معنى الساسانية وعلاقته بالدولة الفارسية - ج1
غالبا ما يتبجح الفرس بما يسمى بالإمبراطورية الساسانية مع محاولة احيائها، على أساس انها من الامبراطوريات الكبرى، وهذا خلاف للحقيقة كما بينا، فالدولة العثمانية التي توسعت اكثر من الفرس مساحة، لم تطلق على نفسها امبراطورية، انها محاولة فارسية لتضخيم الذات وتقزيم الآخرين ليس إلا. ولكن الملفت في الأمر، ان كلمة ساسانية في إهانة للفرس وليس عظمة كما يصورون، فقد ذكر الشربشي" ساسان هو رئيس الشحاذين". (شرح مقامات الحريري للشربشي3/115). وهذا ما جاء في دائرة المعارف الانكليزية بأن كلمة ساسان تعني متسول، من الصعب فك العلاقة بين الساسانية كأسرة وبين الكدية، طالما ان الكدية تسمى بالفارسية الساسانية، من المعروف ان (ساسان بن بمهن) الذي حرمه ابوه من الملك، وطرده عاش مشردا في البراري، وفقيرا معدما ذليلا، يستجدي العطف والمساعدة، وهناك من يحاول ان يغير البوصلة معتبرا بأن ساسان هذا الذي ينتسب اليه المكدون هو ليس من الاسرة المالكة الساسانية، وزعم (محمد عبدة ) دفاعه عن الاسرة الساسانية بأن اطلاق كلمة الساسانيين على المكدين الغرض منه التشهير والإساءة الى الاسرة الساسانية، وفات عبدة ان هذه التسمية أطلقت على المكدين بعد سقوط الدولة الساسانية بزمن طويل، ولكن هذا حال محمد عبدة، وقد وجدناه في تحقيق نهج البلاغة قد تغاضى عن الكثير من الإساءات التي شملت الصحابة في خطب علي بن ابي طالب، وسوف نستعرض مخطوطة مهمة تكشف حقيقة آل ساسان، ستشكل مفاجئة لمن يتبجح بالإمبراطورية الساسانية، وهي بعنوان (المختار من كشف الاسرار). للعلامة عبد الرحمن بن عمر بن ابي بكر الدمشقي، المعروف بالجوبري المتوفي في القرن الثالث عشر. وقد قمنا بنقلها وتعديل وتصحيح الكثير من الأخطاء التي وقع بها الناسخ. كشف أسرار بني ساسان " اعلم إن هذه الطائفة (الساسانية) يدخل فيها جميع الطوائف، ويتعلق بها أكثر الناس، وذلك انها صناعة واسعة الدائرة، تحمل أمور شتى، وهم أصل أصحاب الدهاء والمكر والمحال، ولهم الضجة والتجاسر على كل ما يفعلونه، ولهم ألف باب من أبواب المكر، ولولا خوف الإطالة ذكرتها جميعها، بل نذكر منها مائتي يَستدل بها العاقل على الكل، فمنهم أصحاب النواميس والفقراء المدورين وأصحاب البلاء من الزط وغيرهم، وأصحاب الوحوش مثل الذباب والقرود، والذين يتعاملون مع التيوس والحمير، والذين يؤلفون بين القط والفأر، ويعملون اللحى للنساء، والذين يدعون إنهم كانوا مأسورين، والذين يدعون الخرس، والذين يدعون العمى وكل مرض، ويظهرون الاستشفاء والقروح والجراحات، ولهم أشياء كثيرة مثل ذلك، منهم أهل الحج الذين يركبون الجمل، وأما الوعاظ فأنهم أعلى مرتبة بني ساسان، ولهم الحيل والدهاء والمكر ومع ذلك فإن الإنسان إذا احتاج، احتال! وقد قال الشيخ ساسان" الحيلة عليهم، ولا الحاجة اليهم". إلا أن بني ساسان أسرع تقدما الى هذه الأفعال، وقد ذُكر انه مكتوب على عصا ساسان" كم جَسَرَ أيسر، ومن أصاب خاب"، ومثل ذلك، وسأبين لك اختلاف أخبارهم، ما ينفي به عن غيره، وسوف أكشف لك بعض أسرارهم وأخبارهم، لتقف عليها، ولتعلم إني قد مارست تلك الأمور، وعرفت حقائق الأشياء وبواطنها. الباب الأول كشف أسرارهم. فأما الذين يدعون العمى، فمن ذلك انهم يعمون من غير عمى، فإذا أرادوا ذلك، يأخذون من دم القراد جزءا، ومن الصمغ العربي جزءا، ثم يكتحلون به على أطراف الأجفان، فتنطبق وتلتصق، ولا يشك من يراهم إلا إنهم عميان فعلا، فإذا أرادوا ان يفتحونها (عيونهم)، فيأخذون الصابون وينخلونه (في منخل)، ثم يلقوه في الماء، ويغلوا عليه حتى يذهب الريح (الرائحة) منه، ثم يغسلون وجوههم وأعينهم، فإنها تنفتح. الباب الثاني كشف أسرارهم. والذين يجعون الجذام، وقد سبق ذكره في أسرار من إدعى النبوة، فإذا أرادوا أن يظهروا إنهم جذمه، فيأخذون من ورق القلطم جزءا ومن البادروج جزءا، ومن الكبابة جزءا، ومن ورق البيروجج جزءا ومن القلفند جزءا، ثم يغلوا الجميع حتى يذهب الريح (الرائحة)، ثم إنهم يستحمون بذلك الماء، فيُخيل للآدمي إنه جذام أو برص، وليس من ذلك شيئا، وإنما هو حيل ودهاء. الباب الثالث كشف أسرارهم. الذين يدعون الاستسقاء والصفار (صفار الوجه والجسم) والعلل الباطنة مثل كبر البطن، فإذا أرادوا ذلك يأخذوا ماء التين، وبيظ النمل، ويفلوا الجميع حتى ينقضِ الريح (الرائحة)، ثم يشربونه، فتكبر بطونهم، وتصفر وجوههم ، حتى يخيل لمن يراهم كأن بهم علة الاستسقاء، فإذا أرادوا ان يذهبوا (يزيلوا العلة)، يشربون الهندبا مع السكر الطيرزد، فإنه يذهب فأعلم ذلك. الباب الرابع كشف أسرارهم. وذلك أني رأيت سنة 613 ثلاث عشر وستمائة رجل من بني ساسان، قد أخذ قرد وعلمه السلام على الناس، والصلاة والتسبيح والسواك (تنظيف الاسنان بأعواد السواك) والبكاء، ثم رأيت مع هذا القرد من النواميس ما لا يقدر عليه أحد من الناس، فإذا كان يوم الجمعة أرسل عبد هندي نظيف الملبوس (الملابس)، حسن الشمائل، فجاء للجامع الى عند المحراب، فبسط سجادة حسنى، ثم راح، فإذا كان في الساعة الرابعة أبسط القرد ملبوس خاص، ولبسة (زي) من ملابس أولاد الملوك، وجعل في وسطه حياصة (منديلا) له قيمة، ثم طَيبه بأنواع الطيب، وأركبه بغلة بركب ذهب محلى، ثم مشى بركائبه ثلاثة صبية هنود بأفخر ما يكون من الملبوس، الواحد يحمل وطأ (غطاء) المصلى، والآخر يحمل السرموجة (حذاء يصل الى الكعبين)، والآخر مطرق قدام هذا، والقرد يسلم على الناس طول الطريق، فإذا وصل باب الجامع لبسوه السرموجة، وحضروه (أعدوه)، ونزل العبيد قدامه، وهو يسلم على الناس، وكل من سأل عنه، يقول هذا ابن الملك الفلاني، من أكبر ملوك الهند، وهو مسحور ولا يزال كذلك، حتى يصل الى الموضع الذي فيه السجادة، فيفرش له العبد الوطاء فوقها، ويحط له مسبحة وسواك، فيقلع (يخلع) القرد ملبوسه، ومنديله في وسطه، ويضعه قدامه، ثم يستاك بالسواك، ويصلي ركعتين شكر الوضوء، وركعتين تحية المسجد، ثم يأخذ السبحة ويسبح، فإذا فعل ذلك، نهض العبد الكبير قائما على قدميه، فسلم على الناس وقال: يا أصحابنا من أصبح معاقا في بدنه فإن لله عليه نعمة لا تُحصى، واعلموا ان إبن آدم مُلقى للبلاء، فمن ابتلى فليصبر، ومن عفى ليشكر، واعلموا ان هذا القرد الذي ترونه بينكم والله لم يكن في زمانه أحسن من شبابه، وهو ابن الملك الفلاني، صاحب الجزيرة الفلانية، سبحان من سلبه الحسن والملك، ومع ذلك لم يكن في زمانه أرحم منه قلبا، ولا أطوع منه لله تعالى ، ولكن المؤمن مُلقى الى قضاء الله ، وكان من القضاء المقدر ان زوَجَه والده بابنه الملك الفلاني، فأقام معها مدة كذا وكذا، ثم نقلوا اليها انه عشق جارية عليها، فسألته عن ذلك فحلف لها بالله إن هذا شيء ما كان، فتركته، فتزايد عليها القول في ذلك، فلحقها من الغيرة ما يلحق أمثالها، فلم تجد عن ذلك صبرا، فطلبت منه دستورا (إذنا) تروح تزور أهلها وأمها شهرين من الزمان، فأذن لها في ذلك وجهزها كما يجب لمثلها، فلما حصلت (صارت) عند أهلها، سحرته كما ترون، فلما علم والده ذلك، قال هذا أفتضح به بين الملوك، فأمر بإخراجه من ذلك الأقليم فأخرج وقد تساءلت (أتصلت) زوجته بجميع الملوك، فادعت انها خلفت (تركت) عنده انات (جميع آنية) بقيمة مائة ألف درهم، وقد بقى عليه عشرة آلاف دينار فمن يساعده بشيء من ذلك! فأحرموا هذا الشاب الذي قد عدم الأهل والملك والوطن، وقد أخرج من صورته إلى صورة القرد هذا، والقرد قد جعل المنديل على وجهه، وجعل يبكي بدموع مثل المطر، فترق قلوب الناس لذلك وما منهم إلا من يرفده بشيء، فما يخرج من الجامع إلا بشيء كبير، وهو يدور به البلاد في هذه الصفة، فأفهم ذلك، ونبه فكرك لما يعلمه بنو ساسان من المكر في أعمالهم. الباب الخامس كشف أسرارهم. فمن ذلك أني كنت في قرية في بلاد الروم سنة 616 ستة عشر وستمائة فمررت في بعض الشوارع، فنظرت إنسانا وعليه خلق وهو ملقى على جنبه وهو معصب بسرموط (قطعة من الجلد) وهو يئن أنين الضعيف ويقول شهوتي رمانة، فنظرت اليه وقلت: بود الله وعزة العزيز من بني ساسان، ولابد أن أنظر الى أين يبقى وماله، فجلست قريبا منه، بحيث أراه ولا يراني، وجعلت الدراهم والفلوس تنهال عليه، ولا يزال كذلك الى وقت القايلة (منتصف الظهر)، وانقطعت الرجل (الناس) من الرائح والجاي (انقطعت الناس ذهابا ومجيئا)، فلما رأى ذلك التفت يمينا وشمالا فلم يرى أحدا، فوثب مثل البعير التي تشط من عقاله، وجعل يخترق الأزقة وأنا خلفه الى أن انتهى الى دار حسنة البنيان عالية الأركان، فطرق الباب، ففُتح لهم، فهم أن يدخل، فسبقت اليه، فقلت له: السلام عليكم. فقال: وعليكم السلام. فقلت: أتقبل ضيفا؟ فقال: نعم ومرحبا بمن أتى! ثم أخذ بيدي وقال: على خير. فتقدم ودخلنا الى دار حسنة، فنظرت فيها فرشا وبسطا لا تصلح إلا لبعض السعداء (الأغنياء)، فقال لي: اصعد! فصعدت على طراحة حسنة، وأما صاحبي فرمى من رقبته ساق (كيسا) فيه أكثر من عشرة أرطال خبز، وفيه فلوس، وخير كثيرة، ثم شد في وسطه بوشية (جربة) تساوي دينارين، وخلع تلك الخرق، وقدمت له الجارية السخانة ملآنة (إناء للغسل، فتغسل) وطاسة وإبريق، ورأيت له شعرا زائدا على الوصف، ثم لبس قميصا رقيقا وسراويل وقباء (ثوب يلبس فوق الثياب ويتمنطق به) وشاش، ثم رشٌ عليه ماء ورد، وطلع وجلس الى جنبي، وقال: يا فلانة هاتي ما عندك ولا تتكلفي للضيف، بل على حسب العادة. فأحضرت مائدة عليها أربع زباد، كل زبدية لون من الطعام الخاص، وخبز وخبز السميد من أطيب ما يكون، ثم أحضرت سكردان عليه من كل حامض وحلو ومالح وحريق (حار) وغير ذلك فأكلنا وقال أعذرنا، فأنك جئتنا على غفلة، ولكن الكريم مسامح، فأكلنا حسب الكفاية، فرفعت المائدة، وغسلنا أيدينا، ثم أتانا بطبق فيه من جميع أنواع الحلو، ثم تَحلينا وشرعنا في الحديث وأنا متعجب منه، فقلت له: لو فتحت لك دكانا، الدكان أجود لك من هذه الحرفة. فقال: إذا كان تاجر أسفار، أم صاحب دكان، فكم يقع كسبه في اليوم، إذا كان رأس ماله خمسة ألف دينار؟ فقلت: دينارا ونصف دينار. فقال: أنا يقع ليٌ كل يوم خمسة وعشرة وأكثر ما يتبين، أأعمل أنا بالدكان؟ مع أن التاجر لا يخلو من الخسارة في بعض الأوقات، ويكون عليه كلفة، وأنا أربح بلا خسارة، فقلت له: هذا الخبز الذي يتحصل اليك ما أراك تأكل منه، فأي شيء تصنع به؟ قال: نجمعه ونيبسه، فإذا جاءت المراكب نبيعها فيتحصل من كل سنة ما يكفي البيت كسوة. فتعجبت من ذلكّ ثم قال: تقول في هذا؟ فقلت: نعم! فقال: يا فلانة احضري لنا شيئا نشتغل به، فأحضرت آنية شراب تصلح للسعداء من الناس، فشربنا ساعة، ثم قال: يا فلانة أتركي فلانة تنزل، تطيب عيشنا! فنزلت جارية أحسن ما تكون من النساء ومعها عود فلعبت ساعة لعبا طيبا، ثم تركت العود وأخذت الجنك (أداة موسيقية تسمى الطنبور) ولعبت نوبة (فترة)، ولم تزل تبدل الملاهي (ادوات الغناء)، حتى انقضى المجلس، فلما أردنا النوم، قال: أفرشي لسيدك في المخدع، وأغلقي عليه. ففشرت ليٌ فرشة حسنة، وأوقدت بقنديل، ثم أتتني بالطست و(المستية) فاغتسلت ونمت، فلم أزل نائما الى الباكر فانتبهت، فإذا به قد دخل عليٌ وقال: الضيافة ثلاثة أيام فلا تبرح من مكانك حتى أعود اليك، ثم قال للجارية: هاتِ العدة! وأتته بذلك الخلق الشلاق (مخلاة للفقراء والسؤال) والعَصابة، فلبس وعَصَبَ رأسه (شد العصبة)، وخبأ شعره، ثم أتته بمخلاة فيها شيء من تراب مطحون، فجعلت تنفضه عليه، ثم ودعني وخرج، ولن تزل الجارية تتفقدني بالطيب والطيبات الى الظهر، وإذا به قد جاء، وفعل كما فعل بالأمس، وأقمنا على ذلك الى يوم الجمعة، فقال للجارية: خذي سيدك الى الحمام واتركي فلان يخدمه، وقال لي: أريد منك اليوم ألا تصلِ إلا عند المحراب، فإن لي في ذلك غرض، ثم تعود هاهنا بعد الصلاة، ثم لبس عدته وخرج، فقامت الجارية وأخذت معه البساط، ثم عبت حوائج الحمام، فوجدت البساط وفوطة حرير وبوشية وبقجة، فخلعت قماشي (لباسي) ودخلت والغلام قدامي الى المقصورة، فخدمني خدمة حسنة، ثم خرجت فجاءني بمنشفة رومية مخملة ومبخرة ومعطرة ثم خرج خلفي بالطاسة، فصعدت على البساط، وجاءتني الجارية بقدح شراب فشربت، ورجعت الى الدار ، فدخلت والجارية قدامي، فجلست وقدمت لي أشياء للأكل، فأكلت ثم دفعت ليٌ سجادة وقالت: بسم الله الى الجامع! فخرجت وجئت الى الجامع، فبسطت تحت المنبر، كما رسم صاحبي، فلما صعد الخطيب، فلم أشعر إلا وصاحبي قد خرق الصفوف، وهو بذلك الخلق، ثم صعد على المنبر الى عند الخطيب، وأخرج من عبه كيسا احمرا اطلسا (نسيج من حرير)، وقال للخطيب: يا سيدنا أنا رجل فقير ولي عائلة، والله ان لنا اليوم واليومين لم تستطعم بطعام، وقد مضنا (أرهقنا) الفقر، فلما كان اليوم، قالوا العائلة اليوم يوم الجمعة، فقم الى الجامع، لعل الله يفتح عليك بشيء تتقوت به، فقد هلكنا من الجوع، فخرجت طالبا الجامع، فأنا في الزقاق الفلاني، وانا لا أقشع شيئا من الجوع، فعثرت بهذا الكيس، ولا أعلم ما فيه، فسولت نفسيان آخذه، وأرجع الى البيت، ثم قلت يا نفس ملعونة تريدين ان تحرميني (من رحمة) الله تعالى، وآكل الحرام، والله لا أطاوعنك ابدا على ذلك لو تفنيني جوعا، فما عند الله خيرا وأبقى ، وقد حملته اليك تفعل به ما تريد وتحب، ثم ناوله الكيس، فلما رآه الخطيب فتحه فإذا به حلي تساوي جملة، فتعجب الخطيب من أمانة هذا الرجل مع ما هو فيه من الفقر والقلة، ثم أشار الى الناس وقال: أيها الناس إذا كان هذا الرجل وهذه أمانته وعفته على ما هو فيه من الفقر والحاجة، أيكون أحد أعف من هذا؟ فإذا كان مكتفِ غير محتاج كيف تكون أمانته ودينه؟ ومثل هذا لا يصلح أن يكون فقيرا بين ظهور المسلمين، والواجب على كل مسلم إعانته وأن يبره بشيء، وأن يغني فقره، وأريد أن تعينوه كل منكم على قدر حاله وبما يمكنه. فجعلت الدراهم والدنانير تنهال عليه الى أن قدرت مقدار ما حصل عليه بالتقريب يكون مائتي دينارا، هذا وأنا ألومه وأقول قد حصل له شيئا يساوي ألف دينارا باعه بهذا المبلغ، وما صدقت متى تنقضي الصلاة ونحن في السنة والصحبة قد أخذتنا من كل جانب من صحن الجامع، واذا بامرأة عجوز وهي تصيح وتقول يا مسلمين والله ما أملك قوتي هذا اليوم، وقد كان معي حلى حملته من ناس الى ناس، فوقع مني، والخلق يقولون لا بئس عليك قد وصل عند خطيب الجامع، وهو عنده. ولم تزل تخرق الخلق الى وصلت عند خطيب الجامع، فخرت مغشية عليها ساعة ثم أفاقت، فقالت يا مولاي العفو، ارحمني، يرحمك الله تعالى، وردٌ لهفتي لله تعالى! فقال الخطيب: على مهلك ما الذي عدم عندك (ضاع منك)؟ فقالت: كيس أحمر أطلس صفته كذا وكذا، شراريبه (قماشه) كذا وكذا، وفيه من الحلي كذا وكذا، منها اسورة كذا، وخواتم كذا، وحلي كذا وعقد صفاه كذا وكذا، ولم تزل تعد له قطعة بحضور جماعة من العدول وكلما وصفت عقدا أخرجه الخطيب من الكيس الى أن عبت الجميع وصح ما قالت، فسلم اليها الكيس بما فيه، فأخذته ومضت، والخلق يدعوا لصاحبي، ويتعجبوا من حسن دينه وأمانته، ثم انصرفت وجئت الى الدار كما أوصاني، فوجدته قاعدا يزن ما تحصل له في ذلك اليوم، فإذا به القدر الذي أنا قد حزرته، فلما دخلت جلست، فقال لي: أرأيت اليوم؟ فقلت: أنا لائمك على ذلك. فقال: ولم؟ فقلت: قد وقع لم شيء يساوي ألف دينار وتبيعه بهذا القدر؟ فقال لي: أتعرف المرأة والكيس الذي أخذته؟ فقلت: إذا أبصرته عرفته. فقال: خلوا العجوز تأخذ الكيس وتنزل. فنزلت والكيس في يدها. فقال: هذا الكيس، وهذه هي العجوز، وهي حماتي، والكيس لابنتها، وأنا سيرتها بهذه الحيلة، فلو أقمت طول النهار أطلب ما يتحصل لي مقدار ذلك. فلما وعيت ذلك، تعجبت منه ثم انصرفت من عنده، فأفِهم ذلك؟ الباب السادس كشف أسرارهم. ومن ذلك انه كان لي صاحب من أهل دمشق يُعرف بالجمال (محمد بن غنم) فغاب عني مدة ولا أعلم ما كان منه، فلما دخلت بلاد الروم اجتمعت به على باب (الموتى)، وهو راكب على بغلته، وعليه ثياب برد حرير (كساء صوفي يلتحف به)، وعلى رأسه عمامة، وعلى أكتافه برد جديدة، وحوله نفر من أهل الحجاز وهم بذلك الزي، فلما رآني عرفني ولم أعرفه، فسلم عليٌ وقال: ألا تعرفني؟ فقلت: ولا أنكرك. فقال: أنا صاحبك (محمد بن غنم)، فعند لك عرفته، فأخذني الى منزله، فأضافني وقال: توافقي فيما أعمل. فقلت: وما الذي تعمل وما بهذا الدست (اللباس) الذي أنت فيه؟ فأحضر صندوقا من خشب الأبنوس، وعليه شيء كبير من الستور(الستائر) التي تكون على الكعبة، وعليه شقة أطلس (شق في وسطه)، وعليه قفل من ذهب، وسواقطه (أطرافه وجوانبه) من فضة، وكذلك مساميره، وقد أخذوا نعلا وهو على صورة نعل رسول الله (ص)، وشراكة (حبائل) من الخوض، وقد سكمره (ثبته) في أرض الصندوق بمسامير من الذهب والفضة، وجعل فيه من أنواع الطيب، وقد زعم ان هذا قدم النبي (ص)، وهو دائر به في بلد الروم، وهو على فرس والصندوق على رؤوس اولئك العبيد، وقد ادعوا انهم من بني شيبة (سدنة الكعبة)، وقد حصل به جملة، فاذا نزل بقوم سنية (من أهل السنة) إدعى انه عدوي (قبيلة عدي من قريش منهم امير المؤمنين عمر بن الخطاب)، واذا نزل بقوم إمامية إدعى انه علوي، وهو على ذلك الحال، فسألني أن أصحبه، فأبيت من ذلك، ثم انصرفت من عنده طالب شيراس (شيراز). معنى الساسانية وعلاقته بالدولة الفارسية/2 الباب السابع كشف أسرارهم. ومن ذلك إني رأيت أقواما على هذه الصفة، ومعهم الصندوق الذي تقدم ، وفيه خلق عباءة مطيبة بأنواع الطيب، وقد زعموا انها العباءة التي كان يتغطوا بها أهل البيت صلوات الله عليهم ـ كساء النبي (ص) ـ وهم دائرون في البلاد، وقد تحصل لهم بها حمل (مال كثير)، فأفهم ذلك، واعلم ان بني ساسان لا تُعد صفاتهم. الباب الثامن كشف أسرارهم. ومن ذلك ان بعض اصحابي حكى ليٌ، قال: رأيت في بلاد العجم جماعة من أهل الحجاز من بني ساسان ومعهم كذلك صندوق، وفيه قطعة عباءة، وقد ربطوا بها الناس(زعموا) انها العباءة التي كان تخلل بها أبو بكر الصديق (رض)، وقد داروا بها في البلاد، وحصلوا على جملة (مال كبير)، ولو شرحت ما لهم من الدهاء والحيل والمكر والتسلك (السلوك) والجرأة على أكل أموال الناس لطال الشرح، ولكن هذا القدر بهذا القليل هو علة الكثير، فيعلم من وقف على كتابي هذا اني لم أترك فنا من الفنون، ولا علما من العلوم إلا وقد باشرته، وكشت سره، وسر من ذهب اليه، فليعلم ويحذر نفسه، فأفهم ذلك. كشف أسرار الذين يسمون بالنملة السليمانية اعلم وفقك الله لما يحب وترضى إن هذه الطائفة هي نوع من بني ساسان إلا أن لهم كتابا قديما بذاتهم يُعرف بكتاب العزيز، وهؤلاء القوم قد تسلطوا على أكل أموال الناس والفسق بأولادهم، ولهم من المكر والدهاء أوفى نصيب، وهم أخير من غيرهم، ومن أفعالهم الفسق بالصبيان، وأخذ أموال الناس، إلا إنهم اقل طمعا من سائر الناس، ولا يقفون على طائل أكثر من الفسق بأولاد الناس وأولادهم. ومن ذلك انهم (بني ساسان) يكونوا من ثلاث أنفس (يتكونوا من ثلاثة أشخاص)، الواحد يقف بعيدا عنهم، والآخر المتكلم وهو الشيخ، والآخر طالب، فإذا كان مرادهم بعض المردان يخرجون الى ظاهر المدينة والى خواصرها (وسطها)، فإذا عاينوا مليحا يقول الشيخ: عليها! (اي باشروا العمل، حضر الغلام المقصود)! ثم يأخذ منديله ويلفه، ويمشي وصاحبه يتبعه، فإذا اقتربوا من الامرد يقول صاحب الشيخ: يا سيدي بالله عليك أريني أياها. فيقول الشيخ: يا ولدي هذه نملة سليمانية، وزنها خمسمائة درهم، وجهها وجه بني آدم، وما هي ابن آدم، وشَعرها شعر ابن آدم وعينها عين ابن آدم، وخلقتها خلقة ابن آدم، وتسبيحها هو ان تقول: سبحان خالق الليل والنهار، سبحان مخرج الماء من الأحجار، سبحان عالم الأسرار، لعن الله قاطع الشجر، وذباح البقر، وراكب الذكر على الذكر، لقيتها تأكل من لحم بني آدم، فقلت لها: ذاك يا ملعونة يا لعينة، تأكلين لحم عباد اللهّ! فقالت: ما أنا لعينة ولا ملعونة، إنما آكل من لحم من يأكل رزقه، ويجحد نعمته، فتكلمت عليها باسم الله الأعظم، فذلت وخمدت. فإذا قال هذا الكلام الحٌ عليه صاحبه بالنظر الى هذه النملة العجيبة، وهو يتجنب عن الطريق (يبتعد)، فإذا سمع الصبي (الأمرد) ذلك، طلب النظر مثلما طلب صاحبه، والشيخ يهذر عليهم الى أن يلحوا عليه في النظر فيقول لهم: يا أصحابنا الساعة تجتمع علينا الناس، وأنا لا أريد احد ينظر اليها، بل الى هذه الخلقة (العجيبة)، فإن كان ولابد، فأنظروا لنا مكانا مستورا أو مسجدا مهجورا، فيقول صاحبه: بالله يا سيدي لا تقطع بنا، فقد تعلقت قلوبنا بذلك. فيقول الشيخ: اذا اكل الواحد منكم رغيف خبز فيأكله في أي موضع؟ فيقول صاحبه: في مكان مستور، أو مسجد مهجور، فيقول الشيخ: ابصروا موضعا حتى أريكم خلقة الله وأروح. فيقول صاحبه: يا سيدي أنا أعرف هاهنا مكانا مستورا ومسجدا مهجورا. فيقول الشيخ: روحوا حتى أريكم خلقة الله ولا تُعلمون بيٌ أحدا. فيغدو رائحين، فيصادفهم رفيقهم الثالث، فيبوس يد الشيخ ويقول: يا سيدي أنا الذي أعطيتني رزقي أول أمس، وقد بقيت لي منه عشرة دنانير. فيقول الشيخ: هل أخذت رزقك؟ فيقول: نعم سيدي، وأنفقته في الحلال. فيقول الشيخ: قل الحمد لله! فيقول والله يا سيدي أكسيت أمي وأختي بما أشرت عليه، وتصدقت بالذي قلت ليٌ، وقد تبقى ليٌ عشرة دنانير. فيقول الشيخ: امش مع إخوتك حتى أعطيك ما بقى لك. فيقول الآخر: يا سيدي أأنت الذي تعطي الناس أرزاقهم. فيقول الشيخ: وأنتم الا تعرفوا ذلك؟ فيقولوا: لا والله. فيقول: أنا الذي يقال ليٌ ابن المعروفة من قرب البحر المالح ـ صلوا عليه ـ ونحن سبعة اخوة في الأرض الذين قال الله تعالى في حقهم (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، ونحن قد علمنا الاسم الأعظم، وكلنا بأرزاق العباد ندور في الأرض، فإن وجدنا جائعا أشبعناه، وان وجدنا عريانا كسيناه، وان وجدنا فقيرا أغنيناه. فيقول صاحبه: وأنت تعرف الاسم الأعظم؟ فيقول الشيخ: نعم اتكلم به على الماء فيجمد، وعلى النار فتخمد، وعلى التراب فيصير ذهبا. هاتوا سلسلة طولها سبعون ذراعا، حتى أتكلم عليها فتعجن مثل العجين أو مثل الشمع. فيقولون: ومن أين لنا سلسلة؟ فيقول: أليس عندكم صلبا قويا؟ فيقولوا الحجارة. فيقول: هاتوا اليٌ حجارة حتى اتكلم لكم عليها، أخليها تتعجن مثل الشمع، وأخرج لكم منها عرق النبي (ص). فيأتوه بحجر ويأخذه بيده، وفي يده قطنة مشربة بماء الورد او بماء القداح، فيأخذ الحجر ويقول: هذا الحجر فيه شج النبي (ص) فكسرت بنيته، وعقر جواده، فسقط عرق على هذا الحجر، فإذا تكلمت عليه بالاسم الاعظم، فأن أردتم أن أخرج لكم منه نارا تحرق الأرض وما عليها من الشجر والمدر، وأن أردتم ان ينزل منه عرق النبي (ص)، وفيه اثنين وسبعين منفعة، وهو نافع لمن يضربه والده وأمه أو معلمه أو قرابته، وللقبول ولقضاء الحوائج، ولمن يكون قليل الرزق. ثم يقول: افتحوا أيديكم، فيفتحوا أيديهم، فيعصر الحجر، فينزل منه الماء الذي في القطنة، فيقول امسحوا به وجوهكم، فيمسحوا به وجوههم، ثم يبوس احدهم يده ويقول: يا سيدي أنا فقير، وأريد من الله ومنك شيئا أعيش فيه أنا وأهلي. فيقول الشيخ: أأنت فقير؟ فيقول: نعم يا سيدي. فيقول الشيخ: اذا أعطيتك رزقك تنفقه في الحلال وتتصدق منه بعشرة دنانير؟ فيقول: نعم يا سيدي. فيقول الشيخ: الحمد لله بلغت قصدك ثم يلتفت الى الصبي ويقول له: وأنت فقير؟ فيقول: نعم. ويكون قد وصل الى موقع يمكن فيه الفسق بالصبي، ثم انه يخط خطا في الأرض، ويقعدون حوله ويقول: احضروا ايها الملوك الموكلون بخزائن الأرض التي تحت يدي حتى تعطوا لعبيد الله ارزاقهم، ثم يقول طأطأوا رؤوسكم، فيفعلوا ذلك، فيقول أيها الملك الفلاني توكل بهذا وأنت بهذا، ثم تكون معه دنانير من الرصاص مطيبة بالسندروس، كأنها ذهب، ثم يأخذ ترابا فيجعله صفا قدامه، ثم ينصب فيه دنانير الرصاص ويقول: اي واحد منكم ينام، ثم يقول: من هو أصغر منكم هنا؟ فيقولوا أصحابه هذا الصبي أصغر منا فيقول له أرفع طرف المنديل، وأبصر أي شيء تحته، فيرفع الصبي طرف المنديل فيجد تحته ذلك الذهب، فيذهل عقله، ثم يقول لصاحبه: قارعني، فيقارعه، فيقول له: قد طلع لك من المال خمسون دينارا وثلث دينار، فيقول نعم سيدي، فيقول الشيخ: اشكر نعمة الله، ثم يلتفت الى الصبي ويقول له: اين تسكن، واهل لك أب، فلا يزال حتى يعلم جميع أحواله، ثم يقول قارعني، فيقارعه. فيقول له: قد طلع لك خمسمائة دينار، فقل الحمد لله، وتصدق منها عشرة دنانير، والباقي أنفقه في الحلال، وكل سنة يطلع لك مثلها، فيحدثه وصاحبه يمد يده الى نحو المنديل الذي تحته الذهب الذي أبصره الصبي، كأنه يأخذ منه شيئا فيزعق عليه الشيخ ويقول له: تخطف ترابا، ثم يرفع المنديل فلا يجد تحته شيء، فيبوس يده ويقول: يا سيدي بالله عليك لا تقطع بنا، وآتنا أرزاقنا، ويفعل الصبي كذلك، فيقول ان الملائكة أخبروني ان كل واحد منكم قد عمل ثلاثة ذنوب، سرق وقتل وزنى، أو زني به، ويقول لصاحبه: من زنى بك؟ فيقول ما زنى بيٌ أحد، وأي شيء يكون الزنا؟ فيقول: من فعل بك كما يفعل الرجل بالمرأة، فيقول: ما فعل بيٌ أحد شيئا. فيقول الشيخ: ويلك يا ملعون، تخفي على الشيخ، اسكنوا في رأسه (يخاطب الملائكة)! فإذا قال لك، وقع الى الأرض، وجعل يتخبط، فيقول إتشفعوا فيه؟ فيبوسوا يده، ويقول لصاحبه الآخر: شأن الله يا سيدي وهبتني ذنبه، ويفعل بالصبي كذلك، فإذا سألوه، أخذ عصاه وأومأ بها انه تكلم عليها، ويدفعها للصبي ويقول اجعلها على وجهه، فإذا جعلها على وجهه قعد وباس الأرض ويد الشيخ، ويقول العفو يا سيدي أبصرت الناس بلا رؤوس، والناس على خيول من نار، وبأيديهم حراب من نار، وقالوا لي يا لعين يا ملعون ان كتمت الشيخ شيئا، قتلناك وأحرقناك يا سيدي، وأنا أقول لك ما عملت، بالله عليك لا تسلمني الى أولئك. فيقول الشيخ: قل ليٌ من قتلت؟ فيقول والله يا سيدي ما قتلت إلا عصفورا وأنا صغير، عصرت عليه فمات. وكانت أمي تبيع الغزل، وكنت أسرق منها قرطاسا أو قرطاسين أو أربع فلوس، فهذا الذي كنت أسرق. فيقول الشيخ: تب الى الله، ثم يقول الشيخ ومن زنى بك؟ فيقول: يا سيدي وقتما كنت صغيرا في الدكان، كان عندنا صانع، وكان يوهبني فلسات (فلوس قليلة) ويزني بيٌ، فيقول الشيخ: وكان يولج فيك أيره كله؟ فيقول نعم يا سيدي، ولايزال كذلك حتى يعد سبعة أو ثمانية، فيقول ومن يزني بك الآن فيقول: يا سيدي والله ما تبقى أحد. فيقول الشيخ: ابشر بزيادة رزقك ألف دينار، قل الحمد لله، ثم يلتفت الى الشيخ فيقول سرقت، فيقول كذا وكذا، فيقول أتتوب؟ فيقول نعم. فيقول من قتلت؟ يقول ما قتلت أحدا، فيقول الشيخ: من زنى بك؟ فيقول واحد هذه صفته ونعته، ولا يزال كذلك، حتى يذكر له من فسق به، ويعلم منه انه ما بقي أحد. فيقول الشيخ: أتتوب؟ فيقول: نعم، فيقول قد زاد ذلك في رزقك ألف دينار، قل الحمد لله، ولكنكم تريدون أن تتطهروا من الدنس والذنوب التي فعلتم في دنياكم، فمن تطهر أخذ رزقه، ومن لم يتطهر احترق الساعة، أيما أحب اليكم ان تطهركم ملائكة من نار بذكور من نار، لو طرح أحدهم ايره في الأرض أحرقها، او في السماء حرقتها، أو تطهرون بعضكم بعضا، فيقول صاحبه والله يا سيدي: ليس لنا طاقة بذكور الملائكة، نحن نطهر بعضنا بعض، فيقول لصاحبه خذ هذه الحصوة، فما رأيت شيئا عرفني به. فيأخذ الحصوة ثم يشخص ثم ينقض على رجل الرجل الشيخ يبوسها ويقول: يا سيدي العفو، قال الشيخ: ماذا بصرت؟ فيقول له: أربعين ملكا من نار، وهم وقوف حتى تأذن لهم بطهورنا فبالله يا سيدي نحن نطهر بعضنا بعضا، فيقول خذ هذه الحصوة، ونام هناك، ويزعق على الصبي ايضا، ويقول انت نم هناك، وحلٌ سراويلك، فيروح وينام ويقول لصاحبه، قم طهَر أخاك المؤمن، فيقوم اليه ثم يلج في أليتيه، والشيخ يزعق: لا تتحرك! قل حلال يا سيدي لا زنا ولا خنا، فلا يزال كذلك حتى يفرغ منه، فيقول الشيخ ارتفع يا مبارك فيه، فيهم الصبي ان يقوم فيزعق عليه الشيخ ويقول: نم لا تتحرك! فيبقى نائما ثم يأمر الآخر، فإذا فرغ، قال للصبي: قم فأغتسل، فإذا اغتسل يقول له أقعد، وخذوا أرزاقكم، فاذا قعدوا يقول لصاحبه الذي جاء في الآخر وإدعى انه بقي له من رزقه عشرة دنانير: أنت هل كملت طهورك؟ فيقول: يا سيدي أنا طهرني ذلك اليوم خمسة، فيقول الشيخ: صدقت خذ هذه الحصوة، وامضي الى البئر في دارك، ثم أرمِ الحصوة فيه، وقل يا جبرائيل يا جرجير اعطني رزقي من البئر، وافتح يدك وغمض عينيك، فأنه تقع في يدك عشرة دنانير، قم الساعة! ثم يصيح فيه، فيأخذ الحصوة ويبوس يد الشيخ ويروح ويقول لصاحبه الآخر، أنت ما وقع لك ومن يطهرك؟ فيقول العفو يا سيدي لا طاقة ليٌ بملائكة، أنا أبصر ليٌ من يطهرني، فيقول اشكر الله، ثم يلتفت الى الصبي ويقول: يا ولدي انت عليك كذا وكذا طهور وتأخذ رزقك، فيقول صاحبه: يا سيدي طهره أنت. فيقول الشيخ: انا إذا طهرت أحد يطلع له الذهب الذي كل دينار وزنه عشرة دنانير، وانا لا أطهر أحدا. فيقول: يا سيدي صبي صعلوك من شان الله (من أجل الله) فطهره أنت، واعطه رزقه ودعه يروح، ثم يقوم الصبي يسأله ذلك حتى يطهره، ويبقى صاحبه متأسفا كيف لم يقع له من يطهره، ثم يعاوده صاحبه ويقول له إذا كان غدا تعال الى هنا، فلا يزال يترفق له حتى يقوم ويفعل بالصبي، ثم يقول لصاحبه، أنت إذن غدا تعال الى هنا حتى يكمل طهورك وخذ رزقك، ورزق الصبي كذلك، ثم يقول من منكم يريد ان يروح للبئر ثم يرجمه بحصاة ثم يقول هيا هيا عذبوه، فيبقى يتخبط ساعة ثم يقول للصبي تَشَفع فيه، فيقول نعم فيعطيه حصاة ثم يقول دعها على رأسه، فإذا فعل ذلك أفاق ثم أقبل على الشيخ ويقول: العفو يا سيدي انا والله، كان لي صديق، وكنت أريد ان أحدثه وأنا تائب الى الله تعالى على يدك، ويقول أبصرت سبعة ملائكة من نار بأيديهم حراب من نار كل واحد منهم قد أخذ حربته وجاء اليٌ وقال: ويلك يا لعين يا ملعون، أتُبيح بسر الشيخ، وإن بحت قتلناك. فخلصني منهم، وأنا تائب يا سيدي. فيصرفهم ويقول انا رائح الساعة ذاهب لبيت في مكة فأنه قد وصلها ناس وعندي لهم رزق، اعطيهم ارزاقهم، وأروح الى الغرب لأعطي آخرين أرزاقهم، وأكون هنا في النهار، فإذا أبصرني أحد منكم لا يسلم علي ولا يقول لأحد هذا يعطي الناس ارزاقهم، فيهلك. فيفترقوا، ويمشي صاحبه فيأخذ ما عنده وما في خاطره من الشيخ ثم يعرف صاحبه، واحذروا أن تبوحوا بالسر أو تقولوا لأحد هاهنا شيخ يعطي الأرزاق فتهلكوا، وإذا رآني أحد منكم فلا يسلم عليُ بين الناس، قوموا على بركة الله، فإفهم ذلك. الباب الثني في النملة السليمانية وذلك أن سيرتهم في الحديث مثل الأول، والفصل فيه من حديث إلى حديث، من حيث يخرج الماء من الحجر، فإذا فعل ذلك قال اعلموا أني بقال يقال ليٌ (الحاج علي بن الملطومة بن مؤذن البحر المالح) صلوا عليه! وتحت يدي أموال الأرض، ونحن السبعة إخوة الذين هم أوتاد الأرض، الذي قال الله في حقنا ((لا خوف عليهم ولا يحزنون))، ونحن موكلون على أرزاق الخلق، وأنا موكل على أرزاق بني لآدم، واخي موكل بأرزاق الدواب، والآخر موكل بأرزاق الوحوش، والآخر موكل بأرزاق الطيور، وآخر موكل بأرزاق وحوش البحار، والآخر موكل بأرزاق الاسماك، وأنا ليس ليٌ شغل إلا داير في الأرض، إن لقيت فقيرا أغنيته، وإن لقيت عريانا أكسيته، أو جائعا أشبعته، فهل أنتم فقراء؟ فيقول صاحبه: أي والله يا سيدي أنا رجل فقير وعليٌ دين، وليس عندي شيء أوفيه، وصاحب الدين يريد أن يحبسني عليه، فيقول: اشكر الله الذي وقعت بيٌ، ثم يعطف الى الآخر الخشني (الفلاح) وهو باهت إليهما، فيقول: أأنت فقير؟ فيقول: أي والله يا سيدي. فيقول: اشكر الله الذي لقيتني، ثم يقول: قال النبي (ص): المال يجر المال والقمل يجر الصبيان، من كان منكم معه درهم صار عشرة دنانير، ومن كان معه دينار صار مائة دينار، وأيش معكم من مال؟ فيقول صاحبه: يا سيدي معي خمسين دينارا وخمسين درهما جمعتها لصاحب الدين أريد أن أوفيه، ويخرجها. فيقول الشيخ: هذه تصير خمسين دينارا، بكل درهم دينار، ولو كانت مائة درهم صارت مائة دينارا، أو ألفا درهم صارت ألفا دينارا، فخليها معك حتى أقول لك، ثم يلتفت الى الخشني فيقول: أيش معك من مال؟ فيقول كذا وكذا ثم يخرجه، والوديعة التي معك تتحوج بها لان الفلاح لابد أن يكون معه لأحد من الضيعة شيء يتحوج به (يطلب ما يحتاجه لمعيشته من السوق)، فيخرجه ويتوهم ان الشيخ يعرف الغيب، فإذا أخرج جميع ما معه، فيقول له اتركه معك حتى أقول لك كيف تفعل، ثم يلتفت الى صاحبه فيقول له: أين الذي معك، فيقول هذا الذي معي. فيقول أعطيه لأخيك المؤمن فإذا أعطاه الذي معه، يقول الفلاح: اربطه في ذيل (صرة) أخيك المؤمن، ثم يقول للخشني: أين الذي معك من مال الله، فيخرج الذي معه فيقول: اعطه لأخيك المؤمن في هذه الساعة، فيربطه بذلك، فيعطيه الخشني، فيبدل جراهم أما نحاس أو فلوس أو رصاص ثم يربطها، فإذا فعل ذلك، فيقول الشيخ: إن من لمس صرته اليوم يبست يده، ثم يلتفت الى الخشني فيقول له : من اي الضياع أنت؟ فيقول من الضيعة الفلانية، فيقول إذا وصلت البلد، اصبر الى الليل ثم أخرج الى البئر وقف فيه، ووجهك للمشرق وخذ هذه الحصاة وإرمها من جانب الشرق وقل: يا كوز يا كوز اعطني رزقي من السرور، ثم افتح الصرة، تجد كل درهم صار عشرة دنانير، فخذها واشكر الله تعالى، ولا تنفقها إلا في الحلال، وتصدق منها بدينار على الفقراء، فإذا فعل ذلك أومأ لصاحبه إلى الصرة كأنه يلمسها، ثم يصيح ويعوج أصابعه، كأن يده يبست، فيقول للخشني: تشفع فيه فيعطيه حصاة ويقول له: اجعلها على رأسه، فإذا جعلها على رأسه أفاق وبقيت أصابعه يابسة فيقول، فيقول للخشني: قل له لا يرجع يمسها، فيقول لا والله قد أبصرت ملكا رجليه في الأرض ورأسه في السماء ومعه مرزاب (مطرقة كبيرة) من نار وحديد. فقال له متى لمست هذه الصرة قبل أن يأمرك الشيخ ضربتك بهذه المرزاب على يدك واجعلها يابسة عن كتفك. فيقول الشيخ: تشفع فيه فيردها إلى ما كانت عليه، فيقول قل له لا ترجع تلمسها، فيوصيه الخشني، ثم يلتفت الشيخ الى صاحبه فيقول إذا كانت ليلة الجمعة فأنزل وقف في مفرق ثلاثة طرق ثم قل: يابو قدي اعطني رزقي ثلاثا ثم افتح هذه الصرة تجد كل درهم زنته عشرة دنانير، وان أعلمت أحد، أو قلت لأحد، فإذا فتحت الصرة تجدها فلوسا أو رصاصا، ثم يقول قوموا لأشغالكم، أنا أريد أن أروح أبيت الليلة في الهند أعطي الناس أرزاقهم، ثم أصبح بمكة، ثم يقوموا وهو يقوم يهرول قدامهم، فأفهم وميز في الأشياء وأبصر حال العالم فأفهم ذلك. المصادر ـ دائرة المعارف الانكليزية. كلمة ساسان، متسولين. ـ الشيخ ساسان في دائرة المعارف الفارسية. فرهنك فارسي. محمد معين. كارمانة خوان معلومة. طهران 1335هـ ـ مخطوط (المختار من كشف الاسرار). عبد الرحمن بن عمر بن ابي بكر الدمشقي، المعروف بالجوبري.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video