ثورة الشيعة
شامل عبد القادر
قبل سنوات تَردد في الشارع العراقي أن العراقيين الشيعة هم القوة الجماهيرية الوحيدة في العراق القادرة على التغيير ولفظ العناصر الفاسدة وتصحيح العملية السياسية برمتها وإعادة التوازن الوطني إلى واقعه القديم من دون غالب أو مغلوب!
قلنا الشيعة لان بقية المكونات كانت خارج نطاق التأثير داخل الحكومة والبرلمان وكان الرهان على العناصر الواعية والناضجة والمثقفة وغير الطائفية أو المؤدلجة في قيادة عملية التغيير والاستبدال والاهم من كل هذا أن العراقيين الشيعة أدركوا - بعد وقت متأخر - أنهم خدعوا من قبل السياسيين وقادة الكتل والأحزاب وحتى الميليشيات الشيعية التي "تحود النار لكرصتها" وتركت ملايين الفقراء والمعوزين تتلاعب بمشاعرهم الدينية والمذهبية على رقعة لهو كبرى وأنفقت في سبيل نجاح سياساتها التضليلية والمخادعة مليارات الدنانير في الوقت الذي تكدست ثروات العراق وعائدات النفط الضخمة بأيدي حفنة من المنتفعين من الطائفية والمحاصصة الطائفية إذ ثبت من دون هذه السياسة يخسر أمراء الطائفية مواقعهم إلى الأبد.. هل من المعقول أن يشتري قائد شيعي طائرة ركاب صغيرة خاصة برجال الأعمال في تنقلاته بين بيروت وطهران وبغداد ومواطن شيعي مخلص في ولائه لآل البيت عليهم السلام ويحتذي حذوهم في الزهد والتعفف لا يجد قوت يومه ولا لعياله بينما كبار الطبقة الارستقراطية الشيعية يتمتعون هم وأولادهم وأحفادهم بكل مقاييس النعمة والثراء وامتيازات الحكم والوجاهة الاجتماعية وفقراء الشيعة في مدينة الصدر والشعلة والحسينية وبيوت التنك في ضواحي بغداد والناصرية والبصرة والكوت محرومون كليا من أي أمل في تحسين أوضاعهم حتى أن قسما كبيرا من الساخطين ابدوا ندمهم لأنهم شاركوا في الانتفاضة الشعبانية بعد أن أحسوا أن ثمارها سرقت من قبل فئة نفعية انتهازية.. إن فقراء الشيعة في المدن المكتظة يشعرون أنهم خدعوا وأنهم تحولوا بفضل أنانية الطبقة الارستقراطية إلى وقود للحروب واستغلوا أبشع استغلال من قبل الحكومات السابقة والحالية كحطب للحروب.. حطب رخيص مادته أولاد وشبان العوائل الفقيرة الشيعية باسم الدفاع عن المذهب والطائفة بينما أولاد الارستقراطيين يجوبون عواصم أوربا وشواطئ وسواحل المنتجعات ويدرسون في أرقى جامعات بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وأولاد "الخايبة" يبيعون قناني الماء البارد في الشوارع تحت درجة حرارة تصل إلى "55" درجة!
أدرك العراقيون الشيعة أن تاريخ الشيعة منذ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام تاريخ مطرز بالشهادات المجردة من المنافع الدنيوية وان أئمة الشيعة ربوا شيعتهم على الزهد والإخلاص والتضحية والتجرد من مغريات الدنيا وكانت ثورات الشيعة ضد الحكومات والأنظمة الوراثية المستبدة دستورا مقدسا لا يحيد عنه شيعي واحد في العالم كله إلا بعد عام 2003 عندما نكب الشيعة بطبقة فاسدة انتهازية لصوصية حسبت عليهم وهم منها براء.. عاش العراقي الشيعي - بعد سلسلة من الفشل الذريع والتخبط من قبل الحكومات الشيعية في عراق ما بعد صدام والبعث- انفصاما خطيرا بين ماضيه الثوري النقي العفيف وما هو عليه الآن من وجود طبقة فاسدة مفسدة لم يعد الصراخ والاحتجاج ينفع معها وصار العراقي الشيعي مرشحا قبل غيره من العراقيين للقتل على أيدي الحكومة "الشيعية" وبالتالي قتل رجال وشبان عراقيون شيعة خلال أعوام 2006 وما بعدها تعارضت مبادئهم مع من اختطف المذهب وراح يتاجر به!
تظاهرات اليوم ليست شيعية بل عراقية خالصة ولكن العقل الشيعي الواعي الناضج المدرك يقف وراءها بكل إخلاص ومحبة لكل العراقيين وليثبت العراقيون الشيعة لأهل العراق أن الطبقة التي حكمت الجميع باسم المذهب لا تمثل الشيعة وسجلهم النظيف العفيف في تاريخ ثورات العراق.. لم يعد مقبولا لدى العراقيين الشيعة استمرار حكم العرق زيفا وزورا باسم ملايين الشيعة المسحوقين.. إنهم يقرعون أجراس النصر لكل العراقيين بعيدا عن كل حساسية ونحن في انتظار الفوز النهائي.. إن الحكم وطبقات الحكم تحولوا إلى تفاحة متعفنة مرشحة للسقوط من غصنها بأقل ما يمكن من هزات! - NRT