معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مقدمة في الشبهات ..
الكاتب : فيصل نور ..

مقدمة في الشبهات

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 أما بعد:

 فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يقول الله عزوجل: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } [آل عمران : 7].

    ويقول عز من قائل: { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } [النجم : 28].

    وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات : 6].

لعل مسألة إثارة الشبهات والظنون من أقدم الوسائل التي لجأ إليها أعداء الأنبياء والرسل ومن سار على نهجهم وفي ركابهم من الأتباع، وستظل هذه المعركة قائمة بين أصحاب الحق والباطل، ولعلها لن ترفع إلى قيام الساعة. وكم هي تلك الأخبار التي تلقيناها دون تدبر وتمحيص وعلى ضوئها رمينا الآخرين بالتهم، جازمين بإرتكابهم لها، ثم تبين لنا أن قبولنا لها لم يكن سوى أنها صادفت هوى في نفوسنا، ضاربين عرض الحائط مناهج الكتاب والسنة من قول الله عزوجل { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . وقوله { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء : 36]. وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: بئس مطية الرجل زعموا. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إيّاكم والظّنّ؛ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث ) .

وأول مصائد الشيطان من ترك التثبت هو سوء الظن. ثم يستدرج الظان إلى نشر ظنه. حتى يخرجه عن أهم أصول التثبت فيما يُنقل من أخبار وهو السماع من الطرفين.

يقول الإمام الغزالي: ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل. ويقول: اعلم أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول.. فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو بينة عادلة.[1]

وقال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا ، ولا بأس به ما لم يتكلم به ، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم.[2]


وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز.[3]


وفي الحديث أن الله تعالى حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وعن عائشة مرفوعا من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن إن الله تعالى يقول : ( اجتنبوا كثيرا من الظن )[4]


قال ابن قدامة المقدسيّ- رحمه اللّه-: فليس لك أن تظنّ بالمسلم شرّا، إلّا إذا انكشف أمر لا يحتمل التّأويل، فإن أخبرك بذلك عدل. فمال قلبك إلى تصديقه، كنت معذورا، لأنّك لو كذّبته كنت قد أسأت الظّنّ بالمخبر، فلا ينبغي أن تحسن الظّنّ بواحد وتسيئه بآخر، بل ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد؟ فتتطرّق التّهمة حينئذ بسبب ذلك.[5]


ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: بلغني أنك وقعت فيَّ وقلت كذا وكذا. فقال الرجل: ما فعلت. فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق. فقال الرجل: لا يكون النمام صادقًا. فقال سليمان: صدقت.. اذهب بسلام.[6]


والشبهات كما قال ابن فارس رحمه الله : " الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً ، يقال شِبْه وشَبَه والشبَهُ من الجواهر الذي يشبه الذهب ، والمشبهات من الأمور المشكلات ، واشتبه الأمران إذا أشكلا "[7] .


وقال ابن منظور : ( الشبه : الالتباس ، وأمور مُشْتَبِهةٌ : مشكلة يشبه بعضها بعضاً .. "[8] .


قال أحمد الفيومي : " الشبهة في العقيدة المأخذ الملبس ؛ سميت شبهة لأنها تشبه الحق "[9] .


وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ، ودليلهم سمت الهدى ، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ، ودليلهم العمى.[10]


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( الشُّبه التي يضل بها بعض الناس وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل )) [11] . وقال أيضاً : (( لا يشتبه على الناس الباطل المحض بل لا بد أن يشاب بشيء من الحق ))[12]


وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : (( الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها فإن الخوض معه في إبطالها تضييع للزمان وإتعاب للحيوان ))[13]


ومن أعظم الوسائل التي إنتهجها أصحاب إثارة الشبهات والظنون في تلبيسهم الأمور على العوام، اللجوء إلى المتشابهات من المسائل، وإن لم يجدوا في هذا ما يغني، عمدوا إلى آيات الكتاب وما صح من روايات فحملوها على محامل بعيده وصرفوها عن ظاهرها، وإن أعياهم ذلك كله، عمدوا إلى وضع الأحاديث بما تهواه أنفسهم إنتصاراً لباطلهم.


وهذا الأخير من أعظم الوسائل التي لجأ إليه هؤلاء، خصوصاً وأن الكثير من رواياتهم الموضوعة هذه قد تسربت إلى كتب المسلمين. ولا شك أن هناك آلاف الروايات حوتها مصادر المسلمين في شتى العلوم، كلها موضوعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنسوبة اليه وإلى صحابته رضوان الله عليهم وإلى الأئمة رحمهم الله.


ووضع الحديث عادة قديمة، وقد اختلفت أسباب هؤلاء الوضاعين بين زنادقة أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا الأحاديث استخفافاً بالدين وتلبيساً على المسلمين، وبين أصحاب أهواء وعصبيات ومذاهب، يضعون ما ينتصرون به لمذاهبهم، وبين من وضع ذلك ترغيباً في فضائل الأعمال وترهيباً من النار .. إلى غير ذلك من أسباب ذكرها واتفق عليها كل من تكلم في هذا الباب.

وكان لانتشار هذه الروايات في كتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير والمغازي وغيرها أثراً سيئاً في نشوء عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، أدت بدورها إلى ظهور فرق ومذاهب باطلة جل بنيانها على هذه الموضوعات، ولم يكن يتورع أصحابها في أن يصيروا كل ما هوته قلوبهم وأنفسهم حديثاً.

وكان المسلمون الأوائل لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتن بينهم، فكان أن سألوا عن الرجل، فإن كان من أهل السُنة أخذوا حديثه وإن كان من أهل البدعة فلا يؤخذ حديثه.

فصار الإسناد المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة رحمهم الله عند الإمامية هو السبيل إلى معرفة الشرايع والأحكام، فتشددوا في معرفة حال كل من وقع في إسناد حديث حتى قيل لهم: أتريدون أن تزوجوه؟

وكان ابن سيرين رحمه الله يقول: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم»([14]).

وكان من هدي الرعيل الأول أن يأتوا بالإسناد قبل الحديث.

قال الزهري: «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة»([15]).

قال الأوزاعي: «ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد»([16]).

وقال شعبة: «وإنما يعلم صحة الحديث من الإسناد»([17]).

وقال سفيان الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن سلاح فبم شيء يقاتل»([18]).

وقال ابن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»([19])، وقال أيضًا: «مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم»([20]).

وقال الشافعي رحمه الله: «مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري»([21]).

