي دِينِهِمْ إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمًا لَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ»[9]
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ تَأْوِيلٌ لَهُ وَجْهٌ،وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ:إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنَ الْكَافِرِينَ تُقَاةً.فَالْأَغْلَبُ مِنْ مَعَانِي هَذَا الْكَلَامِ:إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ مَخَافَةً،فَالتَّقِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا هِيَ تَقِيَّةٌ مِنَ الْكُفَّارِ،لَا مِنْ غَيْرِهِمْ،وَوَجَّهَهُ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ:إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا اللَّهَ مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ تُقَاةً،فَتَصِلُونَ رَحِمَهَا،وَلَيْسَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ،وَالتَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَغْلَبِ الظَّاهِرِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِمْ.[10]
قال ابن كثير :" نَهَى اللَّهُ،تَبَارَكَ وَتَعَالَى،عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَالُوا الْكَافِرِينَ،وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ يُسِرُّون إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} أَيْ:مَنْ يَرْتَكِبُ نَهْيَ اللَّهِ فِي هَذَا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ كَمَا قَالَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النِّسَاءِ:144] وَقَالَ [تَعَالَى] (4) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] } [الْمَائِدَةِ:51].
[وَقَالَ تَعَالَى] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إِلَى أَنْ قَالَ:{وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الْمُمْتَحِنَةِ:1] وَقَالَ تَعَالَى -بَعْدَ ذِكْرِ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالْأَعْرَابِ-:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الْأَنْفَالِ:73].
وَقَوْلُهُ:{إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} أَيْ:إِلَّا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات مِنْ شَرِّهِمْ،فَلَهُ أَنْ يَتَّقِيَهُمْ بِظَاهِرِهِ لَا بِبَاطِنِهِ وَنِيَّتِهِ،كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ:"إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ:قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:لَيْسَ التَّقِيَّةُ بِالْعَمَلِ إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ،وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ،وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ،وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالضَّحَّاكُ،وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ.وَيُؤَيِّدُ مَا قَالُوهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]} [النحل:106].
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:قَالَ الْحَسَنُ:التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} أَيْ:يُحَذِّرُكُمْ نِقْمَتَهُ،أَيْ مُخَالَفَتَهُ وَسَطْوَتَهُ فِي عَذَابِهِ لِمَنْ وَالَى أَعْدَاءَهُ وَعَادَى أَوْلِيَاءَهُ.ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} أَيْ:إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ،فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.[11]
يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالاةِ الكَافِرِينَ،وَعَنْ أنْ يَتَّخِذُوهُم أوْلِيَاءَ يُسِرُّونَ إِليْهِمْ بِالمَوَّدةِ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ.ثُمَّ تَوَعَدَّ تَعَالَى مَنْ يُخَالِفُ أمْرَهُ فِي ذَلِكَ،إلا مَنْ خَافَ فِي بَعْضِ البُلْدَانِ وَالأوقَاتِ شُرُورَهُمْ (إلا أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)،فَلَهُ أنْ يَتَّقِيَهُمْ بِظَاهِرِهِ،لاَ بِبَاطِنِهِ وَنِيَّتِهِ.ثُمَّ هَدَّدَ اللهُ تَعَالَى المُخَالِفِينَ عَنْ أمْرِهِ بِأنْ يَحْذَرُوا نِقْمَتَهُ عَلَيْهِمْ،إذَا اسْتَمَرُّوا فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ،وَمُوَالاَةِ أَعْدَائِهِ،وَعَادَوا أَوْلِيَاءَ اللهِ،وَإلى اللهِ المَرْجِعُ وَالمُنْقَلَبُ،فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ.[12]
وقال القرطبي:"فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:الْأُولَى- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ فَيَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ،وَمَثَلُهُ" لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ" وَهُنَاكَ يَأْتِي بيان هذا المعنى.(فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أَيْ فَلَيْسَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَلَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي شي،مثل" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ".وَحَكَى سِيبَوَيْهِ" هُوَ مِنِّي فَرْسَخَيْنِ" أَيْ مِنْ أَصْحَابِي وَمَعِي.ثُمَّ اسْتَثْنَى وَهِيَ:الثَّانِيَةُ- فَقَالَ:(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُجَاهِدٌ:كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جِدَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ،فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ أَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ.قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يَأْتِي مَأْثَمًا.وَقَالَ الْحَسَنُ:التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْإِنْسَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَلَا تَقِيَّةَ فِي الْقَتْلِ.وَقَرَأَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ:" إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً" وَقِيلَ:إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ قَائِمًا بَيْنَ الْكُفَّارِ فَلَهُ أَنْ يُدَارِيَهُمْ بِاللِّسَانِ إِذَا كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقِيَّةُ لَا تَحِلُّ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ.وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَلَّبَ وَلَا يُجِيبَ إِلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ،بَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" النَّحْلِ"  إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.وَأَمَالَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" تُقَاةً"،وَفَخَّمَ الْبَاقُونَ،وَأَصْلُ" تُقاةً" وُقَيَةٌ على وزن فعلة،مثل تُؤَدَةٍ وَتُهَمَةٍ،قُلِبَتِ الْوَاوُ تَاءً وَالْيَاءُ أَلِفًا.وروى الضحاك ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ بَدْرِيًّا تَقِيًّا وَكَانَ لَهُ حِلْفٌ مِنَ الْيَهُودِ،فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ r يَوْمَ الْأَحْزَابِ قَالَ عُبَادَةُ:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،إِنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ،وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأَسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ.فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" الْآيَةَ.وَقِيلَ:إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ تَكَلَّمَ بِبَعْضِ مَا أَرَادَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ،عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي [النَّحْلِ].قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) قَالَ الزَّجَّاجُ:أَيْ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ.ثُمَّ اسْتَغْنُوا عَنْ ذَلِكَ بِذَا وَصَارَ الْمُسْتَعْمَلَ،قَالَ تَعَالَى:" تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ" فَمَعْنَاهُ تَعْلَمُ مَا عِنْدِي وَمَا فِي حَقِيقَتِي وَلَا أَعْلَمُ مَا عِنْدَكَ وَلَا مَا فِي حَقِيقَتِكَ.وَقَالَ غَيْرُهُ:المعنى ويحذركم الله عقابه،مثل" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ".وَقَالَ:" تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي" أَيْ مُغَيَّبِي،فَجُعِلَتِ النَّفْسُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ فِيهَا يَكُونُ.(وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أَيْ وَإِلَى جزاء الله المصير.وفية إقرار بالبعث."[13]
وقال الشنقيطي:"قَوْلُهُ تَعَالَى:وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ،أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ،فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ بِتَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ،وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ،وَالْخُلُودِ فِي عَذَابِهِ،وَأَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مَا تَوَلَّاهُمْ،وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [5 \ 80،81].
وَنَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنْهُ؛وَهُوَ قَوْلُهُ:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [60 \ 13].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ،فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَالَاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ،وَتَقِيَّةٍ،وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصَاحِبُهَا مَعْذُورٌ،وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [3 \ 28]،فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِكُلِّ الْآيَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِيضَاحٌ؛لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ،وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ وَالتَّقِيَّةِ،فَيُرَخَّصُ فِي مُوَالَاتِهِمْ،بِقَدْرِ الْمُدَارَاةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِهَا شَرُّهُمْ،وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ سَلَامَةُ الْبَاطِنِ مِنْ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ:[الْوَافِرُ]
وَمَنْ يَأْتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ...فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا
وَيُفْهَمُ مِنْ ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْكُفَّارَ عَمْدًا اخْتِيَارًا،رَغْبَةً فِيهِمْ أَنَّهُ كَافِرٌ مِثْلَهُمْ.[14]
وقال الشيخ محمد رشيد رضا :"قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ:جَاءَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ الَّتِي نَبَّهَ اللهُ فِيهَا النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ مُعْتَرِفِينَ أَنَّ بِيَدِهِ الْمُلْكَ وَالْعِزَّ وَمَجَامِعَ الْخَيْرِ وَالسُّلْطَانَ الْمُطْلَقَ فِي تَصْرِيفِ الْكَوْنِ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ،فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ وَالْقُوَّةُ لَهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - فَمِنَ الْجَهْلِ وَالْغُرُورِ أَنْ يُعْتَزَّ بِغَيْرِهِ مِنْ دُونِهِ،وَأَنْ يُلْتَجَأَ إِلَى غَيْرِ جَنَابِهِ،أَوْ يَذِلَّ الْمُؤْمِنُ فِي غَيْرِ بَابِهِ،وَقَدْ نَطَقَتِ السِّيَرُ بِأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ يَقَعُ مِنْهُمْ قَبْلَ الِاطْمِئْنَانِ بِالْإِيمَانِ اغْتِرَارٌ بِعِزَّةِ الْكَافِرِينَ وَقُوَّتِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ،فَيُوَالُونَهُمْ وَيَرْكَنُونَ إِلَيْهِمْ،وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ فِي الْبَشَرِ.
قَالَ:وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ.وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ وَقِيلَ:إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ (زَعِيمِ الْمُنَافِقِينَ) وَقِيلَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُوَالُونَ بَعْضَ الْيَهُودِ،وَمَهْمَا كَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ أَنْ يُوجَدَ فِي الْمُسْتَجِيبِينَ لَهَا الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ،عَلَى أَنَّ مَظَاهِرَ الْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ تَغُرُّ بَعْضَ الصَّادِقِينَ،وَتُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الْمُخْلِصِينَ فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِمْ! وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْكَافِرِينَ،وَقَدْ وَرَدَ بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ آيَاتٌ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِهَا تَفْسِيرًا تَتَّفِقُ بِهِ مَعَانِيهَا.
أَقُولُ:قِصَّةُ حَاطِبٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مُسْنَدَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا،وَمُلَخَّصُهَا:" أَنَّ حَاطِبًا كَتَبَ كِتَابًا لِقُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بِاسْتِعْدَادِ النَّبِيِّ - r - لِلزَّحْفِ عَلَى مَكَّةَ إِذْ كَانَ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِهَا وَكَانَ يَكْتُمُ ذَلِكَ لِيَبْغَتَ قُرَيْشًا عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ مِنْهَا فَتُضْطَرُّ إِلَى قَبُولِ الصُّلْحِ - وَمَا كَانَ يُرِيدُ حَرْبًا - وَأَرْسَلَ حَاطِبٌ كِتَابَهُ مَعَ جَارِيَةٍ وَضَعَتْهُ فِي عِقَاصِ شَعْرِهَا فَأَعْلَمَ اللهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ،فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهَا عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ وَقَالَ:انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ قَالَ:يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ! إِنِّي كُنْتُ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قُرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي،وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ النَّبِيَّ - r - فِي قَتْلِهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ،قَالُوا:وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ [60:1] إِلَخْ.وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي نُفَسِّرُهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ،فَلَعَلَّ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ سَهْوٌ؛سَبَبُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا نَزَلْ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ يَشْتَرِكَانِ فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ،وَمَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ - وَهُوَ مُعْظَمُ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ - يُفَسِّرُ لَنَا أَوْ يُفَصِّلُ جَمِيعَ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ؛لِأَنَّ مَا فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ مُفَصَّلٌ،وَهُوَ مِنْ آخِرِهَا أَوْ آخِرُهَا نُزُولًا،وَمَا عَدَاهُ مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ الْمُفَصَّلُ.
يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ،وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِالْهَوَى فِي الرَّأْيِ أَنَّ آيَةَ آلِ عِمْرَانَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ النَّهْيِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [5:51] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخَالِفُوا أَوْ يَتَّفِقُوا مَعَ غَيْرِهِمْ،وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ أَوْ الِاتِّفَاقُ لِمَصْلَحَتِهِمْ،وَفَاتَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - r - كَانَ مُحَالِفًا لِخُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ،بَلْ يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُتَحَمِّسِينَ فِي الدِّينِ - عَلَى جَهْلٍ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحْسِنَ مُعَامَلَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ أَوْ مُعَاشَرَتَهُ أَوْ يَثِقُ بِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ،وَقَدْ جَاءَتْنَا وَنَحْنُ نَكْتُبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِحْدَى الصُّحُفِ فَرَأَيْنَا فِي أَخْبَارِهَا الْبَرْقِيَّةَ أَنَّ الْأَفْغَانِيِّينَ الْمُتَعَصِّبِينَ سَاخِطُونَ عَلَى أَمِيرِهِمْ أَنْ عَاشَرَ الْإِنْكِلِيزَ فِي الْهِنْدِ وَوَاكَلَهُمْ وَلَبِسَ زِيَّ الْإِفْرِنْجِ،وَأَنَّهُمْ عَقَدُوا اجْتِمَاعًا حَكَمُوا فِيهِ بِكُفْرِهِ وَوُجُوبِ خَلْعِهِ مِنَ الْإِمَارَةِ،فَأُرْسِلَتِ الْجُنُودُ لِتَفْرِيقِ شَمْلِهِمْ،فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَمِّسِينَ الْجَاهِلِينَ أَضَرُّ الْخَلْقِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ،بَلْ أَبْعَدُ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَالَمِينَ،وَمَاذَا فَهِمَ أَمْثَالُ أُولَئِكَ الْأَفْغَانِيِّينَ مِنَ الْقُرْآنِ،عَلَى عُجْمَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِأَسَالِيبِهِ وَبِعَمَلِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ بِهِ!
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا مِثَالُهُ مَبْسُوطًا:الْأَوْلِيَاءُ:الْأَنْصَارُ،وَالِاتِّخَاذُ يُفِيدُ مَعْنَى الِاصْطِنَاعِ.وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُكَاشَفَتِهِمْ بِالْأَسْرَارِ الْخَاصَّةِ بِمَصْلَحَةِ الدِّينِ،وَقَوْلُهُ:مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَيْدٌ فِي الِاتِّخَاذِ،أَيْ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا فِي شَيْءٍ تُقَدَّمُ فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ عَلَى مَصْلَحَةِ الْمُؤْمِنِينَ،أَيْ كَمَا فَعَلَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لِأَنَّ فِي هَذَا اخْتِيَارًا لَهُمْ وَتَفْضِيلًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ،بَلْ فِيهِ إِعَانَةٌ لِلْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ،مِنْ شَأْنِ هَذَا أَلَّا يَصْدُرَ مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ؛لِذَلِكَ هَمَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِقَتْلِ حَاطِبٍ وَسَمَّاهُ مُنَافِقًا لَوْلَا أَنْ نَهَاهُ - r - عَنْ ذَلِكَ وَذَكَّرَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.أَقُولُ:وَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِ حَاطِبٍ فِي مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ النَّهْيِ فَكَيْفَ نُكَفِّرُ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَمِيرِ الْأَفْغَانَ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ.مِنْ أَكْلٍ وَلِبَاسٍ وَمُجَامَلَةٍ لِحُكُومَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَمُجَامَلَتُهُ لَهَا لَيْسَتْ مُوَالَاةً لَهَا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (أَيْ:ضِدُّهُمْ كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْعَصْرِ) وَإِنَّمَا هِيَ مُوَالَاةٌ لِمَصْلَحَتِهِمُ الَّتِي تَتَّفِقُ مَعَ مَصْلَحَتِهَا،وَهُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْهَا إِلَيْهِمْ.
عَوْدٌ إِلَى كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ:وَقَالَ - تَعَالَى - فِي آيَةٍ أُخْرَى:لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [58:22] الْآيَةَ،فَالْمُوَادَّةُ مُشَارَكَةٌ فِي الْأَعْمَالِ،فَإِنْ كَانَتْ فِي شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ،وَالْكَافِرِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ كَافِرُونَ فَالْمَمْنُوعُ مِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ خِذْلَانٌ لِدِينِكَ وَإِيذَاءٌ لِأَهْلِهِ أَوْ إِضَاعَةٌ لِمَصَالِحِهِمْ،وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا تَدْخُلَ فِي ذَلِكَ النَّفْيِ؛لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَامَلَةً فِي مُحَادَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ،أَيْ فِي مُعَادَاتِهِمَا وَمُقَاوَمَةِ دِينِهِمَا.
أَقُولُ:وَإِذَا رَجَعَ الْمُؤْمِنُ إِلَى سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ (60) الَّتِي فُصِّلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ تُفَصَّلْ فِي غَيْرِهَا يَجِدُ الْآيَةَ الْأُولَى - وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهَا فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ - تُقَيِّدُ النَّهْيَ عَنْ مُوَالَاةِ أَعْدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِلْقَاءِ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا كُفْرًا حَمَلَهُمْ عَلَى إِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَطَنِهِمْ؛لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِاللهِ،فَكُلُّ شَعْبٍ حَرْبِيٍّ يُعَامِلُ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ تَحْرُمُ مُوَالَاتُهُ قَطْعًا،ثُمَّ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ يَثْقَفُوا الْمُؤْمِنِينَ يُعَادُوهُمْ وَيُؤْذُوهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ قَالَ:عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [60:7 - 9] فَالْبَصِيرُ يَرَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَجْعَلُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوُا الرَّسُولَ وَمَنْ آمَنَ بِهِ أَشَدَّ الْإِيذَاءِ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَرْجُوَّةً.وَقَالَ:إِنَّهُ لَا يَنْهَاهُمْ عَنِ الْبِرِّ وَالْقِسْطِ إِلَى مَنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا،وَأَبْعَدُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِحَصْرِ النَّهْيِ فِي الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ فِي الدِّينِ؛أَيْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَسَاعَدُوا عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا،وَلَكِنَّهُ خَصَّ هَذَا النَّهْيَ بِتَوَلِّيهِمْ وَنَصْرِهِمْ لَا بِمُجَامَلَتِهِمْ وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ،وَهَذَا مُنْتَهَى الْحِلْمِ وَالسَّمَاحِ بَلِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ.
وَلَا تَنْسَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ،وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي عُنْفُوَانِ طُغْيَانِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ،وَقَدْ عَمِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمَ الْفَتْحِ بِهَذِهِ الْوَصَايَا فَعَفَا عَنْ قُدْرَةٍ،وَحَلُمَ عَنْ عِزَّةٍ وَسُلْطَةٍ.وَقَالَ:أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ وَأَحْسَنَ إِلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ،وَمِثْلُهُ أَهْلٌ لِلْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ،وَلَقَدْ كَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَلَكِنْ بَعُدَ مُتَحَمِّسُو الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ عَنْ سُنَّتِهِ وَعَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي تَأَدَّبَ هُوَ بِهِ.اللهُمَّ اهْدِ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِدَايَةِ كِتَابِكَ لِيَكُونُوا بِحُسْنِ عَمَلِهِمْ حُجَّةً لَهُ بَعْدَ مَا صَارَ أَكْثَرُهُمْ بِسُوءِ الْعَمَلِ حُجَّةً عَلَيْهِ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَيَتَّخِذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُخَالِفُ مَصْلَحَتَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ أَيْ فَلَيْسَ مِنْ وِلَايَةِ اللهِ فِي شَيْءٍ قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ.وَوِلَايَةُ اللهِ مِنَ الْعَبْدِ طَاعَتُهُ وَنَصْرُ دِينِهِ،وَمِنَ اللهِ مَثُوبَتُهُ وَرِضْوَانُهُ.وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ:مَعْنَى الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ غَايَةُ الْبُعْدِ؛أَيْ تَنْقَطِعُ صِلَةُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ - تَعَالَى -؛أَيْ فَيَكُونَ مِنَ الْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى:وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [5:51] أَوْ مَعْنَاهُ فَيَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ،وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ.وَقَوْلُهُ:إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ؛أَيْ إِنَّ تَرْكَ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتْمٌ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ الْخَوْفِ مِنْ شَيْءٍ تَتَّقُونَهُ مِنْهُ،فَلَكُمْ حِينَئِذٍ أَنْ تُوَالُوهُمْ بِقَدْرِ مَا يُتَّقَى بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ؛لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ،وَهَذِهِ الْمُوَالَاةُ تَكُونُ صُورِيَّةً؛لِأَنَّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَيْهِمْ،وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ،وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُوَالُوهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ،وَلَكِنْ لَكُمْ أَنْ تَتَّقُوا ضَرَرَهُمْ بِمُوَالَاتِهِمْ،وَإِذَا جَازَتْ مُوَالَاتُهُمْ لِاتِّقَاءِ الضَّرَرِ فَجَوَازُهَا لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ أَوْلَى؛وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَالِفُوا الدُّوَلَ غَيْرَ الْمُسْلِمَةِ لِأَجْلِ فَائِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ الضُّرِّ أَوْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ،وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُوَالُوهُمْ فِي شَيْءٍ يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ رَعِيَّتِهِمْ،وَهَذِهِ الْمُوَالَاةُ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الضَّعْفِ،بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَقُولُ:وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى جَوَازِ التَّقِيَّةِ وَهِيَ مَا يُقَالُ أَوْ يُفْعَلُ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ لِأَجَلِ تَوَقِّي الضَّرَرِ،وَلَهُمْ فِيهَا تَعْرِيفَاتٌ وَشُرُوطٌ وَأَحْكَامٌ،فَقِيلَ:إِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ.وَقِيلَ:لَا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَالِ.وَقِيلَ:إِنَّهَا خَاصَّةٌ بِحَالِ الضَّعْفِ.وَقِيلَ:بَلْ عَامَّةٌ،وَيُنْقَلُ عَنِ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ مَنَعُوا التَّقِيَّةَ فِي الدِّينِ مُطْلَقًا - وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُؤْمِنُ وَخَافَ الْقَتْلَ - لِأَنَّ الدِّينَ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ،وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [16:106،107] فَمَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُكْرَهًا وِقَايَةً لِنَفْسِهِ مِنَ الْهَلَاكِ لَا شَارِحًا بِالْكُفْرِ صَدْرًا وَلَا مُسْتَحْسِنًا لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ كَافِرًا،بَلْ يُعْذَرُ كَمَا عُذِرَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (16:106) وَكَمَا عُذِرَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ:" إِنِّي أَصَمُّ " ثَلَاثًا.وَيُنْقَلُ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ التَّقِيَّةَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ جَرَى عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ،وَيُنْقَلُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ مُتَنَاقِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ وَخُرَافَاتٌ مُسْتَغْرَبَةٌ،وَقَلَّمَا يَسْلَمُ نَقْلُ الْمُخَالِفِ مِنَ الظِّنَّةِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى،وَلَيْسَ فِي تَفْسِيرِنَا هَذَا مَوْضِعٌ لِلْمُنَاقَشَاتِ وَالْجَدَلِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.وَقُصَارَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّقِيَ مِنْ مَضَرَّةِ الْكَافِرِينَ،وَقُصَارَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ (16:106) مَا تَقَدَّمَ آنِفًا.وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ لِأَجْلِ الضَّرُورَاتِ الْعَارِضَةِ لَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الْمُتَّبَعَةِ دَاالبئِمًا؛وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَيُضْطَرُّ فِيهِ إِلَى التَّقِيَّةِ،وَمِنْ عَلَامَةِ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ أَلَّا يَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.قَالَ - تَعَالَى -:فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [5:44] وَقَالَ:فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175] وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَمَّلُونَ الْأَذَى فِي ذَاتِ اللهِ وَيَصْبِرُونَ.
وَأَمَّا الْمُدَارَةُ فِيمَا لَا يَهْدِمُ حَقًّا وَلَا يَبْنِي بَاطِلًا فَهِيَ كَيَاسَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ،يَقْتَضِيهَا أَدَبُ الْمُجَالَسَةِ مَا لَمْ تَنْتَهِ إِلَى حَدِّ النِّفَاقِ وَيُسْتَجَزْ فِيهَا الدِّهَانُ وَالِاخْتِلَاقُ،وَتَكُونُ مُؤَكَّدَةً فِي خِطَابِ السُّفَهَاءِ تَصَوُّنًا مِنْ سَفَهِهِمْ،وَاتِّقَاءً لِفُحْشِهِمْ،وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - r - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَقَالَ:بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ.ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ،فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ،ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ،فَقَالَ:يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ أَشَّرِ النَّاسِ مَنْ يَتْرُكُهُ النَّاسُ أَوْ يَدَعُهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ:" إِنَّا لَنُكْشِرُ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ " وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ:" وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتُقْلِيهِمْ " أَيْ تُبْغِضُهُمْ.وَلَا يَجْهَلُ أَحَدٌ أَنَّ إِلَانَةَ الْقَوْلِ أَوِ الْكَشْرَ فِي الْوُجُوهِ،أَيِ التَّبَسُّمَ هُمَا مِنْ أَدَبِ الْمَجْلِسِ يَنْبَغِي بَذْلُهُمَا لِكُلِّ جَلِيسٍ،وَلَا يُعَدَّانِ مِنَ النِّفَاقِ وَلَا مِنَ الدِّهَانِ،وَلَا يُنَافِيَانِ أَمْرَ اللهِ لِنَبِيِّهِ بِالْإِغْلَاظِ عَلَى الْكَافِرِينَ؛لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ لِدَفْعِ إِيذَائِهِمْ وَحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَبَيَانِ حَقِيقَتِهَا،وَقَدْ كَانَ - r - أَحْسَنَ النَّاسِ أَدَبًا فِي مَجْلِسِهِ وَحَدِيثِهِ.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَاهُ عِقَابَ نَفْسِهِ،وَذَكَرَ النَّفْسَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْوَعِيدَ صَادِرٌ مِنْهُ،وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ إِذْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ،وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْجُمْلَةِ كَلَامٌ آخَرُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي مَا بَعْدَ هَذِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ فَلَا مَهْرَبَ مِنْهُ.قَالُوا:وَفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ يُشْعِرُ بِتَنَاهِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنَ الْمُوَالَاةِ فِي الْقُبْحِ.[15]
وقال القاسمي:"لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ جمع وليّ،ومعانيه كثيرة،منها المحب والصديق والنصير.قال الزمخشريّ:نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر.وقد كرر ذلك في القرآن:وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51].لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة:51].لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...[المجادلة:
22] الآية،- والمحبة في الله،والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان.
وقوله تعالى:مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال.أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا،وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية،يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسا.وهذا أمر معقول،فإن موالاة الوليّ وموالاة عدوه متنافيان،قال:
تود عدوّي ثم تزعم أنني...صديقك.ليس النوك عنك بعازب
- أفاده الزمخشريّ- إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي تخافوا منهم محذورا،فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه،عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،قَالَ:" إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ،وَنَضْحَكُ إِلَيْهِمْ،وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ ":إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم.[16]
وأصل تُقاةً وقية،ثم أبدلت الواو تاء،كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا.وفي المحكم:تقاة يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا،والمصدر أجود،لأن في القراءة الأخرى:تقية.
تنبيه:
قال بعض مفسري الزيدية:ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار،لأن الله تعالى نهى عنها بقوله:وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ،ثم استثنى تعالى (التقية) فرخص في موالاتهم لأجلها.فتجوز معاشرة ظاهرة،والقلب مطمئن بالعداوة لهم والبغضاء وانتظار زوال المانع.وقد قال الحاكم:في الآية دلالة على جواز إظهار تعظيم الظلمة،اتقاء لشرهم.قال:وإنما يحسن بالمعاريض التي ليست بكذب،وقال الصادق:التقية واجبة،وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر عنه بالسارية لئلا يراني.وعن الحسن:تقية باللسان،والقلب مطمئن بالإيمان.
واعلم أن الموالاة،التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار،لا تجوز،فإن قيل:قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة،وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف،فجواب ذلك:أن المراد موالاتهم في أمر الدين،وفيما فيه تعظيم لهم.فإن قيل.في سبب نزول الآية أنه r منع عبادة بن الصامت عن الاستعانة باليهود على قريش،وقد حالف رسول الله r اليهود على حرب قريش،وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم،وقد ذكر الراضي بالله أنه يجوز الاستعانة بالفسّاق على حرب المبطلين.قال:وقد حالف رسول الله r اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب.وحدّ r الحلف بينه وبين خزاعة.
قال الراضي بالله:وهو ظاهر عن آبائنا عليهم السلام،وقد استعان عليّ عليه السلام بقتلة عثمان.ولعل الجواب- والله أعلم- أن الاستعانة جائزة مع الحاجة إليها.
ويحمل على هذا استعانة الرسول r لليهود.وممنوعة مع عدم الحاجة،أو خشية مضرة منهم.وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت.فصارت الموالاة المحظورة تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين والمودة للكفار على كفرهم،ولا لبس في تحريم ذلك،ولا يدخله استثناء والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمصادقة بإظهار الأسرار ونحو ذلك،فلا لبس في تحريم ذلك ولا يدخله استثناء.والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمشاورة فيما لا يضر المسلمين،فظاهر كلام الزمخشريّ أنه لا يجوز إلا للتقية.فحصل من هذا أن الموالي للكافر والفاسق عاص،ولكن أين تبلغ معصيته؟ يحتاج إلى تفصيل:إن كانت الموالاة بمعنى الموادة،وهي أن يوده لمعصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية.وإن كانت الموالاة كفرا.كفر.وإن كانت فسقا،فسق.وإن كانت لا توجب كفرا ولا فسقا،لم يكفر ولم يفسق.وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة،فإن كانت محالفة على أمر مباح أو واجب،كأن يدفع المؤمنون عن أهل الذمة من يتعرض لهم.ويخالفونهم على ذلك،فهذا لا حرج فيه بل هو واجب.وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم عليهم،فهذه معصية بلا إشكال،وكذلك إذا كانت بمعنى أنه يظهر سر المسلمين ويحبّ سلامة الكافرين لا لكفرهم بل ليد لهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك،فهذا معصية بلا إشكال.لكن لا تبلغ حدها الكفر لأنه لم يرو أن رسول الله r حكم بكفر حاطب بن أبي بلتعة.
وقال الراضي بالله:إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر.لأنه r قال للعباس:ظاهرك علينا.وقد اعتذر بأنه خرج مكرها.وأما مجرد الإحسان إلى الكافر فجائز لا ليستعين به على المسلمين،ولا لإيناسه.وكذلك أن يضيق لضيقه في قضية معينة لأمر مباح فجائز،كما كان من ضيق المسلمين من غلب فارس الروم.
فصار تحقيق المذهب أن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن يحصل من الموالي الرضا بالكفر.والذي يوجب الفسق أن يحصل الرضا بالفسق.إن قيل:فما حكم من يجند مع الظلمة ليستعينوا به على الجبايات وأنواع الظلم؟ قلنا:عاص بلا إشكال،وفاسق بلا إشكال لأنه صار من جملتهم.وفسقهم معلوم.فإن قيل:فإن تجند معهم لحرب إمام المسلمين؟ قلنا:صار باغيا،وحصل فسقه من جهة البغي والظلم.فإن قيل:حكي عن المهديّ عليّ بن محمد عليه السلام أنه كفّر من تجند مع سلطان اليمن وقضى بردته،قلنا:هذا يحتاج إلى بيان وجه التكفير بدليل قطعيّ،وإن ساغ أن نقول ذلك اصطلاح لأمر الإمام كما رد الهادي عليه السلام شهادة من امتنع من بيعة الإمام كان ذلك محتملا- انتهى كلامه رحمه الله.
ومن هذه الآية استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف،وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق) فقال ما نصه:
وزاد الحق غموضا وخفاء أمران:
أحدهما:خوف العارفين،مع قلتهم،من علماء السوء وسلاطين الجور،وشياطين الخلق،مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام.وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق،ولا برح المحق عدوّا لأكثر الخلق.وقد صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:" حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r وِعَاءَيْنِ:فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ،وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ "[17]
وما زال الأمر في ذلك يتفاحش....
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي ذاته المقدسة،فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه،وموالاة أعدائه،وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهيّ في القبح.وذكر النفس،ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى،فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي المنقلب والمرجع ليجازي كل عامل بعمله.[18]
 قلت:قال القاري:" (وِعَاءَيْنِ):أَيْ:نَوْعَيْنِ كَثِيرَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ مِلْءَ ظَرْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا):وَهُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْلَاقِ (فَبَثَثْتُهُ):أَيْ:أَظْهَرْتُهُ بِالنَّقْلِ (فِيكُمْ،وَأَمَّا الْآخَرُ):وَهُوَ عِلْمُ الْبَاطِنِ (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ):بِضَمِّ الْبَاءِ أَيِ الْحُلْقُومُ،لِأَنَّ أَسْرَارَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ مِمَّا يَعْسُرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَادِ،وَلِذَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِهِ وَقَعَ فِي تَوْهِيمِ الْحُلُولِ وَالْإِلْحَادِ،إِذَ فَهْمُ الْعَوَامِّ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَرَامِ،وَمِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ،وَقَوْلُهُ:" قُطِعَ " يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ،وَيَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ مُبَالَغَةً فِي إِسْرَارِ الْأَسْرَارِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْخُلَّصِ مِنَ الْأَبْرَارِ،وَقِيلَ إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِوِلَادَةِ الْجَوْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ بِفِتَنٍ أُخْرَى فِي زَمَنِهِ،وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ:حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاءَ الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا يَتَبَيَّنُ أَسَامِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ وَأَحْوَالُهُمْ وَذَمُّهُمْ،وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَنِّي عَنْ بَعْضِهِ وَلَا يُصَرِّحُ بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ:أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ،وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ،يُشِيرُ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ،وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ"[19]
وقال الخطيب:" الصلة التي ينبغى أن تقوم بين المؤمنين،هى صلة أخوة ومودة،دون نظر إلى لون أو جنس أو وطن..فقد جمعهم الإسلام فى نسب يعلو على نسب الدّم والجنس والوطن..
«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (10:الحجرات) وإنه لمن قلب الأوضاع أن ينعزل المؤمن بشعوره هذا من المودة والأخوة عن إخوانه المؤمنين،وينحاز إلى الكفار،يعطيهم ولاءه ومودته وأخوته.
والإسلام الذي يدعو إلى الحبّ والسلام..إذ يدعو أتباعه إلى التراحم والتواد والتآخى فيما بينهم،لا يجعل ذلك على حساب الصلات الأخوية التي ينبغى أن تكون بين المسلم وبين سائر الناس..وفى هذا يقول الله تعالى فى وصايته للمسلمين،فى تحديد صلتهم بغير المسلمين:«لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (8،9:الممتحنة) فما بين المسلم وغير المسلم هى صلات إنسانية،فيها المودة والألفة والإحسان،إلّا أن يقع بين المسلم وغير المسلم قتال فى سبيل الدين،ومن أجل الدين..عندئذ ينبغى ألا يعطى المسلم ولاءه لمن قاتله فى دينه،فذلك خيانة لدينه،فوق أنه خيانة لنفسه ولجماعة المسلمين معه.
وفى قوله تعالى:«لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» نهى عن أن يكون ولاء المؤمن كلّه للكافرين فى الوقت الذي لا ولاء بينه وبين إخوانه المؤمنين،فذلك يقطع صلته بأهل الإيمان والتقوى،على حين يدعم صلته بأهل الإلحاد والكفر،وليس يأمن مع هذا أن تنضح عليه آثار الإلحاد والكفر،وأنه كلما مضى الزمن به كلما ازداد من الإيمان بعدا،وازداد من الكفر قربا.
وقوله تعالى:«وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ» أي بعد عن الله،وقطع صلته به،إذ بعد عن المؤمنين وقطع صلته بهم،وقرب من الكفر ووثق صلته بالكافرين.
وقوله تعالى:«إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» استثناء وارد على النهى عن مولاة الكافرين،وهو أنه لا بأس- فى ظروف خاصة قد يضطر فيها الإنسان إلى أن يوالى غير المؤمنين- لا بأس أن يفعل الإنسان ذلك،ولكن شريطة أن يكون ذلك لدفع مكروه محقق،عنه أو عن جماعة المسلمين،على أن يكون ذلك موقوتا بوقته،محكوما بظروفه،ينتهى متى مضى الوقت،وتغيرت الظروف،فيعود إلى ولائه الكامل للمؤمنين.
فإذا قامت بينه وبين غير المؤمنين صلة،فلتكن بحساب وحذر![20]
قال السعدي :" هذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين،وتوعد على ذلك فقال:{ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي:فقد انقطع عن الله،وليس له في دين الله نصيب،لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان،لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه،قال تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين،وصار من حزب الكافرين،قال تعالى:{ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم،والميل إليهم [ص:128] والركون إليهم،وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين،ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين.قال الله تعالى:{إلا أن تتقوا منهم تقاة} (1) أي:تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية.ثم قال تعالى:{ويحذركم الله نفسه} أي:فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك {وإلى الله المصير} أي:مرجع العباد ليوم التناد،فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم،فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة،واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة،ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا،ولما في السماء والأرض عموما،وعن كمال قدرته،ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء،بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب،أو سنة من أحاديث رسول الله،أو تصور وبحث في علم ينفعه،أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه،أو نصح لعباد الله."[21]
وقال الشعراوي رحمه الله:"أنت لا تتخذ الكافر وليا إلا إن بانت لك مظاهر القوة فيه،ومظاهر الضعف فيك،إنك عندما تتأمل معنى كلمة «ولي».تجد أن معناها «معين» وحين تقول:«الله هو الولي» فإننا نستخدم الكلمة هنا على إطلاقها،إن كلمة الولي تضاف إلى الله على إطلاقها،وتضاف بالنسبية والمحدودية لخلق الله،فالحق يقول:{الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة:257].
إن الله ولي على إطلاقه،والحق يقول:{ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62].
إن المفرد لأولياء الله هو «ولي الله»،فالمؤمن ولي الله،والحق يقول:{هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً} [الكهف:44].
هكذا نلاحظ أن الولاية قد تضاف مرة إلى الله،ومرة إلى خلق الله.إن الله ولي المؤمن،وهذا أمر مفهوم،وقد نتساءل:كيف يكون المؤمن ولي الله؟ إنا نستطيع أن نفهم هذا المعنى كما يلي:إن الله هو المعين للعباد المؤمنين فيكون الله ولي الذين آمنوا،أي معينهم ومقويهم.وأولياء الله،هم الذين ينصرون الله،فينصرهم الله،وهو - سبحانه - الحق الذي قال:{ياأيها الذين آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].
ألم يكن الله قادرا أن ينتقم من الكفار مرة واحدة وينتهي من أمرهم؟ ولكن الحق سبحانه قال:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة:14].
إن الحق لو قاتلهم فإن قتاله لهم سيكون أمرا خفيا،وقد يقولون:إن هذه مسائل كونية في الوجود،لذلك يأتي بالقتال للمؤمنين الذين استضعفهم الكافرون.إذن مرة تُطلق «الولي» ويراد بها «المعين».ومرة أخرى تُطلق كلمة «الولي» ويراد بها «المعان».لأنك إن كنت أنت ولي الله،والله وليك فإنه الحق سبحانه «معين» لك وأنت «معان».
إن الحق سبحانه يريد لمنهجه ان يسود بإيمان خلقه به،وإلا لكان الحق سبحانه وتعالى قد استخدم طلاقة قدرته على إرغام الناس على أن يكونوا طائعين،فلا أحد بقادر على أن يخرج عن قدرة الله،والإنسان عليه أن يفكر تفكيرا واضحا،ويعرف أن حياته بين قوسين:بين قوس ميلاده وقوس وفاته ولا يتحكم الإنسان في واحد من القوسين،فلماذا يحاول التحكم في المسافة بين القوسين؟ إذن القواميس الكونية بيد الله وتسير كالساعة،إنه سبحانه يقول:{لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر:57].
إن شيئا لم يخرج عن مراد الخالق الأعظم.إنما الحق سبحانه وتعالى أخذ هذه المسائل في حركة السماوات والأرض بقوة قهره وقدرة جبروته،فلا شيء يخرج من يده،أما بالنسبة للعباد فهو سبحانه يريد ان يأخذ قوما بحب قلوبهم.
إن الإيمان طريق متروك لاختيار الإنسان،صحيح أن الحق قادر على أن يأتي بالناس مؤمنين،ولكنه يريد أن يرى من يجيء إليه وهو مختار ألا يجيء.
إن تسخير الأشياء يظهر لنا صفة القدرة الكاملة لله،واختيارات الإنسان هي التي تظهر صفة المحبوبية لله،والله يريد لنا أن نرى قدرته،ويريد منا أن نتجه إليه بالمحبوبية لذلك يقول الحق:{لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين} لماذا؟ لأن الكافرين وإن تظاهروا أنهم أولياء لك أيها المؤمن،فهم يحاولون أن يجعلوك تستنيم لهم،وتطمئن إليهم وربما تسللوا بلطف ودقة،فدخلوا عليك مدخل المودة،وهم ليسوا صادقين في ذلك،لأنهم ما داموا كافرين،فليس هناك التقاء في الأصل بين الإيمان والكفر؛ لذلك يقول الحق:{وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ}.
إن من يتخذ هؤلاء أولياء له،فليس له نصيب من نصرة الله،لماذا؟ لأنه اعتقد إن هؤلاء الكافرين قادرون على فعل شيء له.لذلك يحذرنا الله ويزيد المعنى وضوحا أي:إياكم أن تغتروا بقوة الكافرين وتتخذوا منهم أولياء.ولا تقل أيها المؤمن:«ماذا أفعل؟» لأن الله لا يريد منك إلا أن تبذل ما تستطيع من جهد،ولذلك قال سبحانه:{وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60].
إن الحق لم يقل:«أعدوا لهم ما تغلبونهم به»،ولكنه قال:{أَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم}.إن على المؤمن أن يعمل ما في استطاعته،وأن يدع الباقي لله،ولذلك فهناك قضية قد يقف فيها العقل،ولكن الله يطمئننا؛ أي:لا تخافوا ولا تظنوا أن أعدادهم الكبيرة قادرة على أن تهزمكم،ولا تسأل:«ماذا أفعل يا الله» ؟ لقد علمنا الحق ألا نقول ذلك،وعلمنا ما يحمينا من هذا الموقف لذلك قال:{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12].
إذن فساعة يلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب فماذا يصنعون مهما كان عددهم أو عدتهم؟ أليس في ذلك نهاية للمسألة؟ إن الرعب هو جندي ضمن جنود الله،ولذلك فعلى المؤمن ألا يوالي الكافرين من دون المؤمنين،لماذا؟ حتى لا ينطبق عليه القول الحق:«وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ» ويضع الحق بعد ذلك الاستثناء:{إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وإلى الله المصير}.
إن الحق سبحانه وتعالى يعطي المنهج للإنسان وهو من خلقه سبحان،ويعرف كل غرائزه،وانفعالاته،وفكره،وفي أنه قد تأتي له ظروف أقوى من طاقته،لذلك يعامل الحق الإنسان على أنه مخلوق محدود القدرات؛ وفي موضع آخر جاء الحق باستثناء آخر فقال:{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} [الأنفال:16].
إن الحق يقول في هذا الموضع من سورة آل عمران:{لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ،إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}.
«وتقاة» مأخوذة من «الوقاية».إنهم قد يكونون أقوياء للغاية،وقد لا يملك المؤمن بغلبه الظن في أن ينتصر عليهم؛ وهم الكافرون،فلا مانع من أن يتقي المؤمن شرهم.
إن التقية رخصة من الله،روى:أن مسيلمة الكذاب جاء برجلين من المسلمين وقال لواحد منهما:«أتشهد أن محمدا رسول الله» ؟ قال المؤمن «نعم»:قال مسيلمة:«وتشهد أني رسول الله؟» قال المؤمن:«نعم».وأحضر مسيلمة المسلم الآخر وقال له:«أتشهد أن محمداً رسول الله؟» قال المؤمن:«نعم».قال مسيلمة:«أتشهد أني رسول الله؟» قال المؤمن الثاني:«إني أصم» كيف رد عليه المؤمن بدعوى الصمم؟ لقد علم مسيلمة أنه يدعي الصمم،لذلك أخذه وقلته،فرفع الأمر إلى سيدنا رسول الله r َ،فماذا قال؟ قال r َ:«أما المقتول..فقد صدع بالحق فهنيئا له،وأما الآخر فقد أخذ برخصة الله».فالتقية رخصة،والإفصاح بالحق فضيلة..
وعمار بن ياسر أخذ بالرخصة وبلال بن رباح تمسك بالقرعة.
ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا الأمر.إن كل مبدأ من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من ظواهر الشر في الوجود،وهذا المبدأ يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه،ويريد صلابة يقين،وقوة عزيمة،كما يريد تحمل منهج،فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس،والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم،فلو لم يشرع الله التقية بقوله:{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} [النحل:106].
لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدي مناهج الحق بالتضحية بالحياة رخيصة في سبيل الله،ولكن هب ان كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل علم الله إلى الآخرين؟ لذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى التقية من أجل أن يبقى من يحمل المنهج،إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة،ويشرع لنا التقية من أجل بقاء العقيدة.لقد جاء الحق بالأمرين:أمر الوقوف في وجه الباطل بالاستشهاد في سبيل الحق،وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى لا يضيع المنهج الحق لو جاء جبار،واستأصل المؤمنين جميعا،لذلك يشرع الحق ما يبقى للفداء قوما،ويبقى للبقاء قوما ليحملوا منهج الله،هل عرفنا الآن لماذا جاءت التقية؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد منهجا يعمر الأرض،ويورث للأجيال المتتالية،فلو أن الحق لم يشرع التقية بقوله:{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106].
لثبتت الفدائية في العقيدة،ولو ثبتت الفدائية وحدها لكان أمر المنهج عرضه لأن يزول،ولا يرثه قوم آخرون،لذلك شرع الله التقية ليظل أناس حول شمعة الإيمان،يحتفظون بضوئها؛ لعل واحدا يأخذ بقبسها،فيضيء بها نورا وهاجا.ولذلك،فلا ولاية من مؤمن لقوم كافرين إلا أن يتقى منهم تقاة،لماذا؟ لأن الله يحذرنا نفسه بقوله:{وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وإلى الله المصير}.فإياك أن تقبل على السلوك الذي يضعه أمامك الكفار بانشراح صدر وتقول:أنا أقوم بالتقية،بل لا بد أن تكون المسألة واضحة في نفسك،وأن تعرف لماذا فعلت التقية،هل فعلتها لتبقى منهج الخير في الوجود،أو لغير ذلك؟ هل فعلتها حتى لا تجعل جنود الخير كلهم إلى فناء أو غير ذلك؟ إنك إن فعلت التقية بوعي واستبقيت نفسك لمهمة استبقاء المنهج الإيماني،فأنت أهل الإيمان،وعليك أن تعرف جيدا أن الحق قد قال:{وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وإلى الله المصير}.إنه الحق يقول للمؤمنين:إياكم أن تخلعوا على التقية أمرا هو مرغوب لنفوسكم،لماذا؟ لأن الحق قد حددها:{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106].فلا غاية إلا الله،فإياكم أن تغشوا أنفسكم؛ لأنه لا غاية عند غيره؛ فالغاية كلها عنده"[22]
 وفي الظلال:"  ليس من الله في شيء.لا في صلة ولا نسبة،ولا دين ولا عقيدة،ولا رابطة ولا ولاية..فهو بعيد عن الله،منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات.
ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات..ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل.قال ابن عباس - رضي الله عنهما - «ليس التقاة بالعمل إنما التقاة باللسان»..فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق،كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية.فما يجوز هذا الخداع على الله! ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب،فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا:«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ»..[23]
-----------
الآية الثانية :الكفر بالله مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان :
قال تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الذِي كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ،وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالكُفْرِ،وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ،فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ،وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباًَ أَلِيماً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ،لأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإيمَانِ لأَجْلِ الدُّنْيا،وَلأَنَّهُ عَلِمَ بِالإِيمَانِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ،وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ.
وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ المَصِيرِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ،فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلاَمِ بِلِسَانِهِ،وَوَافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهاً،لِمَا نَالَهُ مِنْ أَذًى،وَبَقِيَ مُؤْمِناً بِقَلْبِهِ مُطْمَئِناً بِالإِيمَانِ.فَمِثْلُ هَذا المُكْرَهِ يُمْكِنُ أَنْ يَغْفِرُ اللهُ لَهُ،إِذَا عَلِمَ صِدْقَ نِيَّتِهِ.[24]
 وقال الطبري :" إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ،إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَهَذَا قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ،وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ قَائِلٌ هَذَا الْقَوْلُ،لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْرَجَ مِمَّنْ افْتَرَى الْكَذِبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّذِينَ وُلِدُوا عَلَى الْكُفْرِ وَأَقَامُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤْمِنُوا قَطُّ،وَخَصَّ بِهِ الَّذِينَ قَدْ كَانُوا آمَنُوا فِي حَالٍ،ثُمَّ رَاجَعُوا الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ،وَالتَّنْزِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ هَؤُلَاءِ دُونَ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الشِّرْكِ مُقِيمِينَ،وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ خَبَرَ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَضَافُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r افْتِرَاءَ الْكَذِبِ،فَقَالَ:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزَّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ،بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل:101] ،وَكَذَّبَ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ بِافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r،فَقَالَ:{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ،وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل:105] وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِمْ،وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ r إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ حِينَ بَدَّلَ اللَّهُ آيَةً مَكَانَ آيَةٍ،كَانُوا هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ،لِأَنَّ هَذِهِ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ،وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ فَبَيَّنَ فَسَادَهُ مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ تَأْوِيلِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ.وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الرَّافِعَ لَ «مَنْ» الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ،قَوْلُهُ:{فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النحل:106] وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حُرُوفِ الْجَزَاءِ إِذَا اسْتَأْنَفَتْ أَحَدَهُمَا عَلَى آخَرَ.وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَوْمٌ كَانُوا أَسْلَمُوا فَفَتَنَهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ،فَثَبَتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْضُهُمْ وَافْتُتِنَ بَعْضٌ
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَوْلُهُ:" {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَصَابُوا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ [ص:374] فَعَذَّبُوهُ،ثُمَّ تَرَكُوهُ،فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ،وَالَّذِي قَالَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عُذْرَهُ:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} [النحل:106] إِلَى قَوْلِهِ:{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] "
وعَنْ قَتَادَةَ:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106] قَالَ:" ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،أَخَذَهُ بَنُو الْمُغِيرَةِ فَغَطُّوهُ فِي بِئْرِ مَيْمُونٍ وَقَالُوا:اكْفُرْ بِمُحَمَّدٍ فَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَلْبُهُ كَارِهٌ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل:106] أَيْ مَنْ أَتَى الْكُفْرَ عَلَى اخْتِيَارٍ وَاسْتِحْبَابٍ،{فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] "
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،قَالَ:أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى بَارَاهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا،فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ r،فَقَالَ النَّبِيُّ r:«كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ:مُطْمَئِنًا بِالْإِيمَانِ،قَالَ النَّبِيُّ r:«[ص:375] فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ»
وعَنِ الشَّعْبِيِّ،قَالَ:«لَمَّا عُذِّبَ الْأَعْبُدُ أَعْطَوْهُمْ مَا سَأَلُوا إِلَّا خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ،كَانُوا يُضْجِعُونَهُ عَلَى الرَّضْفِ فَلَمْ يَسْتَقِلُّوا مِنْهُ شَيْئًا» فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ:مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ،إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَنَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ بِلِسَانِهِ،وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،مُوقِنٌ بِحَقِيقَتِهِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ عَزْمُهُ غَيْرُ مَفْسُوحِ الصَّدْرِ بِالْكُفْرِ،لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا،فَاخْتَارَهُ وَآثَرَهُ عَلَى الْإِيمَانِ،وَبَاحَ بِهِ طَائِعًا،فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ،وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.[ص:376] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَوْلُهُ:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106] فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَنْ كَفَرَ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ،فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ،وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ،فَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ فَتَكَلَّمَ بِهِ لِسَانُهُ،وَخَالَفَهُ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ،لِيَنْجُوَ بِذَلِكَ مِنْ عَدُوِّهِ،فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ،لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ الْعِبَادَ بِمَا عُقِدَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ "[25]