وغيرها من أقوال بينوا فيها أهمية الإسناد.

فكان أن ظهر علم الرجال، الذي يبحث في أحوال رجال الأسانيد المنتهية إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة رحمهم الله لمعرفة صحة نسبة هذا الحديث أو ذاك إليهم من حيث خلو إسنادها من وضاعين إلى غيرها من علل وشذوذ.

وقد أورد الإمامية أيضاً من طرقهم حث الأئمة رحمهم الله على التثبت في نقل الأخبار بعد أن هالهم حجم الكذب عليهم.

فعن الصادق رحمه الله قال: «إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس»([22]).

وقال رحمه الله: «إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأساً»([23]).

وقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»([24]).

وعن يونس بن عبد الرحمن قال: «وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبد الله، وقال: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله فلا تقبلوا علينا خلاف القــرآن»([25]).

وعنه أيضاً قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم»([26]).

وعن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا: «يا بن رسول الله! إن عندنا أخباراً في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وفضلكم أهل البيت وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عندكم أفندين بها؟ فقال: يا ابن أبي محمود أن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلو وثانيها التقصير في أمرنا وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا وقد قال الله عز وجل: ((وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ))[الأنعام: 108] يا ابن أبي محمود! إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا فإنه من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه، إن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرء ممن خالفه، يا بن أبي محمود! احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك خير الدنيا والآخرة»([27]).

وقد اتفق المسلمون على حرمة نقل الحديث إذا كان موضوعاً لكونها إعانة على الإثم وإشاعة للفاحشة وإضلالاً للمسلمين، وأن من أراد أن يروي حديثاً ضعيفاً أو مشكوكاً في صحته بغير إسناد، يقول: روي، أو بلغنا، أو ورد، أو جاء، أو نقل، ونحوه من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم، كقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال، لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار([28]).

ولا شك أن قولهم: «إن الإتيان بالخبر مع الإسناد يغني عن بيان الحال» صحيح على نحو ما، فإن كثيراً من كتب المسلمين مليئة بالروايات الموضوعه بأسانيدها، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن علماءنا الأوائل رحمهم الله كانوا يمرون بمراحل في التأليف، بدءاً بالجمع والذكر لكل ما سمعوه في المقام، وانتهاءًبتحقيق الروايات لتمييز الغث من السمين، وقد يقتصر أكثرهم على الأول، أي: الجمع والذكر لكل ما سمعوه، معتقدين براءة ذمتهم ما داموا قد ذكروا الإسناد الذي يمكن من خلاله معرفة صدق الخبر من كذبه، وذلك لاستحالة تحقيق كل خبر في حينه، لاعتبارات عدة؛ كأن يكون للحديث المذكور طرق أخرى ينجبر به، أو أن ضعف بعض الرواة لم يثبت عنده، وغيرها، وأضف إلى ذلك عدم اشتراطهم لذكر الحديث أن يكون صحيحاً، كما صرحوا بذلك في مقدمة مصنفاتهم، مع هذا فلم يجز العلماء رواية أمثال هذه الموضوعات دون بيان وضعه، وعدوا من فعل ذلك مذنب عليه التوبة.

وأخطر ما يستغله هؤلاء هو جهل الكثير من العوام بالفرق بين مجرد الإيعاز وبين التخريج.

فالإيعاز هو مجرد ذكر المصدر الذي وردت فيه الرواية، وقد تكون هذه الرواية موضوعة وقد بين المصنف وضعها، ولكن أصحاب الشبهات لا يبيّنون هذه الحقيقة عند نقلهم للرواية. وربما ذكرها المصنف للرد عليها، فيستغل هؤلاء ورودها في الكتاب فيلبسون الأمر على العوام بأن هذه المسألة من المسلمات، حيث أوردها المخالفين في مصنفاتهم.

وأكثر الشبهات من هذين الصنفين.

والأمر الآخر هو التخريج، وهو دراسة سند الرواية ومتنها لبيان صحتها من ضعفها. وهذا علة ترديد الكثير من العلماء مقوله: المطالبة بصحة النقل، وأن مجرد العزو إلى فلان أو علان لا تقوم به حجّة باتّفاق أهل العلم.

وفي هذا يقول ابن خلدون رحمه الله : ( وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل ، من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً).

ونحن إن شاء الله تعالى سنورد خلاصة أقوال العلماء في هذه الشبهات، ومن أراد الإستزادة فعليه بطلبها في مظانها.

ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]  - فيض القدير، 3/ 157

[2]  - نيل الأوطار، للشوكاني، 5/ 64

[3]  - المصدر السابق.

[4]  - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، 3420

[5]  - مختصر منهاج القاصدين، لإبن قدامة المقدسي

[6]  - المصدر السابق، وانظر أيضاً، إحياء علوم الدين، للغزالي، 4/ 268

[7]  - مقاييس اللغة ( 3/243)

[8]  - لسان العرب ( 13/504)

[9] - الصباح المنير ( 1/304)

[10] - نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع) - ج 1 /89 ، بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 67 /181 ، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) - الشيخ هادي النجفي - ج 5 /271

[11] - التدمرية ص 106

[12]  - مجموع الفتاوى 8/37

[13] - مؤلفات الشيخ 4/ 93

([14]) مقدمة صحيح مسلم (1/14).

([15]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/16).

([16]) التمهيد لابن عبد البر (1/57)، طبقات الشافعية الكبرى (1/314).

([17]) التمهيد لابن عبد البر (1/57).

([18]) شرف أصحاب الحديث (42)، جامع التحصيل (59).

([19]) مقدمة صحيح مسلم (1/15).

([20]) شرف أصحاب الحديث (42).

([21]) المدخل إلى السنن الكبرى (211).

([22]) أعيان الشيعة لمحسن الأمين (3/564)، بحار الأنوار، للمجلسي (2/217) و(25/263).

([23]) بحار الأنوار، للمجلسي (2/246)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/226)، فرائد الأصول، للأنصاري (1/326)، تاريخ آل زرارة، لأبي غالب الزراري (51)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/347)، إكليل المنهج في تحقيق المطلب، للكرباسي (50)، معجم رجال الحديث، للخوئي (8/232)، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين (7/48)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، لحسين الشاكري (8/429).

([24]) مستدرك الوسائل، للميرزا للنوري (10/48)(ه‍(، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250) (69/211)(ه‍( )84/101)(ه‍( (96/262)(ه‍(، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (1/262)، رسائل في دراية الحديث، للبابلي (2/237،253)، أصول الحديث، لعبد الهادي الفضلي (147)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/489)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/300)، قاموس الرجال، للتستري (10/188) (11/181).