وقال الرازي :" اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الْكَافِرِينَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَفْصِيلًا فِي بَيَانِ من يكفر بلسانه لا يقلبه،وَمَنْ يَكْفُرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ مَعًا،وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى:قَوْلُهُ:مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ،فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:الْأَوَّلُ:أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:مَنْ كَفَرَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ:الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَالتَّقْدِيرُ:إِنَّمَا يَفْتَرِي مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ،وَاسْتَثْنَى مِنْهُمُ الْمُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِرَاءِ،وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ:فَقَوْلُهُ:وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ اعْتِرَاضٌ وَقَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ.الثَّانِي:يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ الْكَاذِبُونَ،وَالتَّقْدِيرُ:وَأُولَئِكَ هُمْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ،وَالثَّالِثُ:يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الذَّمِّ،وَالتَّقْدِيرُ:وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ،أَعْنِي مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ عِنْدِي وَأَبْعَدُهَا عَنِ التَّعَسُّفِ،وَالرَّابِعُ:أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ شَرْطًا مُبْتَدَأً وَيُحْذَفُ جَوَابُهُ،لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَابِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ:مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ/ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ:وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
المسألة الثَّانِيَةُ:أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالْكُفْرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:أحدها:أنا روينا أن بلالا صبر على ذَلِكَ الْعَذَابِ،وَكَانَ يَقُولُ:أَحَدٌ أَحَدٌ.
رُوِيَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ،وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ أُكْرِهَ فَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ،مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلَى الْإِيمَانِ،مِنْهُمْ:
عَمَّارٌ،وَأَبَوَاهُ يَاسِرٌ وَسُمَيَّةُ،وَصُهَيْبٌ،وَبِلَالٌ،وَخَبَّابٌ،وَسَالِمٌ،عُذِّبُوا،فَأَمَّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ:رُبِطَتْ بين بعيرين ووخزت في قلبها بِحَرْبَةٍ وَقَالُوا:إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ وَقُتِلَتْ،وَقُتِلَ يَاسِرٌ وَهُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلَا في الْإِسْلَامِ،وَأَمَّا عَمَّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا،فَقِيلَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّارًا كَفَرَ،فَقَالَ:كَلَّا إِنَّ عَمَّارًا مَلِيءٌ إِيمَانًا مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَاخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ،فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ r يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ:«مَا لَكَ إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ» وَمِنْهُمْ جَبْرٌ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ أَكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ،ثُمَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامَهُمَا وَهَاجَرَا.
المسألة الثَّالِثَةُ:قَوْلُهُ:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ،لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَيْسَ بِكَافِرٍ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْكَافِرِ،لَكِنَّ الْمُكْرَهَ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ مَا مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الْكَافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذَا الاستثناء لهذه المشاكلة.
المسألة الرابعة:يجب هاهنا بَيَانُ الْإِكْرَاهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ،وَهُوَ أَنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذَابٍ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ،مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالْقَتْلِ،وَمِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْإِيلَامَاتِ الْقَوِيَّةِ.قَالَ مُجَاهِدٌ:أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ،رَسُولُ اللَّهِ r،وَأَبُو بَكْرٍ،وَخَبَّابٌ،وَصُهَيْبٌ،وَبِلَالٌ،وَعَمَّارٌ،وَسُمَيَّةٌ.أَمَّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَنَعَهُ أَبُو طَالِبٍ،وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ،وَأُخِذَ الْآخَرُونَ وَأُلْبِسُوا دُرُوعَ الْحَدِيدِ،ثُمَّ أُجْلِسُوا فِي الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنْهُمُ الْجَهْدُ بِحَرِّ الْحَدِيدِ وَالشَّمْسِ،وَأَتَاهُمْ أَبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ وَيَشْتِمُ سُمَيَّةَ،ثُمَّ طَعَنَ الْحَرْبَةَ فِي فَرْجِهَا.
وَقَالَ الْآخَرُونَ:مَا نَالُوا مِنْهُمْ غَيْرَ بِلَالٍ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ:أَحَدٌ أَحَدٌ،حَتَّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا مِنْ لِيفٍ وَدَفَعُوهُ إِلَى صِبْيَانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتَّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ.قَالَ عَمَّارٌ:كُلُّنَا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أَرَادُوا غَيْرَ بِلَالٍ،فَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ.قَالَ خَبَّابٌ:لَقَدْ أَوْقَدُوا لِي نَارًا مَا أَطْفَأَهَا إِلَّا وَدَكُ ظَهْرِي.
المسألة الْخَامِسَةُ:أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضَا بِهِ وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّعْرِيضَاتِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ:إِنَّ مُحَمَّدًا كَذَّابٌ،وَيَعْنِي عِنْدَ الْكُفَّارِ أَوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا/ آخَرَ أَوْ يَذْكُرُهُ عَلَى نِيَّةِ الاستفهام بمعنى الإنكار وهاهنا بَحْثَانِ:
البحث الْأَوَّلُ:أَنَّهُ إِذَا أَعْجَلَهُ مَنْ أَكْرَهَهُ عَنْ إِحْضَارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا عَظُمَ خَوْفُهُ زَالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ هَذِهِ النِّيَّةِ كَانَ مَلُومًا وَعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ.
البحث الثَّانِي:لَوْ ضَيَّقَ الْمُكْرِهُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ وَشَرَحَ لَهُ كُلَّ أَقْسَامِ التَّعْرِيضَاتِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ مَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْهَا،وَمَا أَرَادَ إِلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى،فَهَهُنَا يَتَعَيَّنُ إِمَّا الْتِزَامُ الْكَذِبِ،وَإِمَّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ.فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ:يُبَاحُ لَهُ الْكَذِبُ هُنَا،وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي.قَالَ:لِأَنَّ الْكَذِبَ إِنَّمَا يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا،فَوَجَبَ أَنْ يَقْبُحَ عَلَى كُلِّ حَالٍ،وَلَوْ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْقَبِيحِ لِرِعَايَةِ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الْكَذِبَ لِرِعَايَةِ بَعْضِ الْمَصَالِحِ وحينئذ لا يبقى وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِوَعِيدِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الْكَذِبَ لِرِعَايَةِ بَعْضِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
المسألة السَّادِسَةُ:أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ،وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:أَحَدُهَا:أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك الْعَذَابِ،وَكَانَ يَقُولُ:أَحَدٌ أَحَدٌ،وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ r:بِئْسَ مَا صَنَعْتَ بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ،فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ،وَثَانِيهَا:مَا
رُوِيَ أَنَّ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا:مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ،فَقَالَ:مَا تَقُولُ فِيَّ؟ قَالَ أَنْتَ أَيْضًا،فَخَلَّاهُ وَقَالَ لِلَآخَرَ:مَا تقول فِي مُحَمَّدٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،قَالَ:مَا تَقُولُ فِيَّ؟ قَالَ:أَنَا أَصَمُّ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعَادَ جَوَابَهُ فَقَتَلَهُ،فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ:«أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ،وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالْحَقِّ،فَهَنِيئًا لَهُ» .
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ:الْأَوَّلُ:أَنَّهُ سَمَّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ رُخْصَةً.وَالثَّانِي:أَنَّهُ عَظَّمَ حَالَ مَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ.وَثَالِثُهَا:أَنَّ بَذْلَ النَّفْسِ فِي تَقْرِيرِ الْحَقِّ أَشَقُّ،فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ ثَوَابًا
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:«أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا»
أَيْ أَشَقُّهَا.وَرَابِعُهَا:أَنَّ الَّذِي أَمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ عَنِ الْكُفْرِ.أَمَّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِهَا فَهَبْ أَنَّ قَلْبَهُ طَاهِرٌ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ لِسَانَهُ فِي الظَّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ،فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْأَوَّلِ أَفْضَلَ،وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة السَّابِعَةُ:اعْلَمْ أَنَّ لِلْإِكْرَاهِ مَرَاتِبَ.
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى:أَنْ يَجِبَ الْفِعْلُ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنَا يَجِبُ الْأَكْلُ،وَذَلِكَ لِأَنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الْفَوَاتِ وَاجِبٌ،وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَّا بِهَذَا الْأَكْلِ،وَلَيْسَ فِي هَذَا الْأَكْلِ ضَرَرٌ عَلَى حَيَوَانٍ وَلَا فِيهِ إِهَانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى،فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [الْبَقَرَةِ:195] .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ:أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُبَاحًا وَلَا يَصِيرَ وَاجِبًا،وَمِثَالُهُ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَهَهُنَا يُبَاحُ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَا يَجِبُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ:أَنْ لَا يَجِبَ وَلَا يُبَاحَ بَلْ يَحْرُمُ،وَهَذَا مِثْلُ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ إِنْسَانٌ عَلَى قَتْلِ إِنْسَانٍ آخَرَ أَوْ عَلَى قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَهُنَا يَبْقَى الْفِعْلُ عَلَى الْحُرْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ،وَهَلْ يَسْقُطُ الْقَصَاصُ عَنِ الْمُكْرَهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَجِبُ الْقَصَاصُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.الْأَوَّلُ:أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تَعَالَى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الْبَقَرَةِ:178] .وَالثَّانِي:أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ إِذَا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ بِالْقَتْلِ،فَلَمَّا كَانَ تَوَهُّمُ إِقْدَامِهِ عَلَى الْقَتْلِ يُوجِبُ إِهْدَارَ دَمِهِ،فَلَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ الْقَتْلِ مِنْهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كَانَ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الثَّامِنَةُ:مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يَقْبَلُ الْإِكْرَاهَ عَلَيْهِ كَالْقَتْلِ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ،وَمِنْهُ مَا لَا يَقْبَلُ الْإِكْرَاهَ عَلَيْهِ قِيلَ:وَهُوَ الزِّنَا.لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُوجِبُ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشَارِ الْآلَةِ،فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنَا فِي الْوُجُودِ عُلِمَ أَنَّهُ وَقَعَ بِالِاخْتِيَارِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَاهِ.
المسألة التَّاسِعَةُ:قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:طَلَاقُ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ،وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:يَقَعُ،وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ:قوله:لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ ذَاتِهِ لِأَنَّ ذَاتَهُ مَوْجُودَةٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ آثَارِهِ،وَالْمَعْنَى:أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ،وَأَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»
وَأَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» أَيْ إِكْرَاهٍ فَإِنْ قَالُوا:طَلَّقَهَا فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ:فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ [الْبَقَرَةِ:230] فَالْجَوَابُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلَائِلُ،وَجَبَ أَنْ يَبْقَى مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ عَلَى مَا هُوَ قَوْلُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الْعَاشِرَةُ:قَوْلُهُ:وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْإِيمَانِ هُوَ الْقَلْبُ وَالَّذِي مَحَلُّهُ الْقَلْبُ إِمَّا الِاعْتِقَادُ،وَإِمَّا كَلَامُ النَّفْسِ،فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ عِبَارَةً إِمَّا عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَإِمَّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلَامِ النَّفْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم قال تَعَالَى:وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أَيْ فَتَحَهُ وَوَسَّعَهُ لِقَبُولِ الْكُفْرِ وَانْتُصِبَ صدرا على أنه مفعول لشرح،وَالتَّقْدِيرُ:وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَهُ،وَحَذَفَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ لَا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ إِذِ الْبَشَرُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ فَهُوَ نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا الْمَعْرِفَةُ.
ثم قال:فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْعَذَابِ ثُمَّ وَصَفَ ذَلِكَ الْعَذَابَ فَقَالَ:
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.[26]
وقال ابن كثير :"أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ،وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ:أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ،لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ،وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ،فَأَقْدَمُواعَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا،وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ،فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا،وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا،فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.
{لَا جَرَمَ} أَيْ:لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ،{أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أَيِ:الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:{إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ} فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى،وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ،وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ،حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ r،فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ r،فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ،وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ،وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.
فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ ) بْنِ يَاسِرٍ قَالَ:أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا،فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ r،فَقَالَ النَّبِيُّ r:"كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ:مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ r:"إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ،وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ r وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ،وَأَنَّهُ قَالَ:يَا رَسُولَ  اللَّهِ،مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ:"كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ:مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ.فَقَالَ:"إِنْ عَادُوا فَعُدْ".وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ:{إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ}  .
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ،إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ،وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ،كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ،حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ،وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:أحَد،أحَد.وَيَقُولُ:وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ:نَعَمْ.فَيَقُولُ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ:لَا أَسْمَعُ.فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ  .
وعَنْ عِكْرِمة،أَنَّ عَلِيًّا،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ،فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ:لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ،إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:"لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ".وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ:وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ.رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ:قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ،فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ،قَالَ:مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ،ثُمَّ تَهَوَّدَ،وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ:أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ:وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ.فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.فَقَالَ:قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ:مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ .وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ .
وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ،وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ،كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ،فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ:أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ،فَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ،فَقَالَ لَهُ:تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي.فَقَالَ لَهُ:لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ،عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ،مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ:إِذًا أَقْتُلُكَ.قَالَ:أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ،وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ،وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين  النَّصْرَانِيَّةِ،فَيَأْبَى ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ،ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر.وَفِي رِوَايَةٍ:بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ،فَأُحْمِيَتْ،وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ،فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ.وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى،فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا،فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا،فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ،تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ،فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ.وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ:أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا،ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ،فَلَمْ يَقْرَبْهُ،ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ:مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ:أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي،وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ.فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ.فَقَالَ:وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ:نَعَمْ.فَقَبَّلَ رَأْسَهُ،فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ،فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ،وَأَنَا أَبْدَأُ.فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ"[27]  .
وقال ابن عاشور :"لَمَّا سَبَقَ التَّحْذِيرُ مِنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَاهَدُوهُ،وَأَنْ لَا يَغُرَّهُمْ مَا لِأُمَّةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ السَّعَةِ وَالرُّبُوِّ،وَالتَّحْذِيرُ مِنْ زَلَلِ الْقَدَمِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا،وَبُشِّرُوا بِالْوَعْدِ بِحَيَاةٍ طَيِّبَةٍ،وَجَزَاءُ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ،وَأَنْ لَا تَغُرَّهُمْ شُبَهُ الْمُشْرِكِينَ وَفُتُونُهُمْ فِي تَكْذِيبِ الْقُرْآنِ،عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ،فَالْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ.
وَمُنَاسَبَةُ الِانْتِقَالِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُحَاوِلُونَ فِتْنَةَ الرَّاغِبِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَالَّذِينَ أَسْلَمُوا،فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ إِلَى قَوْلِهِ:لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا [سُورَة النَّحْل:102] ،وَكَانُوا يَقُولُونَ:إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [سُورَة النَّحْل:103] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ [سُورَة النَّحْل:103] .وَكَانَ الْغُلَامُ الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ فَتَنَهُ الْمُشْرِكُونَ فَكَفَرَ،وَهُوَ جَبْرٌ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ.وَكَانُوا رَاوَدُوا نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الِارْتِدَادِ،مِنْهُمْ:بِلَالٌ،وَخِبَابُ بْنُ الْأَرَتِّ،وَيَاسِرٌ،وَسُمَيَّةُ أَبَوَا عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،وَعَمَّارُ ابْنُهُمَا،فَثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.وَفَتَنُوا عَمَّارًا فَأَظْهَرَ لَهُمُ الْكُفْرَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.وَفَتَنُوا نَفَرًا آخَرِينَ فَكَفَرُوا،وَذَكَرَ مِنْهُمُ الْحَارِثَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ،وَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ،وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ،وَالْعَاصِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ،وَأَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى:وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [10] ،فَكَانَ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ رَدٌّ لِعَجُزِ الْكَلَامِ عَلَى صَدْرِهِ.
 عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مُقَابِلٌ لِمَضْمُونِ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [سُورَة النَّحْل:97] ،فَحَصَلَ التَّرْهِيبُ بَعْدَ التَّرْغِيبِ،كَمَا ابْتُدِئَ بِالتَّحْذِيرِ تَحَفُّظًا عَلَى الصَّالِحِ مِنَ الْفَسَادِ،ثُمَّ أُعِيدَ الْكَلَامُ بِإِصْلَاحِ الَّذِينَ اعْتَرَاهُمُ الْفَسَادُ،وَفُتِحَ بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُحَافِظِينَ عَلَى صَلَاحِهِمْ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ إِنْ كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى نَفَرٍ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ كَانَتْ مَنْ مَوْصُولَةً وَهِيَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.وَقَرَنَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ فِي الْمُبْتَدَأِ شَبَهًا بِأَدَاةِ الشَّرْطِ.وَقَدْ يُعَامَلُ الْمَوْصُولُ مُعَامَلَةَ الشَّرْطِ،وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [سُورَة البروج:10] ،وَقَوْلُهُ تَعَالَى:وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِلَى قَوْلِهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [34] .وَقِيلَ إِنَّ فَرِيقًا كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ،كَمَا رُوِيَ فِي شَأْنِ جَبْرٍ غُلَامِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ.وَهَذَا الْوَجْهُ أَلْيَقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [سُورَة النَّحْل:108] الْآيَةَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فَالْآيَةُ مُجَرَّدُ تَحْذِيرٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْكُفْرِ،وَلِذَلِكَ تَكُونُ مَنْ شَرْطِيَّةً،وَالشَّرْطُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ مُعَيَّنٌ بَلْ هُوَ تَحْذِيرٌ،أَيْ مِنْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ،لِأَنَّ الْمَاضِيَ فِي الشَّرْطِ يَنْقَلِبُ إِلَى مَعْنَى الْمُضَارِعِ،وَيَكُونُ قَوْلُهُ:فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ جَوَابًا.
وَالتَّحْذِيرُ حَاصِلٌ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فَهُوَ تَرْخِيصٌ وَمَعْذِرَةٌ لِمَا صَدَرَ مِنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَمْثَالِهِ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ عَذَابُ مَنْ فَتَنُوهُمْ.
وَقَوْلُهُ:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ مَنْ كَفَرَ لِئَلَّا يَقَعَ حُكْمُ الشَّرْطِ عَلَيْهِ،أَيْ إِلَّا مَنْ أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْكُفْرِ،أَيْ عَلَى إِظْهَارِهِ فَأَظْهَرُهُ بِالْقَوْلِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرِ اعْتِقَادُهُ.وَهَذَا فَرِيقٌ رَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَمُصَحِّحُ الِاسْتِثْنَاء هُوَ أَن الَّذِي قَالَ قَوْلَ الْكُفَّارِ قَدْ كَفَرَ بِلَفْظِهِ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ بِقَوْلِهِ:وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً اسْتِدْرَاك عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ،وَهُوَ احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يفهم من الِاسْتِثْنَاء أَنَّ الْمُكْرَهَ مُرَخَّصٌ لَهُ أَنْ يَنْسَلِخَ عَنِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ.
ومَنْ شَرَحَ مَعْطُوفٍ بِ لكِنْ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ،لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْفِيِّ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُثْبَتِ،فَحَرْفُ لكِنْ عَاطِفٌ وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ الْوَاوِ عَلَى التَّحْقِيقِ.
وَاخْتِيرَ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ دُونَ نَحْوِ:فَقَدْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ،لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ،أَيْ غَضَبٌ لَا مَغْفِرَةَ مَعَهُ.
وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمْ،فَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمْ،وَلِتَصْحِيحِ الْإِتْيَانِ بِالْمُبْتَدَأِ نَكِرَةٌ حِينَ قَصَدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْظِيمَ،أَيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ،فَاكْتَفَى بِالتَّنْكِيرِ عَنِ الصِّفَةِ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ لَهُمْ عَلَى عَذابٌ عَظِيمٌ فَلِلِاهْتِمَامِ.
وَالْإِكْرَاهُ:الْإِلْجَاءُ إِلَى فِعْلِ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ.وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِفِعْلِ شَيْءٍ تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِهِ طَاقَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ إِيلَامٍ بَالِغٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَقَدْ رَخَّصَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ أَنْ يُظْهِرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَظَاهِرِهِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كُفْرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَخْذِ بِذَلِكَ فِي أَقْوَالِ الْكُفْرِ،فَقَالُوا:فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ غَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفْرِ،لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ كُفْرَهُ تَقِيَّةٌ وَمُصَانَعَةٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْلِمًا.وَقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ ذَلِكَ رِفْقًا بِعِبَادِهِ وَاعْتِبَارًا لِلْأَشْيَاءِ بِغَايَاتِهَا وَمَقَاصِدِهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ:أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،وَأَنَّهُ ذكر ذَلِك للنبيء r فَصَوَّبَهُ وَقَالَ لَهُ:«وَإِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ»
.وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ.وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَأَجْرَى عَلَى هَذَا التَّظَاهُرُ بِالْكُفْرِ
حُكْمَ الْكُفَّارِ فِي الظَّاهِرِ كَالْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ عَنِ الْمُكْنَةِ مِنْهُ.
وَسَوَّى جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ أَقْوَالِ الْكُفْرِ وَأَفْعَالِهِ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ.وَقَالَتْ طَائِفَةٌ:إِنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى أَفْعَالِ الْكُفْرِ لَا يُبِيحُهَا.وَنُسِبَ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ،وَهِيَ تَفْرِقَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ.وَقَدْ نَاطَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بِاطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ وَغفر مَا سوّل الْقَلْبِ.
وَإِذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ مُوجِبَ الرُّخْصَةِ فِي إِظْهَارِ الْكُفْرِ فَهُوَ فِي غَيْرِ الْكُفْرِ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْلَى كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا،وَفِي رَفْعِ أَسْبَابِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي غَيْرِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْغَيْرِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلَاقِ أَوِ الْبَيْعِ.
وَأما فِي الاهتداء عَلَى النَّاسِ مَنْ تَرَتُّبِ الْغُرْمِ فَبَيْنَ مَرَاتِبِ الْإِكْرَاهِ ومراتب الاعتداء الْمُكْره عَلَيْهِ تَفَاوُتٌ،وَأَعْلَاهَا الْإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلِ نَفْسٍ.وَهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْقَتْلِ لِأَنَّ التَّوَعُّدَ قَدْ لَا يَتَحَقَّقُ وَتَفُوتُ نَفْسُ الْقَتِيلِ.
عَلَى أَنَّ أَنْوَاعًا مِنَ الِاعْتِدَاءِ قَدْ يَجْعَلُ الْإِكْرَاهَ ذَرِيعَةً إِلَى ارتكابها بتواطوء بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ.وَلِهَذَا كَانَ لِلْمُكْرِهِ- بِالْكَسْرِ- جَانِبٌ مِنَ النَّظَرِ فِي حَمْلِ التَّبَعَةِ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ مُؤَاخَذَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ الْمَحْضِ وَمَا دُونُ ذَلِكَ فَهُوَ مَجَالُ الِاجْتِهَادِ.
وَالْخِلَافُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ مَعْلُومٌ،وَالتَّفَاصِيلُ وَالتَّفَارِيعُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ وَبَعض التفاسير.[28]
وقال الخطيب :" فى هذه الآية أمور:
أولا:مناسبتها لما قبلها..فقد ذكرت الآيات السابقة،موقفا من تلك المواقف اللئيمة،التي كان يقفها المشركون من النبىّ..وهذا الموقف هو اتهامهم للنبىّ،بأنه افترى على الله هذا القرآن الذي جاءهم به،وأنه إنما تلقى هذا القرآن من أحد علماء أهل الكتاب..ولهذا كان تكذيبهم له،وتصدّيهم لدعوته،وتطاولهم عليه وعلى من آمن به،بالضرّ والأذى..وقد امتحن كثير من المؤمنين فى أنفسهم..كبلال،وعمّار بن ياسر،وأبيه وأمه،حتى لقد مات بعضهم تحت وطأة العذاب الذي كان المشركون يرمونهم به،فى غير رحمة أو مبالاة! وفى مواجهة هذا البلاء الذي استمر بضع سنوات،لم يكن أمام المسلمين إلا أن يهاجروا،وأن يوطنوا أنفسهم على استقبال الأذى،والصبر على المكروه حتى الموت.
وقد هاجر كثير من القادرين على الهجرة..الذين يملكون أمر أنفسهم..
وتخلف كثيرون،لم يكن أمرهم إلى أيديهم،إذ كانوا فى جملة العبيد والإماء..
أو تحت حكم العجز والمرض..ونحو هذا..
وفى المتخلفين من صبر حتى مات تحت وطأة البلاء،مثل سميّة أم عمار بن ياسر،ومنهم من رأى أن يرى المشركين منه،أنّه قد استجاب لهم،ورجع عن الدين الذي آمن به على يد محمد- فأعطاهم بلسانه ما لم يسمح به قلبه،الذي ظلّ على إيمانه بالله،وولائه للدّين الذي دخل فيه..ومنهم من أعطى المشركين بقلبه ما أعطاهم بلسانه..فعاد كافرا..ودخل فى الكفر فى غير تحرّج أو تأثّم،بل اطمأن إليه،وشرح صدره له! ولا شك أن هذه حال أثارت البلبلة والاضطراب فى نفوس المسلمين،وخاصة أولئك الذين انعقدت قلوبهم على الإيمان،وإن صرحت ألسنتهم بالشرك،تقيّة،تحت حكم القهر والاضطرار..فهم- والحال كذلك- يعانون من صراع حاد،بين ظاهرهم هذا الذين يعيشون به فى الناس،وبين باطنهم الذي يعيشون فيه مع دينهم الذي أمسكوا به فى قلوبهم..فكان من رحمة الله بالمؤمنين أن تقبّل ما فى قلوبهم،وتجاوز لهم عما قالوا بأفواههم.
- فقال تعالى:«مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» ..فهذا الاستثناء يخرج من أكره،فقال كلمة الكفر بلسانه،واحتفظ فى قلبه بالإيمان الذي انعقد عليه..ويلاحظ هنا أنه لم يتقرر فى الآية حكم لأولئك المستثنين من الكفر،بل تركوا هكذا،بمعزل من الكافرين،الذين عادوا إلى الكفر بأفواههم وبقلوبهم جميعا..وهذا يعنى أن «التقيّة» وإن كانت بابا من أبواب التيسير والرحمة بالمؤمنين،إلا أنها باب محفوف بالمخاطر،لا يدخله الإنسان إلا على حذر وإشفاق،وإلا ريثما يمسك نفسه من التّلف..فإن هذه حال لا ينبغى أن يركن إليها المؤمن،أو يطمئن إلى مقامه فيها..إذ هو يلبس فيها ثوب النفاق ظاهرا..ولا يجتمع إيمان ونفاق أبدا..
روى أن المشركين من قريش أرادوا عمار بن ياسر،وأباه ياسرا وأمّه سميّة،على الكفر بعد أن أسلموا،وأخذوهم بالبأساء والضراء،فأبوا،فربطوا سميّة،بين بعيرين ثم وجئت بحربة فى قبلها،وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال،فماتت،ومات ياسر قتيلا كذلك،فكانا أول قتيلين فى الإسلام،أما عمار فأعطى المشركين بلسانه ما أكرهوه عليه،فقيل لرسول الله r:
إن عمارا كفر!! فقال- r- «كلا.إن عمّارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه،واختلط الإيمان بلحمه ودمه!!» وروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين،فقال لأحدهما ما تقول فى محمد؟
قال:«رسول الله» فما تقول فىّ؟ قال:وأنت أيضا..! فخلّى سبيله..ثم قال للآخر:ما تقول فى محمد؟ قال:«رسول الله» قال:فما تقول فىّ؟ قال:أنا أصمّ! فقتله..فبلغ ذلك رسول الله r:فقال:«أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى،وأما الثاني فقد صدع بالحق..فهنيئا له» .
وثانيا:هذا النظم الذي جاءت عليه الآية الكريمة..
فقد جاء نظم الآية على غير مألوف اللغة،حيث جاء الشرط:«مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ» ولم يذكر له جواب..ثم دخل على هذا الشرط الاستثناء:
«إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» ثم لم يذكر لهذا الشرط والاستثناء الوارد عليه جواب..ثم ورد هذا الاستدراك:«وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» - محمّلا بشرط،وجواب..
أما الشرط،فهو الشرط السابق موصوفا بمفهوم المخالفة للاستثناء الوارد على هذا الشرط،وأما الجواب،فهو الجواب الذي يصلح للشرطين معا..ولكنه اتجه إلى الشرط الثاني،بعد أن وقع الاستثناء على الشرط الأول..والتقدير:من كفر بالله من بعد إيمانه شارحا بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم..إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..
هذا ما يدل عليه مفهوم الآية الكريمة،وإن جاء نظمها على هذا الأسلوب الذي تراه!! والسؤال هنا هو:ماذا وراء هذا النظم الذي جاء على غير مألوف اللغة؟
والجواب- والله أعلم- هو أن تلك الحال التي تعرضها الآية الكريمة من أحوال المؤمنين،حين يمتحنون فى دينهم،ويتعرضون للفتنة فى عقيدتهم- هذه الحال ليست من الأحوال المألوفة للإنسان،بحيث يروض نفسه عليها،ويوطنها على احتمال مكروهها..وإنما هى تجربة قاسية يلقاها الإنسان مرة واحدة فى حياته،حين تحمله البلوى على أن يتبدّل دينا بدين،وعقيدة بعقيدة،ولو كان ذلك فى ظاهر أمره،وعلى ما يرى الناس منه..فليس الدين ثوبا يلبسه الإنسان زمنا حتى إذا يلى خلعه،واستبدل به غيره..وإنما هو أشبه بجلد الإنسان،وبالصبغة التي صبغه الله عليها..فهو لون واحد لا يتغير،ولا يتبدل! هى تجربة قاسية إذن،تلك التجربة التي يخرج فيها الإنسان عن دينه،ولو ظاهرا،تحت حكم القهر والتسلط..حيث يعالج الإنسان فى كيانه الداخلى صراعا صارخا،تتمزق معه مشاعره،وتتصدع به وحدة بنائه الفكرى،وإذا هو فى تيه،لا يطلع عليه من آفاقه،إلا ما يزعجه ويؤرقه..
ومن هنا جاء النظم القرآنى فى الآية الكريمة على هذا الأسلوب،الذي يمسك بتلك المشاعر المضطربة،ويصور تلك النفوس القلقة المذعورة،التي انعقدت فى سمائها سحب متراكمة،ترمى برعودها،وبروقها،وصواعقها،فى غير مهل أو انقطاع..
وهكذا يحكى النظم القرآنى بموسيقى ألفاظه،ما تحدّث عنه الألفاظ بدلالة معانيها،فيقع المعنى فى النفس موقعا متمكنا،حيث يدخل عليها مصوّرا،مجسدا..[29]
وقال الشعرواي :"قوله:{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ..} [النحل:106] .
هذه جملة الشرط تأخَّر جوابها إلى آخر الآية الكريمة،لنقف أولاً على تفصيل هذا الكفر،فإما أن يكون عن إكراه لا دَخْلَ للإنسان فيه،فيُجبر على كلمة الكفر،في حين قلبه مطمئن بالإيمان.
{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان..} [النحل:106] .
ثم سكت عنه القرآن الكريم ليدلّنا على أنه لا شيءَ عليه،ولا بأسَ أن يأخذ المؤمن بالتقية،وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال.
وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة،ونطقتْ كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان.
وفي الحديث الشريف:«رفع عن أمتي:الخطأ،والنسيان،وما استكرهوا عليه» .
ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سُمية أول شهيدين في الإسلام،فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل،وتعرّضوا لكثير من التعذيب حتى عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل العفو عنهما،فماذا حدث من هذين الشهيدين؟ صَدَعا بالحق وأصرَّا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله،ولم يأخذا برخصة التقية.
وكان ولدهما عمار أول مَنْ أخذ بها،حينما تعرّض لتعذيب المشركين.«وقد بلغ رسول الله r َ أن عمار بن ياسر كفر،فأنكر r َ هذا،وقال:» إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه،وإن الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه «.
فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكي،ثم قص عليه ما تعرَّض له من أذى المشركين،وقال:والله يا رسول الله ما خلَّصني من أيديهم إلا أنِّي تناولتك وذكرت آلهتهم بخير،فما كان من النبي r َ إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة وقال له» إنْ عادوا إليك فَقُلْ لهم ما قلت «.
وقد أثارت هذه الرخصة غضب بعض الصحابة،فراجعوا فيها رسول الله r َ وقالوا:فما بال بلال؟ فقال:» عمار استعمل رخصة،وبلال صدع بالحق «.
ولا شكَّ أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله،وأن الصَّدْعَ بالحق والصبر على البلاء أعْلَى منزلةً،وأَسْمَى درجة من الأَخْذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه،والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر.
لذلك،«ففي حركة الردة حاول مسيلمة الكذاب أن يطوف بالقبائل لينتزع منهم شهادة بصدق نُبوّته،فقال لرجل:ما تقول في محمد؟ قال:رسُول الله،قال:فما تقول فَّي؟ فقال الرجل في لباقة:وأنت كذلك،يعني أخرج نفسه من هذا المأزق دون أن يعترف صراحة بنبوة هذا الكذاب.
فقابل آخر وسأله:ما تقول في محمد؟ قال:رسول الله،قال:وما تقول فَّي؟ فقال الرجل متهكماً:اجهر لأني أصبحت أصمَّ الآن،وأنكر على مسيلمة ما يدعيه فكان جزاؤه القتل.فلما علم رسول الله r َ خبرهما قال:» أحدهما استعمل الرخصة،والآخر صدع بالحق «.
وقد تحدَّث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى:{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان..} [النحل:106] .
وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها،على النحو التالي:إذا أكره الإنسان على أمر ذاتيٍّ فيه.كأن قيل له:اشرب الخمر وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك قالوا:يجب عليه في هذه الحالة أنْ يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به،ومن الناس مَنْ يعصون الله بشربها.فإنْ قيل له:اكفر بالله وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك،قالوا:هو مُخيَّر بين أن يأخذ بالتقيّة هنا،ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له،أو يصدع بالحق ويصمد.
أما إذا تعلّق الإكراه بحقٍّ من حقوق الغير،كأنْ قيل لك:اقتل فلاناً وإلا قتلتك،ففي هذه الحالة لا يجوز لك قَتْله؛ لأنك لو قتلتهُ لقُتِلْت قِصَاصاً،فما الفائدة إذن؟ .
وبعد أن تحدّث الحق تبارك وتعالى عن حكم مَنْ أكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان،يتحدث عن النوع الآخر:
{ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً..} [النحل:106] .
أي:نطق كلمة الكفر راضياً بها،بل سعيدة بها نفسه،مُنْشرِحاً بها صدره،وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط.{فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] .
فإنْ كانت الآيات قد سكتت عَمَّنْ أُكرهَ،ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره،فقد بيَّنت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله أي:في الدنيا.ولهم عذاب عظيم أي:في الآخرة.وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان،كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صَدْراً،وهم المنافقون،ومنهم مَنْ أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه،ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي.[30]
وقال القاسمي :" لما بيّن تعالى فضل من آمن وصبر على أذى المشركين،في المحاماة عن الدين،تأثره ببيان ما للردة وإيثار الضلال على الهدى،من الوعد الشديد،بهذه الآيات.واستثنى المكره المطمئن القلب بالإيمان بالله ورسوله.فإنه إذا وافق المشركين بلفظ،لإيلام قوي وإيذاء شديد وتهديد بقتل،فلا جناح عليه.إنما الجناح على من شرح بالكفر صدرا أي طاب به نفسا واعتقده،استحبابا للحياة الدنيا الفانية،أي إيثارا لها على الآخرة الباقية،فذاك الذي له من الوعيد ما بينته الآيات الكريمة،من غضب الله عليهم أولا.وعذابه العظيم لهم،وهو عذاب النار ثانيا.
وعدم هدايتهم باختيارهم الكفر ثالثا.ورابعا بالطبع على قلوبهم بقساوتها وكدورتها.فلم ينفتح لهم طريق الفهم،وعلى سمعهم وأبصارهم بسدّ طريق المعنى المراد من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب.فلم يؤثر فيهم شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض العلم وإشراق النور.ولا من طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع.وخامسا بكونهم هم الغافلين،بالحقيقة،لعدم انتباههم بوجه من الوجوه.وامتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من الأسباب.وجليّ،أن كل نقمة من هذه الخمس،على انفرادها،من أعظم الحواجز عن الفوز بالخيرات والسعادات.فكيف بها كلها! قال الرازي:ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة.فإذا حصلت هذه الموانع عظم خسرانه.فلهذا قال:
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا في تحصيلها وسعهم،وأتلفوا في طلبها أعمارهم،وليسوا من الآخرة في شيء إلا في وبال التحسرات.
تنبيهات:
الأول:(من) في قوله تعالى:مَنْ كَفَرَ موصول مبتدأ خبره فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وقوله:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ استثناء مقدم من حكم الغضب.وقوله وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً رجوع إلى صدر الآية وحكمها،بأسلوب مبيّن لمن كفر،موضح له.بمثابة عطف البيان أو عطف التفسير.وهذا الوجه من الإعراب لم أره لأحد،ولا يظهر غيره لمن ذاق حلاوة أسلوب القرآن.
الثاني:استدل بالآية على أن المكره غير مكلف.وأن الإكراه يبيح التلفظ بكلمة الكفر،بشرط طمأنينة القلب على الإيمان.واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه،وكل قول أو فعل صدر منه.إلّا ما استثنى.أفاده السيوطي في (الإكليل) .
الثالث:
روي عن ابن عباس:أنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذّبه المشركون حتى يكفر بالنبيّ r فوافقهم مكرها.ثم جاء معتذرا.قال ابن جرير:أخذ المشركون عمارا فعذّبوه.حتى قاربهم في بعض ما أرادوا.فشكا ذلك إلى النبيّ r فقال له:كيف تجد قلبك؟ قال:مطمئنا بالإيمان.قال r:إن عادوا فعد.
وقال ابن إسحاق:إن المشركين عدوا على من أسلم واتبع رسول الله r من أصحابه.فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين.فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش.وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ.يفتنونهم عن دينهم.فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه.ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.وكان بلال رضي الله عنه عبدا لبعض بني جمح.يخرجه أمية بن خلف،إذا حميت الظهيرة،فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة.ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره.ثم يقول له:لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.فيقول (وهو في ذلك البلاء) :أحد.أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه.
وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه،رضي الله عنهم،إذا حميت الظهرة يعذبونهم برمضاء مكة.فيمرّ بهم رسول الله r فيقول:صبرا آل ياسر،موعدكم الجنة فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام.
قال سعيد بن جبير:قلت لابن عباس:أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله r من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال:نعم.والله! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه،حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به،حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة.حتى يقولوا له:اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول:نعم.حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له:هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول:نعم.افتداء منهم،مما يبلغون من جهده.
وقد ذكر ابن هشام في (السيرة) في بحث (عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة) غرائب في هذا الباب،فانظره....[31]
------------
ما ترشد إليه الآيات:
1- حرمة موالاة الكافرين مطلقاً.وإن لم يكن فيها ضرر للمسلمين،وما أذن فيه للتقية فإنه مؤقت ولا يجوز الاستمرار فيه إلا حال العجز عن الهجرة خشية أن يولد للمسلم أولاد فيوالون الكافرين،وهم لا يعلمون أن ما كان عليه آباؤهم كان تقية لاغير.
وقد دلّت الآية على تحريم الاطمئنان إلى الكفار أو الثقة بهم والرّكون إليهم في أمر عام،والتّجسس لهم،واطّلاعهم على أسرار المسلمين الخاصة بمصلحة الدّين،واتّخاذهم أولياء وأنصارا في شيء تقدّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين،كما فعل حاطب بن أبي بلتعة لأن فيه إعانة للكفر على الإيمان.
وقصة حاطب المسندة في الصحيحين عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ،قَالَ:سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،يَقُولُ:بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ r أَنَا وَالزُّبَيْرَ،وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ،قَالَ:«انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ،فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً،وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»،فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ،فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ،فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ،فَقَالَتْ:مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ،فَقُلْنَا:لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ،فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا،فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ r،فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ r،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»،قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ،وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا،وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ،فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ،أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي،وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا،وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«لَقَدْ صَدَقَكُمْ»،قَالَ عُمَرُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ،قَالَ:" إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا،وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ:اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "[32]
أي أن آية:لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ..لم تنزل في قصة حاطب،وإنما هذه الآية وما نزل في قصة حاطب يشتركان في النهي عن موالاة الكافرين.
ولا تمنع هاتان الآيتان وأمثالهما التّحالف أو الاتّفاق بين المسلمين وغيرهم،وإن كان التّحالف أو الاتّفاق لمصلحة غير المسلمين لأن النّبي r كان محالفا خزاعة،وهم على شركهم.
كما لا تمنع الآيات في هذا الموضوع موادّة ومجاملة غير الحربيين من غير المسلمين في الظاهر مع عدم الرّضا بكفرهم في الحقيقة والباطن،ولا تمنع معاملة غير المسلم أو معاشرته أو الثقة به في أمر خاص من الأمور،لا يمسّ مصلحة المسلمين العامة،بدليل آيات:عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً،وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ،وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ،وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ،وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة 60/ 7- 9].فالكفار الحربيون الذين آذوا المسلمين أو ظاهروا على إخراجهم من بلادهم أو اغتصبوا بعض بلادنا كفلسطين،لا تحلّ موالاتهم بل تجب معاداتهم،للآية المتقدّمة.
2- وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب،وإليه ذهب بعض المالكية،
ولقوله r- فيما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ،زَوْجِ النَّبِيِّ r أَنَّهَا قَالَتْ:خَرَجَ رَسُولُ اللهِ r قِبَلَ بَدْرٍ،فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ،فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ r حِينَ رَأَوْهُ،فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ r:جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ،وَأُصِيبَ مَعَكَ،قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ r:«تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ:لَا،قَالَ:«فَارْجِعْ،فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»،قَالَتْ:ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ،فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ،فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ،قَالَ:«فَارْجِعْ،فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»،قَالَ:ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ،فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ:«تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ:نَعَمْ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ r:«فَانْطَلِقْ»[33]،ولأنه لا يؤمن غدرهم،إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار.
وأجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار،إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين،وقيّد الشافعية ذلك أيضا بالحاجة لأن النّبي r- فيما رواه مسلم- استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب هوازن،وتعاونت خزاعة مع النّبي r عام فتح مكة،وخرج قزمان- وهو من المنافقين- مع الصحابة يوم أحد،وهو مشرك.وأما حديث «ارجع فلن أستعين بمشرك» فهو منسوخ بدليل استعانته r بيهود قينقاع وقسمه لهم من الغنيمة.
3- موالاة الكافرين على المؤمنين ردة وكفر وبراءة من الله تعالى.
4- جواز التقية في حال ضعف المؤمنين وقوة الكافرين.
وفي الآية أيضا دليل على مشروعية التّقية:وهي المحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء.
والواقع أن التّقية نوعان بحسب نوع العدوّ:عدو في الدّين،وعدوّ في الأغراض الدّنيوية كالمال والمتاع والإمارة.
أما النوع الأول:فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه،وهذا يجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه فيه.أما إن كان من المستضعفين وهم الصبيان والنساء والعجزة فيجوز له البقاء في ديار الكفر وموافقة الكافرين في الظاهر بقدر الضرورة،مع السّعي في حيلة للخروج والفرار بدينه،لقوله تعالى:إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا:فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا:كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ،قالُوا:أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها،فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ،وَساءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ،وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً [النساء 4/ 97- 99].
والموافقة حينئذ للكفار رخصة،وإظهار ما في قلبه عزيمة،فلو مات فهو شهيد،بدليل ما روي عَنِ الْحَسَنِ،قَالَ:إِنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْا بِهِمَا مُسَيْلِمَةَ،فَقَالَ:لِأَحَدِهِمَا:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:إِنِّي أَصَمُّ،- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ،وَقَالَ:لِلْآخَرِ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،فَخَلَّى سَبِيلَهُ،فَأَتَى النَّبِيَّ r فَأَخْبَرَهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«صَاحِبُكَ أَخَذَ بِالْفَضْلِ وَأَنْتُ أَخَذْتَ بِالرُّخْصَةَ،عَلَامَ أَنْتَ الْيَوْمَ؟» قَالَ:أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ كَاذِبٌ" [34].
وعَنِ الْحَسَنِ،أَنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْهُ بِهِمَا،فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَقَالَ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،قَالَ:فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ فَقَالَ:إِنِّي أَصَمُّ،قَالَ:مَا لَكَ إِذَا قُلْتُ لَكَ:تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،قُلْتُ إِنِّي أَصَمُّ،فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ،وَقَالَ لِلْآخَرِ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَقَالَ:أَتَشَهَّدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَأَرْسَلَهُ،فَأَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ:هَلَكْتُ،قَالَ:«وَمَا شَأْنُكَ؟» فَأَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِ وَقِصَّةِ صَاحِبِهِ،فَقَالَ:«أَمَّا صَاحِبُكَ فَمَضَى عَلَى إِيمَانِهِ،وَأَمَّا أَنْتَ فَأَخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ»[35]
وأما النوع الثاني- وهو من كانت عداوته بسبب المال ونحوه،فقد اختلف العلماء في وجوب هجرة صاحبه من ديار الأعداء،فقال بعضهم:تجب لقوله تعالى:وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] وللنهي عن إضاعة المال،ولقوله r فيما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،قَالَ:سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ:«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».[36]
وقال آخرون:لا تجب لأنها مصلحة دنيويّة ولا تضرّ بالدّين.ولكن الراجح أن الهجرة قد تجب هنا أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك عرضه.
5- مداراة الناس بإظهار المحبة والولاء والموافقة:إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير،كما أنها لا تخالف أصول الدّين،فهي جائزة.وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزّور،فلا تجوز.عَنِ الْحَسَنِ،قَالَ:التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَجْعَلُ فِي الْقَتْلِ تَقِيَّةً.[37]
6- ينبغي دوام الحذر من عقاب الله وغضبه،حتى يكون الإنسان على طهر من المعاصي،ويحرص على زيادة القربات إلى ربّه،فهي التي تنفعه يوم القيامة،فيجازي كل إنسان بعمله:إن خيرا فخير،وإن شرّا فشرّ.
7- علم الله واسع شامل،يعلم كل شيء كبيرا أو صغيرا،ويعلم ما في السموات والأرض،ويعلم خفيات النفوس وجلياتها،فسواء أظهر الإنسان شيئا أو أخفاه في صدره،فإن الله تعالى عالم به علما دقيقا تامّا،لا يختلف عليه شيء.[38]
8- الترخيص للمستكره بالنطق بالكفر ظاهرا مع اطمئنان القلب بالإيمان،فقد أمر النبي r عمارا أن يعود إلى مجاراة المشركين في القول إن عادوا إلى إكراهه،لكن عدم المجاراة أفضل.
أ- قال العلماء:إن الأمر في الحديث للإباحة،والصارف له عن الوجوب إليها:ما روي عن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه أنه لم يعطهم التقية،بل صبر حتى قتل،فكان عند النبي r خيرا من عمار في إعطائه التقية.ثم إن في الصبر على المكروه إعزازا للدين والإسلام وغيظا للمشركين،فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل،فتأثير الإكراه حينئذ إنما هو إسقاط المأثم فقط،فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،عَنِ النَّبِيِّ r،قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ،وَالنِّسْيَانَ،وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[39]
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ،وَالنِّسْيَانَ،وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[40]
 وكذلك بلال الحبشي أبى على المشركين المجاراة في القول،وهم يفعلون به الأفاعيل،حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر،ويأمرونه بالشرك بالله،فيأبى عليهم،وهو يقول:أحد،أحد،ويقول:والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها،رضي الله عنه وأرضاه.
والخلاصة:أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر،فاختار القتل،أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة.
ب- لما سمح الله عز وجل بالكفر به- وهو أصل الشريعة- عند الإكراه ولم يؤاخذ به،حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها،فإذا أكره الإنسان عليها لم يؤاخذ بما قال أو فعل،ولم يترتب عليه حكم.
ج- قال القرطبي:أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل:أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان،ولا تبين منه زوجته،ولا يحكم عليه بحكم الكفر،هذا قول مالك والكوفيين والشافعي،غير محمد بن الحسن،فإنه قال:إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر،وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام،وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات،ولا يرث أباه إن مات مسلما.وهذا قول يرده الكتاب والسنة،فإنه مخالف لهذه الآية:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ.
هـ- وأما بيع المكره والمضطر فله حالتان:
الأولى- أن يبيع ماله في حق وجب عليه:فذلك نافذ لازم لا رجوع فيه لأنه يلزمه أداء الحق إلى صاحبه من غير المبيع،فلما لم يفعل ذلك،كان بيعه اختيارا منه،فلزمه.
الثانية- بيع المكره ظلما أو قهرا:فهو بيع غير لازم،وهو أولى بمتاعه،يأخذه بلا ثمن،ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم فإن تلف المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك،على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه.
د- اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه،فذهب الحنفية إلى أن الطلاق ونحوه يلزمه لأن الطلاق يعتمد الاختيار،والإكراه ينفي الرضا ويحقق الاختيار.
وغير الحنفية ذهبوا إلى عدم لزومه،استدلالا بالحديث المتقدم:«رفع عن أمتي» وحمله الحنفية على رفع الحكم الأخروي وهو الإثم.
وللإكراه مراتب:
الأولى- أن يجب الفعل المكره عليه،مثل الإكراه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة،هنا يجب الأكل لأن صون الروح عن الهلاك واجب لقوله تعالى:وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 2/ 195] .
الثانية- أن يصير ذلك الفعل مباحا لا واجبا،كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر،يباح ولا يجب.
الثالثة- ألا يجب ولا يباح بل يحرم،كالإكراه على قتل إنسان أو قطع عضو آخر،يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.أما القصاص فيسقط في رأي،ويجب في رأي آخر  .
قال القرطبي:أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله،ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره،ويصبر على البلاء الذي نزل به،ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره،ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة  .
والخلاصة:ثلاثة أمور لا تباح بحال هي الكفر والقتل والزنى.ويرخص في إجراء كلمة الكفر على اللسان فقط دون استباحة ذلك.[41]
 
___________

المبحث الثاني
أحكام التقية عند الفقهاء
 
التَّعْرِيفُ :
التَّقِيَّةُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ الاِتِّقَاءِ،يُقَال:اتَّقَى الرَّجُل الشَّيْءَ يَتَّقِيهِ،إِذَا اتَّخَذَ سَاتِرًا يَحْفَظُهُ مِنْ ضَرَرِهِ،وَمِنْهُ الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،قَالَ:سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ،قَالَ:سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ:«اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[42]
وَأَصْلُهُ مِنْ وَقَى الشَّيْءَ،يَقِيهِ،إِذَا صَانَهُ،قَال اللَّهُ تَعَالَى :{ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } [غافر:45] أَيْ حَمَاهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَضُرَّهُ مَكْرُهُمْ.وَيُقَال فِي الْفِعْل أَيْضًا:تَقَاهُ يَتَّقِيهِ.وَالتَّاءُ هُنَا مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْوَاوِ.
وَالتُّقَاةُ وَالتَّقِيَّةُ وَالتَّقْوَى وَالتُّقَى وَالاِتِّقَاءُ،كُلُّهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ فِي اسْتِعْمَال أَهْل اللُّغَةِ.[43]
أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ التَّقْوَى وَالتُّقَى خُصَّا بِاتِّقَاءِ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى بِامْتِثَال أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ وَالْخَوْفِ مِنَ ارْتِكَابِ مَا لاَ يَرْضَاهُ،لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقِي مِنْ غَضَبِهِ وَعَذَابِهِ.
وَأَمَّا التُّقَاةُ وَالتَّقِيَّةُ فَقَدْ خُصَّتَا فِي الاِصْطِلاَحِ بِاتِّقَاءِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَأَصْل ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [آل عمران:28].
وَقَدْ عَرَّفَهَا السَّرَخْسِيُّ بِقَوْلِهِ:التَّقِيَّةُ أَنْ يَقِيَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِمَا يُظْهِرُهُ وَإِنْ كَانَ يُضْمِرُ خِلاَفَهُ.[44]
وَعَرَّفَهَا ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ:التَّقِيَّةُ الْحَذَرُ مِنْ إِظْهَارِ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ مُعْتَقَدٍ وَغَيْرِهِ لِلْغَيْرِ.[45]
وَالتَّعْرِيفُ الأَوَّل أَشْمَل،لِأَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ التَّقِيَّةُ بِالْفِعْل إِضَافَةً إِلَى التَّقِيَّةِ بِالْقَوْل وَالتَّقِيَّةِ فِي الْعَمَل كَمَا هِيَ فِي الاِعْتِقَادِ.
الأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الْمُدَارَاةُ :
 الْمُدَارَاةُ مُلاَيَنَةُ النَّاسِ وَمُعَاشَرَتُهُمْ بِالْحُسْنَى مِنْ غَيْرِ ثَلَمٍ فِي الدِّينِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ وَالإِغْضَاءُ عَنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ [46].
وَأَصْلُهَا " الْمُدَارَأَةُ " بِالْهَمْزِ،مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ،وَالْمُدَارَاةُ مَشْرُوعَةٌ،وَذَلِكَ لِأَنَّ وِدَادَ النَّاسِ لاَ يُسْتَجْلَبُ إِلاَّ بِمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ.وَالْبَشَرُ قَدْ رُكِّبَ فِيهِمْ أَهْوَاءٌ مُتَبَايِنَةٌ،وَطِبَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ،وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ تَرْكُ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ،فَلَيْسَ إِلَى صَفْوِ وِدَادِهِمْ سَبِيلٌ إِلاَّ بِمُعَاشَرَتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِرَأْيِكَ وَهَوَاكَ[47].
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالتَّقِيَّةِ:أَنَّ التَّقِيَّةَ غَالِبًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ،وَأَمَّا الْمُدَارَاةُ فَهِيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ
ب - الْمُدَاهَنَةُ :
 قَال ابْنُ حِبَّانَ:مَتَى مَا تَخَلَّقَ الْمَرْءُ بِخُلُقٍ يَشُوبُهُ بَعْضُ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ فَتِلْكَ هِيَ الْمُدَاهَنَةُ.[48]
وقَوْله تَعَالَى :{ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9] فَسَّرَهُ الْفَرَّاءُ،كَمَا فِي اللِّسَانِ بِقَوْلِهِ:وَدُّوا لَوْ تَلِينَ فِي دِينِكَ فَيَلِينُونَ.وَقَال أَبُو الْهَيْثَمِ:أَيْ:وَدُّوا لَوْ تُصَانِعُهُمْ فِي الدِّينِ فَيُصَانِعُوكَ.وَهَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ حِبَّانَ،فَإِنَّ النَّبِيَّ r كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّدْعِ بِالدَّعْوَةِ وَعَدَمِ الْمُصَانَعَةِ فِي إِظْهَارِ الْحَقِّ وَعَيْبِ الأَصْنَامِ وَالآْلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى،فَكَانَ تَلْيِينُ الْقَوْل فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مُدَاهَنَةً لاَ يَرْضَاهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ فِيهَا تَرْكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْجَهْرِ بِالدَّعْوَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالتَّقِيَّةِ:أَنَّ التَّقِيَّةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ،أَمَّا الْمُدَاهَنَةُ فَلاَ تَحِل أَصْلاً،لِأَنَّهَا اللِّينُ فِي الدِّينِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا.[49]
ج - النِّفَاقُ :
النِّفَاقُ هُوَ أَنْ يُظْهِرَ الإِيمَانَ وَيَسْتُرَ الْكُفْرَ،وَقَدْ يُطْلَقُ النِّفَاقُ عَلَى الرِّيَاءِ،قَال صَاحِبُ اللِّسَانِ:لِأَنَّ كِلَيْهِمَا إِظْهَارُ غَيْرِ مَا فِي الْبَاطِنِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ:إِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ،وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ،كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.[50].
وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّقِيَّةِ وَبَيْنَ النِّفَاقِ،أَنَّ الْمُنَافِقَ كَافِرٌ فِي قَلْبِهِ لَكِنَّهُ يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَيَعْمَل أَعْمَال الْمُؤْمِنِينَ لِيَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ الإِسْلاَمِيِّ وَلِيُحَصِّل الْمِيزَاتِ الَّتِي يُحَصِّلُهَا الْمُؤْمِنُ.فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلتَّقِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا إِظْهَارُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَأْمَنُ بِهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْكُفْرِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ،وَاطْمِئْنَانِهِ بِالإِيمَانِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ:
 يَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ الأَصْل فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ،وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ،فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.قَال الْقُرْطُبِيُّ:وَالتَّقِيَّةُ لاَ تَحِل إِلاَّ مَعَ خَوْفِ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الإِيذَاءِ الْعَظِيمِ،وَلَمْ يُنْقَل مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ،وَمُجَاهِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ[51]،وَإِنَّمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ:{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [آل عمران:28] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَوْلُهُ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] قَالَ:«نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ،أَوْ يَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ،فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ» وَذَلِكَ قَوْلُهُ:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] [52].
 وقال ابن تيمية:" فَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِيَدِهِ مَعَ عَجْزِهِ،وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَهُ بِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَبِقَلْبِهِ،مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ،إِمَّا أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكْتُمَهُ،وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ كُلِّهِ،بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَمُؤْمِنِ [آلِ]  فِرْعَوْنَ - وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ - وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى جَمِيعِ دِينِهِمْ،وَلَا كَانَ يَكْذِبُ،وَلَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ،بَلْ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.
وَكِتْمَانُ الدِّينِ شَيْءٌ،وَإِظْهَارُ الدِّينِ الْبَاطِلِ شَيْءٌ آخَرُ.فَهَذَا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ قَطُّ إِلَّا لِمَنْ أُكْرِهَ،بِحَيْثُ أُبِيحَ لَهُ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ.وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَالْمُكْرَهِ.
وَكِتْمَانُ الدِّينِ شَيْءٌ،وَإِظْهَارُ الدِّينِ الْبَاطِلِ شَيْءٌ آخَرُ.فَهَذَا لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ قَطُّ إِلَّا لِمَنْ أُكْرِهَ،بِحَيْثُ أُبِيحَ لَهُ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ.وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَالْمُكْرَهِ.
وَالرَّافِضَةُ حَالُهُمْ مِنْ جِنْسِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ،لَا مِنْ جِنْسِ حَالِ الْمُكْرَهِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،فَإِنَّ هَذَا الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ عَامًّا مِنْ جُمْهُورِ بَنِي آدَمَ،بَلِ الْمُسْلِمُ يَكُونُ أَسِيرًا أَوْ مُنْفَرِدًا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ،وَلَا أَحَدَ يُكْرِهُهُ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ،وَلَا يَقُولُهَا،وَلَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ،وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَلِينَ لِنَاسٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِيَظُنُّوهُ مِنْهُمْ،وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ،بَلْ يَكْتُمُ مَا فِي قَلْبِهِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَذِبِ وَبَيْنَ الْكِتْمَانِ.فَكِتْمَانُ مَا فِي النَّفْسِ يَسْتَعْمِلُهُ الْمُؤْمِنُ حَيْثُ يَعْذُرُهُ اللَّهُ فِي الْإِظْهَارِ،كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.وَأَمَّا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْكُفْرِ،فَلَا يَعْذُرُهُ إِلَّا إِذَا أُكْرِهَ.وَالْمُنَافِقُ الْكَذَّابُ لَا يُعْذَرُ بِحَالٍ،وَلَكِنْ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ.ثُمَّ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ يَكُونُ بَيْنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ دِينَهُ،وَهُوَ مَعَ هَذَا مُؤْمِنٌ عِنْدَهُمْ يُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ؛لِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يُوجِبُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالنُّصْحِ،وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ بِهِمْ،وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ،كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ يَسِيرُ فِي أَهْلِ مِصْرَ وَكَانُوا كُفَّارًا،وَكَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ،وَمَعَ هَذَا كَانَ يُعَظِّمُ مُوسَى وَيَقُولُ:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [سُورَةُ غَافِرٍ:2].[53]
وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106] وَسَبَبُ نُزُول الآْيَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ r وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ،عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ r،وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ،فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:«مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ:شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ،مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ،وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ:«كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ:مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ قَالَ:«إِنْ عَادُوا فَعُدْ»[54].
وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّقِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ   عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُيُونًا لِمُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْهُ بِهِمَا،فَقَالَ لأَحَدِهِمَا:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَقَالَ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ:فَأَهْوَى إلَى أُذُنَيْهِ،فَقَالَ:إنِّي أَصَمُّ،قَالَ:مَا لَكَ إذَا قُلْتُ لَكَ:تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ , قُلْتُ إنِّي أَصَمُ , فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ،وَقَالَ لِلآخَرِ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ،قَالَ:نَعَمْ،فَقَالَ:أَتَشَهَّدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ،قَالَ:نَعَمْ , فَأَرْسَلَهُ , فَأَتَى النَّبِيَّ r،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ:هَلَكْت،قَالَ:وَمَا شَأْنُك فَأَخْبَرُوهُ بِقِصَّتِهِ وَقِصَّةِ صَاحِبِهِ،فَقَالَ:أَمَّا صَاحِبُك فَمَضَى عَلَى إيمَانِهِ , وَأَمَّا أَنْتَ فَأَخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ.[55]
وعَنِ الْحَسَنِ،قَالَ:إِنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْا بِهِمَا مُسَيْلِمَةَ،فَقَالَ:لِأَحَدِهِمَا:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:إِنِّي أَصَمُّ،- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ،وَقَالَ:لِلْآخَرِ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟،قَالَ:نَعَمْ،فَخَلَّى سَبِيلَهُ،فَأَتَى النَّبِيَّ r فَأَخْبَرَهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«صَاحِبُكَ أَخَذَ بِالْفَضْلِ وَأَنْتُ أَخَذْتَ بِالرُّخْصَةَ،عَلَامَ أَنْتَ الْيَوْمَ؟» قَالَ:أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ كَاذِبٌ"[56]
وعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ،قَالَ:ذُكِرَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الَّذِي كَانَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قَطَعَهُ بِالْيَمَامَةِ حِينَ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r،فَجَعَلَ يَقُولُ:أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ:نَعَمْ،ثُمَّ يَقُولُ:أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ لَهُ:لَا أَسْمَعُ،فَيَقُولُ مُسَيْلِمَةُ:أَتَسْمَعُ هَذَا،وَلَا تَسْمَعُ هَذَا؟ فَيَقُولُ:نَعَمْ،فَجَعَلَ يَقْطَعُهُ عُضْوًا عُضْوًا،كُلَّمَا سَأَلَهُ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي يَدَيْهِ.قَالَ كَعْبٌ حِينَ قِيلَ لَهُ:اسْمُهُ حَبِيبٌ:«وَكَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُ يَس اسْمَهُ حَبِيبٌ»[57]
وعَنِ الْحَسَنِ،قَالَ:التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَجْعَلُ فِي الْقَتْلِ تَقِيَّةً.[58]
وَقَدْ نَسَبَ الْقُرْطُبِيُّ إِنْكَارَ التَّقِيَّةِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ،وَنَسَبَهُ الرَّازِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ إِلَى مُجَاهِدٍ،قَالاَ:" كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جِدَّةِ الإِسْلاَمِ قَبْل قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ أَهْل الإِسْلاَمِ أَنْ يَتَّقُوا عَدُوَّهُمْ  "[59]
وَنَقَل السَّرَخْسِيُّ عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْبَوْنَ التَّقِيَّةَ،وَيَقُولُونَ:هِيَ مِنَ النِّفَاقِ.[60]
التَّقِيَّةُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ :
 قَال السَّرَخْسِيُّ:إِنَّ هَذَا النَّوْعَ - يَعْنِي النُّطْقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ تَقِيَّةً - يَجُوزُ لِغَيْرِ الرُّسُل.فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - فَمَا كَانَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى أَصْل الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ،وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ مُحَالٌ - أَيْ مَمْنُوعٌ شَرْعًا - لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يُقْطَعَ الْقَوْل بِمَا هُوَ شَرِيعَةٌ،لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ فَعَل ذَلِكَ أَوْ قَالَهُ تَقِيَّةً[61].
وَهُوَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا يُبَيِّنُهُ أَهْل الأُصُول مِنْ أَنَّ حُجِّيَّةَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى كَوْنِ كُل مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ r حَقًّا،إِذْ لَوْ تَطَرَّقَ إِلَى أَقْوَالِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ فَعَل أَوْ قَال أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ وَهِيَ حَرَامٌ،لَكَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا فِي الدِّينِ،وَلَمَا حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِأَقْوَال النَّبِيِّ r وَأَفْعَالِهِ.وَكَذَلِكَ السُّكُوتُ مِنْهُ r عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِقْرَارٌ تُسْتَفَادُ مِنْهُ الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ،فَلَوْ كَانَ بَعْضُ سُكُوتِهِ يَكُونُ تَقِيَّةً لاَلْتَبَسَتِ الأَحْكَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى:{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)} [الأحزاب:38،39]،وَقَال:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67]
قَال الْقُرْطُبِيُّ:دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى رَدِّ قَوْل مَنْ قَال:إِنَّ النَّبِيَّ r كَتَمَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ تَقِيَّةً،وَعَلَى بُطْلاَنِهِ وَهُمُ الرَّافِضَةُ.[62]
قَال شَارِحُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ:مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ بُعِثَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ،فَلَعَلَّهُ - أَيْ فِي حَال افْتِرَاضِ عَمَلِهِ بِالتَّقِيَّةِ - كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ خَوْفًا مِنْهُمْ،وَكَذَا مُحَمَّدٌ r بُعِثَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ،وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ قُدْرَةٌ لِدَفْعِهِمْ فَيَلْزَمُ عَلَى تَجْوِيزِ التَّقِيَّةِ لَهُ احْتِمَال كِتْمَانِهِ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ،وَأَنْ لاَ ثِقَةَ بِالْقُرْآنِ.فَانْظُرْ إِلَى شَنَاعَةِ هَذَا الْقَوْل وَحَمَاقَتِهِ.[63]
عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّقِيَّةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ لاَ يَعْنِي عَدَمَ عَمَلِهِمْ بِالْمُلاَطَفَةِ وَاللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ لِلنَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ،أَيْ مِنْ دُونِ إِخْلاَلٍ بِفَرِيضَةٍ أَوِ ارْتِكَابٍ لِمُحَرَّمٍ.[64]
حُكْمُ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ :
 تَقَدَّمَتْ الأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا.فَقِيل:إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَتَحَقَّقَ شَرْطُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ،لِأَنَّ إنْقَاذَ النَّفْسِ مِنَ الْهَلَكَةِ أَوِ الإِيذَاءِ الْعَظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الأَوْلَى لِلإِنْسَانِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ بِظَاهِرِهِ،كَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَاطِنِهِ[65].
 وَقَدْ يَكُونُ الثَّبَاتُ أَفْضَل وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَمَثُوبَةً وَلَوْ كَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا،وَثَبَتَ هَذَا بِالأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،فَمِنَ الْكِتَابِ مَا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ،فَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى عَذَابِ الْحَرِيقِ فِي الأُخْدُودِ،وَاخْتَارُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِمْ.وَثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الثَّبَاتِ يَدُل عَلَى تَفْضِيل مَوْقِفِهِمْ عَلَى مَوْقِفِ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ فِي قَضِيَّةِ إظْهَارِ الْكُفْرِ.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى :{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت:2 - 4].
وَمِمَّا يُسْتَدَل بِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ ما جاء عَنْ مُعَاذٍ قَالَ:أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ r بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ:" لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ،وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ،وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ،وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ،وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ،وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ،وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مُوتَانٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ،وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ،وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللهِ "[66]
   وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ مُسَيْلِمَةَ،فَقَدْ عَذَرَ النَّبِيُّ r الصَّحَابِيَّ الَّذِي وَافَقَ مُسَيْلِمَةَ وَقَال فِيهِ:لاَ تَبِعَةَ عَلَيْهِ ،وَقَال فِي حَقِّ الَّذِي ثَبَتَ فَقُتِل:مَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ،وَأَخَذَ بِفَضْلِهِ،فَهَنِيئًا لَهُ وَهَذَا يَدُل عَلَى التَّفْضِيل.
وَاحْتَجَّ السَّرَخْسِيُّ أَيْضًا بِقِصَّةِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ مُوَافَقَةِ قُرَيْشٍ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى قَتَلُوهُ.[67].فعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ:«بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r عَشَرَةً»،مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ،فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ،أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ،أَخْبَرَتْهُ،أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا،فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ،قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا...عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي،
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ...يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ،
فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ،«فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ r أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا»[68]
  وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابًا بِعِنْوَانِ ( بَابُ مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْل وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ،قَالَ:شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r،وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ،قُلْنَا لَهُ:أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا،أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ:«كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ،فَيُجْعَلُ فِيهِ،فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ،وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ،وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ،وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ،وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ،حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ،لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ،أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ،وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»[69]
وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ،قَالَ:أَتَيْنَا النَّبِيَّ r،وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا،فَجَلَسَ مُغْضَبًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ،فَقَالَ:«إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِيُسْأَلُ الْكَلِمَةَ فَمَا يُعْطِيهَا،فَيُوضَعُ عَلَيْهِ الْمِنْشَارِ،فَيَشُقُّ بِاثْنَيْنِ،مَا يَصْرِفُهُ ذَاكَ عَنْ دِينِهِ،وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُمْشَطُ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ،وَمَا يَصْرِفُهُ ذَاكَ عَنْ دِينِهِ،وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ،وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ»[70]
(وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ):بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ:لَيَكْمُلَنَّ (هَذَا الْأَمْرُ) أَيْ:أَمْرُ الدِّينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ،وَفِي أُخْرَى بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ،وَقَوْلُهُ:هَذَا الْأَمْرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ،وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة:32 - 33] (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ) أَيْ:رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَحْدَهُ (مِنْ صَنْعَاءَ):بَلَدٍ بِالْيَمَنِ (إِلَى حَضْرَمَوْتَ):مَوْضِعٍ بِأَقْصَى الْيَمَنِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِلتَّرْكِيبِ وَالْعَلَمِيَّةِ،وَقِيلَ اسْمُ قَبِيلَةٍ،وَقِيلَ مَوْضِعٌ حَضَرَ فِيهِ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَاتَ فِيهِ،وَحَضَرَ جِرْجِيسُ فَمَاتَ فِيهِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ،وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي الْقَامُوسِ:حَضْرَمَوْتُ وَبِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ،وَيُقَالُ هَذَا حَضْرَمَوْتُ،وَيُضَافُ فَيُقَالُ:حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنِ الثَّانِيَ (لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ):وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ،وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَوْ يَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ لِلْجَمْعِ أَوْ لِلشَّكِّ،وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ،فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ،وَزَوَالِ الْخَوْفِ،فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ،كَمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا الْأَمْنُ مِنْ عُدْوَانِ الذِّئْبِ،فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.(وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ).أَيْ:سَيَزُولُ عَذَابُ الْمُشْرِكِينَ فَاصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ الدِّينِ كَمَا صَبَرَ مَنْ سَبَقَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَشَدِّ مِنْ عَذَابِكُمْ لِقُوَّةِ الْيَقِينِ.[71]
وَهُوَ وَاضِحُ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ.
وَهَكَذَا كُل أَمْرٍ فِيهِ إعْزَازٌ لِلدِّينِ وَإِعْلاَءٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارٌ لِثَبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَبَسَالَتِهِمْ،وَتَثْبِيتٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ،يَكُونُ الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَإِظْهَارُهُ أَوْلَى مِنَ التَّقِيَّةِ،وَهَذَا بِخِلاَفِ نَحْوِ الإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْل الْمَيْتَةِ وَحَيْثُ لاَ تَظْهَرُ الْمَصَالِحُ الْمَذْكُورَةُ.
قَال الْفَخْرُ الرَّازِيُّ:اعْلَمْ أَنَّ لِلتَّقِيَّةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا :
( الْحُكْمُ الأَوَّل ):أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَ الرَّجُل فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ،وَيَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ،وَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ،بَل يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ الْكَلاَمَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالاَةِ،وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلاَفَهُ،وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُل مَا يَقُول،فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لاَ فِي أَحْوَال الْقُلُوبِ.
( الْحُكْمُ الثَّانِي لِلتَّقِيَّةِ ):أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالإِيمَانِ وَالْحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَل،وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ.
( الْحُكْمُ الثَّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ ):أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ وَالْمُعَادَاةِ،وَقَدْ تَجُوزُ أَيْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إِلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْل وَالزِّنَى وَغَصْبِ الأَمْوَال وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَاطِّلاَعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ،فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَلْبَتَّةَ.
 ( الْحُكْمُ الرَّابِعُ ):ظَاهِرُ الآْيَةِ يَدُل عَلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَحِل مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ إِلاَّ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَلَّتِ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَلَى النَّفْسِ.
 الْحُكْمُ الْخَامِسُ ):التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ،وَهَل هِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ الْمَال ؟
يُحْتَمَل أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِالْجَوَازِ،فعَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ r:" سِبَابُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فُسُوقٌ،وَقِتَالُهُ كُفْرٌ،وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ "[72] 
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«حُرْمَةُ مَالِ الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ»[73]
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ r:«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»[74]
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَال شَدِيدَةٌ وَالْمَاءُ إِذَا بِيعَ بِالْغَبْنِ سَقَطَ فَرْضُ الْوُضُوءِ،وَجَازَ الاِقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَال،فَكَيْفَ لاَ يَجُوزُ هَاهُنَا.
( الْحُكْمُ السَّادِسُ ):قَال مُجَاهِدٌ:هَذَا الْحُكْمُ كَانَ ثَابِتًا فِي أَوَّل الإِسْلاَمِ لِأَجْل ضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَمَّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الإِسْلاَمِ فَلاَ،وَرَوَى عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ:أَنَّهُ قَال التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَهَذَا الْقَوْل أَوْلَى،لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ.[75]
شُرُوطُ جَوَازِ التَّقِيَّةِ :
أ - يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَوْفٌ مِنْ مَكْرُوهٍ،عَلَى مَا يُذْكَرُ تَفْصِيلُهُ بَعْدُ.فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ وَلاَ خَطَرٌ لَمْ يَجُزِ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ تَقِيَّةً،وَذَلِكَ كَمَنْ يَفْعَل الْمُحَرَّمَ تَوَدُّدًا إِلَى الْفُسَّاقِ أَوْ حَيَاءً مِنْهُمْ.وَإِنْ قَال خِلاَفَ الْحَقِيقَةِ كَانَ كَاذِبًا آثِمًا،وَكَذَا مَنْ أَثْنَى عَلَى الظَّالِمِينَ أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصِدْقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَحُسْنِ طَرِيقَتِهِمْ لِتَحْصِيل الْمَصْلَحَةِ مِنْهُمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ خَطَرٌ مِنْهُمْ لَوْ سَكَتَ،فَإِنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا آثِمًا مُشَارِكًا لَهُمْ فِي ظُلْمِهِمْ وَفِسْقِهِمْ.وَإِنْ كَانَ فِيمَا صَدَّقَهُمْ بِهِ عُدْوَانٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَذَلِكَ أَعْظَمُ ،عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:" مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ:آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ "[76].
ب - قِيل:يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ وَسَبَقَ قَوْل الرَّازِيِّ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ حَلَّتِ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَنِ النَّفْسِ.[77]
ج - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ وَنَحْوِهِ تَقِيَّةً يُتْرَكُ بَعْدَ ذَلِكَ.وَهَذَا الاِشْتِرَاطُ مَنْقُولٌ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ،فَقَدْ سُئِل عَنِ الرَّجُل يُؤْسَرُ فَيُعْرَضُ عَلَى الْكُفْرِ وَيُكْرَهُ عَلَيْهِ،هَل لَهُ أَنْ يَرْتَدَّ - أَيْ ظَاهِرًا - فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَقَال:مَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمُ الآْيَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أُولَئِكَ كَانُوا يُرَادُونَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ يُتْرَكُونَ يَفْعَلُونَ مَا شَاءُوا،وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونَهُمْ عَلَى الإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ وَتَرْكِ دِينِهِمْ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ:وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا ثُمَّ يُخَلَّى لاَ ضَرَرَ فِيهَا،وَهَذَا الْمُقِيمُ بَيْنَهُمْ يَلْتَزِمُ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ وَاسْتِحْلاَل الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَفِعْل الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً تَزَوَّجُوهَا وَاسْتَوْلَدُوهَا أَوْلاَدًا كُفَّارًا.وَكَذَلِكَ الرَّجُل.وَظَاهِرُ حَالِهِمُ الْمَصِيرُ إِلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالاِنْسِلاَخِ مِنَ الإِسْلاَمِ.[78]
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إظْهَارُ الْكُفْرِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُتْرَكُ بَعْدَ ذَلِكَ،أَمَّا إنْ كَانَ مَآلُهُ الاِلْتِزَامُ بِالإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْكُفَّارِ يُجْرُونَ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْكُفْرِ وَيَمْنَعُونَهُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى إظْهَارِ الْكُفْرِ.
وَحِينَئِذٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ مِثْل تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لَهُ الإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ بِعُذْرِ التَّقِيَّةِ.
د - وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْمُكَلَّفِ مُخَلِّصٌ مِنَ الأَذَى إِلاَّ بِالتَّقِيَّةِ،وَهَذَا الْمُخَلِّصُ قَدْ يَكُونُ الْهَرَبُ مِنَ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الضَّرْبِ،وَقَدْ يَكُونُ التَّوْرِيَةُ عِنْدَ الإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلاَقِ،وَعَدَمِ الدَّهْشَةِ[79]
وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ،وَقَدْ تَكُونُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلاَمِ.فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ الْهِجْرَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوَالاَةُ الْكُفَّارِ وَتَرْكُ إظْهَارِ دِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)} [النساء:97 - 99] قَال الأَلُوسِيُّ:اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي إظْهَارِ الإِسْلاَمِ وَعَنْ إدْخَالِهِمُ الْخَلَل فِيهِ وَعَنِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِ الدِّينِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ،وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَارِهِينَ.فَلَمْ تَقْبَل الْمَلاَئِكَةُ عُذْرَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ،فَاسْتَحَقُّوا عَذَابَ جَهَنَّمَ لِتَرْكِهِمُ الْفَرِيضَةَ الْمَحْتُومَةَ.[80]
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَقْهُورًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ حَقِيقَةً لِضَعْفِهِ أَوْ لِصِغَرِ سِنِّهِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً بِحَيْثُ يَخْشَى التَّلَفَ لَوْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الإِقَامَةِ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ.وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى الآْيَتَانِ التَّالِيَتَانِ لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ وَهُمَا { إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)} [النساء:98،99]