([25]) رجال الكشي (195)، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250)، خاتمة المستدرك للميرزا النوري (4/177) (هـ)، اختيار معرفة الرجال للطوسي (2/490)، معجم رجال الحديث للخوئي (18/276) (20/208).

([26]) تحف العقول، لابن شعبة الحراني (310) (ه‍(، بحار الأنوار، للمجلسي (2/250) (46/332)(ه‍( (64/202)(ه‍(، رسائل في دراية الحديث، للبابلي (2/253، 528) (ه‍(، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (8/163)، أصول الحديث، لعبد الهادي الفضلي (143)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (2/491)، معجم رجال الحديث، للخوئي (19/300)، قاموس الرجال، للتستري (10/189).

([27]) عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (2/272)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (4/502)(ه‍(، بحار الأنوار، للمجلسي (26/239)، مستدرك سفينة البحار، للمجلسي، للنمازي (8/223)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (8/159)، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي (1/111).

([28]) مقباس الهداية (1/417)، دراسات في علم الدراية، لعلي أكبر غفاري (77)، رسائل في دراية الحديث، لأبي الفضل حافظيان البابلي (1/210)، الرعاية في علم الدراية، للشهيد الثاني (165).


 شبهات تروجها الشيعة ( الرافضة)، وموجز من الردّ عليها

     بداءة، نودّ أن نشير إلي ردّ موجز لشبة الشيعة الرافضة، الواهية الساقطة، وذلك قبل أن نفصّل يسيرًا في كل منها، وهو:

أن الشيعة إذا ما أرادت إثارة أي من الشبهات، فإن جُلّ اعتمادها في ذلك يكون علي الإتيان بأحاديث موضوعة معتلّة، لا سند صحيح لها، ثم الاعتماد علي جهل من تُثار له تلك الشبهة بالردّ عليها.

وكما هو المشهور والمأثور عن الشيعة الرافضة، فإنهم من أكذب خلق الله تعالي علي رسوله صلي الله عليه وسلم ( إلا من رحم الله تعالي وهداه )، فيعملون علي تشويه التاريخ مستفرغين في ذلك جهدهم وعزمهم، مستغلين ما تميله عليه عقولهم من شتي الوسائل والسبل الخبيثة، مثل:-

  • الاختلاق والكذب.

  • استغلال تشابه الأسماء.

  • الزيادة علي الحادثة أو النقصان منها بحسب ما يتراءي لهم بقصد التشويه.

  • إبراز الأخطاء، بمعني التغطية علي أية محاسن.

  • صناعة الأشعار لتأييد حوادث تاريخية مكذوبة، ونسبها إلي فلان، افتراءً وبهتانا.

  • وضع الكتب والرسائل المزيفة، والتي تُنسب كذبًا إلي فلان أو فلان، حسبما يتلائم مع كيدهم ومخططاتهم.

ونموذج ذلك، كتاب نهج البلاغة، حيث إنه مطعون في سنده ومتنه.

  • استخدام إسلوب الذم في ثوب المدح، بمعني اختلاق قصة مكذوبة، قد تمدح صاحبها، في الظاهر، حتى إذا ما ابتلعها سامعها وصدّق بها، يجدها منطوية علي ذمّة، ومن ثم يكون فريسة لحيلتهم وخديعتهم.

  • انتاج الأفلام والمسلسلات (في هذا العصر، عصر الفضائيات والإنترنت، التي تساعد علي تشويه التاريخ الحقيقي، ومن ثم نشر أفكارهم ومعتقداتهم.

 إلي غير ذلك مما يبتكرونه يومًا بعد يوم تنفيذًا لمخططاتهم ومكائدهم، ومن نماذج تلك المكائد لدي الشيعة لتنفيذ مخططاتهم:

استشهادهم ببعض ما جاء في ( تاريخ الطبري).

إن مميزات ( تاريخ الطبري) أنه لا يحدث إلا بالأسانيد، وبينما نجد أن أهل سنة الحبيب النبي محمد صلي الله عليه وسلم يأخذون الصحيح من هذه الأسانيد، نجد أن الشيعة (الرافضة) وغيرها من أهل البدع يأخذون السقيم من تلك الأسانيد، لما يتوافق مع أهواءهم ومطامعهم، حيث يجدون فيه بغيتهم.

وذلك علي الرغم من أن الإمام الطبري ( نفسه) والذي يشهد له علماء أهل سنة الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد نبّه علي أنه ذكر في كتابه كل ما روي من أخبار وآثار دون  التحقيق في سندها، وأن مسندها إلي رواتها، وأنه إن كان في ما ذكره ما يستنكره القارئ، أو يستشنعه السامع، فإن ذلك ليس من قبله، وإنما هو من رواته، وإنما كان دورة (دور الإمام الطبري) ذكر ما حُدِّث به دون التحقيق في سنده، وأن علي القارئ تمحيض ذلك السند.

ومن نماذج هؤلاء الرواة، الضعفاء الواهين، الغير معتد بهم في رواياتهم:

الكلبي، وقد صنفه علماء الحديث علي أنه من المتروكين، نظرًا لكذبه، وكذلك الواقدي، وسيف بن عمر التميمي، وكذلك لوط بن يحي المُكني بأبي مخنف، وغيرهم.

حيث تم تصنيفهم من علماء الحديث علي أنهم من المتروكين.

وقد كان ذلك الجهد العظيم من علماء أهل سنة الحبيب العدنان محمد صلى الله عليه وآله وسلم, للتمحيص بين الصحيح والسقيم، ومن ثم التفرقة بين الحق والباطل.

وفرضًا، إذا لم يوجد سند للرواية(كما في كثير من روايات التاريخ)، وكان الأمر يتعلق بصحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكرام، فيكفينا الأصل الذي نسير عليه، والذي يشهد الجميع به، وهو ثناء الله جل وعلا عليهم في كتابه المحكم ( القرآن الكريم)، وكذلك شهادة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وثناءه عليهم في أحاديثه الشريفة الصحيحة.

وأيضًا، إذا كان الأمر متعلقًا بمن افترت الشيعة( الرافضة) عليها بهتانًا وكذبًا، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فيكفينا في ذلك تبرءة الله جل وعلا لها بكتابة المحكم ( القرآن الكريم) وفي سياق آيات تتلي إلي يوم الدين، وكذلك شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها وثناءه عليها، وكذلك غيرها من سائر أمهات المؤمنين، أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واللاتي لم يسلمن من طعن الشيعة وافتراءاتها.