وَقَال الأَلُوسِيُّ أَيْضًا :" كُل مُؤْمِنٍ وَقَعَ فِي مَحَلٍّ لاَ يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ الْمُخَالِفِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ،وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَصْلاً أَنْ يَبْقَى هُنَاكَ وَيُخْفِيَ دِينَهُ وَيَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الاِسْتِضْعَافِ،فَإِنَّ أَرْضَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ.نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعُمْيَانِ وَالْمَحْبُوسِينَ وَاَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمُ الْمُخَالِفُونَ بِالْقَتْل أَوْ قَتْل الأَوْلاَدِ أَوِ الآْبَاءِ أَوِ الإِمَّهَاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقَاعُ مَا خُوِّفُوا بِهِ غَالِبًا،سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْقَتْل بِضَرْبِ الْعُنُقِ أَوْ حَبْسِ الْقُوتِ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ،فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمُكْثُ مَعَ الْمُخَالِفِ،وَالْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ بِدِينِهِ.وَإِنْ كَانَ التَّخْوِيفُ بِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا كَالْحَبْسِ مَعَ الْقُوتِ،وَالضَّرْبِ الْقَلِيل غَيْرِ الْمُهْلِكِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ مُوَافَقَتُهُمْ.[81]
هـ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الأَذَى الْمَخُوفُ وُقُوعُهُ مِمَّا يَشُقُّ احْتِمَالُهُ.وَالأَذَى إمَّا أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ فِي نَفْسِ الإِنْسَانِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ.أَوْ فِي الْغَيْرِ،أَوْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ.فَالأَوَّل كَخَوْفِ الْقَتْل أَوِ الْجُرْحِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوِ الْحَرْقِ الْمُؤْلِمِ أَوِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوِ الْحَبْسِ مَعَ التَّجْوِيعِ وَمَنْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:أَوْ خَوْفِ صَفْعٍ وَلَوْ قَلِيلاً لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ.[82]
أَمَّا التَّجْوِيعُ الْيَسِيرُ وَالْحَبْسُ الْيَسِيرُ وَالضَّرْبُ الْيَسِيرُ فَلاَ تَحِل بِهِ التَّقِيَّةُ وَلاَ يُجِيزُ إظْهَارَ مُوَالاَةِ الْكَافِرِينَ أَوِ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ.وَرَخَّصَ الْبَعْضُ فِي التَّقِيَّةِ لِأَجْلِهِ.رَوَى شُرَيْحٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال:لَيْسَ الرَّجُل بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا سُجِنَ أَوْ أُوثِقَ أَوْ عُذِّبَ.وَفِي لَفْظٍ:أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ كُرْهٌ:السِّجْنُ وَالضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالْقَيْدُ.وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ:مَا كَلاَمٌ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ إِلاَّ كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ.[83]
وَأَمَّا الْعِرْضُ فَكَأَنْ يَخْشَى عَلَى حَرَمِهِ مِنَ الاِعْتِدَاءِ.وَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَى الْمَال فَقَدْ قَال الرَّازِيُّ:فِيمَا سَبَقَ بَيَانُهُ:التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَهَل هِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ الْمَال ؟ يُحْتَمَل أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِالْجَوَازِ لِقَوْل النَّبِيِّ r حُرْمَةُ مَال الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.[84]
وَقَوْلُهُ مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ،وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَال شَدِيدَةٌ،وَالْمَاءُ إِذَا بِيعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ سَقَطَ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَجَازَ الاِقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَال،فَكَيْفَ لاَ يَجُوزُ هَاهُنَا ؟ وَقَال مَالِكٌ إِنَّ التَّخْوِيفَ بِأَخْذِ الْمَال إِكْرَاهٌ وَلَوْ قَلِيلاً وَفِي مَذْهَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.[85]
قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى:الإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ.
وَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْقَوْل ابْنُ عَقِيلٍ.أَيْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَشْخَاصِ وَاخْتِلاَفِ الأَمْرِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَالأَمْرِ الْمَخُوفِ فَرُبَّ أَمْرٍ يَرْهَبُ مِنْهُ شَخْصٌ ضَعِيفٌ وَلاَ يَرْهَبُهُ شَخْصٌ قَوِيٌّ شُجَاعٌ.وَرُبَّ شَخْصٍ ذِي وَجَاهَةٍ يَضَعُ الْحَبْسَ وَلَوْ يَوْمًا مِنْ قَدْرِهِ وَجَاهِهِ فَوْقَ مَا يَضَعُ لْحَبْسُ شَهْرًا مِنْ قَدْرِ غَيْرِهِ وَرُبَّ تَهْدِيدٍ أَوْ ضَرْبٍ يَسِيرٍ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْكَذِبُ الْيَسِيرُ وَيُلْغَى بِسَبَبِهِ الإِقْرَارُ بِالْمَال الْيَسِيرِ،وَلاَ يُسْتَبَاحُ بِهِ الإِقْرَارُ بِالْكُفْرِ أَوِ الْمَال الْعَظِيمِ [86].
 وَأَمَّا خَوْفُ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ قَال فِيهِ الأَلُوسِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التُّحْفَةِ إِنَّهُ لاَ يُجِيزُ التَّقِيَّةَ.[87]
وَذَلِكَ كَمَنْ يَخْشَى إِنْ لَمْ يُظْهِرِ الْمُحَرَّمَ أَنْ يَفُوتَهُ تَحْصِيل مَنْصِبٍ أَوْ مَالٍ يَرْجُو حُصُولَهُ وَلَيْسَ بِهِ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ.وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَيَدُل عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } [آل عمران:187] ذَمَّهُمْ عَلَى الْكِتْمَانِ فِي مُقَابَلَةِ مَصَالِحَ عَاجِلَةٍ.أَيْ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ.لِأَنَّ قَوْل الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْل الإِنْسَانِ بِلِسَانِهِ خِلاَفُ مَا فِي قَلْبِهِ كُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَالْكَاذِبُ مَثَلاً لاَ يَكْذِبُ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا مِنْ وَرَاءِ كَذِبِهِ،وَلَوْ سُئِل لَقَال إِنَّمَا كَذَبْتُ لِغَرَضِ كَذَا وَكَذَا أُرِيدُ تَحْصِيلَهُ،فَلَوْ جَازَ الْكَذِبُ لِتَحْصِيل الْمَنْفَعَةِ لَعَادَ كُل كَذِبٍ مُبَاحًا وَيَكُونُ هَذَا قَلْبًا لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَإِخْرَاجًا لَهَا عَنْ وَضْعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ.
الفرق بين المداهنة والمداراة
من دارى سلم ومن داهن أثم.وهذا باب اختلط على معظم الخلق فداهنوا وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يدارون.فالمداهنة منهي عنها والمداراة مأمور بها.قال الله تعالى في المداهنة:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم:9)
 واعلم أنه إذا سقمت المداراة صارت مداهنة.فالمداراة أن تداري الناس على وجه يسلم لك دينك،وذلك أن هذه الآية نزلت على النبي r وقد قالت قريش:يا محمد اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك! فأبى.قالوا:فشهراً! فأبى.قالوا:فيوماً! فأبى.قالوا:فساعة! فأبى.قالوا:فاستعملها بيدك وتؤمن بك.فوقف النبي r في ذلك وطمع إن فعل أن يؤمنوا فأنزل الله تعالى:ودوا لو تدهن فيدهنون.
وقيل له r:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) } [الإسراء:74،75]،ومثاله أن يقول للظالم:أبقاك الله تعالى.ومن دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى.وهذا باب ينبغي لذوي الدين حفظه.وقد رأى بعض الفقهاء الخروج من هذه العهدة بالتعريض.وكان الفقيه ابن الحصار بقرطبة له جار نصراني يقضي حوائجه وينفعه،فكان الفقيه يكثر أن يقول له:أبقاك الله وتولاك،أقرا الله عينك! يسرني والله ما يسرك! جعل الله يومي قبل يومك.لا يزيده قط على هذه الكلمات،فيبتهج النصراني ويسره.فعوتب الفقيه في ذلك فقال:إنما أدعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيتي.أما قولي أبقاك الله وتولاك فأريد به أن يبقيه الله تعالى لغرم الجزية ويتولاه بالعذاب،وأما قولي أقر الله عينك فأريد أن يقر حركتها بستر يعرض لها فلا تتحرك جفونها،وأما قولي يسرني والله ما يسرك فإن العافية تسرني كما تسره،وأما قولي جعل الله يومي قبل يومك فأريد يومك أن يجعل الله اليوم الذي أدخله فيه الجنة برحمته قبل اليوم الذي يدخل فيه النار على كفره."[88]
أَنْوَاعُ التَّقِيَّةِ :
التَّقِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ بِتَهْدِيدِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْ تَعْذِيبٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ،إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا طُلِبَ مِنْهُ،وَإِمَّا أَنْ لاَ تَكُونَ بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ،وَقَدْ تَمَّتْ شُرُوطُهُ،فَإِنَّ مَا أَنْشَأَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ تَبَعًا لِذَلِكَ لاَ يَلْزَمُهُ،وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْل لَمْ يَحِل لَهُ،وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لَمْ يَحِل لَهُ،فَإِنْ فَعَل فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ،وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.وَلاَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا.وَهَذَا إِجْمَالٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( إِكْرَاهٌ ).
أَمَّا التَّقِيَّةُ بِغَيْرِ سَبَبِ الإِكْرَاهِ،بَل لِمُجَرَّدِ خَوْفِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَحِل بِهِ الأَذَى مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صُنُوفِ الأَذَى وَالضَّرَرِ فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَحِل بِهِ مَا يَحِل بِالإِكْرَاهِ.[89]
مَا تَحِل فِيهِ التَّقِيَّةُ :
 اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَحِل فِيهِ التَّقِيَّةُ وَمَا لاَ تَحِل،فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ خَاصَّةً بِالْقَوْل،وَلاَ تَتَعَدَّى إِلَى الْفِعْل،وَعَلَيْهِ فَلاَ يُرَخَّصُ بِحَالٍ بِالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ بِأَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ بِزِنَى.وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ.
وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الإِكْرَاهَ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل سَوَاءٌ.وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُعْرَفُ مِمَّا فِي بَحْثِ ( إِكْرَاهٌ )[90]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،"{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] قَالَ:التُّقَاةُ التَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،فَلَا يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقْتُلُ،وَلَا إِلَى إِثْمٍ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ »[91]
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ:" كُنْتُ بِالْيَمَامَةِ وَعَلَيْهَا وَالٍ يَمْتَحِنُ النَّاسَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ r أَنَّهُ مُنَافِقٌ،وَمَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ،وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْمَشْيِ أَنَّهُ لَيُسَمِّيهِ مُنَافِقًا،وَمَا يُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا،فَجَعَلُوا لَهُ ذَلِكَ قَالَ:فَخَرَجْتُ فِي ذَلِكَ الْغَوْرِ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ،فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ،فَقَالَ:" مَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا،يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] "[92].
وَمِنَ التَّفْصِيل التَّالِي
إِظْهَارُ الْكُفْرِ وَمُوَالاَةُ الْكُفَّارِ :
تَقَدَّمَ بَيَانُ جَوَازِهِ عِنْدَ خَوْفِ الْقَتْل وَالإِيذَاءِ الْعَظِيمِ،وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَذَى فِيهِ أَفْضَل مِنَ ارْتِكَابِهِ تَقِيَّةً.وَقَدْ تَكُونُ التَّقِيَّةُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ وَلَوْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى النُّطْقِ بِالْكُفْرِ لَكِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِنْ أَظْهَرَ لَهُمُ الْعَدَاءَ،قَال الرَّازِيُّ:بِأَنْ لاَ يُظْهِرَ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ،وَيَجُوزُ أَنْ يُظْهِرَ الْكَلاَمَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالاَةِ،وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلاَفَهُ وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُل مَا يَقُول،فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لاَ فِي أَحْوَال الْقُلُوبِ[93].
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كُفْرٍ فِعْلِيٍّ كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ إِهَانَةِ مُصْحَفٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي فِعْلِهِ تَقِيَّةً،قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْله تَعَالَى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] قَال:الْكُفْرُ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِقَادٍ،فَاسْتَثْنَى الأَوَّل وَهُوَ الْمُكْرَهُ.[94]
أَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ:
 يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ إِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ،وَهِيَ مُفْسِدَةٌ فِي حَال الاِخْتِيَارِ،فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَال الضَّرُورَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الاِخْتِيَارِ،وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ هُنَا لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الإِكْرَاهِ..فَإِنْ لَمْ يَفْعَل حَتَّى قُتِل يَكُونُ آثِمًا.وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَكُونُ آثِمًا.[95]
التَّقِيَّةُ فِي بَعْضِ أَفْعَال الصَّلاَةِ:
إِنْ خَافَ الْمُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ عَدُوًّا يَرَاهُ إِذَا قَامَ وَلاَ يَرَاهُ إِذَا قَعَدَ جَازَتْ صَلاَتُهُ قَاعِدًا وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ.[96]
وَكَذَا الأَسِيرُ لَدَى الْكُفَّارِ إِنْ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ رَأَوْهُ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ،قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا،إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا،بِالإِيمَاءِ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،عَنِ النَّبِيِّ r،قَالَ:«دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ،إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ،فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ،وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[97]
وَمِثْلُهُ الْمُخْتَبِئُ فِي مَكَانٍ يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ إِنْ خَرَجَ وَلاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانِهِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَال.وَلَوْ خَافَ الْمُصَلِّي مِنْ عَدُوِّهِ الضَّرَرَ إِنْ رَآهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَلَهُ أَنْ يُومِئَ بِطَرَفِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ [98].
وَالْحَنَابِلَةُ لاَ يَرَوْنَ الصَّلاَةَ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ يُصَلِّيَانِ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدِ،فَإِنْ خَافَ مِنْهُ إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ تَقِيَّةً ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلاَةَ.وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،قَالَ:خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا،وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا،وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ،وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ،تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا،فِي يَوْمِي هَذَا،فِي شَهْرِي هَذَا،مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي،وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ،اسْتِخْفَافًا بِهَا،أَوْ جُحُودًا لَهَا،فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ،وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ،أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ،وَلَا زَكَاةَ لَهُ،وَلَا حَجَّ لَهُ،وَلَا صَوْمَ لَهُ،وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ،فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ،أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا،وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا،وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا،إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ،يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ»[99].
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ حِيلَةً فِي تِلْكَ الْحَال يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا مِنَ التَّقِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الاِسْتِتَارِ،وَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ بِنِيَّةِ الاِنْفِرَادِ،فَيُوَافِقُ الإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ،فَتَصِحُّ صَلاَتُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَال الصَّلاَةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَال،فَلاَ تَفْسُدُ بِمُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِي الأَفْعَال.[100]
التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ :
إِذَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ ظَالِمٍ يَغْصِبُهُ،فَيُوَاطِئُ رَجُلاً عَلَى أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ وَلاَ يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا.وَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ:يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ قَبْل الْبَيْعِ أَنِّي إِنْ بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّمَا أَبِيعُهَا لِأَمْرٍ أَخَافُهُ مِنْ قِبَل ظَالِمٍ أَوْ غَاصِبٍ،وَلاَ يَثْبُتُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي هَذِهِ الْحَال إِلاَّ إِنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَ الإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ وَالإِخَافَةَ الَّتِي يَذْكُرُهَا[101]
وَالاِسْتِرْعَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ وَيُفِيدُ صَاحِبَهُ فِي كُل تَصَرُّفٍ تَطَوُّعِيٍّ كَالطَّلاَقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ.فَإِنْ فَعَل لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنَفِّذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ،وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الشُّهُودُ السَّبَبَ،بِخِلاَفِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ،إِذِ الْمُبَايَعَةُ خِلاَفُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:مَنِ اسْتُرْعِيَ فِي وَقْفٍ عَلَى تَقِيَّةٍ اتَّقَاهَا ثُمَّ أَشْهَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَل عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنِ اسْتَرْعَى أَنَّهُ يَتْرُكُ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ إِضْرَارِ الْمُشْتَرِي وَلَهُ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ،وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ.ثُمَّ إِذَا ذَهَبَتِ التَّقِيَّةُ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ بِالْمُطَالَبَةِ قُضِيَ لَهُ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ زَوَال مَا يَتَّقِيهِ،وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى زَال فَكَأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ حِينَئِذٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الاِسْتِرْعَاءِ،وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ.[102]
التَّقِيَّةُ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا :
بَيَانُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الأَصْل وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ،وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل مِنَ الأَمْرِ وَالإِنْكَارِ بِالْيَدِ إِلَى الأَمْرِ وَالإِنْكَارِ بِاللِّسَانِ،فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى السُّكُوتِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ،وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ،كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ،وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَّقِيَّةِ.عَلَى أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ ثُمَّ الإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ،مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ،أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ السُّكُوتِ،إِذْ إِنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ.وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْل لُقْمَانَ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [لقمان:17] وَفِي الْحَدِيثِ  عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:«إِنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ يَوْمَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ الرُّسُلُ،وَأَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ الرُّسُلِ الشُّهَدَاءُ،وَإِنَّ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[103].
وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الآْمِرِ وَالنَّاهِي إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ،بِأَنْ نَكَل عَنِ الْبَيَانِ مَنْ سِوَاهُ،حَتَّى عَمَّ الْمُنْكَرُ وَظَهَرَ،وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْبِيسِ فِي الدِّينِ وَطَمْسِ،مَعَالِمِهِ،فَلَوْ أَخَذَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّقِيَّةِ،وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِوَاجِبِ الْبَيَانِ لَظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ وَعَمَّتْ،وَتَبَدَّلَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ
وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا،وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ.[104]
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِل:إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ ؟ قَال:لاَ،وَقَال:إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً،وَالْجَاهِل يَجْهَل،فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ ؟.[105]
وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنِ امْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآنِ،لَمَّا وُشِيَ بِهِ.وَقَدْ قَال لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ:قُل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ.قَال:إِنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلاَ يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى.وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ،وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُل رَحِمَهُ اللَّهُ.[106]
وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي تَرَاجُعِ الْخِلاَفَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ،وَانْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَوْكَةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
 وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ،وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ مُطْلَقًا،إِنْ كَانَ السُّكُوتُ كَافِيًا لِنَجَاتِهِ،لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ جَوَازِ التَّقِيَّةِ حِينَئِذٍ.
وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُورِ أَيْضًا الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَخْفَى الْحَقُّ عَلَى الْجَاهِلِينَ أَوْ يَضْعُفَ إِيمَانُهُمْ وَيَحْجُمُوا عَنْ نَصْرِ حَقِّهِمُ اقْتِدَاءً بِمَنْ أَجَابَ تَقِيَّةً فَيَظُنُّوا جَوَابَهُ هُوَ الْجَوَابُ،وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ التَّقِيَّةَ.
----------
إذا بلي بذي شر فينبغي أن يتحمله ويتقيه
لك أن تتخذ معه أسلوب المداراة،والمداراة طريقة نبوية يلجأ إليها العقلاء،فتعامله كما كان النبي r يعامل جفاة الأعراب أو المنافقين المؤذين،فكان r يتألفهم بالهدية ويهش في وجه بعضهم اتقاء شره،فعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ.أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِىِّ - r - رَجُلٌ فَقَالَ « ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ ».أَوْ « بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ ».فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الْكَلاَمَ.فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ،ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِى الْقَوْلِ.فَقَالَ « أَىْ عَائِشَةُ،إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ».[107]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،قَالَ:"إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ،وَنَضْحَكُ إِلَيْهِمْ،وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ "[108]
وقال تعالى:{ لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } آل عمران
نهى الله،تبارك وتعالى،عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين،وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين،ثم توعد على ذلك فقال:{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } أي:من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله كما قال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [النساء :144 ] وقال [تعالى] { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] } [ المائدة:51 ].
[وقال تعالى] { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } إلى أن قال:{ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [ الممتحنة:1 ] وقال تعالى -بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب-:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال:73 ].
وقوله:{ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } أي:إلا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم،فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته،كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال:"إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".
وقال الثوري:قال ابن عباس،رضي الله عنهما:ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان،وكذا رواه العوفي عن ابن عباس:إنما التقية باللسان،وكذا قال أبو العالية،وأبو الشعثاء والضحاك،والربيع بن أنس.ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى:{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ[ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] } [ النحل:106 ][109]
وعَنْ جَابِرٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:"كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ،وَكُلُّ مَا أَنْفَقَهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ،وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ،وَمَا وَقَى بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ "[110] 
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ،قَالَ:لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ،مَنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.[111]
وعَنْ جَابِرٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ r:مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ.[112]
والخلاصة أن المداري يبذل الدنيا ليصون دينه وعرضه،والمداهن يبذل دينه ليحصل لعاعة من الدنيا،فالمداراة خلق المؤمن والمداهنة خلق المنافق.وقد قال تعالى:ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم {فصلت:34}.وقال ابن عباس في معنى قوله:وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ {القصص:54}.أي الفحش والأذى بالسلام والمداراة .
فزره في بيته وأعطه هدية،وألن له في الكلام مداراة واتقاء لشره،فإن لم ينكف عن غيه فلك أن تقاطعه ولا تزد عند لقائه عن رد السلام إن ألقاه عليك[113]
وقال ابن بطال:" المدارة من أخلاق المؤمنين وهى خفض الجناح للناس،ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم فى القول وذلك من أقوى أسباب الألفة وسل السخيمة.
وقد روى عن النبى عليه السلام أنه قال:« مداراة الناس صدقة » .
وقال بعض العلماء:وقد ظن من لم ينعم النظر أن المدارة هي المداهنة،وذلك غلط،لأن المدارة مندوب اليها والمداهنة محرمة،والفرق بينهما بين،وذلك أن المادهنة اشتق اسمها من الدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها،وفسرها العلماء فقالوا:المداهنة هي أن يلقى الفاسق المظهر فيؤالفه ويؤاكله،ويشاربه،ويثنى على أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولاينكرها عليه ولو بقلبه وهو أضعف الإيمان،فهذه المداهنة التي برأ الله عز وجل منها نبيه عليه السلام بقوله:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (9) سورة القلم.
والمدارة هي الرفق بالجاهل الذى يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر،والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى يرجعوا عما هم عليه.
فإن قال قائل:فأين أنت في قولك هذا من  عَائِشَةَ،أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ r،فَلَمَّا سَمِعَ صَوْتَهُ،قَالَ رَسُولُ اللهِ r لِعَائِشَةَ:بِئْسَ الرَّجُلُ،أَوْ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ r،فَلَمَّا خَرَجَ،كَلَّمَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَتْ:يَا رَسُولَ اللهِ،قُلْتَ بِئْسَ الرَّجُلُ،أَوْ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ،فَقَالَ:يَا عَائِشَةُ شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَتَّقِي النَّاسُ فُحْشَهُ..[114]
 قيل له:إن رسول الله r كان مأمورًا بأن لا يحكم على أحد إلا بما ظهر منه للناس لا بما يعلمه دون غيره،وكان المنافقون لا يظهرون له إلا التصديق والطاعة،فكان الواجب عليه أن لا يعاملهم إلا بمثل ما أظهروا له،إذ لو حكم بعلمه في شىء من الأشياء لكانت سنَّة كل حاكم أن يحكم بما أطلع عليه فيكون شاهدًا وحاكمًا،والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذلك،فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ،أَنَّ رَجُلًا،سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَلَمْ نَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ r،فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْمِرُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:"أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟"قَالَ:بَلَى،وَلَا شَهَادَةَ لَهُ،قَالَ:" أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟"قَالَ:بَلَى،وَلَا صَلَاةَ لَهُ،فَقَالَ النَّبِيُّ r:"أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ" .[115]
-----------
مَا يَنْبَغِي لِلآْخِذِ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُرَاعِيَهُ :
يَنْبَغِي لِمَنْ يَأْخُذُ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُلاَحِظَ أُمُورًا :
مِنْهَا:أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مُخَلِّصٌ غَيْرُ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ،فَيَجِبُ أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ،وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّيَ،كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ r وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ،فَيَنْوِيَ مُحَمَّدًا آخَرَ فَإِنْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَتَرَكَهَا لَمْ تَكُنِ التَّقِيَّةُ عُذْرًا لَهُ،وَيُعْتَبَرُ كَافِرًا.[116]
وَمِنْهَا:أَنْ يُلاَحِظَ عَدَمَ الاِنْسِيَاقِ مَعَ الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ إِلَى حَدِّ الاِنْحِلاَل بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرُورَةِ،وَأَصْل ذَلِكَ مَا قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُضْطَرِّ {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145] فُسِّرَ الْبَاغِي بِمَنْ أَكَل الْحَرَامَ وَهُوَ يَجِدُ الْحَلاَل،وَفُسِّرَ الْعَادِي بِمَنْ أَكَل مِنَ الْحَرَامِ فَوْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ.
وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ التَّقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَال {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [آل عمران:28]} فَحَذَّرَ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ لِئَلاَّ يَغْتَرَّ الْمُتَّقِي وَيَتَمَادَى.ثُمَّ قَال فِي الآْيَةِ التَّالِيَةِ{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) } [آل عمران:29]فَنَبَّهَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يُضْمِرُهُ مُرْتَكِبُ الْحَرَامِ بِمُوَالاَةِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ هَل يَفْعَلُهُ تَقِيَّةً أَوْ مُوَافَقَةً.قَال الرَّازِيُّ:إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،وَاسْتَثْنَى التَّقِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ،أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فِي وَقْتِ التَّقِيَّةِ،وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلَى إِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ،فَقَدْ يَصِيرُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل بِحَسَبِ الظَّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُول تِلْكَ الْمُوَالاَةِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ،الَّذِي أَوَّلُهُ التَّرَخُّصُ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ،وَآخِرُهُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِهِ،هُوَ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا بَقِيَّةُ الآْيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّحْل الَّتِي تَلَتْ آيَةَ الإِكْرَاهِ.قَال تَعَالَى{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [النحل:110] وَفِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة:8 - 10]قَال الطَّبَرِيُّ " مَعْنَاهُ إِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَارِهِ بِاَللَّهِ جَعَل فِتْنَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانِهِ بِاَللَّهِ رَاجِعًا إِلَى الْكُفْرِ بِهِ ".قَال:" وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْل الإِيمَانِ كَانُوا بِمَكَّةَ،فَخَرَجُوا مِنْهَا مُهَاجِرِينَ فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأَعْطَوُا الْمُشْرِكِينَ لِمَا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوهُ مِنْهُمْ".[117]
وَذَكَرَ غَيْرُ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ أَخَا أَبِي جَهْلٍ لأَمِّهِ،وَأَبَا جَنْدَل بْنِ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ هَاجَرُوا فَنَزَل قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [النحل:110].
وَمِنْهَا أَنْ يُلاَحِظَ النِّيَّةَ،فَيَنْوِيَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَل الْحَرَامَ لِلضَّرُورَةِ،وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ إِلاَّ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِرُخْصَةِ اللَّهِ،فَإِنْ فَعَلَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَهْلٌ وَلاَ بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الإِثْمِ.وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ الآْيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106] وَفِي الْحَدِيثِ  عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ:«دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ،وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ» قَالُوا:وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ:" مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا،فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا:قَرِّبْ قَالَ:لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَقَالُوا لَهُ:قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا فَقَرَّبَ ذُبَابًا،فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ " قَالَ:" فَدَخَلَ النَّارَ،وَقَالُوا لِلْآخَرِ:قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا قَالَ:مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " قَالَ:«فَضَرَبُوا عُنُقَهُ» قَالَ:«فَدَخَلَ الْجَنَّةَ»[118]
وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ:قَالَ سَلْمَانُ:" دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ،وَدَخَلَ رَجُلٌ النَّارَ فِي ذُبَابٍ "،قَالُوا:وَمَا الذُّبَابُ؟،فَرَأَى ذُبَابًا عَلَى ثَوْبِ إِنْسَانٍ،فَقَالَ:" هَذَا الذُّبَابُ "،قَالُوا:وَكَيْفَ ذَاكَ؟،قَالَ:" مَرَّ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى صَنَمٍ لَهُمْ،فَقَالُوا لَهُمَا:قَرِّبَا لِصَنَمِنَا قُرْبَانًا قَالَا:لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا،قَالُوا:قَرِّبَا مَا شِئْتُمَا وَلَوْ ذُبَابًا،فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:مَا تَرَى؟،قَالَ أَحَدُهُمَا:لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا،فَقُتِلَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ،فَقَالَ الْآخَرُ:بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَأَخَذَ ذُبَابًا فَأَلْقَاهُ عَلَى الصَّنَمِ فَدَخَلَ النَّارَ "[119]
قَال فِي تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ:وَفِيهِ:أَنَّهُ دَخَل النَّارَ بِسَبَبٍ لَمْ يَقْصِدْهُ بَل فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ.
وَفِيهِ:مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ صَبَرَ عَلَى الْقَتْل وَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى طِلْبَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إِلاَّ الْعَمَل الظَّاهِرَ.[120]
 