بمعني، أن الأصل هو الرجوع إلي كتاب الله تبارك وتعالي، والرجوع إلي الصحيح الموثق من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثابتة عنه، ثم النظر في سند الروايات التي قد ذكرها التاريخ، وتَأوُّلِها تأولًا صحيحًا، دُون غلو فيه، وفقًا للأصل الذي عندنا، وهو كتاب الله تعالي، والصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دون أخذ بعضها وترك البعض الآخر، وذلك كي يتضح لنا المراد الكامل منها.

وبعد أن أشرنا إلي رد شامل علي ما تثيره الشيعة الرافضة من شبه واهية ساقطة، نشير إلي بعض التفصيل في الردّ عليها، كما هو النحو التالي:

1- لقد قامت الشيعة ( الرافضة) في سبيل الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كجزء رئيسي من معتقدها، بتأويل ما تشابه من آيات القرآن الكريم تأويلًا باطلًا، في تعارض واضح مع صريح الآيات المحكمات، والصحيح الثابت من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وصدق الله تعالي، إذ يقول:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ]

ففي هذه الآية الكريمة التالية، التي سوف نذكرها، ما يتضح من ثناء الله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، ومدحهم بالعديد من الصفات الحسنة، وهذه الآية التي نحن بصددها، هي قول الله تعالى:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: 29].

حيث يتبيّن منها، أن الله تعالى قد امتدح أصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الكرام، بأنهم:

- أشداء على الكفار                   - رحماء بينهم.

- يعبدون الله تعالى وحده، فيركعون ويسجدون له جل وعلا، راغبين فضله ورضوانه عليهم.

وهذا الذي أشرنا إليه هو ظاهر الآية الكريمة، وهو ما يُفهم منها بجلاء.

ولكن الشيعة (الرافضة) أبت إلا أن تطعن في أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في اعتماد منها على التأويل الباطل لما تشابه من الآيات، تاركة للواضح الصريح، المحكم البيّن من الآيات الأخريات، لما يتعارض مع أهواءها ومخططاتها، ولا يتماشى معها.

حيث نجدها (الشيعة الرافضة) قالت بأن (من) بكلمة (منهم) في قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29].

أنها للتبعيض، بمعنى أن بعضًا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات سوف ينالون المغفرة والأجر العظيم، بينما الباقون ليس لهم ذلك، قاصدين ما يسعون إليه جاهدين من تشويه لصور الصحابة الكرام بالزعم الباطل لديها (الشيعة الرافضة) من الاعتقاد بارتدادهم وكفرهم عدا 3 أو 5 أو ما يزيد قليلًا عنهم.

ولا شك، أن مثل ذلك إنما هو اجتراء منكر، حيث:

إن الحق الذي عليه علماء التفسير للقرآن الكريم: أن (من) في كلمة (منهم) ليست للتبعيض كما يدعي المبطلون، وإنما هي على أحد المعنيين التاليين:

أ- المعنى الأول:

أن (من) في كلمة (منهم) تعني: من جنسهم وأمثالهم، كما في قول الله تعالى:

﴿..... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30].

حيث لا يُفهم من الآية الكريمة أنه يلزمنا أن نجتنب بعضًا من الأوثان دون البعض الآخر، وإنما يفهم منها: أن يلزمنا اجتناب جميع الأوثان.

فتكون (مِن) قد أتت هنا بمعنى: اجتنبوا الرجس من أمثال هذه الأوثان([1]).

ب- المعنى الثاني:

أن تكون (من) في كلمة (منهم) قد جاءت للتأكيد، كما في قول الله تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].

فتكون معنى الآية الكريمة: أن القرآن الكريم كله شفاء ورحمة للمؤمنين، وليس أن يكون بعض آياته شفاء ورحمة، والبعض الآخر ليس كذلك([2]).

لذا، فإن (من) هنا للتأكيد.

ومما أشرنا إليه يتبين لنا بطلان تلك الشبهة الساقطة، المفتراة من الشيعة الرافضة، وذلك بموجز من الردّ الحاسم عليها، والبرهان القاطع على بطلانها، إضافة إلى ما قد أخبرنا به القرآن الكريم من صريح الآيات الكريمات التي تؤكد ما أشرنا إليه.

2- لقد قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «يرد عليّ رجال أعرفهم ويعرفونني، فيذادون عن الحوض، فأقول أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([3]).

ومن الروايات الأخرى لهذا الحديث النبوي الشريف: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم»([4]).

وكالمعتاد، فإن الطاعنين يأبون إلا المتشابه من الآيات الكريمات، والأحاديث النبوية الشريفة، بحيث يمكنهم أن يجدوا بغيتهم في ذلك التأويل الباطل.

فلقد وقفت الشيعة (الرافضة) على كلمة (أصحابي) في الحديث الأول، وزعمت أن المراد بهذه الكلمة هم أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء ًمن أبي بكر وعمر وعثمان، وإلى آخر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كطعن فيهم جرّاء الزعم بارتداءهم وكفرهم حسبما تنص عليه معتقداتهم (معتقدات الشيعة الرافضة، ومن على شاكلتهم) الخبيثة.

ولا شك، أن ذلك الادّعاء الخاص بتفسير الشيعة الرافضة لكلمة (أصحابي) في الحديث الأول، إنما هو قول باطل، واجتراء منكر، حيث يتعارض مع الآيات الكريمات الصريحات، الواردة في فضل الصحابة الكرام، وفي رضا الله تبارك وتعالى عليهم، إضافة إلى تعارض (ادّعاء الشيعة الرافضة) مع الصريح من الأحاديث النبوية الشريفة، الثابتة عنه، والتي قد وردت في عظيم فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وكرامتهم.

وإضافة إلى الآيات الكريمات الصريحات، والأحاديث النبوية الصريحة، التي تبين عظم فضل الصحابة الكرام، وامتداح الله تبارك وتعالى لهم، ورضاه عليهم، ما نبينه على النحو التالي:

1- أن المراد بكلمة (أصحابي) في الحديث الشريف: المنافقون.

حيث كان المنافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فيصلّون مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقلوبهم فارغة من الإيمان والإسلام([5]).

ومن هؤلاء المنافقين من كان يظنّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم من أصحابه، حيث لم يكن يعلم نفاقهم، ولم يخبره الله تعالى بذلك، ويدلّل على ذلك قول اله جل وعلا: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101].

2- أن المراد من كلمة (أصحابي): أنهم هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وماتوا على ذلك.

فقد كان بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ارتدّ كثير من العرب، وامتنعوا عن الزكاة، فحاربهم صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بأمر من الخليفة الأول أبي بكر الصديق.

ومن ثم فقد يكون المراد بكلمة (أصحابي): هؤلاء الذين ارتدوا عن الإسلام، والذين يُحسبون على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويُظن فيهم (المرتدين) أنهم منهم (الصحابة الكرام)([6]).

3- أن المراد بكلمة (أصحابي): المعنى العام منها، وهو كل من صحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى وإن لم يؤمن به ويتابعه([7]).

4- أن المراد بكلمة (أصحابي): كل من صحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الطريق ولو لم يره، ويدل على هذا رواية (أمتي).

وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أعرفهم)، فقد تبين من حديث آخر صحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم سوف يعرف أمته يوم القيامة من آثار الوضوء.

وكما أشرنا، فإن هذا التوضيح الموجز اليسير يُؤَكَّد بما قد دلّت عليه صريح الآيات الكريمات، وصريح الأحاديث الصحيحة الأخرى، التي قد وردت في فضل الصحابة الكرام، ومدح الله تعالى لهم، ورضاه عنهم.

ومن ثم يتبين بطلان تلك الشبهة الساقطة التي قد اختلقتها الشيعة الرافضة، نيلًا من الإسلام، ومن أهل سنة الحبيب العدنان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فالصحابة الكرام هم خير من عرفتهم البشرية بعد الأنبياء والمرسلين.

فقد قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].

ومن المعلوم أن هذه الآية الكريمة قد نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه الكرام هم من كانوا قد آمنوا به، ويوءازرونه ويناصرون دعوته.

ومن المحال أن يصف الله تعالى أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها خير أمة إذا حققت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يكون الاعتقاد بما تزعمه الشيعة (الرافضة) من أن جميع الصحابة (من المهاجرين والأنصار) ارتدوا إلا ثلاثة، وذلك على الرغم من أن الصحابة هم خير نموذج تنطبق عليه هذه الآية الكريمة (المشار إليها سابقًا)([8]).

فهل يعقل أن يكون وصف (أمة) المذكور في الآية الكريمة خاصّ بثلاثة فقط من الصحابة؟!!

فهل هؤلاء الثلاثة الذين تزعم الشيعة الرافضة أنهم من ثبتوا على إيمانهم وإسلامهم دون غيرهم، هم المقصودون بكلمة (أمة)؟!!

الجواب: لا.

فما يقول بمثل ذلك الخبط من الكلام إلا حاقد خبيث، لا يألوا جهدًا في تنفيذ أجندة أجنبية ذات مخطط خبيث، كيدًا بالإسلام وأهله.

وختامًا للردّ على هذه الشبهة التي قد أثارتها الشيعة (الرافضة)، نذكر ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه، على النحو الآتي:

(إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير القلوب، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه).

3- لقد قالت الشيعة (الرافضة) بأن الصحابة قد أغضبوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعد أن عقد صلح الحديبية، مع قريش، حيث رجع ولم يعتمر، فأمر الصحابة أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا، فغضب صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم قالت (الشيعة الرافضة): بأن من يُغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحيل أن يكون عدلا.

ولا شك، أن ذلك الكلام الذي تزعمه الرافضة (الشيعة الرافضة) إنما هو من سوء الظن، وعدم الفهم، وادّعاء ما لا صحة له.

فما عرف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قدره كما عرف له أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

ولتوضيح جزء مما يشهد بذلك، نذكر ما أخبر به عروة بن مسعود لقريش، موضحًا ما بدا له من أحوال الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم صلح الحديبية، حيث يقول:

(أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما (كما) يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم بنخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلّك بها وجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تعظيمًا له...).

ومن ثم يتبين لنا: أن ما ظهر من أمر الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) من تأخر في الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحلق والنحر، لم يكن على سبيل المعصية، وإنما كان أمنية منهم أن يغير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رأيه، وأن ينزل عليه الوحي من الله تبارك وتعالى بأن يدخل مكة، وذلك شوقًا منهم إلى بيت الله الحرام، والطواف به،ومن ثم كان تأخرهم.

ولكن لمّا خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحلق ونحر هديه، علم الجميع أن الأمر قد انتهى، ولا محال للرجوع فيه، فحلقوا ونحروا، مستجيبين لأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم([9])، حتى أنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

وأنزل سبحانه وتعالى قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29].

ومن ثم يتبين أن سوء الظن وعدم الفهم، وادّعاء ما لا صحة له، هو سبيل الطاعنين في الإسلام، والحاقدين على أهله.

فيتبين أن ما قد افترته الشيعة الرافضة من اجتراءات منكرة في خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، إنما هو من سبيل البهتان والكذب.

4- لقد اتخذ الطاعنون سبيلًا آخرًا بجانب طعنهم في خير البشر بعد أنبياء الله تعالى ورسله (الذين لم تعرف البشرية قاطبة نموذجًا مثلهم)، وهو سبيل الطعن في أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قد قذفت (الشيعة الرافضة) أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك أم المؤمنين حصفة رضي الله عنها وغيرها بتهمة خبيثة منكرة، وهي تهمة الكفر والارتداد عن الإسلام.

حيث زعمت الشيعة (الرافضة) أن في الآية:

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، ما يستدلون به على مثل ذلك القول الخبيث.

إذن، فماذا كان استدلالهم النابع من اتباعهم لما تشابه من آيات القرآن الكريم، وتركهم للمحكم منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله؟

إنما كان استدلال الشيعة الرافضة على مثل ذلك الادّعاء الخبيث، والاجتراء المنكر، من خلال قول الله تعالى (صغت) ، حيث يزعمون أنها تعني: الميل إلى الكفر ولا شك، أن ذلك إنما هو من الأقوال الكاذبة، والتي قد بيّن علماء الإسلام بطلانها.

حيث إن الصحيح في قول الله تعالى (صَغت): أي مالت عن الحق في هذا الفعل، فالفعل خطأ، ولكن ليس المعنى ما قد اختلقته الشيعة الرافضة من الكفر المناقض للإيمان.

ويؤكد ما ذكرنا: المحكم من آيات القرآن الكريم، والذي لا يدع مجالًا لمثل هؤلاء الشيعة (الرافضة وغيرهم) للتأويل الباطل.

ويؤكد ما ذكرنا أيضًا: الصحيح من أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثابت عنه.

وأما عن سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فإننا نحيل القارئ إلى أي من التفاسير المعتمدة للقرآن الكريم، كتفسير ابن كثير.

حيث إن ما أردنا إيضاحه في هذه النقطة: هو الادّعاء الكاذب للشيعة الرافضة وما قد اختلقته من اجتراء منكر.

5- لقد جاء في جزء من حديث طويل، أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من كنت مولاه فعلي مولاه» [رواه الحاكم في المستدرك].

وكما أشرنا سابقًا، فإن أصحاب الأهواء يأخذون ويتركون من الآيات الكريمات، والأحاديث النبوية الشريفة بحسب أهواءهم، وما يتوافق مع مرادهم من تأويلات باطلة.

فقد زعمت الشيعة الرافضة أن في هذا الجزء من الحديث المشار إليه آنفًا، ما يدل على أن عليًّا هو الخليفة بعد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الخليفة والمولى بمعنى الوالي: أي السيد الذي يجب أن يطاع.

ولا شك أن ذلك الفهم الذي قد ابتدعته الشيعة الرافضة ليس بالصحيح على الإطلاق، إذ أن ما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان له مناسبة خاصة، بعيدًا تمامًا عن ما ذهبت إليه الشيعة الرافضة من أمر الخلافة والولاية، حيث زادوا (علماء الشيعة ومشايخهم) في الحديث الصحيح زيادات باطلة، لتعضد ما ذهبوا إليه من أقوال مختلقة.

والصحيح، أن هذا الحديث سببه أمران (حَدَثان) اثنان:

الحدث الأول:

عن بريدة بن الصحيب رضي الله عنه قال: أرسل خالد بن الوليد إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليرسل إليه من يقبض الخمس، فجاء علي وقبض الخمس، ثم اختار جارية من الخمس ودخل بها، وقال بريدة: وكنت أبغض عليا وقد اغتسل (يعني أنه قد اغتسل بعد أن دخل بالجارية)، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟! فلما قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبريدة: «يا بريدة، أتبغض عليا؟ فقلت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك»([10]).

وفي رواية الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبريدة: من كنت مولاه فعلي مولاه.

الحدث الثاني: عن أبي سعيد أن عليًّا منعهم من ركوب إبل الصدقة (لما كانوا في اليمين)، وأمرّ عليهم رجلًا، وخرج إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، ثم لما أدركه في الطريق إذا الذي أمّره قد أذن لهم بالركوب، فلما رآهم ورأى الإبل عليها أثر الركوب، غضب ثم عاتب نائبه الذي جعله مكانه.

قال أبو سعيد: فلما لقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكرنا ما لقينا من علي (من الغلظة والتضييق)، وفي رواية أنها كانت حللًا أرادوا أن يلبسوها فمنعهم علي رضي الله عنه من لبسها، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مه يا سعد بن مالك (وهو أبو سعيد) بعض قولك لأخيك، فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله» (قال ابن كثير: إسناده جيد على شرط النسائي، أخرجه البيهقي وغيره).

وقال ابن كثير: إن عليًّا رضي الله عنه لما كثر فيه (القيل والقال) من ذلك الجيش بسبب منعهم إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبة، قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الناس خطيبًا فبرّأ عليّا، ورفع قدره ونبّه على فضله ليزيل ما وقر في قلوب كثير من الناس([11]).

ومن ثم يتبين لنا أن الصحيح البيّن من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (من كنت مولاه فعلي مولاه) أن المقصود بالموالاه: موالاة النصرة والمحبة، وعكسها المعاداة.

ويبرهن على ذلك:

أن كلمة المولى قد يقصد بها الربّ سبحانه وتعالى، وقد تطلق على المالك والمنعم والناصر والمحب، والحليف، والعبد، والمعتق، وابن العم، والصهر، كما بيّن ابن الأثير.

إضافة إلى أن حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيه ما يتعلق بأمر الإمامة أو ما يدل على الخلافة، إذا لو أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان قاصدًا الخلافة، فهل يُتصور أن يأتي بكلمة تحتمل كل تلك المعاني التي أشرنا إليها، بدلاً من أن يأت بها صريحة، كأن يقول (عليٌ خليفتي من بعدي) أو (عليٌ الإمام من بعدي)، أو (إذا أنا مت فاسمعوا وأطيعوا لعلي بن أبي طالب)، لعدم حدوث الخلاف والنزاع والشقاق([12])؟!!

ولماذا (إذا كان ما تدعيه الشيعة الرافضة حقًّا) لم يأت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة (والي) بدلًا من كلمة (مولى)، حيث إن كلمة (والي) هي التي تشير إلى الولاية والحكم، وأما كلمة (مولى) فإنها تشير إلى المحبة والنصرة([13])؟؟

فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت بأي من تلك الكلمات الفاصلة.

فما الذي يحمل الشيعة الرافضة على ما تدّعيه؟؟

ونختم بتوضيح مهم، وهو:

أنه مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].

فإن الله تعالى هو مولانا، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مولى لنا، والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ومن بينهم عليٌ بن أبي طالب، أولياء لنا([14]).

ومن ثم يتبين لنا عظم افتراءات الشيعة الرافضة وكذبهم وبهتانهم، وعظيم اختلاقهم لما تُشقّ به الصفوف، كيدًا بالإسلام ، وحقدًا على أهله.

6- ولقد وجدت الشيعة (الرافضة) بغيتها (حيث التأويل الباطل) في بعض من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم اختلاق بدعة الاثنى عشر إمامًا.

ولتوضيح بطلان ما قد زعمته الشيعة (الرافضة)، نذكر أولًا بعضًا من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتي ترتكز عليها الشيعة الرافضة للوصول إلى بغيتها، على النحو التالي:

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يكون اثنا عشر أميرًا كلهم من قريش»([15]).

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش»([16]).

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر رجلًا»([17]).

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يزال الدين قائمًا حتى يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليهم الأمة»([18]).

ونوضح: أن من خزي الله تعالى لتلك الفرقة الرافضة (الشيعة الرافضة) أن ما تستدل به من أحاديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (حيث تجد بغيتها في إمكانية التأويل الباطل)، إنما هو في ذاته دليل دامغ على نكارة دعوتها، وبطلان معتقداتها، ونموذج ذلك:

أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل من الأحاديث السابق ذكرها يبين أن الدين الإسلامي الحنيف غريز منيع، وذلك منذ أن أظهره الله تعالى ونصر دعوته، مارًا بخلافة الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أبي بكر الصديق)، ثم الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب)، ثم الخليفة الثالث (عثمان بن عفان)، ثم الخليفة الرابع (علي بن أبي طالب)، وذلك إلى اثني عشر خليفة.

ولكن الشيعة (الرافضة) التي أسّست معتقدها على الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كذّبت بما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وناقضته، فقالت: أن الدين لم يكن عزيزًا في فترة من سبق عليًا بن أبي طالب في خلافته.

ولا شك، أن ذلك محض افتراء، واجتراء منكر، مُعارض للصريح من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بل إن الأحداث التاريخية التي قد تمت في عهد الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أبي بكر الصديق)، ثم الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب)، ثم الخليفة الثالث (عثمان بن عفان)، من انتصارات وفتوحات، وعز للإسلام لشاهد أيضًا على بطلان ما قد زعمته الشيعة الرافضة واتخذته معتقدًا لها.

ويتبيّن أيضًا:

أن أوصاف الاثنى عشر أميرًا أو خليفة، الذين ذكرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كالآتي:

1- أن يتولون الخلافة.

2- أن الإسلام يكون عزيزًا في عهدهم.

3- أن الناس تجتمع على خلافتهم.

ولا ينطبق أي شرط مما قد بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه على أي ممن قد زعمت الشيعة الرافضة إمامتهم([19]).

إضافة إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال هذه الأحاديث الشريفة علانية، مُعلِمًا بها أصحابه وأمته من بعده.

ولكن ما قد تزعمه الشيعة الرافضة حول أئمتها (المزعومة):

أن ولايتهم تكون سريّة، حيث تقول (الشيعة الرافضة) بأن ولاية الله أسرّها إلى جبرائيل، وأسرها جبرائيل إلى محمد، وأسرها محمد إلى علي، وأسرّها علي إلى من شاء([20]).....، وهكذا حسب زعمها وافتراءاتها.

 

إضافة أيضًا إلى:

أن الحسن العسكري، والتي تزعم الشيعة الرافضة أنه إمامها الحادي عشر قد مات دون ذريّة، ومن ثم فأين إمامها الثاني عشر؟!

وإذا ما اختلفت الشيعة الرافضة قصة خيالية موهومة حوله (إمامها الثاني عشر، الذي ليس له في الحقيقة وجود)، فإن ذلك يكون مخالفًا للواقع، من قبيل الاستخفاف بالعقول، والمباهتة لأدنى درجات المعقول.

وعلى شاكلة ما قد أوردناه في إيجاز، من شبه قد اختلقتها الشيعة الرافضة، وروجت لها، تدور سائر ما تختلقه الشيعة من شبه واهية ساقطة، لا أدنى مصداقية لها حيث تعتمد الشيعة الرافضة في ذلك كما أشرنا، على غير الثابت الصحيح من الأحاديث، وأخذ وترك ما تشاء من الآيات وأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسبما يتوافق مع تأويلاتها الباطلة، ومخططاتها الخبيثة.

ولكن كما أشرنا، فإن محصلة ذلك كله الخزي والفضيحة لها (الشيعة) على يد العلماء الصادقين، الذين باعوا أنفسهم لله جل وعلا، رافعين لواء الحق، داعين إليه، مع كشفهم للباطل محذّرين منه.

فالحمد لله تعالى على نعمة الإسلام، وأن جعلنا من أتباع سنة الحبيب العدنان محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

والحمد لله تعالى على نعمة الهداية والرشاد.

الباطل وصوره المتعددة، وتآلفه مع بعضه البعض

بداءة، نوضح:

أن الباطل متعدد، يتآلف مع بعضه البعض،ومن ثم فإن صوره كثيرة، فهو كالظلمات.

وأما الحق فليس إلا واحدًا فقط، لا يمكن أن يتآلف مع غيره من باطل.

فالحق كالنور الذي يمحو الله تعالى به الظلمات، ونموذج ما ذكرنا، الآتي:

أننا قد نجد السارق والقاتل، وشارب الخمر، والزاني، وآكل الربا، .... إلى ما شابه ذلك، تجمعهم علاقات مختلفة، نابعة من التآلف بينهم والامتزاج ببعضهم البعض، ومن ثم فلا غرابة في أن تجمعهم مجالس مختلفة تجمع بينهم جميعًا.

ولكننا لا نجد إنسان تقي نقي، يعرف لله حقًّا، ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم قدرًا، ولتعاليم دينه امتثالًا وتطبيقًا، تجمع بينه وبين هؤلاء السابق ذكرهم (السارق، والقاتل، وشارب الخمر، والزاني، وآكل الربا...) أو من على شاكلتهم، أية علاقة نابعة من التآلف فيما بينه وبينهم، فلا نجد ذلك مطلقًا.

وإذا ما شوهد مجلس يجمع بينه وبين أي منهم، فإن النفوس سرعان ما تستغربه وتستنكره، ويُفسر ذلك بأنه لعله أمر عابر اضطراري لعلة ما.

وأيضًا (سبحان الله تعالى)، فإننا نجد أن ذلك الباطل بصوره المختلفة قد يجمع أهله (أهل الباطل من قاتل وسارق ...) غرفة عقاب واحدة مشتركة (غرفة السجن).

وأما  إذا ما سُجن (اعتقل) شخص ما بسبب التزامه وتمسكه بدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهديه، أو جهاده بكلمة حق يستمسك بها، وذلك من قِبَل سلطة ما معادية للإسلام، وأهله، فإنه لا يُجمع بينه وبين أهل الباطل (من سارق وقاتل...) في غرفة واحدة مشتركة، ولكنه يكون (ومن على نهجه) في غرفة مستقلة عنهم.

ونخلص مما ذكرنا، إلى ما نودّ إبرازه وإلقاء الضوء عليه، وهو:

أن الشيعة الرافضة بمعتقداتها الباطلة، وما تنطوي عليه من ادعاءات فاسدة، تجمع بينها وبين اليهود (بني إسرائيل) علاقات سرية خفية (ولا غرابة في ذلك، إذ أنه كما أشرنا فإن مؤسسها هو ابن سبأ اليهودي)، وأيضًا تجمع بينهم وبين الصليبيين علاقات سرية، وتواطؤ خفيّ، وغيرها (غير اليهود والنصارى) من غير المسلمين، وذلك كله كيدًا للإسلام، وحقدًا على أهله الذين هم أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن ثم، فإن أعداء الإسلام (المعلنين) إذا ما وجدوا مثل ذلك الحليف (الشيعة الرافضة، وما على شاكلتها) فهل يدعونه دون استفادة منه؟! هل يضيعون من بين أيديهم مثل تلك الفرصة؟!

الجواب: كلا.

وما أشرنا إليه يُفسر بجلاء عدم نهوض مثل تلك الدول المعادية للإسلام، الكائدة له (الولايات المتحدة الأمريكية – بريطانيا – وغيرها) نحو إيران (التي يقطنها الشيعة بنسبة كبيرة) وإفشال برامجها العسكرية (ونحو ذلك)، وذلك لتكون معول هدم للإسلام، وشوكة في نحور أهله الذين هم أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالمخططات مشتركة والأهداف واحدة (الكيد بالإسلام وأهله – الذين هم أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم-).

وعلى نقيض ذلك، فإننا نجد مسارعة تلك الدول (المعادية للإسلام) إذا ما رأوا بزوغ نور الإسلام الحقيقي على يد أهله، المستمسكين بسنة حبيبهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهديه، إلى اطفاء نوره واستئصال شأفته، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون المبطلون.

ومما يشهد لما ذكرنا:

- أن الشيعة هم من كانوا عونًا للتتار على المسلمين، وسببًا في إيقاع بلاد الإسلام بأيديهم، ومن ثم الخراب والدمار لدياره، والذبح والقتل لأهله، والتاريخ شاهد على ذلك.

- وأن الشيعة هم من تواطئوا مع الأمريكان لإسقاط أفغانستان، وإيقاعها تحت احتلال الولايات المتحدة الأمريكية.

- وأن الشيعة هم من تواطئوا مع الأمريكان لإسقاط العراق، وإيقاعها أيضًا تحت احتلال الولايات المتحدة الأمريكية.

وهم (الشيعة) لا يجدون حرجًا في اعترافهم بذلك، حيث يقولون:

لولا إيران ما سقطت كابول (عاصمة أفغانستان) ولا بغداد عاصمة العراق، وذلك يعني في أيدي الأمريكان.

إلى غير ذلك من صور تحزّب الشيعة مع أعداء الإسلام، في إطار علاقات خفية وتواطؤات سرية، كيدًا بالإسلام وأهله.

فمؤسس الشيعة هم ابن سبأ اليهودي.

وعلى نقيض الشيعة وتواطؤها مع الكفرة والملاحدة كيدًا بالإسلام، واستئصالًا لشأفته، نجد أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأبون إلا نصرة الإسلام وإعلاء رايته.

ومن ثم، فإن ما يريدونه (أهل الإسلام) مُناقضًا لما يريده أعداء الإسلام (من اليهود والصليبيين والملحدين).

لذا، فإنه لا توجد أية مخططات مشتركة أو تواطؤات خفية بين أهل الإسلام (أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وبين هؤلاء الأعداء.

فهل يتفق من غايتهم إعلاء راية الإسلام، ورفع راية التوحيد (أهل سنة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، مع من غايتهم إطفاء نور الله تعالى والكيد بالإسلام، وتنكيس رايته؟!!

هل يتفق الحق مع الباطل؟!

الجواب: كلا، فالحق ليس إلا واحدًا، ولا يمكن أن يتفق مع الباطل الذي كله ظلمات. فالحق هو النور الذي يمحو الله تعالى به الظلمات.

([1]) حقبة من التاريخ (بتصرف)، للشيخ/ عثمان الخميس.

([2]) نفس المصدر.

([3]) صحيح البخاري.

([4]) صحيح البخاري.

([5]) حقبة من التاريخ، (بتصرف)، للشيخ/ عثمان الخميس.

([6]) حقبة من التاريخ، (بتصرف)، للشيخ/ عثمان الخميس.

([7]) نفس المصدر.

([8]) حقبة من التاريخ (بتصرف)، للشيخ/ عثمان الخميس.

([9]) حقبة من التاريخ (بتصرف) للشيخ/ عثمان الخميس.

([10]) رواه البخاري.

([11]) حقبة من التاريخ (بتصرف) للشيخ/ عثمان الخميس ، نقلاً من البداية والنهاية.

([12]) حقبة من التاريخ (بتصرف)، للشيخ/ عثمان الخميس.

([13]) نفس المصدر.

([14]) نفس المصدر.

([15]) صحيح البخاري ومسلم.

([16]) رواه مسلم.

([17]) رواه مسلم.

([18]) رواه أبو داود، والطبراني في الكبير.

([19]) حقبة من التاريخ، للشيخ/ عثمان الخميس.

([20]) نفس المصدر.


عدد مرات القراءة:
7102
إرسال لصديق طباعة
الخميس 18 ربيع الأول 1447هـ الموافق:11 سبتمبر 2025م 09:09:19 بتوقيت مكة
عمر عبدالله 
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100] .
عن أبي صَخرٍ حُمَيدِ بْنِ زِيادٍ قال: قُلتُ لمُحَمَّدِ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ يَومًا: ألَا تُخبِرُني عن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما كانَ من رَأيِهِم؟ وإنَّما أُريدُ الفِتَنَ.
فقال: إنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لجَميعِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأوجَبَ لهمُ الجَنَّةَ في كِتابِه؛ مُحْسِنِهم ومُسيئِهم.
قُلتُ: في أيِّ مَوضِعٍ أوجَبَ لهمُ الجَنَّةَ في كِتابِه؟ فقال: سُبحانَ اللهِ! ألَا تَقرَأُ قَولَهُ تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ إلى آخِرِ الآيةِ، فأوجَبَ اللهُ لجَميعِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجَنَّةَ والرِّضوانَ، وشَرَطَ عَلى التَّابِعينَ شَرطًا لم يَشتَرِطْه عليهِم.
قُلتُ: وما اشتَرَطَ عليهِم؟ قال: اشتَرَطَ عليهِم أن يَتَّبِعوهم بإحسانٍ، يَقولُ: يَقتَدونَ بأعمالِهِمُ الحَسَنةِ ولا يَقتَدونَ بهِم في غَيرِ ذلك.
قال أبو صَخرٌ: فواللهِ لكَأنِّي لم أَقْرَأْها قَطُّ، وما عَرَفتُ تَفسيرَها حَتَّى قَرَأ عليَّ مُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ !
 
اسمك :  
نص التعليق :