___________

المبحث الثالث
بعض الفتاوى المعاصرة حول التقية
 
ما معنى التقية وهل هى حلال أو حرام ؟
الجواب
 1 -التقية والتقاة والتقوى ألفاظ مأخوذة من مادة " وقى " عند من يقول :
الأصل فى الاشتقاق هو الفعل ،فكلمة " تقية " اسم مصدر للفعل "اتقى " أصله " اوتقى " ومثلها كلمة "تقاة " أصلها "وقية " مثل تؤدة وتهمة ،قلبت الواو تاء والياء ألفا ،جاء فى الصحاح "والتقاة التقية يقال :اتقى تقية وتقاة .
قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]،وجاء فيه اتقى يتّقى ،وتقى يتقى كقضى يقضى .
والتقوى والتقى واحد .وأصل المادة المنع ،كالذى يتقى البرد بالملابس ،ويتقى عذاب الله بالطاعة ،ويتقى سهام العدو بالدرع ،والتقية بهذا هى اتخاذ ما يمنع المكروه ،أو هى الشىء الذى يتخذ لمنع المكروه ،جاء فى التقية قوله تعالى{ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28] ،قرأها جابر ابن زيد ومجاهد والضحاك " تقية " وقد نزلت فى عبادة بن الصامت الأنصارى وكان بدريا تقيا ،وكان له حلف من اليهود ،فلما خرج النبى r يوم الأحزاب قال عبادة :يا نبى اللّه ،إن معى خمسمائة رجل من اليهود ،وقد رأيت أن يخرجوا معى فأستظهر بهم على العدو.والمعنى :لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا من الكافرين أولياء يناصرونهم إلا إن كانوا فى حاجة إليهم ويتقون بذلك شرهم .
2 - فالتقية يحتاج إليها عند الحاجة أو الضرورة ،وصورها ابن عباس بأن يتكلم الإنسان بلسانه ،وقلبه مطمئن بالإيمان .على غرار ما جاء فى قوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]
106 ،وقد نزلت فى عمَّار بن ياسر حين أخذه المشركون وأباه وأمه وعذبوهم وقتلوا أباه وأمه لأنهم لم يعطوهم ما أرادوا من الكفر ،ولكن عمارا أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ،فشكا ذلك للنبى r ،فقال له "كيف تجد قلبك "؟ قال :مطمئن بالإيمان ،فقال r " فإن عادوا فعد " وفى مجال الإيمان والكفر قالوا :لا تجوز إلا عند خوف القتل أو قطع جزء من الإنسان أو الإيذاء العظيم .وهل التقية فى هذا المجال انتهت أو باقية ؟ قال معاذ بن جبل ومجاهد :كانت التقية فى جدَّة الإسلام قبل قوة المسلمين ،فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم .ومفهوم ذلك أنها جائزه عند ضعف المسلمين ،ومن هنا قال الحسن :التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة .
3-والأمور التى يكره الإنسان على فعلها لدفع الضرر هى فى أصلها ممنوعة ولكن اللّه أباحها للضرورة ،فالضرورات تبيح المحظورات كما هو معروف ،قال تعالى بعد ذكر المحرمات { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } البقرة :173 ،وقال {وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } الأنعام :119 .
وقد قال العلماء :الرخصة فى التقية تكون بالقول كالنطق بكلمة الكفر وكالكذب ،لكن لو أرغم على فعل محرم لينجو من الضرر ،كالسجود لغير الله أو قتل مسلم أو الزنى ...هل يحل له ذلك ؟ أجمعوا على أنه لو أكره على قتل غيره بدون وجه حق فلا يجوز له قتله ،لأنه فدى نفسه بغيره .أما لو أكره على الزنى وغيره من الكبائر فقد اختلف فيه ،قال ابن العربى :الصحيح أنه يجوز الإقدام عليه ولا يعاقب بالحد فى الزنى مثلا،وقال أبو حنيفة :إن أكرهه غير السلطان أقيم عليه الحد ثم قال المحققون :إذا تلفظ المكره بكلمة الكفر فلا يجوز أن يجريها على لسانه إلا مجرى المعاريض ،فإن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب ،والتعريض يكون بكلمة تحتمل أكثر من معنى ،يرضى العدو فى الظاهر بأحد معانيها ويقصد بقلبه المعنى الاخر الجائز .ومثلوا لذلك بماء إذا قيل له :اكفر بالنبى ،فيقول :أكفر بالنبى ،ويريد المكان المرتفع وهكذا .
4- وهذا يجرنا إلى الحديث عن بعض أساليب التقية ،وهى المداراة ،ومعناها بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا ،بخلاف المداهنة التى هى بذل الدين لصلاح الدنيا ،والمداراه جائزة والمداهنة ممنوعة ،قال الغزلي :"وَمِنْهَا:أَنَّهُ إِذَا بُلِيَ بِذِي شَرٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَامِلَهُ وَيَتَّقِيَهُ،قَالَ بَعْضُهُمْ:خَالِصِ الْمُؤْمِنَ مُخَالَصَةً،وَخَالِقِ الْفَاجِرَ مُخَالَقَةً،فَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرْضَى بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي الظَّاهِرِ ".وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:" إِنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ " وَهَذَا مَعْنَى الْمُدَارَاةِ وَهُوَ مَعَ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الْمُؤْمِنُونَ:96 وَفُصِّلَتْ:34] قَالَ " ابْنُ عَبَّاسٍ " فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) [الرَّعْدِ:22،وَالْقَصَصِ:54] أَيِ الْفُحْشَ وَالْأَذَى بِالسَّلَامِ وَالْمُدَارَةِ،وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [الْبَقَرَةِ:251 وَالْحَجِّ:40] قَالَ:" بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْمُدَارَاةِ " وَقَالَتْ " عائشة " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:" اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - r - " فَقَالَ:" ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ هُوَ " فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً،فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ:" لَمَّا دَخَلَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ! " فَقَالَ:" يَا عائشة إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ " وَفِي الْخَبَرِ:" مَا وَقَى الرَّجُلُ بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ".وَقَالَ " مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ":" لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَا يُعَاشِرُ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا "."[121]
5 - ومن أساليب التقية الكذب ،ومعلوم أن الكذب حرام ،لكن يرخص فيه للمصلحة التى قصرها بعض العلماء على ما ورد فى الحديث ،وهو الكذب فى الحرب فالحرب خُدعة ،وفى إصلاح ذات البين ،وفى الكذب بين الزوجين فى مثل الحب من أجل دوام العشرة .وأجازه بعضهم عند نيل مرغوب فيه لا سبيل إليه إلا به مع عدم الضرر بالغير ،أو فى دفع مكروه عن الشخص أو عن آخر فى عرض أو مال أو نفس .
قَالَ الْإِمَامُ بْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى:وَيَحْرُمُ الْكَذِبُ لِغَيْرِ إصْلَاحٍ وَحَرْبٍ وَزَوْجَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ:وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْكَذِبِ فَهُوَ مُبَاحٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ مُبَاحًا،وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ وَاجِبٌ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ:وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ.وَمُرَادُهُمْ هُنَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْكَذِبُ إذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ مُسْلِمٍ مِنْ الْقَتْلِ.وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ يَحْرُمُ أَيْضًا لَكِنْ يَسْلُكُ أَدْنَى الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أَعْلَاهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:هُوَ حَسَنٌ حَيْثُ جَازَ لَا إثْمَ لِي فِيهِ،وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ:يَجُوزُ كَذِبُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرَ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ يَتَوَصَّلُ بِالْكَذِبِ إلَى حَقِّهِ،كَمَا كَذَبَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةً لَحِقَتْ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ،وَأَمَّا مَا نَالَ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَذَى وَالْحُزْنِ فَمَفْسَدَةٌ يَسِيرَةٌ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْكَذِبِ،لَا سِيَّمَا تَكْمِيلُ الْفَرَحِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي حَصَلَ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ بَعْدَ هَذَا الْكَذِبِ،وَكَانَ الْكَذِبُ سَبَبًا فِي حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.
قَالَ وَنَظِيرُ هَذَا الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ يُوهِمُ الْخَصْمَ خِلَافَ الْحَقِّ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى اسْتِعْمَالِ الْحَقِّ.
كَمَا أَوْهَمَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِشَقِّ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ حَتَّى يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ أُمِّهِ.انْتَهَى.[122]
6-هذا ،والتقية أصل من أصول الدين عند الشيعة ،يظهرون بها خلاف ما يبطنون ،حفاظا على أنفسهم ،ولعل من اَثارها اختفاء الإمام الثانى عشر والزعم أنه دخل فى سرداب حتى يظهر فى آخر الزمان باسم المهدى المنتظر ،والتقية أيضا مسلك للدروز ليعيشوا فى أمن مع غيرهم ،ودخائل نحلتهم لا يعلم الكثير منها ،ولا يطلع عليها إلا خاصتهم وهم الشيوخ العقَّل .
وهى تستعمل فى ميادين كثيرة ،والمهم أنها لا تصادم أصلا مقررا فى الدين ،ويتوصَل بها إلى غرض مشروع وفى أضيق الحدود[123]
-------------
التقية التي أباحها الله
[السُّؤَالُ] ـ[السلام عليكم
إذا توقع الإنسان أنه ربما يحبس عن قريب بسبب التزامه،فهل يجوز له فعل الآتي:
1- أن يطعن في بعض شيوخه ممن تكرههم الحكومة تقية؟
2- أن يكذب عليهم تقية؟
3- أن يتأول بعض الآيات القرآنية على بعض الأوجه،حتى يبين لهم أنه على بعض الطرق الصوفية ممن لا تكترث الحكومة بهم؟ أرجو التفصيل مع أقوال العلماء والأدلة،وأرجو الدعاء للشباب المأسورين بغير حق؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإنه يباح للمسلم إذا خاف على نفسه الضرر أن يتقي ذلك بإظهار ما يضمر خلافه من الحق،قال الإمام السرخسي الحنفي في تعريفه للتقية قال:هي:أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه،ثم قال:وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول إنه من النفاق،والصحيح أن ذلك جائز لقول الله تعالى:إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:28] .انتهى.
وقال الأنصاري الشافعي:والتقية التي أباحها الله في مثل هذه الأحوال هي الحفظ عن الضرر بموافقة في قول أو فعل مخالف للحق.انتهى.
وعليه؛ فإن التقية بهذا التعريف إنما تجوز عند خوف الضرر،كالقتل أو القطع أو الإيذاء،وإلا فإن الأصل فيها الحظر وإنما أبيحت للضرورة.
ثم ليعلم أن التقية لا تجوز بما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وإطلاع الكفار على عورات المسلمين،قال الجصاص في أحكام القرآن:فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ذكرنا،منها ما هو واجب فيه إعطاء التقية،وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميت ونحو ذلك.....ومنها ما لا يجوز فيه إعطاء التقية،وهو الإكراه على قتل من لا يستحق القتل والزنا،ونحو ذلك مما فيه مظلمة لآدمي ولا يمكن استدراكه...انتهى.والله أعلم.[124]
---------------
لا يناسب المؤمنة التقية أن تبقى في عصمة مصر على الكبائر
[السُّؤَالُ]ـ[فتاة مسلمة تسأل:هل يجوز لها طلب فسخ عقد زواجها لأن الزوج يريد بناء بيت بقرض ربوي؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن الاقتراض بالربا من أجل بناء مسكن حرام،وراجعوا لذلك الفتوى رقم:1986 ،والفتوى رقم:14003 .
والواجب على هذه الفتاة نصح زوجها لئلا يقدم على هذه الصفقة الربوية التي هي من الكبائر،حتى لا يبدأ حياته الزوجية بمحاربة الله ورسوله بالتعامل بالربا،فإن انتصح وأقلع عن الربا فالحمد لله،وإن أبى فلها أن تطلب منه الطلاق،لأنه لا يناسب المؤمنة التقية أن تقيم مع رجل يفعل الكبائر ويصر عليها،ولا يراعي حرمات الله،ولمزيد من الفائدة راجعوا الفتوى رقم:34379 .والله أعلم.[125]
-----------
التقية والعمل بها
السؤال
ما هي التقية؟ وكيف يتم العمل بها في جماعة السنة عند الاستعداد للحرب؟ هل هي جائزة؟.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وعلى آله وصحبه ومن والاه ..وبعد:
فهذا إيجاز من القول عن التقية والخدعة وما يتصل بهما في أعمال المسلم في الأحوال المختلفة:
تعريف التقية:
لغة:من اتقيت الشيء وتَقَيته وأتَّقيه تقىً وتَقِيّة وتقاء،حذرته.
اصطلاحاً:عرفها ابن حجر بقوله:التقية:الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير[126] ،وقد ورد في معنى التقية آيات قرآنية وأحاديث نبوية فمن الآيات:قوله -تعالى-:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير"[آل عمران:28]،عن ابن عباس - رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-:"إلا أن تتقوا منهم تقاة"،فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله،فيتكلم به مخافة الناس،وقلبه مطمئن بالإيمان،فإن ذلك لا يضره،إنما التقية باللسان".[127]
وقال ابن كثير:"وَقَوْلُهُ:{إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} أَيْ:إِلَّا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات مِنْ شَرِّهِمْ،فَلَهُ أَنْ يَتَّقِيَهُمْ بِظَاهِرِهِ لَا بِبَاطِنِهِ وَنِيَّتِهِ،كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ:"إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".وَقَالَ الثَّوْرِيُّ:قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:لَيْسَ التَّقِيَّةُ بِالْعَمَلِ إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ،وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:إِنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ،وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ،وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالضَّحَّاكُ،وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ.وَيُؤَيِّدُ مَا قَالُوهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (7) } [النحل:106] .[128]
وقال النسفي في معنى الاستثناء:"{إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة} إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال المعاداة .[129]
وقال ابن كثير:"وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ،إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ،وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ،كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ".[130]
وأما في السنة فقد جاء عن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،يَقُولُ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ،فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»،فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ:«نَعَمْ»،قَالَ:فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا،قَالَ:«قُلْ»،فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ:إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً،وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ،قَالَ:وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ،قَالَ:إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ،فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ،وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - وحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ أَوْ:فَقُلْتُ لَهُ:فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ:أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - فَقَالَ:نَعَمِ،ارْهَنُونِي،قَالُوا:أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ:ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ،قَالُوا:كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ،قَالَ:فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ،قَالُوا:كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا،فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ،فَيُقَالُ:رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ،هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا،وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ:يَعْنِي السِّلاَحَ - فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ،فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ،وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ،فَدَعَاهُمْ إِلَى الحِصْنِ،فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ،فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ،وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ،وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو،قَالَتْ:أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ،قَالَ:إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ،قَالَ:وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ - قِيلَ لِسُفْيَانَ:سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ:سَمَّى بَعْضَهُمْ - قَالَ عَمْرٌو:جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ،وَقَالَ:غَيْرُ عَمْرٍو:أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ،وَالحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ،وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ،قَالَ عَمْرٌو:جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ،فَقَالَ:إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ،فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ،فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ،وَقَالَ مَرَّةً:ثُمَّ أُشِمُّكُمْ،فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ،فَقَالَ:مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا،أَيْ أَطْيَبَ،وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو:قَالَ:عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ وَأَكْمَلُ العَرَبِ،قَالَ عَمْرٌو:فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ،ثُمَّ قَالَ:أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ:نعَمْ،فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ،قَالَ:دُونَكُمْ،فَقَتَلُوهُ،ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ r فَأَخْبَرُوهُ"[131]
قال النووي :وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب , وَكَيْف أَمْكَنَ الْخِدَاع إِلَّا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَان فَلَا يَحِلّ , وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيث جَوَاز الْكَذِب فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء :أَحَدهَا فِي الْحَرْب .[132]
قال ابن حجر :.وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى أَخْذ الْحَذَر فِي الْحَرْب , وَالنَّدْب إِلَى خِدَاع الْكُفَّار , وَأنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَن أَنْ يَنْعَكِس الْأَمْر عَلَيْهِ, قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ :الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْو ذَلِكَ .وَفِي الْحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَرْب،بَلْ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ آكَد مِنْ الشَّجَاعَة , وَكَذَا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا يُشِير إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث, وَهُوَ كَقَوْلِهِ " الْحَجّ عَرَفَة " , قَالَ اِبْن الْمُنِير :مَعْنَى الْحَرْب خَدْعَة أَيْ الْحَرْب الْجَيِّدَة لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَة فِي مَقْصُودهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَة لَا الْمُوَاجَهَة , وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَة وَحُصُول الظَّفَر مَعَ الْمُخَادَعَة بِغَيْرِ خَطَر.[133]
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بترجمتين،فقال:باب:الكذب في الحرب،وباب:الفتك بأهل الحرب،ونقل ابن حجر عن ابن العربي أنه قال :" الْكَذِب فِي الْحَرْب مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِز بِالنَّصّ؛ِ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ" ثم قال ابن حجر :" وَيُقَوِّيه مَا جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ عِلَاطٍ السُّلَمِيَّ قَالَ:" يَا رَسُولَ اللهِ،إنَّ لِي بِمَكَّةَ أَهْلًا وَمَالًا،وَقَدْ أَرَدْتُ إتْيَانَهُمْ،فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ أَقُولَ فِيكَ فَعَلْتُ ".فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ r أَنْ يَقُولَ مَا شَاءُ،فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:" إنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ قَدِ اسْتُبِيحُوا , وَإِنَّمَا جِئْتُ لِأَخْذِ مَالِي لِأَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ،وَفَشَا ذَلِكَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ،فَبَلَغَ ذَلِكَ الْعَبَّاسَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،فَعَقَرَ وَاخْتَفَى مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ،وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ الْفَرَحَ بِذَلِكَ،فَكَانَ الْعَبَّاسُ لَا يَمُرُّ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إِلَّا قَالُوا:يَا أَبَا الْفَضْلِ،لَا يَسُوؤُكَ اللهُ،قَالَ:فَبَعَثَ غُلَامًا لَهُ إلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ فَقَالَ:" وَيْلَكَ،مَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ،فَالَّذِي وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ "،فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِغُلَامِهِ:" اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ،وَقُلْ لَهُ:لِيَخْلُ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ "،فَلَمَّا أَتَاهُ الْغُلَامُ فَأَخْبَرَهُ فَقَامَ إلَيْهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ،ثُمَّ أَتَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ فَخَلَا بِهِ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ،وَقَالَ لَهُ:" إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَتَحَ عَلَى رَسُولِ اللهِ r خَيْبَرَ،وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ،وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ r صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ , وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ r أَنْ أَقُولَ فِيهِ مَا شِئْتُ؛ فَإِنَّ لِي مَالًا بِمَكَّةَ آخُذُهُ،فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ فِيهِ مَا شِئْتُ،فَاكْتُمْ عَلَيَّ ثَلَاثًا،ثُمَّ قُلْ مَا بَدَا لَكَ "،ثُمَّ أَتَى الْحَجَّاجُ أَهْلَهُ فَأَخَذَ مَالَهُ ثُمَّ اسْتَمَرَّ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ:ثُمَّ إنَّ الْعَبَّاسَ أَتَى مَنْزِلَ الْحَجَّاجِ إلَى امْرَأَتِهِ،فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَمُرُّ بِمَجَالِسِ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ لَهُ:يَا أَبَا الْفَضْلِ،لَا يَسُوؤُكَ اللهُ،فَيَقُولُ:" لَا يَسُوؤُنِي اللهُ،قَدْ فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ r خَيْبَرَ،وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ،وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ r صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ،أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ بِذَلِكَ وَسَأَلَنِي أَنْ أَكْتُمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا حَتَّى يَأْخُذَ مَا لَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ "،قَالَ:ثُمَّ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ:" إنْ كَانَ لَكِ بِزَوْجِكِ حَاجَةٌ فَالْحَقِي بِهِ "،وَأَخْبَرَهَا بِالَّذِي أَخْبَرَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ بِفَتْحِ خَيْبَرَ،فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ:" أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا "،قَالَ:فَرَجَعَ مَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَآبَةٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ اسْتَخْفَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا "..[134]
وأشار أهل العلم إلى أن الإجماع في مسألة الإكراه،قال ابن حجر :" قال ابن بطال تبعاً لابن المنذر:أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ألا يحكم عليه بالكفر،ولا تبين منه زوجته".[135]
ومن مجموع ذلك يمكن القول بأن التقية عند أهل السنة هي إظهار المسلم لبعض الأقوال والفعال الموافقة لأهل الكفر أو الجارية على سبلهم إذا اضطر المسلم إلى ذلك؛ من أجل اجتناب شرهم،مع ثبات القلب على إنكار موافقتهم وبغضها والسعي لدفع الحاجة إليها .[136]
ضوابط التقية عند أهل السنة والجماعة:
الأول:ألا تكون التقية طريقاً للانفلات من ربقة التكاليف الشرعية،فلا يجوز الخروج عن حدود الشرع بحجة التقية.
ثانياً:التقية رخصة لا يلجأ إليها إلا في حال الاضطرار،والأخذ بالعزيمة أفضل.قال ابن حجر:(قال ابن بطال:أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة،وأما غير الكفر فان أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلاً فالفعل أولى)[137]
ثالثاً:التقية لحال الضرورة تقدر بقدرها،فإذا اضطر المسلم إلى التقية وجب عليه أن يتقي الكفار بأدنى ما يمكن مما هو خروج عن حدود الشرع،وهذا لا يتعدى اللسان في كثير من الأحوال.
رابعاً:وجوب السعي للخروج من حكم الاضطرار أو الإكراه الذي أباح للمسلم التقية.
خامساً:التقية عند أهل السنة غالباً ما تكون مع الكفار وفي حال الإكراه والاضطرار.
ومن الناحية العملية هناك عدة حالات تطبيقية في حياة المسلمين المعاصرة منها :
أ- في حروب المواجهة العسكرية التقية بالكذب عند الحاجة جائز؛ لتحقيق مصلحة المسلمين ودفع الضرر والأذى عنهم دون أن يكون فيه غدر بنقض عهد أو أمان صريح،وهو من أعمال الحروب عامة .
 ب- الأمة الإسلامية في حالة ضعف،ومن جهة أخرى هي في حالة مواجهة وحرب شعواء في المجالات العسكرية،فهناك حرب اقتصادية صناعية تحارب فيها الأمة؛ لئلا تمتلك ناصية العلم وأسرار التكنولوجيا،وتبقى عالة على أعدائها،وهناك حرب في مجال التعليم على المناهج؛ لمسخها وتفريغها من محتواها الذي يتضمن ثوابت الدين وهوية الأمة،وهكذا وكل ميدان من هذه الميادين يدخل فيه - بحسب تقدير الضرورة والحاجة - ضرب من التقية والخدعة،كأن يتم تحصيل أسرار العلوم والتكنولوجيا دون التصريح بهذا الهدف وبوسيلة لا تكشف التوجه بل بطرق وأساليب غير مباشرة وغير ظاهرة ونحو ذلك.
ج- المسلمون المستضعفون المضطهدون في بلاد ودول تحاربهم وتمنعهم من إظهار دينهم وهويتهم والقيام بأداء فرائضهم وشعائرهم كما كانت حالة المسلمين في الاتحاد السوفيتي الشيوعي سابقاً،وكما هو حال بعض المسلمين في مناطق الهند وبورما وغيرها،فهؤلاء ينطبق عليهم وضع الاضطرار الذي يقدرون فيه حاجتهم إلى خفاء ما يضر إظهاره،وإظهار ما يدفع عنه الأذى ولو كان غير حقيقي .
د- المسلمون في بلاد غير مسلمة وليسوا مضطهدين،ولكن القوانين المعمول بها في تلك البلاد تتعارض مع الأحكام الإسلامية؛ كمنع التعدد وكذلك ترتب الضرر على إظهار وإعلان بعض الأحكام الإسلامية لعدم فهم وتقبل المجتمعات لها،كما هو حال المسلمين في أوروبا ونحوها فإن لعلمائهم أن يجتهدوا في بعض ما فيه حاجة وضرورة لاتخاذ المناسب الذي يحقق المصالح ويدفع المفاسد،وإن كان عن طريق التورية والمعاريض وربما الكذب في حال الضرر الكبير والمفسدة العظيمة .
فحال المسلم في ديار الإسلام ورفع رايته وتطبيق شريعته يختلف عن المسلم في بلاد ومجتمعات وتشريعات ليست إسلامية فالأول يظهر الإسلام وشرائعه وشعائره والاعتزاز به ما قد لا يتاح مثله للثاني.
قال ابن تيمية :" لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر؛ لما عليه في ذلك من الضرر،بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر،إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة"[138] .
ولا بد من التنبيه على أهمية مراعاة الضوابط المذكورة سابقاً،ومن المهم أن يكون الحرص عظيماً على التدين والإخلاص لله والورع،ثم عدم التوسع في مثل هذه المسائل بما لا تقتضيه الضرورات والحاجات الحقيقية،مع أهمية الانتباه إلى أنه ليس لكل أحد تقدير تلك الضرورات والإفتاء فيها بما يناسبها من التصرفات،وخاصة في المسائل العامة التي تتعلق بجميع أحوال المسلمين والجاليات الإسلامية في غير ديار الإسلام بل مرد ذلك إلى أهل العلم منهم للبحث في تلك المسائل بالرجوع لنصوص الشرع وقواعد وأصول الفقه ومقاصد الشريعة حتى تنضبط الأمور ويظل ارتباط المسلمين قوياً بدينهم وكتابهم وسنة نبيهم - r-.
والتقية مصطلح له دلالة خاصة عند الشيعة ورأيت من المناسب إيجاز القول في بيان ذلك :
التقية عند الشيعة الإمامية.[139]
تعريفها:(هي كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه،وكتمان المخالفين،وترك مظاهرتهم بما يعقب ضراراً في الدين أو الدنيا).
واستدل الشيعة على التقية بالآيات التي استدل بها أهل السنة،ولكنهم توسعوا في استخدامها وخرجوا بها من حال الضرورة إلى حال الاختيار،فهي عندهم سلوك جماعي دائم وحالة مستمرة حتى يخرج القائم وهو محمد بن الحسن العسكري من سرداب سامراء.قال ابن بابويه من أئمتهم في كتابه الاعتقادات:(والتقية واجبة،لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم،فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله -تعالى- وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة).[140]
وتقية الشيعة مع المسلمين ولا سيما أهل السنة؛ لأنهم يرون أهل السنة أشد كفراً من اليهود والنصارى لأن منكر إمامة الاثني عشر أشد من منكر النبوة عندهم.
ويرى الشيعة أن عصر القرون المفضلة عهد تقية.
التقية عندهم ركن من أركان دينهم كالصلاة أو أعظم،حتى قال قائلهم (اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة) وجعلوا التقية (تسعة أعشار الدين) (وأن من لا تقية له لا إيمان له)
وهي عندهم مطلوبة حتى مع انتفاء ما يبررها،ففي كتبهم (عليكم بالتقية؛ فإنه ليس منا من لما يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمن جانبه؛ لتكون سجية مع من يحذره).
سبب غلو الشيعة في أمر التقية:
1- أن الشيعة تعد بيعة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - باطلة وهم ومن بايعهم في عداد الكفار،وعليٌّ - رضي الله عنه - ممن بايعهم وصلى خلفهم وجاهد معهم وسار على نهجهم وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه فخرجوا من هذا التناقض بالقول بالتقية .

2- تبرير التناقض في مرويات الأئمة الذين زعموا لهم العصمة،فقالوا بالتقية؛ لتبرير هذا التناقض.
3- تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت،بحيث يوهمون الأتباع أن ما ينقله واضعو مبدأ التقية عن الأئمة هو مذهبهم،وأما ما اشتهر عن الأئمة وذاع عنهم وفعلوه أمام المسلمين فلا يمثل مذهبهم،وإنما يفعلونه تقية،فيسهل على أولئك الكذابين رد أقوالهم والدس عليهم وتكذيب ما يروى عنهم من حق.
وضع مبدأ التقية لعزل الشيعة عن المسلمين ،يقول أحد أئمتهم:(ما سمعتَ مني يشبه قول الناس- يعني أهل السنة- فيه التقية،وما سمعت مني لايشبه قول الناس فلا تقية فيه).وهذا مبدأ خطير،يؤدي بالشيعة إلى جعل مخالفة المسلمين هي القاعدة،وبالتالي يوافقون الكافرين ويخالفون المسلمين.
فالتقية عند الشيعة الإمامية نفاق لا يمت إلى الإسلام بصلة،ويجب على المسلم أن يتجنبها،ويحذر من هؤلاء الشيعة،وألا يثق بما يقولونه؛ لأن الأصل عندهم هو التقية،وهم كالمنافقين الذين وصفهم الله بقوله:"يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم"[الفتح:11].[141]
والله -تعالى- أعلم وأحكم،وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .[142]
----------
من اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ تَقِيَّةٍ
مَنْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ تَقِيَّةٍ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ،وَمَنْ نَطَقَ بِهِ دُونَ أَنْ يَعْتَقِدَهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى:إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ - r - كَمَا يَعْلَمُونَ أَبْنَاءَهُمْ.وَقَالَ تَعَالَى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14] وَقَالَ تَعَالَى:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1][143]
 
!!!!!!!!!!!
 

الفهرس العام
 
تفسير آيات التقية. 4
الآية الأولى :اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين : 4
الآية الثانية :الكفر بالله مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان : 43
ما ترشد إليه الآيات: 77
وللإكراه مراتب: 88
المبحث الثاني. 90
أحكام التقية عند الفقهاء. 90
التَّعْرِيفُ : 90
أ - الْمُدَارَاةُ : 92
ب - الْمُدَاهَنَةُ : 92
ج - النِّفَاقُ : 93
مَشْرُوعِيَّةُ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ: 94
التَّقِيَّةُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ : 100
حُكْمُ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ : 102
شُرُوطُ جَوَازِ التَّقِيَّةِ : 109
الفرق بين المداهنة والمداراة 117
أَنْوَاعُ التَّقِيَّةِ : 118
مَا تَحِل فِيهِ التَّقِيَّةُ : 119
إِظْهَارُ الْكُفْرِ وَمُوَالاَةُ الْكُفَّارِ : 120
أَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ: 121
التَّقِيَّةُ فِي بَعْضِ أَفْعَال الصَّلاَةِ: 122
التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ : 124
التَّقِيَّةُ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا : 126
إذا بلي بذي شر فينبغي أن يتحمله ويتقيه 129
مَا يَنْبَغِي لِلآْخِذِ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُرَاعِيَهُ : 134
المبحث الثالث.. 140
بعض الفتاوى المعاصرة حول التقية. 140
ما معنى التقية وهل هى حلال أو حرام ؟ 140
التقية التي أباحها الله.. 147
لا يناسب المؤمنة التقية أن تبقى في عصمة مصر على الكبائر 149
التقية والعمل بها 149
ضوابط التقية عند أهل السنة والجماعة: 157
من اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ تَقِيَّةٍ 164
 


[1] - السنن الكبرى للبيهقي (8/ 362)(16896 ) صحيح لغيره

[2] - مسند أحمد (عالم الكتب) (7/ 366)(22075) 22425- صحيح لغيره 

[3] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 316) فيه جهالة

[4] - تفسير ابن أبي حاتم،الأصيل - مخرجا (2/ 628)(3375 ) حسن

[5] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 317) صحيح مقطوع

[6] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 318) حسن

[7] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 318) حسن

[8] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 318) فيه ضعف

[9] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 319) صحيح مقطوع

[10] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 319)

[11] - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 30)

[12] - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:322،بترقيم الشاملة آليا)

[13] - تفسير القرطبي (4/ 57)

[14] - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 412)

[15] - تفسير المنار (3/ 227)

[16] - شعب الإيمان (10/ 430)(7749 ) صحيح

[17] - صحيح البخاري (1/ 35)(120 )
 [ ش (وعاءين) نوعين من العلم والوعاء في الأصل الظرف الذي يحفظ فيه الشيء.والمراد بالوعاء الذي نشره ما فيه أحكام الدين وفي الوعاء الثاني أقوال منها أنه أخبار الفتن والأحاديث التي تبين أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم وقيل غير ذلك.(بثثته) نشرته وأذعته.(قطع هذا البلعوم) هو مجرى الطعام وكنى بذلك عن القتل]

[18] - تفسير القاسمي = محاسن التأويل (2/ 303)

[19] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 335)

[20] - التفسير القرآني للقرآن (2/ 429)

[21] - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:  127)

[22] - تفسير الشعراوي (3/ 1409)

[23] - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 651)

[24] - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2007، بترقيم الشاملة آليا)

[25] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (14/ 372)

[26] - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (20/ 273)

[27] - تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 605)

[28] - التحرير والتنوير (14/ 292)

[29] - التفسير القرآني للقرآن (7/ 374)

[30] - تفسير الشعراوي (13/ 8232)

[31] -  تفسير القاسمي = محاسن التأويل (6/ 411)

[32] - صحيح البخاري (4/ 59) (3007 ) وصحيح مسلم (4/ 1941)161 - (2494)
 [ ش.(روضة خاخ) موضع بين مكة والمدينة.(ظعينة) المرأة في الهودج وقيل المرأة عامة واسمها سارة وقيل كنود.(تعادى بنا) تباعد وتجاري.(عقاصها) هو الشعر المضفور.(ملصقا) مضافا إليهم ولست منهم وقيل معناه حليفا ولم يكن من نفس قريش وأقربائهم.(يدا) نعمة ومنة عليهم.(اطلع) نظر إليهم وعلم حالهم وما سيكون منهم.(وأي إسناد هذا) أراد تعظيم هذا الإسناد وبيان صحته وقوته لأن رجاله هم العدول الثقات الحفاظ]

[33] - صحيح مسلم (3/ 1450)150 - (1817)
 [ ش (بحرة الوبرة) هكذا ضبطناه بفتح الباء وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم قال وضبطه بعضهم بإسكانها وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة(حتى إذا كنا بالشجرة) هكذا هو في النسخ حتى إذا كنا فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين فرأت ذلك ويحتمل أنها أرادت بقولها كنا كان المسلمون]

[34] - المراسيل لأبي داود (ص:244)(326 ) صحيح مرسل

[35] - مصنف ابن أبي شيبة (6/ 473)(33037) صحيح مرسل

[36] - صحيح البخاري (3/ 136)(2480 ) وصحيح مسلم (1/ 124)226 - (141)
 [ ش (دون ماله) مدافعا من يريد أخذ ماله ظلما.(شهيد) له أجر الشهيد عند الله تعالى ولكنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ولا يعامل معاملة الشهيد من هذه الناحية]

[37] -مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (17/ 539)(33713) صحيح

[38] - أيسر التفاسير للجزائري (1/ 307) والتفسير المنير للزحيلي (3/ 201)

[39] - سنن ابن ماجه (1/ 659)(2045 ) صحيح لغيره

[40] - سنن ابن ماجه (1/ 659)(2043 ) صحيح لغيره

[41] -  التفسير المنير للزحيلي (14/ 244)وتفسير الرازي: 20/ 122 و تفسير القرطبي: 10/ 183

[42] - صحيح البخاري (2/ 109)(1417 )

[43] - لسان العرب مادة :" و .ق .ي " .

[44] - المبسوط للسرخسي 24 / 45 بيروت ،ودار المعرفة بالأوفست عن طبعة القاهرة .

[45] - فتح الباري 12 / 314 ،والمكتبة السلفية ،1372 هـ .

[46] - روضة العقلاء لابن حبان ص 56 القاهرة ،مصطفى الحلبي ،1374هـ .

[47] - روضة العقلاء ص 56 أيضا .

[48] - روضة العقلاء ص 56 .

[49] - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (13/ 186)

[50] - منهاج السنة النبوية (2/ 46)

[51] - تفسير القرطبي 4 / 57 .

[52] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (5/ 316) حسن

[53] - منهاج السنة النبوية (6/ 424)

[54] - المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 389)(3362 ) صحيح

[55] - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (17/ 537)(33708) صحيح مرسل

[56] - المراسيل لأبي داود (ص:244)(326 ) صحيح مرسل

[57] - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (19/ 420) صحيح مرسل

[58] - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (17/ 539)(33713)

[59] - تفسير القرطبي (4/ 57) ،وتفسير الرازي 8 / 14

[60] - المبسوط للسرخسي 24 / 45 .

[61] - المبسوط 24 / 45 ،وفتح الباري لابن حجر شرح صحيح البخاري 12 / 211 القاهرة .المكتبة السلفية 1372 ،وتفسير الرازي 8 / 14 .

[62] - تفسير القرطبي 6 / 242 .

[63] - شرح مسلم الثبوت 2 / 97 مع المستصفى .بولاق ،وانظر مختصر التحفة ص 294 .

[64] - مختصر التحفة الاثنى عشرية ص 295 .

[65] - تفسير القرطبي 4 / 57 .

[66] -مسند أحمد ط الرسالة (36/ 392)(22075 ) حسن لغيره

[67] -  المبسوط للسرخسي 24 / 44 ( كتاب الإكراه )

[68] - صحيح البخاري (9/ 120)(7402 )

[69] - صحيح البخاري (4/ 201)(3612 )
 [ ش (متوسد بردة) جعلها وسادة له.(تستنصر) تطلب النصرة من الله تعالى.(ليتمن) من الإتمام والكمال.(هذا الأمر) وهو الإسلام.(تستعجلون) النتائج والثمرات]

[70] - صحيح ابن حبان - مخرجا (7/ 156)(2897 ) صحيح

[71] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3747)

[72] - مسند أحمد ط الرسالة (7/ 296)(4262 ) صحيح لغيره

[73] - سنن الدارقطني (3/ 425)(2888 ) صحيح لغيره

[74] - السنن الكبرى للنسائي (3/ 455)(3544) صحيح

[75] - تفسير الرازي ( 8 / 14 ط البهية المصرية 1938م )

[76] - الفتن لنعيم بن حماد (1/ 184)(484 ) حسن لغيره

[77] - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (8/ 194)

[78] - المغني 8 / 147 القاهرة ،دار المنار ،الطبعة الثالثة .

[79] - الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 368 القاهرة ،عيسى الحلبي .

[80] - تفسير الألوسي = روح المعاني (3/ 121) وقال :إن ترك التأويل بلا عذر لا يقع طلاقه على الصحيح ،الفروع 5 / 368 ،والإنصاف 8 / 441 .

[81] - مختصر التحفة الاثني عشرية ص 287وتفسير الألوسي = روح المعاني (2/ 117)

[82] - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 368 .

[83] - فتح الباري 12 / 314 .

[84] -  مر تخريجه

[85] - تفسير الرازي 8 / 14 ،حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 368 .

[86] - المبسوط 24 / 52 ،الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 5 / 80 ،81 ،والفروع لابن مفلح 5 / 368 ،حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 368 .

[87] - مختصر التحفة الاثنى عشرية ص 288 .

[88] -سراج الملوك (ص: 149)

[89] - الهداية وتكملة فتح القدير 7 / 292 ،293 القاهرة .المطبعة الميمنية 1319 هـ ،ورد المحتار 5 / 80 ط بولاق .

[90] - فتح الباري 12 / 314 .

[91] - المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 319)(3149 ) صحيح

[92] - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 312).

[93] - تفسير الرازي 8 / 14 .

[94] - فتح الباري 12 / 314 .

[95] - المبسوط 24 / 48 ،وفتح الباري 12 / 314

[96] - ) كشاف القناع 1 / 385 .

[97] - صحيح البخاري (9/ 94)(7288 )
 [ ش(دعوني) اتركوني ولا تسألوني.(بسؤالهم) كثرة أسئلتهم.(ما استطعتم) قدر استطاعتكم بعد الإتيان بالقدر الواجب الذي لا بد منه.قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم هذا من قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام]

[98] - كشاف القناع 1 / 495 ـ 499 ،والمغني 1 / 630 ،2 / 188

[99] - سنن ابن ماجه (1/ 343)(1081 )ضعيف
 [ش (قبل أن تشغلوا) أي عنها بالمرض وكبر السن.(وصلوا) من الوصل.(الذي بينكم وبين ربكم) أي حق الله الذي عليكم.(وتجبروا) أي يصلح حالكم.(ولا يؤم أعرابي مهاجرا) لأن من شأن الأعرابي الجهل ومن شأن المهاجر العلم] .

[100] - المغني 2 / 186 ،192 .

[101] - المغني 4 / 214 ،والإنصاف 4 / 265 ،وكشاف القناع 3 / 150 ،وتبصرة الحكام لابن فرحون 2 / 5 .

[102] - تبصرة الحكام 2 / 3 - 5 .

[103] - المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 212)(4876 ) صحيح لغيره

[104] - البداية والنهاية لابن كثير 10 / 334 ،335 القاهرة ،مطبعة السعادة .

[105] - أحمد محمد شاكر ،في تعليق على دائرة المعارف الإسلامية ،الطبعة المترجمة إلى العربية مادة :" تقية "

[106] - طبقات الشافعية للسبكي 1 / 276 ،277 بيروت ،دار المعرفة بالتصويري عن الطبعة المصرية القديمة .

[107] - صحيح البخارى- المكنز - (6131 )

[108] - شعب الإيمان - (10 / 430) (7749 ) حسن موقوف

[109] - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 30)

[110] - مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ لِلْخَرَائِطِيِّ (75 ) حسن

[111] - مصنف ابن أبي شيبة - (14 / 57) (36854) صحيح

[112] - صحيح ابن حبان - (2 / 217)(471) حسن لغيره
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:الْمُدَارَاةُ الَّتِي تَكُونُ صَدَقَةً لِلْمُدَارِي هِيَ تَخَلُّقُ الإِنْسَانِ الأَشْيَاءَ الْمُسْتَحْسَنَةَ،مَعَ مَنْ يُدْفَعُ إِلَى عِشْرَتِهِ،مَا لَمْ يَشُبْهَا بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَالْمُدَاهَنَةُ:هِيَ اسْتِعْمَالُ الْمَرْءِ الْخِصَالَ الَّتِي تُسْتَحْسَنُ مِنْهُ فِي الْعِشْرَةِ وَقَدْ يَشُوبُهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ.صحيح ابن حبان - (2 / 218)

[113] - إحياء علوم الدين - (2 / 51) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (9 / 186) رقم الفتوى 60224 أذية الجار دليل على ضعف الإيمان

[114] - صحيح ابن حبان - (12 / 508)(5696)صحيح

[115] - مُسْنَدُ الشَّافِعِيِّ (1399 ) صحيح

[116] - المبسوط للسرخسي 24 / 130 ،131 ،وينظر الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 368 .

[117] - تفسير الطبري 20 - 132 .

[118] - الزهد لأحمد بن حنبل (ص:17)(84 ) صحيح موقوف ومثله لا يقال بالرأي

[119] - شعب الإيمان (9/ 457)(6962) صحيح موقوف

[120] - تيسير العزيز الحميد ص 162 نشر إدارات البحوث العلمية بالسعودية .

[121] - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين (ص: 145)

[122] - غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 135) والآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 11)

[123] -  فتاوى الأزهر (10/ 384) المفتي  عطية صقر . مايو 1997

[124] - فتاوى الشبكة الإسلامية (2/ 2662)[تَارِيخُ الْفَتْوَى]05 ذو القعدة 1424

[125] - فتاوى الشبكة الإسلامية (12/ 1397)[تَارِيخُ الْفَتْوَى]28 رمضان 1424

[126] - (فتح الباري12/314)

[127] - (تفسير ابن أبي حاتم ج2/ص629)

[128] - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 30)

[129] - تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 248)

[130] - تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 606)

[131] - صحيح البخاري (5/ 90)(4037 ) وصحيح مسلم (3/ 1425)119 - (1801)
 [ ش(قائل بشعره) جاذب به. (متوشحا) متلبسا بثوبه وسلاحه. (ينفح) يفوح]

[132] - (شرح النووي لصحيح مسلم 45/12)

[133] - (فتح الباري 158/6).

[134] - شرح مشكل الآثار (8/ 242)(3213 ) صحيح و(فتح الباري 159/6).

[135] - (فتح الباري 314/12)

[136] - ( انظر فقه الإيمان والعمل الصالح د. العمري 520)

[137] - (فتح الباري ج12/ص317)

[138] - (اقتضاء الصراط المستقيم 176-177)

[139] - (ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية 2/979-983)

[140] - ( ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية 2/983)

[141] - (ينظر: د ناصر القفاري، أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية 2/979-983)

[142] - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم (5/ 37)المجيب د. علي بن عمر با دحدح

[143] - المحلى بالآثار (1/ 61)(77)

عدد مرات القراءة:
470
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :