معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي) - (كتاب الله وسنتي) ..
الكاتب : فيصل نور ..

حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي) - (كتاب الله وسنتي)

     لعل من أعظم الدلائل التي يستند عليها الشيعة في إثبات ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأحقية مذهب آل البيت، حديث ما يسمى بـ "حديث الثقلين" والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:  إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وانكم لن تضلوا بعدهما". وألفاظ أخرى بهذا المعنى سنأتي على ذكرها.
     وقالوا أن هذا الحديث يدل على عدة أمور. منها:

  • وجوب التمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة.

  • انحصار النجاة بالتمسك بالكتاب وبالعترة.

  • عصمة العترة النبوية من المعاصي والأخطاء والاشتباه.

  • أنهم أعلم الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

  • أنهم أئمة هذه الأمة.

  • أن إمامتهم مستمرة إلى يوم القيامة وأن الزمان لا يخلومن واحد من العترة الطاهرة ممن يجب التمسك بهم.

 
     الجواب:
     قبل الشروع في الكلام عن الحديث، نورد أولاً طرقه وندرس أسانيده.
أولاً: من طرق الإمامية:

  1. الصدوق: حدثنا أحمد (وفي كمال الدين "محمد") بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله انى مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي من العترة ؟ فقال: انا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه [1].

      تكلمنا بعض الشيء في مكان آخر عن الصدوق وموقف القوم منه وهو لم يسلم من الطعن فيه، والخلاف في توثيقه، حتى توقف البعض فيه بحجة أنه لم يصرح بتوثيقه أحد من علماء الرجال، ونعته البعض بالكذب، حيث قال: الصدوق كذوب، وذكر آخر وهو أسد الله الكاظمي في "كشف القناع" أن الصدوق يقوم بالتغيير في الأحاديث مما يورث سوء الظن به، وخلص إلى القول بأن أمره مضطرب جدًا[2].
     والهمداني شيخ الصدوق لم يوثقه أحد الا الصدوق نفسه. حتى قال فيه الخوئي: أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني وإن لم يوثّق في كتب الرجال إلَّا أنّه شيخ الصدوق وقد وثّقه صريحاً. وقال في موضع آخر: والطريق الآخر صحيح وإن اشتمل على أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، لتصريح الصدوق بتوثيقه [3]. وكذلك تكلمنا في علي بن إبراهيم وأبيه في موضع آخر.
     وغياث بن إبراهيم قالوا فيه: قد اختلفت كلمات الأصحاب في حقه[4]. قال العاملي في تعليقة على سند فيه غياث: وليس في هذا السند من يتوقف في شأنه سوى غياث بن إبراهيم[5]. وقال فيه الطوسي: بتري. وذكره فيمن روى عن أبي الحسن وفيمن لم يروي عنه. قال الخوئي: أن ذكر الشيخ غياث بن إبراهيم وأنه روى عن أبي الحسن عليه السلام لا يجتمع مع ذكره فيمن لم يروعنهم عليهم السلام، والالتزام بالتعدد فيه ما لا يخفى. وتقدم عنه ذكره في أصحاب الصادق عليه السلام وأنه أسند عنه وروى عن أبي الحسن عليه السلام، وهذا من غرائب الكلام. وذكر الشهيد الثاني في درايته أن غياث بن إبراهيم دخل على المهدي بن المنصور، وكان يعجب الحمام الطيارة الواردة من الأمكنة البعيدة، فروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: لا سبق إلا في خف أوحافر أونصل أوجناح، فأمر له بعشرة آلاف درهم.. الحديث. أقول – أي الخوئي -: لوثبت هذا، فغياث بن إبراهيم فيه رجل آخر غير من ترجمه النجاشي[6]. وقال إبن داود: غياث بن إبراهيم أبومحمد التميمي الأسدي بتري فاسد العقيدة [7]. وقال التفرشي: ذكره إبن داود من غير توثيق[8].

  1. الكليني: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر في خطبة يوم الجمعة الخطبة الأولى: انتفعوا بموعظة الله وألزموا كتابه فإنه أبلغ الموعظة وخير الأمور في المعاد عاقبة ولقد اتخذ الله الحجة فلا يهلك من هلك إلا عن بينة ولا يحيى من حي إلا عن بينة وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ارسل به فألزموا وصيته وما ترك فيكم من بعده من الثقلين كتاب الله وأهل بيته اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من تركهما[9].

  2. الكليني: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس قال: سمعت عليا صلوات الله عليه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر خطبته يوم قبضه الله عز وجل إليه: إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين - وجمع بين مسبحتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين المسبحة والوسطى - فتسبق إحداهما الأخرى، فتمسكوا بهما لا تزلوا ولا تضلوا ولا تقدموهم فتضلوا [10].

 
مر الكلام في أكثر رجال السند في موضع آخر.
    ولعل من آفات الرواية هذه بريد بن معاوية الذي قال فيه النجاشي: وجه من وجوه أصحابنا. وعلق عليه الجواهري: وهو أن لم يدل على الوثاقة فلا أقل من دلالته على الحسن[11].
     وأضطرب القوم في رد روايات الذم الوارده فيه بين مضعف ومؤّول، كقول الصادق:  هلك المتريسون في أديانهم، منهم: زرارة، وبريد، ومحمد بن مسلم، وإسماعيل الجعفي. وقول مسمع كردين أبي سيار. قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله بريدا، ولعن الله زرارة ". وعن عبد الرحيم القصير، قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: إئت زرارة وبريدا، وقل لهما: ما هذه البدعة، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل بدعة ضلالة ؟ فقلت له: إني أخاف منهما، فأرسل معي ليث المرادي فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبوعبد الله عليه السلام، فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر، وأما بريد فقال: والله لا أرجع عنها أبدا ". فقالوا فيها: أن الصادق عليه السلام إذا صدر منه عيب أونقص بالنسبة إلى زرارة وأضرابه فهومن باب التقية وحفظ نفوسهم، والروايات الذامة لبريد قد ورد فيها زرارة، أيضا[12]. وقال التفرشي: وما ورد فيه من الذموم محمول على التقية، ودفع الضرر عنه[13]. وكذا قال الكرياسي: ويمكن أن يكون الوجه فيه الشفقة عليهم. حاصل هذا، الحمل على التقيّة، وهو جيّد متعيّن لما يأتي في زرارة صريحاً بطريق العموم والخصوص، ولأنّ التعارض في المدح والذمّ لم يقع إلاّ في مثل هؤلاء الأجلاّء، والله أعلم[14]. وقال المازندراني: ويمكن أن يكون الوجه الشفقة عليهم، والترغيب لهم في الاحتياط في الفتوى، والإخفاء عن أهل الخلاف، والترهيب عن خلاف ذلك [15]. وكذا قال النمازي: وأما الروايات الواردة في ذمة، فهي كالذامة نظراءه زرارة وغيره، وردت لحفظ دمهم من الأعداء [16].
     ومحمد بن مسلم عرفت حالة من الترجمة السابقة، وقالوا في ما ورد في ذمه ما قالوه في بريد بن معاويه من أن لوصحت أسانيد هذه الروايات لم يعتد بها.. والروايات عن المعصوم سلام الله عليه ربما كان يصدر منه ذم أصحابه حفظا لهم [17]. وهذه بعض الذموم التي وردت فيه. عن عامر بن عبد الله بن جذاعة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن امرأتي تقول بقول زرارة، ومحمد ابن مسلم في الاستطاعة، وترى رأيهما، فقال: ما للنساء وللرأي، والقول لهما أنهما ليس بشئ في ولايتي، قال: فجئت إلى امرأتي فحدثتها، فرجعت عن هذا القول ".وعن مفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله محمد بن مسلم كان يقول: إن الله لا يعلم الشئ حتى يكون ".

  1. الصفار: باب في قول رسول الله ص انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي. حدثنا إبراهيم بن هاشم عن ابن فضال عن ابي جميلة عن ابن شعيب الحداد عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله انا أول قادم على الله ثم يقدم على كتاب الله ثم يقدم على أهل بيتي ثم يقدم على أمتي فيقفون فيسئلهم ما فعلتهم في كتابي وأهل بيت نبيكم [18].

     كتاب بصائر الدرجات حسب قول بعض علماء الشيعة في صحة نسبته للصفار نظر[19]. ومن دلال الشك في نسبة الكتاب له عدم رواية تلميذه محمد بن الحسن بن الوليد للكتاب.
     يقول الطوسي: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عنه. وأخبرنا بذلك أيضا جماعة، عن ابن بابويه، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن رجاله، الا كتاب بصائر الدرجات، فإنه لم يروه عنه ابن الوليد [20].
     ورأى البعض أن علة عدم رواية البعض له إنما بسبب ما فيه من غلوكما ذكر ذلك المجلسي الأول ذلك عن إبن الوليد[21].
     لذا قال بعض محققي الشيعة في رد بعض الشبهات: روايات الصفار في (بصائر الدرجات) التي تنص على معرفة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كلية اللغات والخطوط بعد نبوته، وتنص أيضا على أن الأمي معناه النسبة إلى أم القرى أي مكة، غير أنني لا أعتمد على هذا الكتاب إذ هو مشترك بين رجلين وفيه روايات عن الغلاة والضعفاء[22].
     والأمر كذلك، وما أيسر من أن ينظر القارئ إلى فهرس الكتاب ليقف على محتواه، ثم ينظر هل ما جاء فيه من الإسلام في شيء!؟ ولا بأس بذكر بعضاً من ذلك: إن الملائكة تدخل منازلهم ويطوف بسطهم ويأتيهم بالأخبار وأن الجن يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويرسلونهم في حوائجهم ويعرفونهم وانهم يعلمون بما في السماوات والأرض والجنة والنار وما كان وما هوكائن إلى يوم القيامة وأنهم أعطوا علم ما مضى وما بقي إلى يوم القيامة وعندهم سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآيات الأنبياء مثل عصى وخاتم سليمان والطست والتابوت والألواح وقميص آدم وعندهم الصحيفة التي فيها أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار وعندهم بجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أعطوا اسم الله الأعظم وأنهم أفضل من موسى والخضر وأنهم يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبرئيل وميكائيل وأن الإمام تراءى له جبرئيل وميكائيل وملك الموت وأنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به وأنهم يخبرون شيعتهم بأفعالهم وسرهم وأفعال غيبهم وهم غيب عنهم ويخبرون شيعتهم بإضمارهم وحديث أنفسهم وهم غيب عنه منهم ويعلمون من يأتي أبوابهم ويعلمون بمكانهم من قبل أن يستأذنوا عليهم ويعرفون آجال شيعتهم وسبب ما يصيبهم ويعرفون علم المنايا والبلايا والأنساب من العرب وفصل الخطاب وأنهم يحيون الموتى ويبرءون الأكمه والأبرص بإذن الله وأنهم يزورون الموتى وأن الموتى يزورهم ويعرض عليهم أعداؤهم وهم موتى ويرونهم وأنهم يتكلمون الألسن كلها ويعرفون الألسن كلها ويعرفون منطق البهائم ويعرفونهم ويجيبونهم إذا دعوهم يركبون السحاب ويرتقون في الأسباب والأفلاك وأنهم تعرض عليهم الأعمال في أمر العمود الذي يرفع للأئمة وما يصنع بهم في بطون أمهاتهم وأنهم يرون ما بين المشرق والمغرب بالنوروان الإمام يرفع له في كل بلد منار وينظر فيه إلى أعمال العباد والروح التي قال الله تعالى في كتابه وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا أنها في رسول الله وفي الأئمة يخبرهم ويسددهم ويوفقهم وأنهم يعرفون متى يموتون ويعلمون ذلك قبل أن يأتيهم الموت عليهم...وغيرها.
     وإبراهيم بن هاشم هو والد القمي صاحب التفسير وقد مر الكلام فيه في موضع آخر.
     والمفضل بن صالح أبو جميلة ضعفة النجاشي. وقال ابن الغضائري: المفضل بن صالح أبوجميلة الأسدي النخاس، مولاهم، ضعيف، كذاب، يضع الحديث، حدثنا أحمد بن عبد الواحد، قال: حدثنا علي بن محمد بن الزبير، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال: قال: سمعت معاوية بن حكيم يقول: سمعت أبا جميلة يقول: أنا وضعت رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر، وقد روى المفضل عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ". وحاول البعض توثيقه بالقول أنه الثقات يرون عنه كالحسن بن علي بن فضال. ولكن الخوئي رد هذا التوثيق بقوله: أن كثرة الرواية ورواية الأجلة، وأصحاب الاجماع عن رجل لا تدلان على وثاقته، وعلى تقدير تسليم الدلالة، فلا يمكن الاخذ بها مع ما سمعته من النجاشي من التسالم على ضعف الرجل، والله العالم [23].
     والحداد قال فيه النمازي: يعقوب بن شعيب الحداد: لم يذكروه [24]. وقال فيه الجواهري: مجهول[25].

  1. الصفار: حدثنا محمد بن عيسى ويعقوب بن يزيد وغيرهما عن ابن محبوب عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد الله عليه السلام قال مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وخلف في أمته كتاب الله ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام[26].

     هذه الرواية أيضاً من كتاب بصائر الدرجات وقد تكلمنا فيه في الرواية السابقة. ومحمد بن عيسى مختلف فيه وفي روايته عن إبن محبوب[27]. وإبن محبوب رغم ما جاء في توثيقه، قالوا فيه: أن النجاشي لم يتعرض لترجمة الحسن بن محبوب ولا يظهر وجه لذلك، إلا أن يكون قد غفل عن ذلك، أو أنه سقطت ترجمته عن نسخة المستنسخ لكتابه، وإلا فلا يحتمل أن النجاشي لم يطلع على كتاب الحسن ابن محبوب. وأن ابن محبوب لم يكن يروي عن ابن فضال، بل هو أقدم من ابن فضال وأسن، وأصحابنا يتهمون ابن محبوب في روايته عن ابن أبي حمزة، وسمعت أصحابنا أن محبوبا أبا حسن كان يعطي الحسن بكل حديث يكتبه عن علي بن رئاب درهما واحدا. وان أحمد بن محمد بن عيسى لا يروي عن ابن محبوب من أجل أن أصحابنا يتهمون ابن محبوب في روايته عن ابن أبي حمزة[28].

  1. الصفار: حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود عن يحيى بن آدم عن شريك عن جابر قال قال أبوجعفر عليه السلام دعا رسول الله أصحابه بمنى قال يا أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين اما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ثم قال أيها الناس انى تارك فيكم حرمات الله كتاب الله وعترتي والكعبة البيت الحرام ثم قال أبوجعفر عليه السلام اما كتاب الله فحرفوا واما الكعبة فهدموا واما العترة فقتلوا وكل ودايع الله فقد تبروا[29].

     رواية أخرى من كتاب بصائر الدرجات. وسليمان بن داود. قال فيه ابن الغضائري: إنه ضعيف جدا لا يلتفت إليه، يوضع كثيرا على المهمات. وقال المجلسي في الوجيزة: سليمان بن داود المنقري ضعيف. وذكره الحلي وابن داود في قسم الضعفاء[30].
     ومحمد بن القاسم قال فيه الطوسي في الفهرست: سليمان بن داود المنقري ضعيف بالقاسم بن محمد[31]. وقال النجاشي: لم يكن بالمرضي. وذكره إبن داود في القسم الثاني المخصص للضعفاء وقال فيه: لم يكن بالمرضي، غال، حديثه يعرف وينكر. وكذلك ذكره الحلي في القسم الثاني. قال الجواهري: مجهول[32]. ويحيى بن آدم لم يذكروه كما قال النمازي. وقال الجواهري: مجهول[33].

  1. الصفار: حدثنا محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن ذريح بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله انى قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فنحن أهل بيته [34].

     رواية أخرى من كتاب بصائر الدرجات الذي أوقفناك على حاله. ولعل هذا يغنينا عن الكلام في ظاهر صحة السند حسب معايير القوم. رغم أن الرواية ليس فيها أمراً بالتمسك.

  1. الصفار:  حدثنا محمد بن الحسين عن النضر بن شعيب عن خالد بن ماد القلانسي عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله انى تارك فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر ان تمسكتم بهما لا تضلوا ولا تبدلوا وانى سألت اللطيف الخبير ان لا يتفرقا حتى يردا على الحوض فأعطيت ذلك قالوا وما الثقل الأكبر وما الثقل الأصغر قال الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي[35].

     رواية أخرى من مرويات بصائر الدرجات. والنضر قال فيه الجواهري: مجهول - له روايات كثيرة في الكتب الأربعة، والراوي عنه كثيرا محمد بن الحسين ووقع في طريق النجاشي والشيخ والصدوق إلى خالد بن ماد القلانسي ومع ذلك لم يذكر في كتب الرجال[36]. كذلك في السند مجهول وهو الراوي عن الباقر رحمه الله.

  1. الصفار: حدثنا إبراهيم بن هاشم عن يحيى بن أبي عمران عن يونس عن هشام بن الحكم عن سعد الإسكاف قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول النبي صلى الله عليه وآله انى تارك فيكم الثقلين فتمسكوا بهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض قال فقال أبوجعفر لا يزال كتاب الله والدليل منا يدل عليه حتى يردا على الحوض [37].

     هذه أيضاً من مرويات بصائر الدرجات. وقد مر الكلام في بعض رجال السند. ويحيى بن أبي عمران قال فيه الخوئي تعليقاً على أحد الروايات: هذه الرواية تدل على أن يحيى بن أبي عمران كان من وكلاء أبي جعفر عليه السلام، وأنه مات في حياته، وقد يستدل بهذا على وثاقته. ولكن ذكرنا غير مرة أن الوكالة لا تلازم الوثاقة[38].
     ويونس هو بن عبد الرحمن، مولى علي بن يقطين. ورد فيه مدح وذم. وقال فيه الطوسي: ضعفه القميون، وفي موضع آخر قال: طعن عليه القميون وهو عندي ثقة ". ومن هذه الروايات الذامة عن محمد ابن عيسى القمي، قال: قلت للرضا عليه السلام: إن يونس مولى آل يقطين يقول إن الجنه لم تخلق، فقال: كذب فأين جنة آدم عليه السلام ". وعن ابن سنان، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إن يونس يقول: إن الجنة والنار لم يخلقا، فقال: ماله لعنه الله، وأين جنة آدم ؟ ". وعن محمد بن أبادية، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في يونس، فكتب: لعنه الله ولعن أصحابه، أوبرئ الله منه ومن أصحابه ". وعن جعفر بن معروف، قال: سمعت يعقوب بن يزيد، يقع في يونس ويقول: كان يروي الأحاديث من غير سماع ". وعن عبد الله بن محمد الحجال، قال: كنت عند الرضا عليه السلام ومعه كتاب يقرأه في بابه حتى ضرب به الأرض، فقال: كتاب ولد الزنا للزانية، فكان كتاب يونس ". وفي رواية هذا كتاب ابن زان لزانية، هذا كتاب زنديق لغير رشده، فنظرت إليه فإذا كتاب يونس ". وعن صفوان بن يحيى، وابن سنان، أنهما سمعا أبا الحسن عليه السلام، يقول: لعن الله العباسي فإنه زنديق وصاحبه يونس، فإنهما يقولان بالحسن والحسين. وغيرها كثير وقد إستمات الخوئي في ردها جميعاً وعحز عن رد بعضها، وقال: ثم إن هناك روايتين صحيحتين دلتا على انحراف يونس وسوء عقيدته. الأولى: ما تقدم في ترجمة عبد الله بن جندب، من قول أبي الحسن عليه السلام: هو (يونس مولى آل يقطين) والله أولى بأن يعبد الله على حرف ماله، ولعبد الله بن جندب، إن عبد الله بن جندب من المخبتين. الثانية: ما جاء عن عن علي بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام: جعلت فداك، أصلي خلف من يقول بالجسم، ومن يقول بقول يونس يعني ابن عبد الرحمان، فكتب عليه السلام: لا تصلوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرأوا منهم برئ الله منهم. وهاتان الروايتان لابد من رد علمهما إلى أهلهما[39].
     وكذلك شأن هشام بن الحكم، حيث إختلف القوم فيه، فقد ذكر الخوئي روايات مادحة فيه قال بعدها: هذه الروايات وإن كانت أكثرها ضعيفة السند، إلا أن استفاضتها واشتهار هشام بن الحكم وعظمة القدر تغني عن النظر في إسنادها. ثم ذكر عدة روايات ذامة إضطرب في رد بعضها وعجز عن رد آخرى كرواية الرضا عليه السلام، قال: أما كان لكم في أبي الحسن عليه السلام عظة، ما ترى حال هشام بن الحكم فهو الذي صنع بأبي الحسن عليه السلام ما صنع، وقال لهم: وأخبرهم أترى الله أن يغفر له ما ركب منا. حيث قال فيها: لابد من رد علمها إلى أهلها[40].
     وسعد الإسكاف مختلف فيه. قال النجاشي: يعرف وينكر. وذكره إبن داود في القسم الثاني. وقال ابن الغضائري: ضعيف [41].
     فهذه جميع الروايات التي وردت في بصائر الدرجات المنسوب للصفار والذي قالوا في ترجمته أنه من أصحاب العسكري عليه السلام، ولكن كما رأيت لم يروي عنه شيء مما مر، ولعل من وضع الكتاب ونسبه إليه فاته هذا. فتأمل.

  1. أبو محمد الفضل بن شاذان في كتاب الغيبة: حدثنا عبد الرحمن بن أبي نجران (رضي الله عنه)، قال: حدثنا عاصم بن حميد قال: حدثنا أبوحمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن العباس قال: معاشر الناس، إني راحل عن قريب ومنطلق إلى المغيب، فأودعكم وأوصيكم بوصية فاحفظوها، إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا، معاشر الناس إني منذر وعلي هاد، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين " [42].

     كتاب الغيبة ونسبته إلى إبن شاذان فيه كلام وخلاف، وقال البعض أن كتاب الغيبة هذا هو كتاب "إثبات الرجعة" بعينه، إذ لا يوجد كتاب بإسم الغيبة لإبن شاذان، وهذا الكتاب ظهر لأول مره على يد السيد الميرلوحي المعاصر المجلسي[43].
     وإبن شاذان هذا عظيم القدر عند الشيعة، رغم ما أوردوه من طرقهم في ذمه. فقد ذكر الكشي ان الفضل ابن شاذان بن الخليل نفاه عبد الله بن طاهر عن نيسابور، بعد أن دعى به واستعلم كتبه وأمره أن يكتبها، قال: فكتب تحته: الاسلام الشهادتان وما يتلوهما، فذكر أنه يحب أن يقف على قوله في السلف، فقال أبومحمد: أتولى أبا بكر وأتبرأ من عمر، فقال له: ولم تتبرأ من عمر ؟ فقال: لاخراجه العباس من الشورى، فتخلص منه بذلك. ولعنه الإمام بسبب قوله بالجسم وغيرها[44].
     وقد رد القوم هذه الروايات.
     وإبن شاذان هذا من أصحاب الأئمة ولكن لم يروي عنهم شيء في الكتب الأربعة، وكذلك روايتنا هذه. فتأمل.
     والثمالي مدحوه من جهه وذموه من جهة أخرى لشربه النبيذ حيث ذكر الكشي: وكان أبوحمزة يشرب النبيذ، ومتهم به. ورد الخوئي هذا بقوله: أن أبا حمزة، كان يشرب النبيذ الحلال. وفي رواية: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: كنت أنا وعامر بن عبد الله بن جذاعة الأزدي، وحجر بن زائدة، جلوسا على باب الفيل، إذ دخل علينا أبوحمزة الثمالي ثابت بن دينار، فقال لعامر بن عبد الله: يا عامر، أنت حرشت علي أبا عبد الله عليه السلام، فقلت: أبوحمزة يشرب النبيذة. فقال له عامر: ما حرشت عليك أبا عبد الله عليه السلام ولكن سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسكر. فقال لي: كل مسكر حرام. فقال: لكن أبا حمزة يشرب. قال: فقال أبوحمزة: استغفر الله منه الآن وأتوب إليه " [45].
     وإبن عباس رضي الله عنهما حاله عند القوم تحكيه هذه الأقوال والروايات. ولعل ذكرها خير دليل على تسمك الشيعة بالعترة كما هو مقتضى الحديث.
     قالوا: وقد استعمل على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك علياً عليه السلام، فكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد على المنبر حين بلغه فبكى فقال: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول[46]. وفي كتاب له لعبد الله بن العباس: أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إلي فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدوقد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الأمة قد فتكت وشغرت قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة أديت وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك وكأنك لم تكن على بينة من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك حدرت على أهلك تراثك من أبيك وأمك. فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ أما ما تخاف من نقاش الحساب ؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد. فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار. ووالله لوأن الحسن والحسين فعلا مثل فعلك الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما. وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي. فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى ودفنت تحت الثرى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ويتمنى المضيع الرجعة فيه ولات حين مناص. فرد عليه عبد الله بن عباس: أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة ولعمري إن حقي في بيت المال لأكثر مما أخذت والسلام. فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لانت المهتدي السعيد إذا. وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك. فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ربك واخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد فارقت الأحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا إلى ما قدمت والسلام. فكتب إليه عبد الله بن عباس أما بعد قد فإنك أكثرت علي ووالله لان ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرء مسلم والسلام[47].
     وعن علي عليه السلام: اللهم العن ابني فلان - يعني عبدالله بن عباس وعبيدالله بن عباس -، وأعمم أبصارهما، كما عميت قلوبهما الأجلين في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما[48].
    فهل تصح الرواية مع كل هذا؟ وإن صحت، فهل عملوا بها وهذا موقفهم من حبر الأمة وترجمان القرآن!؟

  1. الصدوق: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمد بن مسرور (رضي الله عنهما)، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم [49].

     تكلمنا في الصدوق بعض الشيء، وشيخه علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، غير مذكور في كتب الرجال، وترضي الصدوق عنه لا يدل على الوثاقة كما قال الخوئي[50]. وجعفر بن محمد بن مسرور قال فيه الخوئي أيضاً: لا دلالة على وثاقة الرجل، ولا على حسنه، نعم احتمل الوحيد في التعليقة: أنه جعفر بن محمد بن قولويه، ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً[51].

  1. الصدوق: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الحسين السكري عن محمد بن زكريا الجوهري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين - وضم بين سبابتيه - فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: يا رسول الله ومن عترتك ؟ قال: علي، والحسن والحسين، والأئمة من ولد الحسين إلى يوم القيامة[52].

     القطان قال فيه الخوئي: من مشايخ الصدوق، وتوهم بعضهم حسن الرجل من ترحم الصدوق عليه، وهو عجيب، كيف وقد ترحم الأئمة عليهم السلام لعموم الزائرين لقبر الحسين عليه السلام، بل أفرط بعضهم فذكر أن الصدوق وصفه بالعدل... وهذا أعجب، فإن الصدوق لم يصفه بالعدل، وإنما ذكر أنه كان معروفا بأبي علي بن عبد ربه العدل، ومعنى هذا أن العدل كان لقبا له - وكلمة العدل، وكلمة الحافظ، والمقري ونحوها من الألقاب - وأين هذا من توصيفه بالعدالة، ولا يبعد في أن يكون الرجل من العامة، كما استظهر بعضهم[53]. وشيخه السكري مجهول[54]، وكذلك حال الجوهري[55]، جعفر بن محمد عمارة[56]، ومحمد بن عمارة[57]. وحسب السند كل هذا.

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني الحسن بن عبد الله بن محمد بن علي التميمي قال: حدثني أبي قال: حدثني سيدي علي بن موسى بن جعفر بن محمد قال: حدثني أبي، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي صلوات الله عليهم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض [58].

     الحسن بن عبدالله التميمي لم يذكروه[59]. وكذلك والده عبدالله مجهول[60]. وقال الخوئي: الحسن بن عبد الله بن محمد الرازي مجهول، فلا اعتماد على الرواية[61].

  1. الصدوق: حدثنا أبوالحسن محمد ابن علي بن الشاه الفقيه المروزي بمروالرود في داره قال حدثنا أبوبكر بن محمد بن عبد الله النيسابوري قال حدثنا أبوالقاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي بالبصرة قال حدثنا أبي في سنه ستين ومأتين قال حدثني علي بن موسى الرضا عليه السلام سنة أربع وتسعين ومائة وحدثنا أبومنصور بن إبراهيم بن بكر الخوري بنيسابور قال حدثنا أبوإسحاق إبراهيم بن هارون بن محمد الخوري قال حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري بنيسابور قال حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني عن الرضا علي بن موسى عليهما السلام وحدثني أبوعبد الله الحسين بن محمد الأشناني الرازي العدل ببلخ قال حدثنا علي بن محمد بن مهرويه القزويني عن داود بن سليمان الفراء عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال حدثني أبي موسى بن جعفر قال حدثني أبي جعفر بن محمد قال حدثني أبي محمد بن علي قال حدثني أبي علي بن الحسين قال حدثني أبي الحسين بن علي قال حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله " ص " قال: كأني قد دعيت فأجبت واني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما[62].

     السند فيه مجاهيل كإبن الشاه المروزي[63]، وكالنيسابوري[64]، والخوري[65]، والهروي الشيباني[66]، والأشناني الذي قال فيه الخوئي:لا يبعد أن الرجل من العامة وأن كلمة العدل من ألقابه[67]. وقال الجواهري: مجهول[68]، وكذلك حال داود الفراء[69].

  1. الصدوق: حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان القشيري قال: حدثنا الحسين بن حميد، قال: حدثني أخي الحسن بن حميد قال: حدثني علي بن ثابت الدهان قال: حدثني سعاد وهو ابن سليمان، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني امرء مقبوض وأوشك أن أدعى فأجيب، وقد تركت فيكم الثقلين أحدهما أفضل من الاخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض[70].

     فيه مجاهيل كالحسن بن سعيد[71]، والحسين بن حميد[72] وكذلك حال الحسن بن حميد[73]، وسعاد بن سليمان[74].

  1. الكليني: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس وعلي بن محمد، عن سهل ابن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال صلى الله عليه وآله أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك[75].

      مر الكلام في بعض رجال السند. وفي هذا السند آفات، منها سهل بن زياد قال فيه النجاشي: كان ضعيفا في الحديث، غير معتمد عليه فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم.وقال النجاشي والشيخ في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى: واستثنى ابن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى في جملة ما استثناه روايته عن سهل ابن زياد الآدمي، وتبعه على ذلك الصدوق وابن نوح فلم يعتمدوا على رواية محمد ابن أحمد بن يحيى، عن سهل بن زياد. وقال ابن الغضائري: سهل بن زياد أبوسعيد الآدمي الرازي: كان ضعيفا جدا فاسد الرواية والمذهب، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه، ويروى المراسيل، ويعتمد المجاهيل. وقال الخوئي: إن سهل بن زياد وقع الكلام في وثاقته وعدمها، فذهب بعضهم إلى وثاقته ومال إلى ذلك الوحيد - قدس سره - واستشهد عليه بوجوه ضعيفة سماها امارات التوثيق، وهذه الوجوه غير تامة في نفسها، وعلى تقدير تسليمها فكيف يمكن الاعتماد عليها مع شهادة أحمد بن محمد بن عيسى عليه بالغلووالكذب، وشهادة ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح بضعفه، واستثنائهم روايات محمد بن أحمد بن يحيى عنه فيما استثنوه من رجال نوادر الحكمة، وشهادة الشيخ بأنه ضعيف، وشهادة النجاشي بأنه ضعيف في الحديث غير معتمد عليه فيه، بل الظاهر من كلام الشيخ في الاستبصار أن ضعفه كان متسالما عليه عند نقاد الاخبار. وكيف كان فسهل بن زياد الآدمي ضعيف جزما أوأنه لم تثبت وثاقته.
    منها ليث بن البختري:  قال ابن الغضائري: "ليث بن البختري المرادي: أبوبصير، يكنى أبا محمد، كان أبوعبد الله عليه السلام يتضجر به ويتبرم، وأصحابه مختلفون في شأنه، وعندي أن الطعن إنما وقع على دينه لا على حديثه، وهو عندي ثقة " وروي فيه الكشي روايات، بعضها مادحة وبعضها ذامة، فمن الذامة: عن ابن أبي يعفور، قال: خرجت إلى السواد أطلب دراهم للحج ونحن جماعة، وفينا أبوبصير المرادي، قال: قلت له: يا أبا بصير اتق الله وحج بمالك فإنك ذومال كثير، فقال: اسكت فلوأن الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه ". وعن بكير، قال: لقيت أبا بصير المرادي، قلت: أين تريد ؟ قال: أريد مولاك، قلت: أنا أتبعك، فمضى معي فدخلنا عليه وأحد النظر إليه، فقال: هكذا تدخل بيوت الأنبياء وأنت جنب، قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضبك، فقال: استغفر الله ولا أعود. وعن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن امرأة تزوجت ولها زوج فظهر عليها، قال: ترجم المرأة ويضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل، قال شعيب: فدخلت على أبي الحسن عليه السلام، فقلت له: امرأة تزوجت ولها زوج ؟ قال: ترجم المرأة ولا شئ على الرجل، فلقيت أبا بصير فقلت له: إني سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة التي تزوجت ولها زوج، قال: ترجم المرأة ولا شئ على الرجل، قال: فمسح صدره، وقال: ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد ! ". وعن حماد بن عثمان، قال: خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أوإلى بعض المواضع، فتذاكرنا الدنيا، فقال أبوبصير المرادي: أما إن صاحبكم لوظفر بها لاستأثر بها، قال: فأغفى، فجاء كلب يريد أن يشغر عليه فذهبت لأطرده، فقال لي ابن أبي يعفور: دعه، فجاءه حتى شغر في أذنه ". وغيرها. وقد إجتهد الخوئي في ردها أوتؤويلها كعادته[76].

  1. الطوسي: حدثنا محمد بن محمد، قال: حدثنا أبوالقاسم جعفر بن محمد بن قولويه (رحمه الله)، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب الزراد، عن أبي محمد الأنصاري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المنزل، وعترتي أهل بيتي[77].

     محمد بن قولويه لم يرد فيه توثيق صريح، سوي قول الخوئي بأن إبنه أكثر الرواية عنه في كامل الزيارات، وقد التزم بأن لا يروي في كتابه هذا، إلا عن ثقة[78]. وقول النجاشي: أنه من خيار أصحاب سعد. لذا قال البعض: وكأن قول النجاشي: إنه من خيار أصحاب سعد، يدل على توثيقه[79]. وقال آخر:  إنّ استفادة توثيق محمّد بن قولويه من كونه من خيار أصحاب سعد محلّ إشكال، وابن طاوس قال في كتاب الرجال بعد ذكر طريق عن محمّد بن قولويه وعلي بن الريّان ومحمّد بن عبد الله بن زرارة قال: أقول: إنّي لم أستثبت حال محمّد بن عبد الله بن زرارة وباقي الرجال موثّقون، وهذا كما ترى يدلّ على توثيق محمّد بن قولويه، ولا أدري وجهه، والاعتماد على توثيق ابن طاوس لا يخلومن تأمّل، والله أعلم بالحال. وأضاف: لعلّ كونه من خيار أصحاب سعد باعتبار الصلاح، لا باعتبار الضبط الذي يعتبر في الثقة. والمحقِّق الشيخ محمّد أيضاً اعترف بذلك لكنّه قال: الاعتماد على توثيق طس لا يخلومن تأمّل[80].
     والأنصاري قال فيه الكشي: مجهول لا يعرف [81].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد جميعا، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا وإني سائلكم غدا ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم علي حوضي، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني ؟ قالوا: وما هذان الثقلان يا رسول الله ؟ قال: أما الثقل الأكبر فكتاب الله عز وجل، سبب ممدود من الله ومني في أيديكم، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة، وأما الثقل الأصغر فهوحليف القرآن وهو علي بن أبي طالب وعترته عليهم السلام، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وقال: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير. وحدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال: حدثنا الحسين بن محمد ابن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن محمد بن أبي عمير. وحدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري... ثم ذكر الحديث السابق[82].

     هذه الروايات أقرب إلى روايات العامة حسب مصطلحات الشيعة حيث لا تنتهي إلى الأئمة،  وفيها من تكلمنا فيه وفيها من هو ضعيف أومختلف فيه كإبن إبي عمير[83] وبن سنان[84]، وبن خربوذ[85].
     ثم أن الرواية تنتهي إلى الصحابة رضي الله عنهم وموقف الشيعة منهم معلوم. وحسبنا قولهم أن الصحيح عندهم هو ما اتّصل سندُه إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات. أما روايات الصحابة رضي الله عنهم لا تساوي جناح بعوضة عند الشيعة، حتى قال كاشف غطائهم بأن ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمروبن العاص، ونظائرهم، ليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة[86]. ثم ان هذه الروايات ليس فيهما تصريح بالتمسك بالعترة.

  1. النعماني: قال صلى الله عليه وآله في خطبته المشهورة التي خطبها في مسجد الخيف في حجة الوداع: إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض، حوضا عرضه ما بين بصرى إلى صنعاء، فيه قدحان عدد نجوم السماء، ألا وإني مخلف فيكم الثقلين: الثقل الأكبر القرآن، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، هما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عز وجل، ما إن تمسكتم به لم تضلوا، سبب منه بيد الله وسبب بأيديكم. وفي رواية أخرى: طرف بيد الله، وطرف بأيديكم، إن اللطيف الخبير قد نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كإصبعي هاتين - وجمع بين سبابتيه -، ولا أقول: كهاتين - وجمع بين سبابته والوسطى - فتفضل هذه على هذه. أخبرنا بذلك عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي: قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر الخطبة بطولها، وفيها هذا الكلام. وأخبرنا عبد الواحد بن عبد الله، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن الحسن بن محبوب، والحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله عليه السلام، بمثله. وأخبرنا عبد الواحد، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، بمثله [87].

     النعماني ممن يعتقد تحريف القرآن، حيث نسب في نفس الكتاب إلى علي رضي الله عنه أنه قال: كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل. قلت -أي الراوي-: يا أمير المؤمنين، أوليس هو كما أنزل ؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه عمه[88].

  1. النعماني: ما رواه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، ومحمد بن همام بن سهيل، وعبد العزيز وعبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس الموصلي، عن رجالهم، عن عبد الرزاق ابن همام، عن معمر بن راشد، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس. وأخبرنا به من غير هذه الطرق هارون بن محمد، قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن جعفر بن المعلى الهمداني، قال: حدثني أبوالحسن عمروبن جامع بن عمروبن حرب الكندي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك شيخ لنا كوفي ثقة، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام شيخنا، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي. وذكر أبان أنه سمعه أيضا عن عمر بن أبي سلمة. قال معمر: وذكر أبوهارون العبدي أنه سمعه أيضا عن عمر بن أبي سلمة، عن سليم قال: قال علي عليه السلام: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطيبا ثم لم يخطب بعد ذلك، فقال: أيها الناس، إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله عز وجل، وأهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد أخبرني وعهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض[89].

     رواية أخرى للنعماني. أما السند فقد علمت حالة من كلامنا عن إبن أبي عياش وسليم بن قيس، فلا داعي لتكراره.
     وفي الكتاب طامات، وحسبنا هذا. أما رجال السند فقد مر الكلام في جلهم وفي بعضهم خلاف حتى في الإسم.

  1. الخزاز القمي: حدثنا محمد بن وهبان بن محمد بن البصري، قال حدثنا محمد بن عمر الجعالي، قال حدثني إسماعيل بن محمد بن شيبة القاضي البصري، قال حدثني محمد بن أحمد بن الحسين، قال حدثني يحيى بن خلف الراسي ، عن عبد الرحمن، قال حدثنا يريد بن الحسن، عن معاوية الحربود ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على منبره: معاشر الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض أعرض ما بين بصري وصنعا، فيه عدد النجوم قد حانا من فضة، وأنا سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لن تضلوا، ولا تبدلوا في عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، انتظر من يرد علي منكم، وسوف تأخر أناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي. فيقال: يا محمد هل شعرت بما عملوا ؟ إنهم ما برحوا بعدك على أعقابهم. ثم قال: أوصيكم في عترتي خيرا - ثلاثا، أوقال: في أهل بيتي. فقام إليه سلمان فقال: يا رسول الله ألا تخبرني عن الأئمة بعدك ؟ أما هم من عترتك ؟ فقال: نعم الأئمة بعدي من عترتي عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين عليه السلام، أعطاهم الله علمي وفهمي، فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، واتبعوهم فإنهم مع الحق والحق معهم.

     الكلام في هذه الرواية كالكلام في الروايات السابقة التي تحوي أسانيدها رجال العامة حسب مصطلح الشيعة وقد عرفت حالها. وفيها مجهولين كالقاضي البصري[90]. ومنهم من لم أجد لهم ترجمة كالراسي أوالراسبي (كما في بعض النسخ) وبريد بن الحسن، وإن كان يزيد بن الحسن فكل من جاء بهذا الإسم مجهول[91]. ومعاوية الحربود لا وجود له، ومن قال أنه معروف بن خربوذ فقد ذكرنا الإختلاف فيه.
17)  الخزاز القمي: أخبرنا محمد بن عبد الله، قال حدثنا أبوالحسن عيسى بن العراد الكبير، قال حدثني أبوعبد الله محمد بن عبد الله بن عمر بن مسلم بن لاحق اللاحقي بالبصرة في سنة عشر وثلاثمائة، قال حدثنا محمد بن عمارة السكري، عن إبراهيم بن عاصم، عن عبد الله بن هارون الكرخي ، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد ابن سلامة: عن حذيفة اليمان قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل بوجهه الكريم علينا فقال: معاشر أصحابي أوصيكم بتقوى الله والعمل بطاعته، فمن عمل بها فاز وغنم ومن انجح وتركها حلت به الندامة، فالتمسوا بالتقوى السلامة من أهوال يوم القيامة، فكأني أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا، ومن تمسك بعترتي من بعدي كان من الفائزين، ومن تخلف عنهم كان من الهالكين [92].
     رواية أخرى لها حكم ما سبق. ومن آفاتها أيضاً المجاهيل، كالعراد الكبير[93]. وإبن لاحق[94]. والسكري[95]. والكرخي[96].
18) الخزاز القمي:  حدثنا علي بن الحسن بن محمد بن مندة، قال حدثنا هارون بن موسى رحمه الله، قال حدثنا أبوالحسين محمد بن منصور الهاشمي، قال حدثني أبوموسى عيسى بن أحمد، قال حدثنا أبوثابت المدني، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن سعيد، عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أيها الناس إني فرط لكم وإنكم واردون علي الحوض، حوضا عرضه ما بين صنعا إلى بصرى فيه قدحان عدد النجوم من فضة، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، السبب الأكبر كتاب الله طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فقلت: يا رسول الله من عترتك ؟ قال: أهل بيتي من ولد علي وفاطمة عليهما السلام وتسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، هم عترتي من لحمي ودمي [97].
     الرواية كسابقاتها من حيث عدم ورودها من طرق الأئمة. وفيها من لا تجد لهم ترجمة عند الشيعة.
19) الطبري (الشيعي): أخبرنا الشيخ أبومحمد الحسن بن الحسين بن بابويه (رحمه الله)، قال: حدثنا السيد الزاهد أبوعبد الله الحسين بن الحسن بن زيد الحسيني الجرجاني القاضي، قال: حدثنا والدي (رحمه الله)، عن جدي زيد بن محمد، قال: حدثنا أبوالطيب الحسن بن أحمد السبيعي، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا إبراهيم بن ميمون، قال: حدثنا موسى بن عثمان الحضرمي، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: سمعت البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: قال صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي طرفه بيدي وطرفه بأيديكم فاسألوهم ولا تسألوا غيرهم فتضلوا [98].
     فتح بن يزيد: أبوعبد الله الجرجاني، الرجل مجهول، والاسناد إليه مدخول[99]. وكذلك حال البقية، والسبيعي قال فيه النمازي: لم يذكروه[100]. وكل من جاء بإسم إبراهيم بن ميمون مجهول[101]. وكذلك حال موسى بن عثمان الحضرمي[102].

  1. العاملي: عن موسى بن عقبة أن معاوية أمر الحسين عليه السلام أن يصعد المنبر فيخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: نحن حزب الله الغالبون، وعترة نبيه الأقربون، أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثاني كتاب الله [103].

ذكروا في موسى بن عقبة أنه مجهول[104].

  1. الخزاز: حدثني علي بن الحسين بن محمد، قال حدثنا عتبة بن عبد الله الحمصي بمكة قراءة عليه سنة ثمانين وثلاثمائة قال حدثنا موسى القطقطاني، قال حدثنا أحمد بن يوسف قال حدثنا حسين بن زيد بن علي، قال حدثنا عبد الله بن حسين بن حسن، عن أبيه، عن الحسن عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه: معاشر الناس كأني ادعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا، فتعلموا منهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخلوالأرض منهم، ولوخلت إذا لساخت بأهلها [105].

     من آفات السند أن علي بن الحسين بن محمد منده، غير مذكور في كتب الرجال ذاتا ووصفا مدحا وقدحا[106]. وقال فيه الجواهري: مجهول[107]. وكذلك حال عتبة بن عبد الله الحمصي[108]. والبعض الآخر إختلفت النسخ في أسمائهم.

  1. المفيد: حدثنا أبوالقاسم إسماعيل بن محمد الأنباري الكاتب قال: حدثنا أبوعبد الله إبراهيم بن محمد الأزدي قال: حدثنا شعيب بن أيوب قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن هشام بن حسان قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السلام يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال، نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته، والتالي كتاب الله[109].

     إبراهيم بن محمد الأزدي لم يذكروه[110]. وكذلك حال شعيب بن أيوب[111] وحال معاوية بن هشام[112]، وهشام بن حسان[113]

  1. الطبري (الشيعي): نظرت في جميع الروايات، فلم أجد فيها أتم شرح، وأبلغ في الالزام، وأوكد بالحجة من هذه الرواية – رواية الزهراء -، ونظرت إلى رواية عبد الرحمن بن كثير فوجدته قد زاد في هذا الموضع: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبدأ بالولاية: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وقوله " إني تارك فيكم الثقلين... " ؟ ! ما أسرع ما أحدثتم ! وأعجل ما نكصتم [114].

     عبد الرحمن بن كثير قالوا فيه: كان ضعيفا غمز أصحابنا عليه وقالوا: كان يضع الحديث...وله كتاب فدك، وكتاب الأظلة كتاب فاسد مختلط [115].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي، قال: حدثني أبوعبد الله محمد بن أحمد بن ثابت بن كنانة، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن العباس أبوجعفرالخزاعي، قال: حدثنا حسن بن الحسين العرني، قال: حدثنا عمروبن ثابت، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنكم مجموعون ومساءلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. إنهم أهل بيتي[116].

     ابن كنانة، مجهول[117]. وكذلك حال الخزاعي[118]. وعمروبن ثابت ضعيف جداً[119]. وطريق الصدوق إليه ضعيف[120]. وكذلك طريق الصدوق إلى عطاء، فضلاً عنه أنه مجهول عند الشيعة[121].
26) الصدوق: حدثنا الحسن بن علي بن شعيب الجوهري (رضي الله عنه)، قال: حدثنا عيسى بن محمد العلوي، قال: حدثنا أبوعمر وأحمد بن أبي حازم الغفاري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شريك، عن ركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي، ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض[122].
    في السند آفات، منها أن الجوهري مجهول[123]. وكذلك حال العلوي[124]. والغفاري[125]. وحال ركين وهو غير مقبول القول مطروح [126]. وحال بن حسان[127].

  1. الصدوق: حدثنا شريف الدين الصدوق أبوعلي محمد بن أحمد بن محمد بن زئارة ابن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة قال: حدثنا الفضل بن شاذان النيسابوري عن عبيد الله بن موسى قال: حدثنا شريك، عن ركين بن الربيع، عن القاسم ابن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض [128].

     محمد بن بن محمد بن زئارة (وفي بعض النسخ زنارة، وفي أخرة زيادة) مجهول[129]. وعلي بن قتيبة مختلف فيه[130]. ومر الكلام في جهالة البقية في الرواية السابقة.

  1. الصدوق: أخبرنا أبوعمر، قال: أخبرنا أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ابن المستورد، قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح، قال: حدثنا سفيان - وهو ابن إبراهيم -، عن عبد المؤمن - وهو ابن القاسم -، عن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني تارك فيكم الثقلين، ألا إن أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وقال: ألا إن أهل بيتي عيبتي التي آوي إليها، وان الأنصار كرشي، فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم[131].

     من آفات الرواية أن المستورد مجهول[132]. وكذلك حال صبيح[133]. وفي الرواية ما لا يحب الشيعة ثبوته.

  1. شرف الدين الحسيني: محمد بن العباس عن عبد الله بن محمد بن ناجية عن مجاهد بن موسى عن ابن مالك عن حجام بن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض[134].

من آفات السند بن ناجية فهومجهول عند الشيعة[135].

  1. المفيد: أخبرني أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثنا الحسن بن علي الزعفراني قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثني أبوعمروحفص بن عمر الفرا قال: حدثنا زيد بن الحسن الأنماطي، عن معروف ابن خربوذ قال: سمعت أبا عبيد الله مولى العباس يحدث أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: إن آخر خطبة خطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله لخطبة خطبنا في مرضه الذي توفي فيه، خرج متوكئا على علي بن أبي طالب عليه السلام وميمونة مولاته، فجلس على المنبر، ثم قال: يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين وسكت، فقام رجل فقال: يا رسول الله ما هذان الثقلان ؟ فغضب حتى احمر وجهه ثم سكن، وقال: ما ذكرتهما إلا وأنا أريد أن أخبركم بهما ولكن ربوت فلم أستطع، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، تعملون فيه كذا وكذا، ألا وهو القرآن والثقل الأصغر أهل بيتي، ثم قال: وأيم الله إني لأقول لكم هذا ورجال في أصلاب أهل الشرك أرجى عندي من كثير منكم، ثم قال: والله لا يحبهم عبد إلا أعطاه الله نورا يوم القيامة حتى يرد علي الحوض، ولا يبغضهم عبد إلا احتجب الله عنه يوم القيامة. فقال أبوجعفر عليه السلام: إن أبا عبيد الله يأتينا بما يعرف[136].

     من بعض آفات السند أن الحسن بن علي الزعفراني مجهول[137]. وكذلك حال الفرا[138]. والأنماطي[139]. وإبن خربوذ جاء فيه مدح وذم[140].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن جعفر بن الحسين البغدادي قال: حدثنا عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز إملاء قال: حدثنا بشر بن الوليد قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن الأعمش عن عطية بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني أوشك أن أدعي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي، كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني فيهما [141].

     البغدادي قال فيه النمازي لم يذكروه[142]. وكذا قال في عبدالله بن محمد[143]. ومحمد بن طلحة[144]. وعطية بن سعيد[145].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن عمر الحافظ قال: حدثنا القاسم بن عباد قال: حدثنا سويد قال: حدثنا عمروبن صالح، عن زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله عز وجل حبل ممدود، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض [146].

     مر الكلام في البعض، وقال النمازي في بن عباد لم يذكروه[147]. وكذلك قال في عمروبن صالح[148].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا أبوجعفر محمد بن الحسين بن حفص، عن عباد بن يعقوب، عن أبي مالك عمروبن هاشم الجنبي عن عبد الملك، عن عطية أنه سمع أبا سعيد يرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا (من) بعدي: الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض [149].

بن حفص مجهول[150]. وعباد مختلف فيه[151]. وعمروبن هاشم مجهول[152]. ومر الكلام ببعض رجال السند.

  1. الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا الحسن ابن علي بن زكريا العاصمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله العدلي، قال: حدثنا الربيع ابن يسار، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قال علي: قال:رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وإنكم لن تضلوا ما اتبعتموهما واستمسكتم بهما[153].

     من آفات السند ضعف المفضل[154]. وجهالة العاصمي[155]. وبن يسار[156].
35) سليم بن قيس الهلالي: بينا أنا وحبيش بن المعتمر بمكة إذ قام أبوذر فأخذ بحلقة الباب ثم نادى بأعلى صوته في الموسم: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة أنا أبوذر، أيها الناس إني سمعت نبيكم يقول: " إن مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تركها غرق ومثل باب حطة في بني إسرائيل ". أيها الناس إني سمعت نبيكم يقول: إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وأهل بيتي[157].
     مر الكلام في سليم وكتابه. وبن المعتمر كل ما جاء فيه أنه من أصحاب علي عليه السلام، ذكره الميرزا الاسترآبادي والنسخة المطبوعة خالية عنه [158].

  1. الصدوق: حدثنا أبومحمد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري قال: حدثني عمي أبوعبد الله محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان قال: حدثنا عبيد الله بن موسى  قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حنش بن المعتمر قال: رأيت أبا ذر الغفاري - رحمه الله - آخذا بحلقة باب الكعبة وهو يقول: ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبوذر جندب بن السكن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ألا وإن مثلهما فيكم كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق [159].

     النيسابوري مجهول[160]. وكذلك حال محمد بن شاذان[161]. ومر الكلام في البعض الآخر.

  1. الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر الرزاز القرشي، قال: حدثنا جدي لأمي محمد بن عيسى القيسي، قال: حدثنا إسحاق ابن يزيد الطائي، قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي سعيد التيمي، قال: سمعت أبا ثابت مولى أبي ذر رحمه الله يقول: سمعت أم سلمة  رضي الله عنها  تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: أيها الناس، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان بصيران لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، فأسألهما ماذا خلفت فيهما [162].

     مرالكلام في البعض. والرزاز وُثق فقط لوروده في كامل الزيارات وتفسير القمي وهذا محب خلاف. والقيسي مجهول[163]. والبريد إما مجهول أومختلف فيه[164].

  1.  الصدوق: حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا العباس بن الفضل المقري قال: حدثنا محمد بن علي بن منصور قال: حدثنا عمروبن عون قال: حدثنا خالد، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي (أهل بيتي) فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض [165].

مر كلام الخوئي في القطان شيخ الصدوق.  والمقري مجهول[166]. وكذلك حال الحسن[167].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد بن يونس قال: حدثنا العباس بن الفضل عن أبي رزعة، عن كثير بن يحيى أبي مالك، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عامر بن واثلة، عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع نزل بغدير خم ثم أمر بدوحات فقم ما تحتهن، ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فقلت لزيد بن أرقم: أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا وقد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه [168].

     محمد بن إبراهيم شيخ الصدوق مجهول الحال[169]. وكذلك حال كثير بن يحيى [170]. وحال حبيب بن أبي ثابت[171].

  1. الصدوق: حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان القشيري قال: حدثنا أبوالحاتم المغيرة بن محمد بن المهلب قال: حدثنا عبد الغفار ابن محمد بن كثير الكلابي الكوفي، عن جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض [172].

من آفات السند شيخ الصدوق فهومجهول الحال عندهم[173]. وكذلك حال الكلابي[174].  وجرير[175].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد أبومحمد البجلي قال: حدثنا محمد بن طريف قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله كأني قد دعيت فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يزالا جميعا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما[176].

      من مآخذ هذا السند عبدالله بن يزيد مجهول[177]. وكذا حال بن طريف[178].

  1. المفيد:  أخبرني أبوحفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي قال: حدثنا جعفر بن محمد الحسني قال: حدثنا عيسى بن مهران قال: أخبرنا يونس بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن ابن الغسيل قال: أخبرني عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس قال: إن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يا رسول الله هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك. فقال: وما يبكيهم ؟ قالوا: يخافون أن تموت، قال: أعطوني أيديكم فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه – إلى ان قال -: ألا إني لاحق بربي، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى بين أظهركم، تقرؤونه صباحا ومساء، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي وأنا أوصيكم بهم، ثم أوصيكم بهذا الحي من الأنصار، فقد عرفتم بلاهم عند الله عز وجل وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار ويشاطروا الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة ؟ فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أوينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم ". وكان آخر مجلس جلسه حتى لقي الله عز وجل[179].

في السند مجاهيل كالصيرفي [180].وإبن مهران[181]. ويونس بن محمد[182]. وابن الغسيل[183]. وإبن خلاد[184].

  1. الصدوق: حدثنا محمد بن الحسن بن سعيد الهاشمي الكوفي بالكوفة قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا يحيى ابن الحسن، وعباد بن يعقوب، ومحمد بن الجنيد قالوا: حدثنا أبوعبد الرحمن المسعودي قال: حدثني الحارث بن حصيرة، عن الصخر بن الحكم الفزاري، عن حيان ابن الحارث الأزدي، عن الربيع بن جميل الضبي، عن مالك بن ضمرة الرؤاسي.. عن أبي ذر رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – في حديث طويل - بماذا خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: كذبنا الأكبر ومزقناه، وخذلنا الأصغر وعصيناه[185].

من طامات السند، جهالة الهاشمي[186]. وفرات قال عنه المجلسي: لم يتعرض الأصحاب له بمدح أوقدح. وقال محقق تفسيره: إن صفحات التاريخ لم تنقل إلينا من حياته شيئًا، ولم تفرد الكتب الرجالية التي بأيدينا له ترجمة لا بقليل ولا كثير.. إلى أن قال: ولوأن هذه الكتب الآنفة الذكر لم تذكر فراتًا في ثنايا الأسانيد لأمكن التشكيك في وجود شخص بهذا الاسم، والقول بأن هذا الاسم مستعار [187]. وعبيد بن كثير قالوا فيه: نه كان يضع الحديث مجاهرة، ولا يحتشم الكذب الصراح، وأمره مشهور[188]. وحسبنا هذا سند الرواية.
 

  1. الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زكريا أبوسعيد البصري، قال: حدثنا محمد بن صدقة العنبري، قال: حدثنا موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي عليهم السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله  يوما صلاة الفجر، ثم انفتل وأقبل علينا يحدثنا، فقال: أيها الناس، من فقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسك بالفرقدين. قال: فقمت أنا وأبوأيوب الأنصاري ومعنا أنس بن مالك، فقلنا: يا رسول الله، من الشمس ؟ قال: أنا، فإذا هوصلى الله عليه وآله ضرب لنا مثلا، فقال: إن الله تعالى خلقنا وجعلنا بمنزلة نجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم، فأنا الشمس فإذا ذهب بي فتمسكوا بالقمر. قلنا: فمن القمر ؟ قال. أخي ووصيي ووزيري وقاضي ديني وأبوولدي وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب. قلنا: فمن الفرقدان ؟ قال: الحسن والحسين. ثم مكث مليا وقال: فاطمة هي الزهرة، وعترتي أهل بيتي هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض[189].

     مر الكلام في المفضل. والحسن بن علي بن زكريا قالوا فيه:  ضعيف جدا، روى نسخة عن محمد بن صدقة، عن موسى بن جعفر عليه السلام[190]. والذي منها هذه الرواية.  وإبن صدقة قالوا فيه: بصري، غال، من أصحاب الرضا عليه السلام [191].

  1. الخزاز: خبرنا أحمد بن محمد بن عبيد الله الحسن العطاردي، قال حدثني جدي عبيد الله بن الحسن، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، قال حدثنا جعفر ابن سلمان الضبعي، عن يزيد الرشك ويقال: قيس فقير، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: معاشر الناس إني راحل عن قريب ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيرا. فقام إليه سلمان فقال: يا رسول الله أليس الأئمة بعدك من عترتك ؟ قال: نعم الأئمة بعدي من عترتي عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين، ومنا مهدي هذه الأمة، فمن تمسك بهم فقد تمسك بحبل الله، لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، واتبعوهم فإنهم مع الحق والحق معهم، حتى يردوا علي الحوض.

     العطاردي إن كان إبن عياش فهوضعيف وألا لم أقف على ترجمة له[192]. وبن عبدالجبار لم يوثقه أحد من القوم وهو ليس بالقوي عند غيرهم. وبن الرشك مجهول[193]. وكذلك قالوا في مطرف[194].

  1. الكليني: محمد يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبوجعفر عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم أمتي، ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وبأهل بيتي [195].

     حسب سند الرواية هذه قولهم في أبي الجارود وهو زيدي المذهب: أصحابنا يكرهون ما رواه محمَد بن سنان عنه[196]. وعلى أي حال قال المجلسي في هذه الرواية أنها ضعيفة[197].

  1. الطبرسي: محمد بن خالد الطيالسي، قال حدثنا سيف بن عميرة وصالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد ابن علي عليه السلام أنه قال معاشر الناس إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل الأكبر، فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا على الحوض [198]. الطيالسي مجهول[199]. وكذلك بن سمعان[200]. والحضرمي[201].

  2. الخزاز: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال حدثنا محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن موسى بن مسلم، عن مسعدة، قال: كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنا متكئا على عصاه، فسلم فرد أبوعبد الله عليه السلام الجواب، ثم قال: يا ابن رسول الله ناولني يدك أقبلها، فأعطاه يده فقبلها ثم بكى، فقال أبوعبد الله عليه السلام: ما يبكيك يا شيخ ؟ قال: جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبرت سني ودق عظمي واقترب أجلي ولا أرى ما أحب أراكم معتلين مشردين وأرى عدوكم يطيرون بالأجنحة، فكيف لا أبكي، فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتى تر قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى، وإن حلت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن ثقله فقال عليه السلام: إني مخلف فيكم الثقلين فتمسكوا بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي[202].

     أحمد بن إسماعيل مجهول[203]. وكذلك موسى بن مسلم[204].
49) الكليني: محمد بن الحسين وغيره، عن سهل، عن محمد بن عيسى، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسين جميعا، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا: كتاب الله عز وجول أهل بيتي عترتي، أيها الناس اسمعوا وقد بلغت، إنكم ستردون علي الحوض فأسألكم عما فعلتم في الثقلين والثقلان: كتاب الله جل ذكره وأهل بيتي، فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم [205].
     ضعف المجلسي هذه الرواية[206].
50) العياشي: عن مسعدة بن صدقة قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: ان الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن، وقطب جميع الكتب، عليها يستدير محكم القرآن، وبها نوهت الكتب ويستبين الايمان، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتدى بالقرآن وآل محمد، وذلك حيث قال في آخر خطبة خطبها: انى تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر، والثقل الأصغر، فاما الأكبر فكتاب ربى، واما الأصغر فعترتي أهل بيتي فاحفظوني فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما[207].
     الرواية محذوفة السند فلا تصلح للإحتجاج، والعياشي وإن كان ثقة في نفسه إلا أنه يروي على الضعفاء كثيراً كما قال النجاشي[208].
51) الصدوق: حدثنا أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): من آل محمد ؟ قال: ذريته. فقلت: من أهل بيته ؟ قال: الأئمة الأوصياء. فقلت: من عترته ؟ قال: أصحاب العباء. فقلت: من أمته ؟ قال: المؤمنون الذين صدقوا بما جاء به من عند الله عز وجل، المتمسكون بالثقلين اللذين أمروا بالتمسك بهما: كتاب الله، وعترته أهل بيته، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهما الخليفتان على الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله [209].
     من آفات السند ما جاء في أبي بصير وهو يحيى بن أبي القاسم حيث كان مخلطاً [210]. وقائده علي بن أبي حمزة البطائني. طريق الصدوق اليه ضعيف. وهو كذاب متهم كما قاله ابن فضال وأحد أعمدة الواقفة بل أصلهم لم يعترف بامامة الرضا عليه السلام. روايته في تفسير القمي معارضة بقول ابن فضال، فيعامل معه معاملة الضعيف[211].
52) المجلسي: كتاب الطرف للسيد علي بن طاووس نقلا من كتاب الوصية للشيخ عيسى بن المستفاد الضرير، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة دعا الأنصار وقال: " يا معشر الأنصار قد حان الفراق، وقد دعيت وأنا مجيب الداعي، وقد جاورتم فأحسنتم الجوار، ونصرتم فأحسنتم النصرة، وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسلمين، وبذلتم لله مهج النفوس والله يجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى، وقد بقيت واحدة وهي تمام الامر وخاتمة العمل، العمل معها مقرون إني أرى أن لا أفترق بينهما جميعا لوقيس بينهما بشعرة ما انقاست، من أتى بواحدة وترك الأخرى كان جاحدا للأولى ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " قالوا: يا رسول الله فأين لنا بمعرفتها، فلا نمسك عنها فنضل ونرتد عن الاسلام، والنعمة من الله ومن رسوله علينا، فقد أنقذنا الله بك من الهلكة يا رسول الله، وقد بلغت ونصحت وأديت وكنت بنا رؤوفا رحيما شفيقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لهم: " كتاب الله وأهل بيتي فإن الكتاب هوالقرآن وفيه الحجة والنور والبرهان، كلام الله جديد غض طرئ شاهد ومحكم عادل ولنا قائد بحلاله وحرامه وأحكامه يقوم غدا فيحاج أقواما فيزل الله به أقدامهم عن الصراط، واحفظوني معاشر الأنصار في أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض [212].
     وقال ابن الغضائري: عيسى بن المستفاد البجلي أبوموسى الضرير، ذكر له رواية عن موسى بن جعفر عليه السلام، وله كتاب الوصية لا يثبت سنده، وهو في نفسه ضعيف[213]. وهكذا قال غيره[214].
53) الطبرسي (صاحب الإحتجاج): عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني مستخلف فيكم خليفتين: كتاب الله وعترتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا [215].
     كتاب الإحتجاج قال فيه علماء الشيعة أنفسهم: إن أكثر أخباره مراسيل، وقال الطبرسي صاحب الكتاب: ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده[216]. والرواية كما رأيت غير مسندة وحسبنا هذا.
54) الصدوق: حدثنا الحسن بن علي بن شعيب أبومحمد الجوهري قال: حدثنا عيسى بن محمد العلوي قال: حدثنا الحسين بن الحسن الحيري بالكوفة قال: حدثنا الحسن بن الحسين العرني عن عمروبن جميع، عن عمروبن أبي المقدام، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال. أتيت جابر بن عبد الله فقلت: أخبرنا عن حجة الوداع فذكر حديثا طويلا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ثم قال: اللهم اشهد - ثلاثا -[217].
     مر الكلام في بعض رجال السند.  والحسين بن الحسن مجهول[218]. والعرني مجهول[219]. وبن جميع ضعيف[220].
55) الصدوق: حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان القشيري قال: حدثنا أبوالحاتم المغيرة بن محمد بن المهلب قال: حدثنا عبد الغفار ابن محمد بن كثير الكلابي الكوفي، عن جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض[221].
     من آفات السند الحسن بن عبد الله بن سعيد مجهول[222]. وكذلك حال القشيري[223]. وحال الكلابي[224]. وحال جرير[225].
56) الصدوق: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيسابوري رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض[226].
     بن عبدوس مجهول[227]. وإبن قتيبة قالوا فيه: غير موثق ولا ممدوح بمدح يعتد به[228]. وطريق الصدوق إلى إبن شاذان ضعيف[229]. كطريقة إلى إلى عيسى بن يونس المجهول[230]. وزكريا بن أبي زائدة مجهول أيضاً[231].
57) حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة قال: حدثنا الفضل بن شاذان قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض [232].
     مر الكلام في أكثر السند في الرواية السابقة.
 
وبعد،
     فهذه جُل الروايات التي وقفت عليها والتي يبدو في ظاهرها أنها مسندة من طرق الشيعة، وقد قبلنا بالحد الأدنى من إعتبار الصحة بمعايير القوم، وقد رأيت أنه لم يصح منها شيء، سواء تلك المصرحة بحديث الباب "القرآن والعترة" أوتلك القريبة بألفاظها منها، ولم يسلم منها شيء أيضاً.
     فهذا حال دليل من أعظم الدلائل التي يحتج بها الشيعة في إثبات معتقدهم. فإن عجزوا عن إثباته من طرقهم، فإثباته من طرق الغير أعجز.
     ثانياً: من طرق أهل السنة:
     لم يصح من طرق أهل السنة حديث في الباب، أي بلفظ "التمسك بالكتاب وأهل البيت"، وقد تكلم العلماء في جميع طرق الحديث وبينوا ضعفها جميعاً. ورغم أن الأمر لا يستحق تكرارة هنا، لكن لا بأس من إيراد ما ورد من تصحيح العلامة الألباني رحمه الله للحديث بمجموع طرقه والكلام فيه.
     يقول السالوس: وفي عصرنا وجدنا العلامة المحقق الشيخ ناصر الدين الألباني – رحمه الله - يذهب إلى تصحيح رواية التمسك بالكتاب والسنة التي أشرنا إليها من قبل، ويوافق السيوطي والمناوي هنا أيضا فيصحح حديث الثقلين الذي يأمرنا التمسك بالكتاب والعترة، فيذكر في صحيح الجامع الصغير لا في ضعيفه (صحيح الجامع الصغير 2/ 217 - حديث رقم 2454) وعندما سعدت بلقائه في زيارته الأخيرة لدولة قطر، دار نقاش حول هذا الحديث، وذكرت مواطن الضعف في الروايات التي جمعتها، فقال: إن ضعف هذه الروايات لا يعني ضعف الحديث، فقد يكون مرويا من طرق أخرى صحيحة لم تصل إليك، ثم أشار إلى كتابين أخرجا الحديث ولم يكونا من المصادر التي اعتمدت عليها قبل هذا البحث:
     أحدهما: معجم الطبراني، فنظرنا فيه ووجدنا في الإسناد القاسم بن حسان، فالرواية إذاً غير صحيحة.
والثاني: مستدرك الحاكم، وفيه ما يفيد سماع الأعمش من حبيب، ولكن يبقى أيضا مواطن الضعف الأخرى. ولم يتذكر لماذا صحح الحديث، ولم يتمكن من الرجوع إلى ما كتب نظرا لإبعاده عن داره ومكتبته. وبعد سفره قرأت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فلما أُبلغ به طلب تصوير الصفحات. إذ ربما يعود الشيخ الجليل إلى البحث مرة أخرى، وربما ينتهي إلى ما انتهى إليه إمام السنة الإمام أحمد، وغيره من أهل العلم والشيخ الجليل في تصحيحه للحديث أشار إلى تخريج المشكاة فرأيت الرجوع إليها عسى أن أقف على حجته في التصحيح. في الجزء الثالث من مشكاة المصابيح جاءت روايتان للحديث هما رقم 6143، 6144. قرأت الروايتين والتخريج فكانت المفاجأة مذهلة، وأثبت هنا ما جاء الكتاب بالنص: الرواية رقم 6143: عن جابر، قال: رأيت رسول الله في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا. كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. (رواه الترمذي). والرواية الأخرى نصها كما يلي: وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي " ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. (رواه الترمذي).  هاتان هما الروايتان، أما التخريج فهوكما يلي: الرواية الأولى: وقال - أي الترمذي: حديث حسن غريب. فقلت - أي الألباني: وإسناده ضعيف".
     الرواية الثانية: وقال: حديث حسن غريب. قلت: وإسناده ضعيفا أيضاً، لكنه شاهد للذي قبله ".
     هذا ما قرأته، ونقلته بنصه، والضعيف الذي يشهد للضعيف لا يرفعه لمرتبة الصحيح، بل قد لا يزيده إلا ضعفاً، فمن أين جاء تصحيح الشيخ إذاً؟ لا أدرى، ولا أحل أن أعقب بشيء يبنى على الظن[233].
     وإن شئت تفصيل أكثر في الرد على تصحيح العلامة الألباني رحمه الله للحديث فراجع موقعنا.
     فإذا عرفت هذا، من أنه لم يسلم طريق لهذا الحديث من ضعف أو كلام فيه من مصادر الفريقين، فيكون الكلام في متن الحديث إن صح جدلاً. فنقول:
 
بيان من هم عترة النبي وأهل بيته صلى الله عليه وسلم ..
أما العترة فالأمر فيهم واسع، فعترة الرجل في اللغة هم نسله كولده وولد ولده، أي: الذكور من الأولاد، وهذا إشكال قد يخرج عليًا من كونه من العترة.
وتوسع البعض، فقال: إن عترة الرجل هم أدنى قومه إليه في النسب، ورهطه، ورهط الرجل قومه وقبيلته.. إلى غير ذلك[234].
وعلى الأخير ندلل ببعض الروايات من طرق الإمامية:
فعن علي عليه السلام قال: يا رسول الله، إنك لتحب عقيلًا؟ قال: إي والله، إني لأحبه حبين: حبًا له وحبًا لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي[235].
وعن الحسين عليه السلام قال بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: اللهم إنا عترة نبيك[236].
وعن الباقر عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما والله إن في أهل بيتي من عترتي لهداة مهتدين[237].
وعن الصادق: نحن ولاة أمر الله، وورثة وصي الله، وعترة نبي الله[238].
وعن الباقر في قولـه عزوجل: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37]: نحن بقية تلك العترة[239].
وعن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه قال: أنا من العترة[240].
وكذا قال أبناء مسلم بن عقيل رضي الله عنه[241].
     نعم، قد يسأل سائل فيقول: إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بالتمسك بالعترة وهو لفظ عام؛ ولكنه خص التمسك بالأهل من دون سائر العترة بقوله: وعترتي أهل بيتي، فوجه الحكم إلى من استحق هذين الاسمين.
     إذن يكون الكلام في بيان معنى الأهل.
لا شك أن هناك خلافًا بين العلماء في تعيين أهل البيت:
فمن قائل: إنهم أمته.
وقائل: إنهم المتقون من أمته.
وقائل: إنهم زوجاته رضي الله عنهن.
وقائل: إنهم أقاربه صلى الله عليه وآله وسلم ممن تحرم عليهم الصدقة.
وقائل: إنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم،.. وقيل غير ذلك.
وهذا الأخير -أي: أنهم الأربعة (أصحاب الكساء)- من أغرب الأقوال، فلمجرد أن وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كساءه عليهم، وقال: إنهم أهل بيتي، أخرج القوم كل من سواهم عن كونهم من أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، وحملوا جميع النصوص الواردة في أهل بيته على هؤلاء.
ولبيان فساد هذا القول وبيان أنه أعم من هذا الحصر الذي قال به الإمامية نقول: إن الروايات من طرقهم – أي الشيعة - أكثر من أن تحصى في بيان أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعم مما يدعيه القوم أنفسهم.
ومن أمثلة ذلك ما جاء في حديث الكساء نفسه والذي بسببه حصَر الشيعة أهل البيت في هؤلاء الأربعة، فقد ورد في بعض روايات الباب: أن أم سلمة رضي الله عنها راوية الحديث كانت ممن جللهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكساء مع البقية، حيث قالت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ألست من أهلك؟ قال: بلى، قالت: فأدخلني في الكساء[242].
وفي رواية: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللهم إليك أنا وأهل بيتي لا إلى النار، فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟ فقال: وأنت[243].
والطريف أن القوم وضعوا رواية في موضوعنا هذا قد تفيدنا ولا تخدمهم، حيث زعموا أن الباقر قال في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي. لو سكت رسول الله ولم يبين أهلها لإدعاها آل عباس، وآل عقيل، وآل فلان، وآل فلان، ولكن أنزل في كتابه: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم تحت الكساء.. وذكر القصة[244].
فهم يقرون هنا بأن حديث الثقلين إنما كان قبل نزول آية التطهير التي بيَّن فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم -بزعمهم- من هم أهل البيت، وعلى هذا فمن هم الذين أوصى أصحابه بالتمسك بهم مع القرآن كما في حديث الثقلين، وذلك في الفترة الفاصلة بين حديث الثقلين هذا، وبين نزول آيه التطهير كذلك؟ فتأمل!
وهذا علي لما احتج على أبي بكر رضي الله عنه -بزعم القوم- فقال له: أنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل بيتك[245]؟.
فإننا نعلم بالضرورة أنه يعني بقولـه: [ولأهلي] فاطمة رضي الله عنها، أي: أن الزوجة من أهل بيت الرجل. والشواهد في دخول الزوجات في أهل بيت الرجل كثيرة، ومن الآيات في ذلك، قول الملائكة لسارة زوجة إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم: (قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)[هود:73].
والعجيب أن مفسري القوم عند ذكرهم لهذه الآية يمرون عليها مرور الكرام؛ خشية الخوض في بيان معنى الأهل في الآية؛ لوضوحه البين رغم إسهابهم في بيان المقصود بالأهل في آية التطهير. ومن خاض فيه اضطرب، كقول صاحب مجمع البيان: ويعني بأهل البيت بيت إبراهيم علية السلام، وإنما جعلت سارة من أهل بيته لأنها كانت ابنة عمه، ولا دلالة في الآية على أن زوجة الرجل من أهل بيته على ما قاله الجبائي[246].
ولاشك أن القارئ لا يخفى عليه ما يرمي إليه الطبرسي من وراء هذا، وما الذي اضطره إلى تبني هذا القول الذي لم ينقله مفسرو القوم الذين جاءوا بعده لفساده البين، ولكن حتى على فرض اعتبار صحة هذا القوله، فهل يُدْخِل القوم العمّ أو أولادَه في أهل بيت الرجل؟!
 
وكذلك ذكرنا قول الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) [القصص:29].
وقال تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه:9-10].
وقال تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) [النمل:7].
والمخاطب هنا -أيضاً- زوجة موسى عليه السلام، ولعله يأتينا طبرسي آخر ليقول: إن شعيب عليه السلام كان عمه!
وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً) [مريم:54-55].
فمن أهله الذين كان يأمرهم بالصلاة؟
وهذا كقولـه تعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه:132].
ولا شك في دخول زوجاته -أو خديجة رضي الله عنها على أقل تقدير- في الأهل، باعتبار أن السورة مكية، والأمير إنما تزوج فاطمة وأنجب السبطين رضي الله عنهما بعد الهجرة.
وقال تعالى: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ) [العنكبوت:33].
وقال تعالى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود:81]. والمستثنى من جنس المستثنى منه.
وقال تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) [الحجر:65].
وقال تعالى: (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) [الشعراء:169-170].
وقال تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ) [الأعراف:83].
وقال تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ) [النمل:57].
وقال تعالى: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) [الصافات:124-125].
وهذه الآيات صريحة ولا تحتاج إلى دليل في كون الزوجة من أهل الرجل، لا أقل من أن قولـه تعالى: (إِلاَّ امْرَأَتَكَ) [هود:81]، أو: (إِلاَّ امْرَأَتَهُ) [النمل:57]، دليل على ذلك، فالمستثنى من جنس المستثنى منه.
وقال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [يوسف:25].
فالمخاطب هنا عزيز مصر، وقولها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؛ أي: زوجتك، وهذا بين.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) [الصافات:75-76].
ولم يقل أحد: إن زوجة نوح لم تكن من الناجين، لأنها ليست من أهله عليه السلام.
والشواهد على ذلك كثيرة، وكلها تقتضي دخول زوجات الرجل في آله.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران:33].
وقال تعالى: (إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:59].
وقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ) [الحجر:61].
وقال تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل:56].
وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) [القمر:34].
فهذه الآيات والشواهد صريحة في دخول الزوجات في الآل. وكذا الشواهد من السنة وهي كثيرة، منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة الإفك لما نزلت الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت[247].
وفي رواية: يصرف عنا الرجس أهل البيت[248]. ولا يحتاج الأمر إلى تعليق.
وعن علي بن أبي طالب عليه السلام  قال: لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأهله، وابتدأ بعائشة: اصنعوا طعاما، واحملوه إليهم، ما كانوا في شغلهم ذلك[249].
وفي مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع البكاء قال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال: من هنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئًا عليهما.. الرواية[250].
وعن سلمان الفارسي قال: كنت جالسًا عند النبي في المسجد، إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلم، فرد النبي ورحب به، فقال: يا رسول الله، بم فضل علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة؟ فقال النبي: إذن أخبرك يا عم.. الرواية[251].
وعن الباقر عليه السلام قال: لما أمر العباس وغيره بسد الأبواب وأذن لعلي بترك بابه، جاء العباس وغيره من آل محمد، فقالوا: يا رسول الله، ما بال علي يدخل ويخرج؟ فقال رسول الله: ذلك إلى الله، فسلموا له حكمه[252].
فمن يقصد بقولـه: وجاء العباس وغيره من آل محمد؟!.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: زوجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلمًا، وأعظمهم حلمًا، وأكبرهم علمًا[253].
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبدالمطلب، أنا محمد أنا رسول الله، ألا وإني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعلي وحمزة وجعفر[254].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني وعليًا وجعفرًا ابني أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب[255].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: في مرض موته لفاطمة رضي الله عنها بعد أن سألته أي أهل البيت أفضل؟ قال: علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي وبعدك، وبعد ابنَيَّ وسبطَيَّ[256].
وفي غزوة بدر لما استشهد شيبة بن عبد المطلب قال صلى الله عليه وآله وسلم فيه: بأنه أول شهيد من أهل بيتي[257].
وإن شئت أعم من هذه الروايات فإليكها:
قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا بني عبدالمطلب، إني سألت الله لكم أن يعلم جاهلكم، وأن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء، ولو أن رجلًا صلى وصف قدميه بين الركن والمقام ولقي الله ببغضكم أهل البيت دخل النار[258].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: فوالذي نفسي بيده، لوأن رجلًا صفن بين الركن والمقام صائمًا وراكعًا وساجدًا، ثم لقي الله عز وجل غير محب لأهل بيتي لم ينفعه ذلك، قالوا: ومن أهل بيتك يا رسول الله؟ أو أي أهل بيتك هؤلاء؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: من أجاب منهم دعوتي، واستقبل قبلتي، ومن خلقه الله مني ومن لحمي ودمي[259].
فكم من أهل بيته استجاب لدعوته؟
ولما سئل صلى الله عليه وآله وسلم عمن يغسله، ويكفنه، ويدخله القبر؟ قال: رجال أهل بيتي، الأدنى فالأدنى[260].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي، كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمسًا وسبعين، ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجًا فوجًا... الحديث[261].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي في مرض موته: يا أخي، تقبل وصيتي، وتنجز عني ديني، وتقوم بأمر أهلي من بعدي... الحديث[262].
ومثلها روايات الخليفة في الأهل، فهل يرى القوم أنه مضيع لفاطمة والسبطين رضي الله عنهم حتى يأمره صلى الله عليه وآله وسلم أو يأمر غيره بالقيام بأمرهم بعده؟!
وهذا الحسن في كتاب الصلح إلى معاوية، قال: وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سرًا ولا جهرًا، ولا يتخيف أحدًا منهم في أفق من الآفاق[263].
ونحن نعلم أنه عندما قال هذا لمعاوية كان أبوه وأمه رضي الله عنهما قد ماتا، وهو قد ذكر بقية أهل الكساء، وهم نفسه وأخوه الحسين رضي الله عنهما، فمن يقصد بقولـه: ولا لأحد من أهل بيت رسول الله؟!.
وعن الصادق قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته[264].
فمن يا ترى مِنْ أهل الكساء كان عدواً لأهل الكساء؟!
وقال محمد بن الحنفية رحمه الله في قولـه تعالى: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) [الشورى:23]، قال: نحن من أهل البيت وقرابته[265].
وعلى أي حال، فالمسألة فيها طول، والروايات القليلة التي أوردناها كلها تدل دلالة واضحة على فساد الحصر المذكور عند الإمامية، وقد بينا في مواطن أخرى أن خروج باقي الأئمة مستلزم بذات الاعتبار.
ونزيد هنا أن بعض الروايات ذهبت إلى أبعد من هذا ولو على سبيل التشريف كما في بعضها:
فعن الديلمي قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك من الآل ؟ قال: ذريته محمد صلى الله عليه وآله. قال: فقلت: ومن الأهل ؟ قال: الأئمة عليهم السلام. فقلت: قوله عز وجل: " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" قال: والله ما عنى إلا ابنته[266].
وعن الباقر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئًا لا يصنعه بأحد من المسلمين، كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أوالمسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: من مات من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟[267].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت[268].
ولأبي ذر الغفاري: يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت[269].
وللمقداد: المقداد منا أهل البيت[270].
وقال علي في الزبير: ما زال الزبير رجلًا منا أهل البيت[271].
وقال في الراهب الذي لقيه في طريقه إلى صفين وأسلم واستشهد معه في المعركة: هذا منا أهل البيت[272].
وكذا قول الصادق لأكثر من واحد من أصحابه: إنه منا أهل البيت[273].
وعن حذيفة بن اليمان قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله، والمصلوب في أمتي، والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا، وأشار بيده إلى زيد بن حارثة، فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حبًا، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي[274].
حتى جبرئيل عليه السلام، ففي بعض روايات الكساء أنه دخل فيه فَتضاعفَ حُسنه وبهاؤه، ولما سألته الملائكة عن ذلك؟ قال: كيف لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد وأهل بيته؟[275].
وهذا الباقر يقول لسعد بن عبد الملك وهو من بني أمية: أنت أموي منا أهل البيت[276].
ويروي القوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: يا عائشة، إنك لتقاتلين عليًا، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي[277].
فمن من أصحاب الكساء كان معها رضي الله عنها؟ وإن قالوا: المقصود هنا هو: الزبير بن العوام. قلنا: تحقق المقصود ايضاً،
     وسئل الخوئي: من هم الاهل؟ وهل تعتبر الزوجة منهم؟ فاجاب: نعم الزوجة من الاهل[278].
ولا نمل القارئ بإيراد كل ما ورد في الباب من روايات وأقوال، فهي كثيرة جدًا، وهي واضحة الدلالة في بيان المقصود، وأن مفهوم أهل البيت أعم بكثير مما يراه القوم.
 
موقف الشيعة من الثقلين ..
ثم إن الإمامية يقرون بأن القرآن لم يرفع الخلاف بين المسلمين؛ بل نرى القرآن سببًا في اضطراب كثير من عقائدهم لما فيه من تعارض معها، حتى أفضى بهم الأمر إلى القول بتعرضه للتحريف كما ذكرنا في غير هذا الموضع، وأن القرآن كما أنزل إنما هو عند صاحب الزمان الذي اختفى به وسيأتي به عند خروجه، لتجد نفسك مطالبًا بالتمسك بثقلين: أحدهما: محرف، والآخر: غائب، ولا يعدون ذلك من الضلال.
أضف إلى ذلك إختلاف أهل البيت مع بعضهم البعض، وكذا اختلاف أجوبتهم في المسألة الواحدة، بل واختلاف الإمام نفسه في المسألة[279].
واضطراب القوم في تأويل ذلك، والذي كان من ثمراته اختلاف المراجع في العصر الواحد، حتى إنك لا تكاد تجد عند القوم خبرًا إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه، حتى أدى ذلك إلى رجوع كثير من الشيعة عن مذهبهم، كما ذكر هذا شيخ طائفتهم الطوسي[280].
إلى آخر ما تحمله مصنفاتهم من عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، وكلها منسوبة إلى أهل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم.
 
الكلام في أول من درس أسانيد الروايات عند الشيعة
ولا يملك أحد منهم أن يرد هذه الأحاديث أويضعف أسانيدها ومن يجرؤ على فعل ذلك يتعرض لهجوم عنيف من طائفته، مهما كانت منزلته عظيمة عندهم، كشأن العلامة الحلي الذي يعد من أوائل من تعرض لأسانيد روايات الشيعة بالدراسة والتخريج، وكان من نتائج ذلك أن سقط ثلثا روايات أمهات كتبهم كالكافي للكليني مثلًا، والذي يبلغ عدد رواياته حوالي [16199]، فلم يصح منها حسب مقاييسهم سوى [5072][281].
وقس على ذلك بقية مصادرهم.
وقد تعرض العلامة الحلي لهجوم عنيف من طائفته بسبب ما قام به، حتى قالوا فيه: هدم الدين مرتين: إحداهما: يوم السقيفة، وثانيهما: يوم ولد العلامة[282].
ولا شك أن ما قالوه في الحلي صحيح باعتبار أن ما قام به يعد هدمًا لدين الإمامية، وكذا استخدامهم لكلمة (دين) فتأمل!
 
اعتراف بعض علماء الشيعة بضياع أكثر أحكام مذهب أهل البيت بسبب التقية ..
يقول الشهيد الأول: فتاوى أهل البيت عليهم السلام مشحونة بالتقية، وهو أعظم أسباب اختلاف الأحاديث[283].
ويقول يوسف البحراني: ان الكثير من أخبار الشيعة وردت على جهة التقية التي هي على خلاف الحكم الشرعي واقعا[284].
وقال في موضع آخر: فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام محمد بن يعقوب الكليني في جامعه الكافي، حتى إنه تخطى العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار[285].
ويقول: إن جل الاختلاف الواقع في أخبارنا -بل كله- عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية، ومن هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري أصحابنا رضوان الله عليهم، فظنوا أن هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في أخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها وغثها من سمينها[286].
ويقول السبحاني: عندما نطالع كتابي: الوسائل، والمستدرك مثلاً؛ نرى أنه ما من باب من أبواب الفقه إلا وفيه اختلاف في رواياته، وهذا مما أدى إلى رجوع بعض ممن استبصروا عن مذهب الإمامية[287].
ويقولون: إن جملة من الأخبار التي صدرت تقية عن أهل البيت عليهم السلام لم يصل إلينا إعلام منهم عليهم السلام بأنها كانت كذلك، وإن كان المقطوع به أنهم أعلموا المقربين إليهم بواقع الحال، لكنه لم يصل هذا الإعلام إلينا[288].
وقبله صنف الحلي كتاباً في الاختلاف قال في مقدمته: أما بعد: فإني لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان الله عليهم ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، ومطالب عظيمة متبددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه؛ إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمى بـ «منتهى المطلب في تحقيق المذهب»، فإنه جمع بين مسائل الخلاف والوفاق[289].
والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه: أنه حفظ آثار علماء الشيعة السابقين أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الأول وغيرهم، ولولاه لاندثرت آثارهم، وقد شرع في تأليفه قبل سنة (699هـ)، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمان وسبعمائة، أي: قبل وفاته بثمان عشرة سنة. ومن فوائد هذا الكتاب: العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة ولها مخالف أومخالفان، يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب[290].
والقول قديم في هذه المسألة عند الشيعة، فهذا الفيض الكاشاني يقول: تراهم يختلفون في المسألة الواحدة إلى عشرين قولاً، أوثلاثين قولاً، أوأزيد، بل لوشئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أوفي بعض متعلقاتها[291].
ويقول الشاخوري: لو نظرنا إلى فتاوى علمائنا المعاصرين فسوف نجد أنهم كلهم خارجون عن دائرة المذهب الشيعي، وخذ مثالاً على ذلك، فالمقارنة بين كتاب الشيخ الصدوق (الهداية) أو الشيخ المفيد في الفقه (المقنعة) وكتاب (منهاج الصالحين) للسيد الخوئي، حيث ستجد أن هناك عشرات المسائل التي خالف فيها السيد الخوئي مشهور القدامى، ولو أن الشيخ الصدوق قد قدر له مطالعة كتاب المسائل المنتخبة للسيد الخوئي لأصيب بالدهشة... إلى أن قال: ولوأردنا أن نستوعب ما خالف فيه السيد الخوئي المشهور أوالإجماع لبلغ بنا الرقم إلى مائتين أوثلاثمائة فتوى، وهكذا حال الخميني والحكيم وغيرهما من المراجع.
وسوف يصدر لنا قريباً كتاب خاص عددنا فيه لأبرز مراجع الشيعة من الشيخ الصدوق، والمفيد، مروراً بالعلامة الحلي، وانتهاء بالسيد الخوئي، والسيد السيستاني وغيرهم العشرات من الفتاوى الشاذة لكل واحد منهم.
وقال: إن مخالفة المشهور كثيرة جداً، خاصة بعدما شاعت عادة تغليف الفتاوى بالاحتياطات الوجوبية[292].
بل إن هذه المسألة كانت سبباً في خروج الكثير من التشيع كما نقلنا آنفا عن جعفر السبحاني.
وهذا آخر يقول: إن دأب شيخ الطائفة في التهذيبين الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن، لدفع شبهة كثرة التعارض في أحاديث أهل البيت التي أدت بأحد الأشراف إلى الخروج من المذهب كما صرح بذلك في مقدمة الكتابين[293].
وقول شيخ الطائفة الطوسي المذكور هو ماذكره في تهذيبه وأوردناه سابقاً، حيث قال: إن أحاديث أصحابنا فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا... إلى أن قال: إن بسبب ذلك رجع جماعة عن اعتقاد الحق، ومنهم أبوالحسين الهاروني العلوي، حيث كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره[294].
وقال: ومن قال عند ذلك: إني متى عدمت شيئاً من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل. يلزمه أن يترك أكثر الأخبار وأكثر الأحكام، ولا يحكم فيها بشيء ورد الشرع به، وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته؛ لأنه يكون معولاً على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه، ومما يدل -أيضاً- على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها: ما ظهر بين الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها؛ فإني وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى أبواب الديات من العبادات، والأحكام، والمعاملات، والفرائض، وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم، واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا، ومثل اختلافهم في باب الطهارة وفي مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء، ونحواختلافهم في حد الكر، ونحواختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين، واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس، واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة وغير ذلك في سائر أبواب الفقه، حتى إن باباً منه لا يسلم إلا (وقد) وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أومسألة متفاوتة الفتاوى، وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الأحاديث المختلفة التي تختص الفقه في كتابي المعروف ب‍ (الاستبصار) وفي كتاب (تهذيب الأحكام) ما يزيد على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، وذلك أشهر من أن يخفى، حتى إنك لوتأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على اختلاف أبي حنيفة والشافعي ومالك، ووجدتهم مع هذا الاختلاف العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه، ولم ينته إلى تضليله وتفسيقه والبراءة من مخالفه، فلولا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما جاز ذلك، وكان يكون من عمل بخبر عنده أنه صحيح يكون مخالفه مخطئاً مرتكباً للقبيح يستحق التفسيق بذلك، وفي تركهم ذلك والعدول عنه دليل على جواز العمل بما عملوا به من الأخبار، فان تجاسر متجاسر إلى أن يقول: كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع، ومن خالفه مخطئ فاسق يلزمه أن يفسق الطائفة بأجمعها، ويضلل الشيوخ المتقدمين كلهم، فإنه لا يمكن أن يدعى على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع[295].
والأمر كما قال شيخ الطائفة وغيره، ولا بد؛ لقوله تعالى: {وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱختِلَٰفا كَثِيراً [النساء: 82].
وعن الصادق رحمه الله قال: إن مما أعان الله به على الكذابين: النسيان[296].
فإنك لا تجد عند القوم مسألة لا تسلم من الاضطراب، ومن راجع مسائل القوم في جميع الأبواب فإنه لا بد من أن يجد قولان أو أكثر في المسألة الواحدة، وكلها منسوبة إلى الأئمة، بل وإلى الإمام نفسه.
والمعلوم عند القوم أن الأخبار التي خرجت على طريق التقية لموافقتها لمذهب العامة لا يجب العمل بها[297].
ولذا لا بد من الاجتهاد في معرفة الأحكام التي صدرت عن الأئمة دون تقية حتى يعمل بها، ودون ذلك خرط القتاد لمن تدبر، وقد اعترف القوم بذلك كما ورد عن المفيد أنه قال: إن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة[298].
فواحد يرجح هذا القول ويسقط الآخر، وآخر يرجح قول آخر ويسقط غيره، وآخر يرجح غيرهما ويسقط ما سواه، وكل هذا بحجة التقية.
 ومثال ذلك: نجاسة الخمر، فمن قال بنجاسته -كشيخ الطائفة- حمل روايات الطهارة على التقية، ومن أفتى بالطهارة -كالصدوق ووالده والخوانساري والمحقق الأردبيلي وغيرهم- حملوا روايات النجاسة على التقية، وهكذا..
بل إن الواحد منهم يختار قولاً في كتاب له ويخالفه في كتاب آخر، وقد أدت هذه الحقيقة بدورها إلى بروز ظاهرة المرجعية عند الشيعة وما صاحبها من سلبيات ومساوئ إلى يومنا هذا ليس هذا الكتاب محل بيانها.
هذا فضلاً عن القول بعدم وصول الكثير من فقه أهل البيت رحمهم الله بذات العذر -أي: التقية- كما قال الفيض الكاشاني: ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر؛ لأن رواته كانوا في محنة من التقية وشدة[299].
ومن الطرائف أن مسألة التقية هذه تطبق حتى على الشيعة أنفسهم. ومن هذه التطبيقات مثلاً مسألة طهارة الكتابي عند الشيعة، حيث ذهب أكثر فقهائهم إلى نجاسة أهل الكتاب وحرموا طعامهم وشرابهم حتى الخبز والماء الذي باشروه، وفسروا الطعام بالحبوب في قوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَٰبَ حِللَّكُم} [المائدة: 5]. إلا أن الكثير من المراجع المعاصرين يرون طهارة الكتابي، ولكن تقيتهم من العوام تمنعهم من الإفتاء.
يقول مغنية في ذلك: إن كثيراً من المراجع الكبار على القول بطهارته، منهم السيد الحكيم والسيد الخوئي الذي أسر برأيه لمن يثق به.
وقال في موضع آخر بأنه عاصر ثلاثة من المراجع: الشيخ محمد رضا آل ياسين في النجف، والسيد صدر الدين الصدر في قم، والسيد محسن الأمين في لبنان، وقد أفتوا جميعهم بطهارة الكتابي، وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا ذلك خوفاً من المهوشين، وإن الكثير من الفقهاء يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحق أن يخشوه.
ومثل ذلك: القول في مراسم العزاء في عاشوراء وما يصاحبه من ضرب بالسلاسل حتى تسيل الدماء، يقول مغنية: ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران من لبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في اليوم العاشر من محرم عادة مشينة، بدعة في الدين والمذهب، وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون أن يأذن بها إمام أوعالم كبير كما هوالشأن في كل دين ومذهب، ولم يجرؤ على مجابهتها أحد في أيامنا إلا قليل من العلماء، وفي طليعتهم المرحوم السيد محسن الأمين العاملي الذي ألّف رسالة خاصة في تحريم هذه العادة وبدعتها، وأسمى الرسالة (التنزيه لأعمال الشيعة)، والذي أعتقده أنها ستزول بمر الأيام[300].
ويقول عالم شيعي آخر في هذا المقام: وهناك معاناة أخرى يعانيها الشيعة إثر تبعيتهم لأولئك الفقهاء الذين سكتوا عن الحق، إنها المعاناة التي يعانيها الآلاف من الشيعة في يوم عاشوراء من ضرب السيوف على الرؤوس، وضرب الأكتاف بالسلاسل، إن هذا العمل -بغض النظر عن المعاناة الجسدية- إنما هوتشويه لصورة الشيعة في العالم، وفي الوقت نفسه إضرار بالنفس ومناقض لكرامة الإنسان[301].
ويضيف شيعي آخر: والحق يقال، إن ما يفعله الشيعة من تلك الأعمال ليست هي من الدين في شيء، ولو اجتهد المجتهدون وأفتى بذلك المفتون ليجعلوا فيها أجراً كبيراً وثواباً عظيماً، فإنني لم أقتنع بتلك المناظر المنفرة التي تشمئز منها النفوس وينفر منها العقل السليم، وذلك عندما يعري الرجل جسمه ويأخذ بيده حديداً ويضرب نفسه في حركات جنونية صائحاً بأعلى صوته: حسين، حسين، حسين، حسين. والغريب في الأمر والذي يبعث على الشك: أنك ترى هؤلاء الذين خرجوا عن أطوارهم وظننت بأن الحزن أخذ منهم كل مأخذ، تراهم بعد لحظات وجيزة من انتهاء العزاء يضحكون ويأكلون الحلوى ويشربون ويتفكهون وينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الموكب. والأغرب من ذلك: أن معظم هؤلاء غير ملتزمين بالدين، ولذلك سمحت لنفسي بانتقادهم مباشرة عدة مرات، وقلت لهم بأن ما يفعلونه هوفلكلور شعبي وتقليد أعمى.. إلخ.
ثم ذكر أن محمد باقر الصدر الذي أفاده بأن ما يراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هومن فعل عوام الناس وجهالهم، ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء، وقال: وقد حضرت بنفسي في مناسبات عديدة مختلفة وفي بلدان عديدة موكب عاشوراء، ولم أر أحداً من العلماء يفعل ذلك أبداً[302].
وقال في قضية أخرى -وهي التدخين في المساجد والمآتم عند الشيعة-: وإنني أستغرب من المراجع عند الشيعة الذين يحرمون اللعب بالشطرنج ولا يحرمون التدخين، وشتان بين ضرر كل منهما، وإنني كثيراً ما كنت ناقماً على هذا الوضع، وكثيراً ما أثرت هذه المسائل مع بعض العلماء فلم أجد من عنده الجرأة الكافية لمنعه وتحريمه، وأذكر أن الشهيد الصدر لم يكن يدخن أبداً، وقد سألته عن التدخين فقال: أنا لا أدخن وأنصح كل مسلم ألا يدخن، ولكني لم أسمع منه التحريم صراحةً، ويقال: إن بعض المراجع حرمه على المبتدئين وكرهه للمدخنين، وبعضهم يحرمه ولكن لا يجرؤ على التصريح بذلك خوفاً أن يتهم بأنه يعمل بالقياس، وعلى المراجع أن يقولوا فيه قولاً صريحاً ولا يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن يحرموه ولواجتهاداً منهم، أما أن يسكت العلماء والمراجع لأن الناس لا يقبلون ذلك فهذه مشكلة، أوأنهم يخافون من ردة فعل المدخنين فلا يقولون بكراهته وقد سمعت بعضهم يجهد لإقناعي بأن فيه فوائد كثيرة، وهذا أمر خطير له أبعاده، وقد شجع شبان المسلمين الذين يعرفونه على مداومة التدخين[303].
وكتب ضد الشيخ الخالصي نحو خمسة عشر كتاباً؛ لأنه أبدى ملاحظات على الطقوس المذهبية الشيعية، ومن بينها: المجالس الحسينية، ومواكب العزاء، فانفجرت العامة في وجه الخالصي، وأصدر بعض العلماء الشيعة فتاوى بتكفيره، وتعرض لحملة ضارية، وأثار بعض المتحاملين الشيعة الصبية والأطفال للخروج في مظاهرات سخرية ضده.
وهذا آية الله النائيني صاحب كتاب (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي أثبت فيه مشروعية الحركة الدستورية، حيث اضطر تحت تأثير العوام إلى جمع كل نسخ الرسالة من المكتبات وإتلافها، وكان يقوم بشراء نسخها من الأسواق مهما كانت قيمتها تجاوباً مع العوام.
وهذا السيد هبة الدين الشهرستاني في منتصف العقد الثاني من القرن الميلادي الحالي، أفتى بحرمة نقل الجنائز من الأماكن البعيدة إلى النجف الأشرف؛ لما يؤدي ذلك من أمراض على إثر تفسخ جثة الميت في الطريق، حيث إن وسائط النقل البدائية تتطلب زمناً طويلاً لإيصال الموتى إلى النجف، وخاصة بالنسبة للأماكن البعيدة، ومن الناحية الفقهية تعنون هذه الحالة بعنوان (هتك حرمة الميت)، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة المقدسة، فقامت على إثر ذلك ضجة كبيرة تعرض أثناءها لمحاولة اغتيال فاشلة قام بها بعض العوام.
وهذا عبد الكريم اليزدي مؤسس حوزة قم يروي عنه آية الله المطهري في كتابه (الاجتهاد في الإسلام)، أنه طلب تدريس اللغات الأجنبية وبعض العلوم الحديثة كمقدمات في الحوزة؛ لكي يتمكن طلبتها من عرض الإسلام على الطبقات الحديثة وفي البلدان الأجنبية، ولكن ما إن انتشر الخبر حتى جاءت جماعات من الناس من طهران إلى قم قائلين: إنهم يدفعون الخمس لتدريس الفقه والأصول، فكيف تدرس به لغة الكفار؟! وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا إذا نفذ هذا الاقتراح! فألغى الشيخ فكرته؛ لأن الموقف قد يؤدي إلى انهيار الحوزة الوليدة.
وهذا آية اللّه السيد البروجردي يروي عنه الشيخ المطهري -أيضاً- في كتابه السابق أنه ذكر في أثناء درسه الفقهي ذات يوم بمناسبة البحث في تقية الشيعي من الشيعي أنه -أي: السيد البروجردي- كان يظن أن عليه أن يستنبط الأحكام وعلى الناس العمل بها، لكنه وجد بعد ذلك أن الأمر معكوس، فالناس تريد منه دائماً أن يفتي بما يوافق رغباتهم.
ويروي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن السيد البروجردي بعث إلى هيئات العزاء الحسيني توجيهاً يطلب منهم فيه ترك العادات المخلة وغير الصحيحة أثناء إقامة مراسم العزاء، فكان جوابهم: أننا نقلدك في أربعة وستين وثلاثمائة يوم من السنة، ولكننا في يوم عاشوراء لا نقلدك.
فهذه مجرد أمثلة، وهناك أمثلة أخرى في حياة الإمام الشهيد الصدر، والإمام الخميني على دور العوام السلبي في سير المرجعية.
يقول آية اللّه المطهري في كتابه السابق: إن الآفة التي أصابت مجتمعنا الديني بالشلل وأقعدته عن العمل هي الإصابة بالعوام، إن منظومتنا الدينية على إثر إصابتها بهذه الآفة لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك أمام قافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، إنها مضطرة للتحرك وراء القافلة.
ويقول أيضاً: إن حكومة العوام هي منشأ رواج الرياء والمجاملة والتظاهر وكتمان الحقائق والاهتمام بالمظاهر وشيوع الألقاب والمقامات، والتطلع إلى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم.
ويقول أيضاً: إن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا.
ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة أوجدت تذبذباً في حركة المصلحين، فنجد شخصية تقف إلى جانب الإصلاح في قضية إلى حد الزعامة، وفي الوقت نفسه تعارض الإصلاح في قضية أخرى إلى حد الزعامة أيضاً. فالشيخ محمد رضا المظفر الذي قاد حركة الإصلاح في مناهج الحوزة ومؤسساتها الدراسية حتى وصل إلى قضية الخطابة الحسينية، محاولاً برمجتها فأثيرت في وجهه ضجة عنيفة، كان قبل ذلك يصطف مع الخط المعارض لحركة السيد محسن العاملي بشأن إصلاح الشعائر الحسينية.
والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم دوراً إصلاحياً في الجانبين السياسي والاجتماعي سجل معارضته لحركة السيد العاملي، والشيخ النائيني الذي وقف إلى جانب الإصلاح السياسي بقوة ختم حياته بمعارضة هذه الحركة أيضاً.
إن حكومة العوام، وعدم التنسيق والتخطيط، وقوة الجناح المحافظ، وتضارب أدوار المصلحين، عوامل سلبية أضعفت حركة الإصلاح في حياة المرجعية، وجعلتها أقل بكثير مما ينبغي[304].
وسيطرة العوام شديدة على كل رؤساء المذاهب الإسلامية بشكل عام، وتجرأ السيد هبة الدين الشهرستاني وقال بقدر كبير من الصراحة في الأربعينات من القرن الماضي في مجلته (العلم) في مقالة بعنوان: (علماؤنا والتجاهر بالحق) جاء فيها ما نصه: (وأما في القرون الأخيرة فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الإعلام، فصار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطف به بين العوام، وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلالية غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنوناً من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام، حتى إنه بلغنا عن فقيه سأله أحد السوقيين عن يهودي بكى على الحسين (ع) فوقعت دمعته على ثوبي، هل نجس الثوب أم لا؟ فأجاب المسكين خوفاً منه: إن جواب هذه المسألة عند الزهراء (ع). وسأل سوقي آخر فقيهاً عمَّن شج رأسه للحسين (ع)، فأجابه كذلك، إلى غير ذلك، لكن هذه الحالة تهدد الدين بانقراض معالمه، واضمحلال أصوله؛ لأن جهّال الأمم يميلون من قلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم إلى الخرافات وبدع الأقوال والمنكرات، فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أوساعدوهم على مشتهياتهم؛ غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم[305].
وأمثال هذه الحكايات كثيرة، ولكن أي خير يرتجى من علماء هذا مذهبهم، أومن مذهب هؤلاء علماؤه، لا يجرؤون على الإفتاء بطهارة الكتابي أو وقف الفلكورات الشعبية، أو منع التدخين في المآتم والمساجد وغيرها، ويبررون فعلهم هذا بالأخذ بالتقية، وهم الذين زعموا تمسكم بالكتاب والعترة؟!
 
انقسام الشيعة بعدها إلى أصوليين وإخباريين
لقد انقسم القوم بعد ذلك إلى طائفتين: إخبارية وأصولية على ما نراهم اليوم.
والإخبارية: هم الذين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث، وكل ما نقل عن الأئمة فهو حديث عندهم وهو حجة؛ لأنه نقل عن معصومين، وما نقل عنهم فهو حجة على اليقين، ولا ينظر إلى هذا الحديث ما منزلته وما شأنه ما دام قد وجد في الأصول الأربعمائة[306].
والأصولية: هم الذين يلجئُون في مقام استنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الأربعة من: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل[307].
وقد شنَّع كل فريقٍ منهم على الآخر وحمل عليه، ووضع للرد عليه مصنفات، واتهمه بالخروج عن التشيع الصحيح.. إلى آخر ما لا يمكن بسطه مخافة الخروج عن موضوع الباب الذي يتبجحون بتمسكهم بهما وهم أبعد ما يكونون عنه، وينكرون وجوب التمسك بالكتاب والسنة والأحاديث الواردة فيه رغم ورودها من طرق معتبرة ليس هذا مكان بيانها، ولكن نلزم الإمامية بإثبات ورودها من طرقهم، فهذا أبلغ في الحجة.
 
روايات الكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما من طرق الإمامية
عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس اني خلفت فيكم كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي، اما ان ذلك لن يفترقا حتى ألقاه على الحوض[308].
     وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبدا ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما: كتاب الله وسنتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض[309].
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم وقال لعلى رضي الله عنه: أنت أخي ووارثي. قال: وما ارثك ؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي كتاب الله وسنتي[310].
     وعن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به[311].
     وعن علي عليه السلام قال: من أخذ دينه من أفواه الرّجال أزالته الرّجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسّنّة زالت الجبال ولم يزل[312].
     ومن عهد له عليه السلام كتبه لاشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب امر أميرها محمد بن أبي بكر:...واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته[313].
     وعن الرضا عليه السلام:... فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أوحراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[314].
     وعن أبي عبدالله عليه السلام: لا تقبلوا علينا حديثا الا ما وافق القرآن والسنة، أوتجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله فانا إذا حدثنا، قلنا قال الله عز وجل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله [315].
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما نعلم حجا لله غير المتعة، إنا إذا ألقينا الله قلنا ربنا علمنا بكتابك وسنة نبيك[316].
     وعن المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليكن من قولكم في قنوت الجمعة: اللهم ! إن عبيدا من عبادك الصالحين قاموا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فاجزهم عنا خير الجزاء [317].
     وعن الصادق عليه السلام: إنا لا نعدل بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا بعثنا ربنا أووردنا على ربنا قلنا: يا رب أخذنا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله[318].
     وعن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا معاشر قراء القرآن اتقوا اللَّه تعالى فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون إني مسؤول عن تبليغ الرسالة وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب اللَّه وسنتي[319].
     وعن أبي جعفر الباقر قال: قرأ رسول الله: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) ثم قال: الخير اتباع القرآن وسنتي [320].
     وعنه أيضاً عليه السلام قال: قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة الا وقد بينهما عز وجل في الكتاب وبينتهما في سنتي وسيرتي [321].
     وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كل من تعدى السنة رد إلى السنة. وفي حديث آخر قال أبوجعفر عليه السلام: من جهل السنة رد إلى السنة[322].
      وعن الامام الصادق عليه السلام: كلُّ شيء مردودٌ إِلى الكتاب والسُّنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زُخرُفٌ([323]).
      وقال عليه السلام وقد سئل عن إختلاف الحديث: إِذا وَرَدَ عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتَاب الله، أَومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإِلاَّ فالذي جاءَكم به أَولى به([324]).
      وقال عليه السلام: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنة([325]) .
     وعن الصادق عليه السلام: من خالف كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر[326].
      وعن سدير قال قال أبوجعفر وأبوعبد الله عليهما السلام لا تصدق علينا الا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله([327]).
      وعن الرضا عليه السلام: إذا ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أوحراما فاتبعوا ما وافق الكتاب وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي صلى الله عليه وآله فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهى حرام أومأمورا به عن رسول الله صلى الله عليه وآله امر إلزام فاتبعوا ما وافق نهى رسول الله صلى الله وأمره وما كان في السنة نهى إعافة أوكراهة ثم كان الخبر الاخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكرهه ولم يحرمه فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا أوبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا([328]).
      وعنه أيضاً عليه السلام قال: يا جابر – الرواي - إنا لوكنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم([329]).
      وعن سدير قال: قال أبوجعفر وأبوعبد الله عليهما السلام: لا تصدق علينا الا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله([330]) .
      وعنه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاتركوه([331]) .
      وقال عليه السلام: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنة([332]) .
      وعنه أيضاً عليه السلام قال: إنا إذا لقينا ربنا قلنا يا ربنا عملنا بكتابك وسنة نبيك، ويقول القوم عملنا برأينا، فيجعلنا الله وإياهم حيث يشاء([333]) .
وعنه أيضاً عليه السلام قال: إنا لا نعدل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم([334]).
      وعن الإمام الرضا عليه السلام قال: لا قول الا بعمل ولا عمل الا بنية ولا نية الا بإصابة السنة - وفي رواية - ومن تمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كان له اجر مئة شهيد([335]).
      وعنه أيضاً عليه السلام قال: إذا ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أوحراما فاتبعوا ما وافق الكتاب وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهى حرام أومأمورا به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امر إلزام فاتبعوا ما وافق نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره وما كان في السنة نهى إعافة أوكراهة ثم كان الخبر الاخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكرهه ولم يحرمه فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا أوبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا ([336]).
     وعن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها، قال: فقال الرجل: إن الفقهاء لا يقولون هذا، فقال: يا ويحك وهل رأيت فقيها قط ؟ ! إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وآله[337].
     والأمر فيه طول، وفيما أوردناه كفاية.
     ولنتقل الآن إلى ذكر بعض ما جاء من طرق الإمامية في تمسكهم بالعترة، ثم إسأل نفسك هل هذا هو الإتباع الذي يتبجحون به؟ ولم نراعي التسلسل الموضوعي في سردها، وإنما الترتيب الزمني لتواريخ الوفيات، ولعل هذا يفيد في معرفة مفهوم الإتباع عند الإمامية وتطور هذا المفهوم عند الشيعة عبر الزمن وما إذا كانت مقتصرة على المتقدمين، أو سائر علمائهم إلى يوم الدين. ونبدأ بما نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة رحمهم الله. ولا تحتاج هذه الروايات إلى شرح،  فهي تنبئ عن نفسها.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من تمتع مرة كانت درجته كدرجة الحسين، ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن، ومن تمتع ثلاث مرات كانت درجته كدرجة علي بن أبي طالب، ومن تمتع أربع مرات فدرجته كدرجتي([338]).
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي لا تجامع امرأتك من قيام فان ذلك من فعل الحمير وان قضى بينكما ولد يكون بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان([339]).
علي عليه السلام: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبوبكر وعمر، فجلست بينه وبين عائشة، فقالت لي عائشة: ما وجدت إلا فخذي أوفخذ رسول الله. وفي رواية: ما وجدت لاستك مكانا غير فخذي أمط عني. وفي أخرى: ما كان لك مجلس غير فخذي. وفي أخرى: ما وجدت يا بن أبي طالب مقعدا إلا فخذي ؟. وفي أخرى: ما وجدت لاستك مجلسا غير فخذي أوفخذ رسول الله ؟، وفي أخرى: ما وجدت لاستك موضعا غير حجري ؟([340]).
علي عليه السلام: سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك قبل أن يأمر نسائه بالحجاب وأنا أخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس له خادم غيري. وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحاف ليس له لحاف غيره ومعه عائشة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينام بيني وبين عائشة ليس علينا ثلاثة لحاف غيره. وإذا قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حط بيده اللحاف من وسطه بيني وبين عائشة ليمس اللحاف الفراش الذي تحتنا ويقوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيصلي([341]).
علي عليه السلام: يا سلمان أئت منزل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنها إليك مشتاقة تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنة، قلت لعلي عليه السلام، قد أتحفت فاطمة عليها السلام بشئ من الجنة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: نعم بالأمس. قال سلمان الفارسي: فهرولت إلى منزل فاطمة عليها السلام بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها، فلما نظرت إلي اعتجرت ثم قالت: يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبي صلى الله عليه وآله وسلم قلت: حبيبتي أأجفاكم ؟([342]).
علي عليه السلام: انا دابة الأرض([343]). وفي رواية عن الباقر عليه السلام: اي شئ يقول الناس في هذه الآية (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل: 82]) فقال هو أمير المؤمنين عليه السلام([344]). وفي رواية عن الصادق عليه السلام: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد وقد جمع رملا ووضع رأسه عليه، فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الأرض، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفيسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم ؟ فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة وهي الدابة التي ذكرها الله في كتابه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل: 82])([345]).
 فاطمة عليها السلام: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد ان يزوجها من علي أسر إليها، فقالت يا رسول الله أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه انه رجل دحداح البطن طويل الذراعين ضخم الكراديس انزع عظيم العينين لمنكبيه مشاشا كمشاش البعير ضاحك السن لا مال له([346]).
 فاطمة عليها السلام: وقد دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد تزويجها من علي عليه السلام وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك فوالله لوكان في أهلي خير منه ما زوجتك وما أنا أزوجه ولكن الله زوجك([347]).
 فاطمة عليها السلام: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زوجتني بالمهر الخسيس؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا زوجتك، ولكن الله زوجك من السماء([348]).
 فاطمة عليها السلام: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث انه قال لبريدة: قم يا بريدة نعود فاطمة، فلما أن دخلنا عليها وأبصرت أباها دمعت عيناها، قال: ما يبكيك يا بنتي ؟ قالت: قلة الطعم وكثرة الهم وشدة القسم، قال لها: أما والله ما عند الله خير لك مما ترغبين إليه، يا فاطمة أما ترضين أن زوجتك خير أمتي أقدمهم سلما وأكثرهم علما وأفضلهم حلما ؟([349]).
 فاطمة عليها السلام: لما انصرفت من عند أبي بكر فأقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام فقالت له: يا بن أبي طالب اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحلة أبي وبلغة ابني والله لقد اجهد في ظلامتي وألد في خصامي حتى منعتني القيلة نصرها والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها فلا مانع ولا دافع خرجت والله كاظمة وعدت راغمة ولا خيار لي ليتني مت قبل ذلتي وتوفيت دون منيتي عذيري والله فيك حاميا ومنك داعيا وبلاى في كل شارق مات العمد ووهن العضد شكواي إلى ربي وعدواي إلى أبي اللهم انت أشد قوة([350]).
الباقر عليه السلام: وقد سأله زرارة عن الجد..... - فأعطاه صحيفة فقال: - فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس من الصلة والامر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف وإذا عامته كذلك فقرأته حتى أتيت على آخره بخبث نفس وقلة تحفظ وسقام رأي وقلت: وأنا أقرؤه ؟ باطل حتى أتيت على آخره ثم أدرجتها ودفعتها إليه فلما أصبحت لقيت أبا جعفر عليه السلام فقال لي: أقرأت صحيفة الفرائض ؟ فقلت: نعم، فقال: كيف رأيت ما قرأت ؟ قال: قلت: باطل ليس بشئ هو خلاف ما الناس عليه قال: فإن الذي رأيت والله يا زرارة هوالحق، الذي رأيت إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي عليه السلام([351]).
الباقر عليه السلام: إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسبا ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والاسلام وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني فكيف أقر لك بما سألت ؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي عليهما السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر به فقتل. ثم أرسل إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: مثل مقالته للقرشي فقال له علي بن الحسين عليهما السلام: أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس ؟ فقال له يزيد لعنه الله: بلى فقال له علي بن الحسين عليهما السلام: قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع([352]).
الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [الأحزاب: 36]) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،... فزوجها إياه فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم إنهما تشاجرا في شئ إلى رسول الله فنظر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعجبته([353]).
الباقر عليه السلام: يا جابر ألك حمار يسير بك فيبلغ بك من المشرق إلى المغرب في يوم واحد ؟ فقلت: جعلت فداك يا أبا جعفر وأني لي هذا ؟ فقال أبوجعفر عليه السلام: ذاك أمير المؤمنين ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام: والله لتبلغن الأسباب والله لتركبن السحاب([354]).
الباقر عليه السلام: بينا أمير المؤمنين عليه السلام جالس في المسجد الكوفة وقد احتبا بسيفه والقى ترسه خلف ظهره إذ اتته امرأة تستعدي على زوجها فقضى للزوج عليها فغضبت فقال والله ما هوكما قضيت والله وما تقضى بالسوية ولا تعدل في الرعية ولا قضيتنا عند الله بالمرضية قال فغضب أمير المؤمنين فنظر إليها مليا ثم قال كذبت يا جرية يا بذية يا سلسع يا سلفع يا التي لا تحيض مثل النساء قال فولت هاربة وهي تقول ويلي ويلي لقد هتكت يا ابن أبي طالب سترا كان مستورا. وفي رواية عن الصادق عليه السلام: جاءت امرأة شنيعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر وقد قتل أباها وأخاها فقالت هذا قاتل الا حبه فنظر إليها فقال لها يا سلفع يا جرية يا بذية يا التي لا تحيض كما تحيض النساء يا التي على هنها شئ بين مدلى قال فمضت([355]).
الباقر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي (لم يذكر الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم)، والمقداد، وسلمان، وأبوذر، فقلت: فعمار ؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شئ فهؤلاء الثلاثة([356]).
الصادق عليه السلام: أبطأ زيداً يوما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى صلى الله عليه وآله وسلم منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر فنظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها زيد: هل لك ان أطلقك حتى يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلعلك قد وقعت في قلبه ؟ فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك ان أطلقها حتى تتزوجها ؟ فقال رسول الله: لا، اذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك([357]).
الصادق عليه السلام: أمير المؤمنين عليه السلام أن أول شئ من الدواب توفي عفير ساعة قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع خطامه ثم مر يركض حتى أتى بئر بني خطمة بقباء فرمى بنفسه فيها فكانت قبره. وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام: إن ذلك الحمار كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي إن أبي حدثني، عن أبيه، عن جده، عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة فقام إليه نوح فمسح على كفله ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم، فالحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار([358]).
الصادق عليه السلام: في تزويج أم كلثوم قال: إن ذلك فرج غصبناه([359]).
الصادق عليه السلام: كان صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقبل عرض وجه فاطمة ويضع وجهه بين ثديي فاطمة ويدعولها، وفي رواية: حتى يقبل عرض وجنة فاطمة أو بين ثدييها([360]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل: جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد فقال لا أريكم تأخذون به، ان جبرئيل عليه السلامنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ولد الحسين بعد فقال له يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك فقال يا جبرئيل لا حاجة لي فيه فخاطبه ثلاثا ثم دعا عليا فقال له ان جبرئيل عليه السلام يخبرني عن الله عز وجل انه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك فقال لا حاجة لي فيه يا رسول الله فخاطب عليا عليه السلام ثلاثا ثم قال إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة، فأرسل إلى فاطمة عليها السلام ان الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي فقالت فاطمة ليس لي حاجة فيه يا أبة فخاطبها ثلاثا ثم أرسل إليها لابد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة فقالت له رضيت عن الله عز وجل فعلقت وحملت بالحسين فحملت ستة أشهر ثم وضعته ولم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين بن علي وعيسى بن مريم عليهما السلام فكفلته أم سلمة وكان رسول الله يأتيه في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين عليه السلام فيمصه حتى يروى فأنبت الله تعالى لحمه من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يرضع من فاطمة عليها السلام. وفي رواية، لما علقت فاطمة عليها السلام، قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة، إن الله عز وجل قد وهب لك غلاما اسمه الحسين، تقتله أمتي. قالت، فلا حاجة لي فيه. قال، إن الله عز وجل قد وعدني فيه أن يجعل الأئمة عليهم السلام من ولده. قالت، قد رضيت يا رسول الله. وفي أخرى، دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة عليهما السلام فقال لها، ان جبرئيل عليه السلام أتاني فبشرني بغلام تقتله أمتي من بعدي، فقالت، لا حاجة لي فيه، فقال لها، ان ربي جاعل الوصية في عقبه، فقالت، نعم اذن([361]).
الصادق عليه السلام: في قول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: 26]) ان هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين عليه السلام فالبعوضة أمير المؤمنين عليه السلام وما فوقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([362]).
الصادق عليه السلام: لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث أياما ليس له لبن، فألقاه أبوطالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما حتى وقع أبوطالب على حليمة السعدية فدفعه إليها([363]).
 الصادق عليه السلام: أبطأ زيد يوما فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر فنظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا([364]).
الصادق عليه السلام: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة فأعجبته فدخل على أم سلمة وكان يومها فأصاب منها وخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله([365]).
الصادق عليه السلام: إن جبريل نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمتك من بعدك، فقال: يا جبريل، وعلى ربي السلام، لا حاجة لي بمولود يولد من فاطمة تقتله أمتي من بعدي، فعرج ثم هبط فقال مثل ذلك، فقال: يا جبريل، وعلى ربي السلام، لا حاجة لي تقتله أمتي من بعدي، فعرج جبريل إلى السماء ثم هبط فقال: يا محمد إن ربط يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فقال: إني قد رضيت، ثم أرسل إلى فاطمة أن الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله أمتي من بعدي، فأرسلت إليه أن لا حاجة لي بمولود تقتله أمتك من بعدك فأرسل إليها أن الله عز وجل جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فأرسلت إليه أني قد رضيت، فحملته كرها ووضعته كرها. - وفي رواية - قال الصادق عليه السلام: هل رأيتم في الدنيا اما تلد غلاما فتكرهه، ولكنها كرهته لأنها علمت أنه سيقتل.. ولم يرضع الحسين من فاطمة عليها السلام ولا من أنثى، كان يؤتى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاثة([366]).
الصادق عليه السلام: كان نقش خاتم أبي: العزة لله جميعا، وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام: الملك لله، وكان في يده اليسرى يستنجي بها - وفي رواية - قال: كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العزة لله جميعا وكان في يساره يستنجي بها([367]).
الصادق عليه السلام: في قول الله:(أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة: 1]) قال البهيمة هيهنا الولي والانعام المؤمنون([368]).
الصادق عليه السلام: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شئ فيه ؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم عليهم السلام والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة وأرش الخدش. وعندي الجفر الأحمر، قال الروي ابن أبي العلاء: وأي شئ في الجفر الأحمر ؟ قال: السلاح وذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله ابن أبي يعفور: أصلحك الله أيعرف هذا بنوالحسن ؟ فقال: إي والله كما يعرفون الليل أنه ليل والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والانكار، ولوطلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم([369]).
الصادق عليه السلام: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته، فقيل له: بنوالحسن لا يعرفون لمن الحق ؟ قال: بلى ولكن يحملهم الحسد([370]).
الرضا عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر اراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك ! وإنما أراد بذلك تنزيه الباري عز وجل عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله.. فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك ان يتخذ له ولدا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله لها: سبحان الذي خلقك ! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ([371]).
الحميري القمي (ت: 300 هـ): أتي إلى الكاظم عليه السلام بصحفة فيها رطب فجعل يتناول بيساره فيأكل وهو متكئ على يمينه، فحدثت - أي الراوي - بهذا الحديث رجلا من أصحابنا قال: فقال لي: أنت رأيته يأكل بيساره ؟ قال: قلت: نعم([372]).
محمد بن مسعود العياشي (ت: 320 هـ): فلما قبض نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد، فلما رأى ذلك علي صلى الله عليه وآله وسلم ورأي الناس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف فأرسل أبوبكر إليه ان تعال فبايع فقال على: لا أخرج حتى اجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا اخرج حتى أفرغ فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها تحول بينه وبين علي عليه السلام فضربها فانطلق قنفذ وليس معه علي عليه السلام فخشي أن يجمع على الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى على ذلك خرج فبايع كارها غير طائع ([373]).
محمد بن يعقوب الكليني (ت: 328 هـ): عن عبيد الله الدابقي قال: دخلت حماما بالمدينة فإذا شيخ كبير وهو قيم الحمام فقلت: يا شيخ لمن هذا الحمام ؟ فقال: لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام فقلت: كان يدخله ؟ قال: نعم، فقلت: كيف كان يصنع ؟ قال: كان يدخل فيبدء فيطلي عانته وما يليها ثم يلف على طرف إحليله ويدعوني فاطلي سائر بدنه، فقلت له يوما من الأيام: الذي تكره أن أراه قد رأيته، فقال: كلا إن النورة سترة([374]).
محمد بن يعقوب الكليني (ت: 328 هـ): عن زرارة أنه قال في أبي جعفر عليه السلام: شيخ لا علم له بالخصومة([375]).
محمد بن النعمان الملقب بالمفيد (ت: 413 هـ): لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام والزبير والمقداد بيت فاطمة عليها السلام، وأبوا أن يخرجوا، فقال عمر بن الخطاب: اضرموا عليهم البيت نارا، فخرج الزبير ومعه سيفه، فقال أبوبكر: عليكم بالكلب، فقصدوا نحوه، فزلت قدمه وسقط إلى الأرض ووقع السيف من يده، فقال أبوبكر: اضربوا به الحجر، فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر. وخرج علي ابن أبي طالب عليه السلام نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس، فقال: ما شأنك يا أبا الحسن ؟ فقال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي وأبوبكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره، فقال له ثابت: ولا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك، فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة وإذا فاطمة عليها السلام واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم وهي تقول: لا عهد لي بقوم أسوا محضرا منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم ولم تروا لنا حقا([376]).
محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (ت: 460 هـ): عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التشهد ؟ فقال: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله، قلت التحيات والصلوات ؟ قال التحيات والصلوات فلما خرجت قلت إن لقيته لأسألنه غدا فسألته من الغد عن التشهد، فقال كمثل ذلك قلت التحيات والصلوات ؟ قال التحيات والصلوات، قلت: ألقاه بعد يوم لأسألنه غدا فسألته عن التشهد: فقال كمثله، قلت التحيات والصلوات ؟ قال التحيات والصلوات فلما خرجت ضرطت في لحيته وقلت لا يفلح ابدا([377]).
محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (ت: 460 هـ): عن شعيب: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فقلت له: امرأة تزوجت ولها زوج قال. ترجم المرأة ولا شئ على الرجل، فلقيت أبا بصير فقلت له: إني سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة التي تزوجت ولها زوج قال: ترجم المرأة ولا شئ على الرجل فمسح صدره وقال: ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد([378]).
محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (ت: 460 هـ): حنان بن سدير، قال: كنت جالسا عند الحسن بن الحسين، فجاء سعيد بن منصور وكان من رؤساء الزيدية، فقال: ما ترى في النبيذ فان زيدا كان يشربه عندنا ؟ قال: ما أصدق على زيد أنه يشرب مسكرا، قال: بلى قد شربه قال: فإن كان فعل فان زيدا ليس بنبي، ولا وصي نبي، انما هو رجل من آل محمد يخطي ويصيب([379]).
محمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي (ت: 525 هـ): قدم عليه جعفر من الحبشة ومعه جارية فأهداها إلى علي عليه السلام فدخلت فاطمة فإذا رأس علي في حجر الجارية فلحقها من الغيرة ما يلحق المرأة على زوجها، فمضت إلى النبي تشكوعليا فنزل جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: هذه فاطمة أتتك تشكو عليا فلا تقبل منها. فلما دخلت فاطمة قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ارجعي إلى بعلك فقولي له رغم أنفي لرضاك، فرجعت فقالت له ذلك فقال: يا فاطمة شكوتيني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحياءاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أشهدك يا فاطمة ان هذه الجارية حرة لوجه الله في مرضاتك، وكان مع علي عليه السلام خمسمائة درهم فقال: وهذه الخمس مائة درهم صدقة على فقراء المهاجرين والأنصار في مرضاتك. وفي رواية: دخلت فاطمة عليها السلام يوما فنظرت إلى رأس علي عليه السلام في حجر الجارية فقالت يا أبا الحسن فعلتها فقال لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئا فما الذي تريدين ؟ قالت تأذن لي في المصير إلى منزل أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها قد أذنت لك فتجلببت بجلبابها وتبرقعت ببرقعها وأرادت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا محمد ان الله يقرءك السلام ويقول لك ان هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشك وعليا فلا تقبل منها في علي شيئا..ألخ([380]).
إبن شهرآشوب (ت: 588 هـ): سافر صلى الله عليه وآله وسلم ومعه علي عليه السلام وعايشة فكان النبي ينام بينهما في لحاف([381]).
نعمة الله الجزائري (ت: 1112 هـ): يحكى في سبب تحريم عمر لمتعة النساء أنه قد طلب أمير المؤمنين عليه السلام إلى منزله ليلة، فلما مضى من الليل جانب طلب منه أن ينام عنده فنام، فلما أصبح الصبح خرج عمر من داخل بيته معترضا على أمير المؤمنين عليه السلام بأنك قلت إنه لا ينبغي للمؤمن أن يبيت ليلة عزبا إذا كان في بلد، وها أنت هذه الليلة بت عزبا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام وما يدريك أنني بت عزبا ؟ وأنا هذه الليلة قد تمتعت بأختك فلانة فأسرّها في قلبه حتى تمكن من التحريم فحرمها([382]).
 
    كنت قد رأيت أن أذكر نماذج من الروايات المنسوبة للأئمة رحمهم الله التي وردت من طرق الشيعة في كل باب والمتضمنة للطعن في آل البيت عليهم السلام مما يناسب موضوع الباب، ولكني وجدت أن ذلك سيضاعف حجم الرد، فعدلت عن ذلك، على أن أصنف في هذا كتاب مستقل إن كان في العمر بقية إن شاء الله، ولكن لا أرى بأساً من أن أنقل بعضاً منها مما جاء في فرع من فروع أحد الأبواب الفقهية وهو باب المتعة من أبواب النكاح، وعليه قس ما جاء في سائر أبواب العبادات والمعاملات والعقائد. وهذه النصوص كما سترى صريحة في الحث والترغيب في الإباحية الجنسية غير المقيدة والتي غُلّفت بإسم المتعة ونسبت إلى الآل وهم رضي الله عنهم منها براء.
الباقر عليه السلام: سئل: عن قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ).. الآية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج بالحرة متعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة فقال: أنه لي حلال أنه نكاح بأجل فاكتميه فاطلعت عليه بعض نسائه([383]).
الباقر عليه السلام: ان النبي صلى الله عليه وآله لما أسرى به إلى السماء قال: لحقني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد ان الله تبارك وتعالى يقول: انى قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء([384]).
الباقر عليه السلام: عن رجل من قريش قال: بعثت إلى ابنة عم لي كان لها مال كثير قد عرفت كثرة من يخطبني من الرجال فلم أزوجهم نفسي وما بعثت إليك رغبة في الرجال غير أنه بلغني أنه أحلها الله عز وجل في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله في سنته فحرمها زفر فأحببت أن أطيع الله عز وجل فوق عرشه وأطيع رسول الله صلى الله عليه وآله وأعصى زفر فتزوجني متعة فقلت لها حتى أدخل على أبي جعفر عليه السلام فأستشيره قال فدخلت عليه فخبرته فقال افعل صلى الله عليكما من زوج([385]).
الباقر عليه السلام: سئل: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك الله عز وجل وخلافا على من أنكرها - وفي رواية: وخلافا لفلان - أي عمر - لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له حسنة، وإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنبا، فإذا اغتسل غفر الله له بعدد ما مر الماء على شعره، قال: قلت: بعدد الشعر ؟ قال: نعم بعدد الشعر([386]).
الصادق عليه السلام: إني لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأتها. فقلت له: فهل تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم وقرأ هذه الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً [التحريم: 3]). إلى قوله تعالى: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً [التحريم: 5])([387]).
الصادق عليه السلام: يستحب للرجل أن يتزوج المتعة وما أحب للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة ولومرة([388]).
الصادق عليه السلام: لأحد أصحابة: تمتعت؟ قلت: لا. قال: لا تخرج من الدنيا حتى تحيى السنة([389]).
الصادق عليه السلام: لأحد أصحابه: تمتعت منذ خرجت من أهلك ؟ قال: لكثرة ما معي من الطروقة أغناني الله عنها. قال: وإن كنت مستغنيا فانى أحب أن تحيى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله([390]).
الصادق عليه السلام: لأبي بصير: يا أبا محمد تمتعت منذ خرجت من أهلك؟ قلت: لا. قال: ولم؟ قلت ما معي من النفقة يقصر عن ذلك. قال: فأمر لي بدينار قال: أقسمت عليك ان صرت إلى منزلك حتى تفعل([391]).
الصادق عليه السلام: ما من رجل تمتع ثم اغتسل الا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة ويلعنون متجنبها إلى أن تقوم الساعة([392]).
الصادق عليه السلام: قيل له: انه يدخلني من المتعة شئ فقد حلفت أن لا أتزوج متعة أبدا فقال له أبوعبد الله عليه السلام انك إذا لم تطع الله فقد عصيته([393]).
الصادق عليه السلام: سئله أحدهم: ان عندنا بالكوفة امرأة معروفة بالفجور أيحل أن أتزوجها متعة قال فقال رفعت راية قلت لا لورفعت راية اخذها السلطان قال فقال نعم تزوجها متعة قال - ثم إنه أصغى إلى بعض مواليه فأسر اليه شيئا قال فدخل قلبي من ذلك شئ قال فلقيت مولاه فقلت له أي شئ قال لك أبوعبد الله عليه السلام قال فقال لي ليس هوشئ تكرهه فقلت فأخبرني به قال فقال إنما قال لي ولورفعت راية ما كان عليه في تزويجها شئ انما يخرجها من حرام إلى حلال([394]).
الصادق عليه السلام: سئل في المرأة تزني عليها أيتمتع بها قال أرأيت ذلك قلت لا ولكنها ترمى به قال نعم تتمتع بها على أنك تغادر وتغلق بابك([395]).
الصادق عليه السلام: سئل عن الرجل يتمتع من اليهودية والنصرانية قال لا أرى بذلك بأسا([396]).
الصادق عليه السلام: لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية([397]).
الصادق عليه السلام: سئل عن التمتع بالأبكار قال هل جعل ذلك الا لهن فليستترن منه وليستعففن([398]).
الصادق عليه السلام: سئل عن التمتع من الأبكار اللواتي بين الأبوين؟ فقال لا بأس([399]).
الصادق عليه السلام: لا بأس بتزويج - متعة - البكر إذا رضيت من غير اذن أبيها([400]).
الصادق عليه السلام: لا بأس بأن يتمتع بالبكر ما لم يفض إليها مخافة كراهية العيب على أهلها([401]).
الصادق عليه السلام: في البكر يتزوجها الرجل متعة قال لا بأس ما لم يفتضها([402]).
الصادق عليه السلام: عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا اذن أبويها قال لا بأس ما لم يفتض ما هناك لتعف بذلك([403]).
الصادق عليه السلام: العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة الا بإذن أبيها([404]).
الصادق عليه السلام: في الرجل يتزوج البكر متعة، قال يكره للعيب على أهلها([405]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل عن الرجل يتمتع من الجارية البكر قال لا بأس بذلك ما لم يستصغرها([406]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل عن الرجل يتمتع بأمة امرأة بغير اذنها قال لا بأس به.
الصادق عليه السلام: وقد سئل عن الرجل يتزوج بأمة بغير إذن مواليها فقال إن كانت لامرأة فنعم وان كانت لرجل فلا([407]).
الصادق عليه السلام: لا بأس بأن يتزوج الأمة متعة بأذن مولاها([408]).
الصادق عليه السلام: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر أوالتماس وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتتلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة، قال: ليس لها منها إلا ما اشترط ([409]).
الصادق عليه السلام: قال جاءت امرأة إلى عمر فقالت انى زنيت فطهرني فأمر بها أن ترجم فأخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال كيف زنيت فقالت مررت بالبادية فأصابني عطش شديد فاستسقيت أعرابيا فأبى أن يسقيني إلا أن أمكنه من نفسي فلما أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي فقال أمير المؤمنين عليه السلام تزويج ورب الكعبة([410]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل اني أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء ولا أمن أن تكون ذات بعل أومن العواهر قال ليس هذا عليك أنما عليك أن تصدقها في نفسها([411]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل: ألقى المرأة بالفلاة التي ليس لها فيها أحد فأقول لك زوج فتقول لا، فأتزوجها قال نعم، هي المصدقة على نفسها([412]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل: تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجا ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجا قال ولم فتشت([413]).
الصادق عليه السلام: قال قيل له أن فلانا تزوج امرأة متعة فقيل له ان لها زوجا فسألها فقال أبوعبد الله عليه السلام ولم سألها([414]).
الصادق عليه السلام: سئل: ما تقول في عارية الفرج ؟ قال: زنا حرام، ثم مكث قليلا ثم قال: لا بأس بأن يحل الرجل جاريته لأخيه([415]).
الصادق عليه السلام: سئل عن المتعة أهي من الأربع ؟ فقال: تزوج منهن ألفا فإنهن مستأجرات([416]).
الصادق عليه السلام: سئل عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة ؟ قال: لا بأس، وإن كان التزويج الآخر فليحصن بابه([417]).
الصادق عليه السلام: لإسماعيل الجعفي قال: يا إسماعيل تمتعت العام ؟ قلت: نعم، قال: لا أعني متعة الحج، قلت: فما ؟ قال: متعة النساء، قال قلت: في جارية بربرية فارهة قال: قد قيل يا إسماعيل تمتع بما وجدت ولوسندية([418]).
الصادق عليه السلام: وقد سئل: ما أدنى أن يتزوج به المتمتع ؟ قال: بكف من بر. وفي رواية: سواك يعض عليه. وفي أخرى: يجزيها الدرهم فما فوقه. وفي رابعة: كف من طعام أودقيق أوسويق أوتمر([419]).
الصادق عليه السلام: سئل: ما أدنى ما يتزوج الرجل به المتعة ؟ قال: كف من بر يقول لها: زوجيني نفسك متعة على كتاب الله وسنة نبيه نكاحا غير سفاح، على أن لا أرثك ولا ترثيني، ولا أطلب ولدك إلى أجل مسمى فإن بدا لي زدتك وزدتني([420]).
الصادق عليه السلام: لا بأس بالرجل أن يتمتع أختين([421]).
الكاظم عليه السلام: سأله أحدهم: جعلت فداك انى كنت أتزوج المتعة فكرهتها وتشأمت بها فأعطيت الله عهدا بين الركن والمقام وجعلت على في ذلك نذرا وصياما أن لا أتزوجها ثم إن ذلك شق على وندمت على يميني ولم يكن بيدي من القوة ما أتزوج به في العلانية. فقال لي: عاهدت الله أن لا تطيعه والله لئن لم تطعه لتعصينه([422]).
الكاظم عليه السلام: سئله أحدهم عن تزويج المتعة وأنه أتهمها بأن لها زوجا يحل لي الدخول بها قال عليه السلام أرأيتك ان سألتها البينة على أن ليس لها زوج هل تقدر على ذلك([423]).
الكاظم عليه السلام: وقد سئل: عن الرجل، هل يصلح له أن يتزوج المرأة متعة بغير بينة؟ قال: ان كانا مسلمين مأمونين فلا بأس([424]).
الرضا عليه السلام: سئل الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجا قال ما عليه أرأيت لوسألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج([425]).
المهدي: سأل عن الرجل ممن يقول بالحق ويرى المتعة ويقول بالرجعة إلا أن له أهلا موافقة له في جميع أموره وقد عاهدها ألا يتزوج عليها ولا يتمتع ولا يتسرى وقد فعل هذا منذ تسع عشرة سنة ووفى بقوله فربما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتع ولا تتحرك نفسه أيضا لذلك ويرى أن وقوف من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلله في أعينهم ويحب المقام على ما هوعليه محبة لأهله وميلا إليها وصيانة لها ولنفسه لا لتحريم المتعة بل يدين الله بها فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟ الجواب: يستحب له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية ولومرة واحدة([426]).
المهدي: عن الحسن بن ظريف قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام وقد تركت التمتع منذ ثلاثين سنة وقد نشطت لذلك وكان في الحي امرأة وصفت لي بالجمال فمال قلبي إليها وكانت عاهرا لا تمنع يد لامس فكرهتها ثم قلت قد قال تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من حرام إلى حلال فكتبت إلى أبي محمد أشاوره في المتعة وقلت أيجوز بعد هذه السنين أن أتمتع فكتب انما تحيى السنة وتميت بدعة فلا بأس وإياك وجارتك المعروفة بالعهر وان حدثتك نفسك أن آبائي قالوا تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من الحرام إلى حلال فهذه امرأة معروفة بالهتك وهي جارة وأخاف عليك استفاضة الخبر فيها فتركتها ولم أتمتع بها وتمتع بها شاذان بن سعد رجل من إخواننا وجيراننا فاشتهر بها حتى علا أمره وصار إلى السلطان واغرم بسببها مالا نفيسا وأعاذني الله من ذلك ببركة سيدي([427]).
 
     ونختم بالرد على الشبهة القائلة أن كتب أهل السنة مليئة بالأحاديث التي يرويها الصحابة بينما لا نجدها تحوي من الأحاديث التي يرويها علي وآل علي رضي الله عنهم. فهل السبب هو عدم وجود طريق صحيح إليهم؟ أم ماذا؟... إلى آخر هذه الشبهات التي يزعمون أنها تتعارض مع رواية الباب "وجوب الأخذ بالكتاب والعترة". وسنتقصر هنا على بيان عدد روايات أهل البيت في مصادر السنة المشهورةعلى هذا الجدول، وهو رد أيضاً على الزعم والإدعاء بأن عدد الروايات دليل ومقياس على الإتباع والإقتداء.
     ومن أراد التفاصيل فعليه بكتابنا "الرد الجلي على شبهة عدم رواية أهل السنة عن آل علي". وهو منشور في الموقع.
 
إحصائية بمرويات آل علي رضي الله عنه في مصادر أهل السنة 

إسم الراوي

عدد الروايات

علي بن أبي طالب  (أمير المؤمنين) رضي الله عنه

15266

فاطمة رضي الله عنها بنت محمد صلى الله عليه وآله سلم

260

الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

715

الحسين بن علي بن أبي طالب علي رضي الله عنه

589

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (زين العابدين) رحمه الله

1228

محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  (الباقر) رحمه الله

2953

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الصادق) رحمه الله

2030

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الكاظم) رحمه الله

62

علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي (الرضا) رحمه الله

43

محمد بن علي بن أبي طالب (إبن الحنفية) رحمه الله

797

الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رحمه الله

333

فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

169

محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رحمه الله

139

عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

137

عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب رحمه الله

114

زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

107

زيد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

103

عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رحمه الله

92

عمر بن علي بن أبي طالب رحمه الله

66

محمد بن عمروبن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

62

الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

61

إبراهيم بن محمد (بن الحنفية) بن علي بن أبي طالب رحمه الله

42

الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

40

فاطمة بنت علي بن أبي طالب رحمه الله

37

عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

34

عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

32

إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

25

الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

22

محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

21

زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

20

إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

19

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

19

علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

19

علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله

17

الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله

12

عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رحمه الله

12

عمر بن محمد (إبن الحنفية) بن علي بن أبي طالب رحمه الله

7

عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رحمه الله

4

محمد بن عمروبن علي بن أبي طالب رحمه الله

2

الحسن بن علي بن محمد (ابن الحنفية) بن علي بن أبي طالب رحمه الله

2

محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب رحمه الله

1

المجموع

25713


[1] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 1 / 60: كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 241، معاني الأخبار، للصدوق 91

[2] معجم رجال الحديث، للخوئي، 17/ 347، روضات الجنات، للمامقاني، 6/ 136، لؤلؤة البحرين، للبحراني، 374، الخصال، مقدمة المحقق صفحة،ب، الهداية، للصدوق، مقدمة لجنة التحقيق، 221، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 553

[3] شرح العروة الوثقى - الخمس  موسوعة الإمام الخوئي، تقرير بحث السيد الخوئي للبروجردي، 25/ 84، 17/ 12، أنظر أيضاً: كتاب الخمس، للخوئي، 73، 86، كتاب الصلاة، للخوئي، 8/ 15

[4] الرعاية في علم الدراية، للشهيد الثاني، 155 الحاشية، أنظر أيضاً نقد الرجال، للتفرشي، 5/ 395 الحاشية

[5] مدارك الأحكام، لمحمد العاملي، 6 / 106 الحاشية، منتهى المقال في احوال الرجال، لمحمد بن إسماعيل المازندراني، 5 / 177ه (الهامش)

[6] رجال الطوسي، للطوسي، 142، معجم رجال الحديث، للخوئي، 14 / 252

[7] رجال إبن داود، لإبن داود الحلي، 265

[8] نقد الرجال، للتفرشي، 4/ 8

[9] الكافي، للكليني، 3 / 423

[10]  الكافي، للكليني، 2/ 414

[11] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 82

[12] معجم رجال الحديث، للخوئي، 1 / 197

[13] نقد الرجال، للتفرشي، 1 / 268

[14] إكليل المنهج في تحقيق المطلب، لمحمد جعفر بن محمد طاهر الخراساني الكرباسي، 144

[15] منتهى المقال في احوال الرجال، لمحمد بن إسماعيل المازندراني، 2 / 133

[16] مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي الشاهرودي، 6 / 322

[17]  معجم رجال الحديث، للخوئي، 18/ 260

[18] بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن بن فروخ  الصفار ، 432

[19]  أنظر تفاصيل ذلك في: مقدمة الكتاب للمحقق
http:/ / www.aqaed.com/ faq/ 5405/

[20] الفهرست، للطوسي، 221

[21]  أنظر: روضة المتقين14/ 260، بصائر الدرجات، للصفار، 7، تعليقة على منهج المقال، لمحمد باقر الوحيد البهبهاني، 306

[22] هبة الله الشهرستاني، راجع أوائل المقالات، للمفيد، 225

[23]  أنظر تفضيل ما مر في: معجم رجال الحديث، للخوئي، 19/ 311، خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، 407، نقد الرجال، للتفرشي، 4 / 406، منتهى المقال في احوال الرجال، لمحمد بن إسماعيل المازندراني، 6 / 308: طرائف المقال، لعلي البروجردي، 1 / 611، قاموس الرجال، لمحمد تقي التستري، 10 / 203، كليات في علم الرجال، للسبحاني، 255

[24] مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي الشاهرودي، 8 / 275

[25] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 673

[26] بصائر الدرجات، للصفار، 432

[27]  أنظر تفصيل الكلام فيه في معجم رجال الحديث، للخوئي، 18/ 119

[28] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ، للطوسي، 2 / 851، نقد الرجال، للتفرشي، 1 / 169:  منتهى المقال في احوال الرجال، لمحمد بن إسماعيل المازندراني، 2 / 448، معجم رجال الحديث، للخوئي، 6 / 98

[29] بصائر الدرجات، للصفار، 433

[30] رجال ابن الغضائري، لأحمد بن الحسين الغضائري، 65، خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، 352: نقد الرجال، للتفرشي، 2 / 360، معجم رجال الحديث، للخوئي، 9 / 269

[31] الفهرست، للطوسي، 309، نقد الرجال، للتفرشي، 5 / 372

[32] الفهرست، للطوسي، 202، 324،نقد الرجال، للتفرشي، 4 / 44، معجم رجال الحديث، للخوئي، 7 / 160، 15 / 46

[33] مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي الشاهرودي، 8 / 181: معجم رجال الحديث، للخوئي، 21 / 19: المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 659

[34] بصائر الدرجات، للصفار، 433

[35] بصائر الدرجات، للصفار، 434

[36] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 640، الفهرست، للطوسي، 306

[37] بصائر الدرجات، للصفار، 434

[38] معجم رجال الحديث، للخوئي، 21/ 28، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 659

[39]  أنظر تفصل كل هذا في معجم رجال الحديث، للخوئي، 21/ 209

[40] أنظر تفصل كل هذا في معجم رجال الحديث، للخوئي، 20/ 297

[41] أنظر تفصل كل هذا في معجم رجال الحديث، للخوئي، 9/ 70

[42] مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 11 / 372: جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 13 / 372

[43] أنظر تفصيل ذلك في: http:/ / www.aqaed.com/ faq/ 2606/

[44] معجم رجال الحديث، للخوئي، 14/ 309

[45]  أنظر معجم رجال الحديث، للخوئي، 4/ 292

[46] بحار الأنوار، للمجلسي، 42/ 153، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 1/ 279، معجم رجال الحديث، للخوئي، 11/ 252

[47] بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 502، 42/ 185، نهج السعادة، للمحمودي، 5/ 345، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، 1/ 527، 8/ 56

[48] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 1/ 270، 330، معجم رجال الحديث، للخوئي، 11/ 255، 12/ 81

[49] الأمالي، للصدوق 616: عيون أخبار الرضا، للصدوق، 1 / 207

[50] معجم رجال الحديث، للخوئي، 12 / 391

[51] معجم رجال الحديث، للخوئي، 5 / 90، 11 / 309، 12 / 100، 13 / 142، 17 / 74، 18 / 156، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 113

[52] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق 244، معاني الأخبار، للصدوق 91

[53]  معجم رجال الخوئي، 2/ 93

[54]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 454

[55]  المصدر السابق، 7/ 98

[56]  المصدر السابق، 2/ 209

[57]  المصدر السابق، 7/ 254

[58]  كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 239

[59]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 424

[60]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 347

[61]  معجم رجال الحديث، للخوئي، 10/ 253

[62] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 2 / 34

[63]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 231، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 554

[64] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 192

[65]  المصدر السابق، 2/ 200

[66]  المصدر السابق، 1/ 348

[67] معجم رجال الحديث، للخوئي، 6/ 210

[68]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 163، 178

[69] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 3/ 357

[70] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 235

[71]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 423، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 144

[72]  المصدر السابق، 3/ 123

[73]  المصدر السابق، 2/ 382

[74]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 244

[75] الكافي، للكليني، 1 / 287

[76]  أنظر تفصل ذلك في: معجم رجال الحديث، للخوئي، 15/ 144

[77] الأمالي، للطوسي، 161

[78]  معجم رجال الحديث، للخوئي، 18/ 174

[79] نقد الرجال، للتفرشي، 4/ 304

[80]  أنظر: منتهى المقال في أحوال الرجال، للمازندراني، 6/ 168

[81] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 2 / 870 ، معجم رجال الحديث، للخوئي، 11 / 86

[82] المصدر السابق، 67

[83]  راجع المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 487، معجم رجال الحديث، للخوئي، 15/ 287

[84] معجم رجال الحديث، للخوئي، 11/ 228

[85] رجال الكشي، للكشي، 2/ 471

[86] أصل الشيعة وأصولها، لمحمد حسين كاشف الغطاء 236

[87]  كتاب الغيبة، لإبن أبي زينب النعماني، 50

[88] كتاب الغيبة، لإبن أبي زينب النعماني، 333

[89]  الغيبة، للنعماني، 74

[90] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 1/ 666

[91]  أنظر المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 669

[92]  كفاية الأثر، للخزاز القمي، 138

[93] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 168

[94] معجم رجال الحديث، للخوئي، 17/ 258، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 183، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 544

[95] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 253

[96] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 5/ 127

[97] كفاية الأثر، للخزاز القمي، 138

[98]  بشارة المصطفى، للطبري الشيعي، 217

[99] رجال ابن الغضائري، لأحمد بن الحسين الغضائري، 85: خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، 388: نقد الرجال، للتفرشي، 4 / 13، مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 3/ 114

[100] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 344

[101] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 16

[102] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 22

[103] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27 / 195

[104]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 628

[105] كفاية الأثر، للخزاز القمي، 163

[106]  طرائف المقال، البروجردي، 1/ 131

[107]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 392

[108]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 5/ 206

[109]  الأمالي، للمفيد 349

[110]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 1/ 188

[111]  المصدر السابق، 4/ 214

[112]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 450

[113] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 151

[114]  دلائل الإمامة، للطبري الشيعي، 125

[115]  فهرست مصنفي الشيعة، النجاشي، 235، نقد الرجال، للتفرشي، 3/ 54

[116]  الأمالي، للصدوق 121، بشارة المصطفى، لمحمد بن أبي القاسم الطبري، 39

[117] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 406

[118] المصدر السابق، 7/ 32

[119] نقد الرجال، للتفرشي، 3/ 323، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 110

[120]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 431

[121] المصدر السابق، 347

[122] الأمالي، للصدوق 500: كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق 236

[123] المفيد من معجم رجال الحدث، للجواهري، 147

[124] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي،  6/ 171

[125] المصدر السابق، 1/ 247

[126] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 226، طرائف المقال، للبروجردي، 1/ 461

[127] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي،  6/ 240

[128] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق 240

[129]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 438

[130] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 5/ 466، معجم رجال الحديث، للخوئي، 2/ 16، 13/ 170

[131] الأمالي، للطوسي، 255

[132] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 479

[133]  المصدر السابق، 1/ 643

[134] تأويل الآيات الظاهرة، لشرف الدين الأستر آبادي، 2 / 638

[135] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 5/ 104

[136] الأمالي، للمفيد 135

[137] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 448، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 150، 722

[138] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 3/ 226

[139]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 237

[140] خلاصة الأقول، للحلي، 278، رجال إبن داود الحلي، 190، التحرير الطاووسي، لحسن العاملي، 560

[141]  كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق 235

[142]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 495

[143]  المصدر السابق،  5/ 93

[144]  المصدر السابق، 7/ 145، أنظر أيضاً: المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 539

[145]  المصدر السابق، 5/ 243

[146]  كمال الدين، للصدوق، 235

[147]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 246

[148]  المصدر السابق، 6/ 48

[149]  كمال الدين، للصدوق، 238

[150]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 518

[151]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 299

[152]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 67

[153]  الأمالي، للطوسي، 545

[154]  معجم رجال الخوئي، 17/ 260، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 545

[155]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 449

[156]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 3/ 391

[157] كتاب سليم بن قيس، 457

[158] معجم رجال الخوئي، 7/ 231، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 202

[159] كمال الدين، للصدوق، 239،

[160] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 229، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 115

[161] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 133، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 536

[162]  الأمالي، للطوسي، 479

[163]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 277

[164]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 129، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 417، الفائق في رواة وأصحاب الصادق ع، للشبستري، 2/ 427

[165]  كمال الدين، للصدوق، 234

[166] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 354، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 302

[167]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 144

[168] كمال الدين، للصدوق، 234

[169]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 358، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 483

[170]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 302، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 483

[171]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 126

[172]  كمال الدين، للصدوق، 237

[173]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 423، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 144

[174]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 453

[175]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 104

[176]  كمال الدين، للصدوق، 238

[177]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 5/ 132، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 353

[178]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 145، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 353

[179] الأمالي، للمفيد، 46

[180] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 111

[181] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 175، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 449

[182] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 314، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 449

[183] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 412

[184] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 395

[185] الخصال، للصدوق، 460

[186] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 30، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 514

[187]انظر: مقدمة المحقق للتفسير: 1/ 10 وما بعدها، الذريعة:4/ 298، معجم الخوئي:13/ 252، البحار: 1/ 37.

[188] خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، 384، رجال ابن داود - ابن داود الحلي 258، معجم رجال الحديث، للخوئي، 12 / 63

[189]  الأمالي، للطوسي، 517

[190] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 147

[191]  معجم رجال الحديث، للخوئي، 17/ 199، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 538

[192]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 43

[193]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 252

[194]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 7/ 431

[195]  الكافي، للكليني، 2/ 600

[196] رجال إبن الغضائري، 61، خلاصة الأقوال، للحلي، 348

[197] مرآة العقول، للمجلسي، 12/ 480

[198] الإحتجاج، للطبرسي، 1/ 67

[199] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 524

[200] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 289، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 470

[201] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 379

[202] كفاية الأثر، الخزاز القمي، 265

[203] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 1/ 262، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 22، معجم رجال الحديث، للخوئي، 2/ 58

[204] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 8/ 33، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 22

[205] الكافي، للكليني، 1/ 297

[206]  مرآة العقول، للمجلسي، 3/ 270

[207] تفسير العياشي، 1/ 6

[208] معجم رجال الحديث، للخوئي، 18/ 239

[209] الأمالي، للصدوق، 312

[210] رجال إبن الغضائري، 121، رجال ابن داود، لإبن الحلي، 284، رجال الكشي، للكشي، 173، 294

[211] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 381، رجال ابن داود، لإبن الحلي، 259، معجم رجال الحديث، للخوئي، 21/ 89

[212]  بحار الأنوار، للمجلسي، 22/ 476

[213] معجم رجال الحديث، للخوئي، 14/ 225

[214] الفهرست، للطوسي، 321: خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، 378: المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 449

[215] الإحتجاج، للطبرسي، 2/ 252

[216] راجع مقدمة المحقق لكتاب الإحتجاج

[217]  كمال الدين، للصدوق، 237

[218]  مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 3/ 114

[219]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 137

[220]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 432

[221] كمال الدين، للصدوق، 238

[222] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 2/ 423، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 144

[223] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 6/ 412، المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 144

[224] مستدركات علم رجال الحديث، للنمازي، 4/ 453

[225] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 104

[226] كمال الدين، للصدوق، 240

[227] المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 359

[228]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 411

[229]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 456

[230]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 449

[231]  المفيد من معجم رجال الحديث، للجواهري، 430

[232]  كمال الدين، للصدوق، 240

[233]  حديث الثقلين وفقهه، لعلي السالوس، 25

[234] انظر تفصيل ذلك في: البحار: 23/ 151، 15790/ 260، 261، كمال الدين: 100، 105، 118، 231، الجامع للشرايع، ليحيى بن سعيد الحلي،  371 (الهامش)‍: جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 21 / 187ه (الهامش)

[235] الأمالي، للصدوق 191، بحار الأنوار، للمجلسي، 22 / 288، 44 / 287

[236] بحار الأنوار، للمجلسي، 44 / 383، الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي، 5 / 83

[237] بصائر الدرجات، للصفار، 70، بحار الأنوار، للمجلسي، 23 / 152

[238] بصائر الدرجات، للصفار، 84: بحار الأنوار، للمجلسي، 26 / 261

[239] مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 3 / 314: بحار الأنوار، للمجلسي، 12 / 89، 23 / 223 ، تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2 / 232

[240] كفاية الأثر، للخزار، 326، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 198، 201، 202، إثبات الهداة، للحر العاملي، 1/ 604

[241] أمالي الصدوق: 77، 78، 79، البحار: 45/ 101، 103.

[242] مناقب الإمام أمير المؤمنين، لمحمد بن سليمان الكوفي، 2 / 152، تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي، 335

[243] الأمالي، للطوسي، 136

[244] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1 / 250، تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي، 110

[245]الخصال، للصدوق 550

[246] مجمع البيان، للطبرسي، 5/ 308

[247] الخصال، للصدوق 563

[248] الأمالي، للشريف المرتضى، 1/ 55

[249]  مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 2 / 379، 16 / 282

[250]الاحتجاج، للطبرسي، 1 / 89

[251] إرشاد القلوب، للديلمي، 2/ 403

[252] تفسير الإمام العسكري، المنسوب إلى الإمام العسكري ، 20

[253] كتاب سليم بن قيس، لسليم بن قيس الهلالي الكوفي، 323

[254] الأمالي، للصدوق 275، الخصال، للصدوق 204

[255] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2 / 347

[256] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 264

[257] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 1 / 265

[258] الأمالي، للمفيد 252، الأمالي، للطوسي، 21

[259] الأمالي، للطوسي، 633

[260] بحار الأنوار، للمجلسي، 22/ 531

[261] المصدر السابق، 22/ 494

[262] الإرشاد، للمفيد، 1 / 185

[263] بحار الأنوار، للمجلسي، 44 / 65

[264] الاحتجاج، للطبرسي، 2 / 137

[265] تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي، 399

[266]  معاني الأخبار، للصدوق، 94

[267] الكافي، للكليني، 3 / 200، تهذيب الأحكام، للطوسي، 1 / 460

[268] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 2 / 70، الاختصاص، للمفيد 341

[269] الأمالي، للطوسي، 525

[270] إثبات الوصية، للمسعودي، 33

[271] نهج البلاغة - خطب الإمام علي، تحقيق صالح، 555

[272] مناقب الإمام أمير المؤمنين، لمحمد بن سليمان الكوفي، 1 / 145

[273] بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 345، 349، 83/ 155، الاختصاص، للمفيد، 68، 195،  الأمالي، للطوسي، 44، نور الثقلين، للحويزي، 2/ 547 ، الكنى واللقاب، لعباس القمي، 3 / 88

[274] مستطرفات السرائر «باب النوادر»، موسوعة إبن إدريس الحلي، لابن إدريس الحلي، 261، بحار الأنوار، للمجلسي، 46 / 192

[275]  تفسير العسكري، 376

[276] الاختصاص، للمفيد 85، بحار الأنوار، للمجلسي، 46 / 337

[277] الاحتجاج، للطبرسي، 1 / 293

[278]  صراط النجاة، للخوئي، 2/ 426 السؤال: 1328

[279] انظر إن شئت: البحار: 2/ 228، 236، 237، 238، 241، 23/ 185، 24/ 125، 25/ 330، 332، 37/ 33، 75/ 428، 72/ 178، 92/ 95، البصائر، 106، 113، الاختصاص، 306،330، الكافي، 1/ 65، 265، تأويل الآيات: 1/ 21، البرهان، 1/ 20، العياشي، 1/ 23، الصافي، 1/ 17، وانظر: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، للطوسي، وهو كتاب مستقل في هذا الباب.

[280] تهذيب الأحكام، للطوسي، 1/ 2

[281] لؤلؤة البحرين، ليوسف البحراني، 394، كليات في علم الرجال، لجعفر السبحاني، 357

[282] أعيان الشيعة: 5/ 401، مقياس الهداية: 1/ 137، الحدائق الناضرة: 1/ 170.

[283]القواعد والفوائد، للشهيد الأول، 2 / 157: نضد القواعد الفقهية، للمقداد السيوري، 269

[284] الحدائق الناضرة ليوسف البحراني، 1/ 89

[285] الحدائق الناضرة ليوسف البحراني، 1/ 5

[286] الحدائق الناضرة، للبحراني 1/ 8

[287] الرسائل الأربع، لجعفر السبحاني 201

[288] التقية في الفكر الإسلامي، مركز الرسالة، 101.

[289] مختلف الشيعة، للعلامة الحلي، 1/ 173.

[290] انظر: تحرير الأحكام، للحلي، 1/ 12.

[291] الوافي، للفيض الكاشاني، 1/ 9.

[292] مرجعية المرحلة وغبار التغيير، لجعفر الشاخوري، 135.

[293] بحوث في مباني علم الرجال، لمحمد سند، 63.

[294] تهديب الأحكام، للطوسي، 1/ 2.

[295] عدة الأصول، للطوسي، 1/ 136.

[296] الكافي، للكليني، 2/ 341 بحار الأنوار، للمجلسي، 69/ 251 وقال: أي أضر بهم وفضحهم، فإنهم كثيراً ما يكذبون في خبر ثم ينسون ويخبرون بما ينافيه ويكذبه، فيفتضحون بذلك عند الخاصة والعامة.

[297] تهذيب الأحكام، للطوسي، 2/ 129.

[298]  جوابات أهل الموصل، للمفيد، 6

[299] انظر: التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 1/ 9.

[300] الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة، 184.

[301] يا شيعة العالم استيقظوا، 35.

[302] كل الحلول عند آل الرسول، للتيجاني 148.

[303]كل الحلول عند آل الرسول، للتيجاني، 169.

[304] انظر: مدخل إلى دراسة الدور الحضاري للمرجعية الإسلامية، مجلة المنهاج، العدد 8، مرجعية المرحلة، للشاخوري 327، الاجتهاد في الإسلام، محاضرات في الدين والاجتماع 2، لمرتضى المطهري.

[305] انظر: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لعلي الوردي 232، مجلة العلم - السنة الثانية 226-267.

[306] أعيان الشيعة: 1/ 93.

[307] أعيان الشيعة: 17/ 453، مع علماء النجف الأشرف: 10 مصادر الاستنباط.

[308] مسند زيد بن علي - زيد بن علي 404: مكاتيب الرسول - الأحمدي الميانجي، 1 / 499

[309] كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق 235 وقال علي أكبر الغفاري: ذكر هذه الرواية عن أبي هريرة بهذا اللفظ هنا لا يناسب المقام، اللهم الا أن يكون المراد ذكره لبيان تحريف أبي هريرة لفظ الحديث، أو ايراد جميع ما سمعه، بحار الأنوار، للمجلسي، 23 / 132 وقال المحقق: هذا من تحريفات أبي هريرة المدلس الوضاع، وقد عرفت من اخبار كثيرة أنه قال: [ وعترتي ] وخبر الثقلين من الأخبار المتواترة التي لا يشك فيها.

[310] تفسير الميزان، للطباطبائي، 8 / 117: المفردات في غريب القرآن - الراغب الأصفهاني 519

[311] الاحتجاج، للطبرسي، 2 / 246، الصراط المستقيم، لعلي بن يونس العاملي البياضي، 3 / 156

[312] تصحيح اعتقادات الإمامية، للمفيد 72، متشابه القرآن ومختلفه، لابن شهر آشوب، 1 / 46

[313] نهج البلاغة - خطب الإمام علي، 3 / 93

[314] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27 / 115: بحار الأنوار، للمجلسي، 2 / 234

[315] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ، للطوسي، 2 / 489

[316] الكافي، للكليني، 4 / 291، الاستبصار، للطوسي، 2 / 151، تهذيب الأحكام، للطوسي، 5 / 26

[317] مصباح المتهجد، للطوسي، 367، بحار الأنوار، للمجلسي، 86 / 251

[318] الكافي، للكليني، 4 / 293

[319] الكافي، للكليني، 2 / 606

[320] مكاتيب الرسول، للأحمدي الميانجي، 1 / 499

[321] مكاتيب الرسول، للأحمدي الميانجي، 1 / 500

[322] المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، 1 / 221: الكافي، للكليني، 1 / 71

[323] الكافي، للكليني، 1/ 69، تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/ 9

[324] الكافي، للكليني، 1/ 69

[325] الاحتجاج، للطبرسي، 2/ 107

[326] الكافي، للكليني، 1 / 70

[327] جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/ 259

[328] عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق، 1/ 23

[329] الاختصاص، للمفيد 280

[330] مر تخريجه

[331] مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي، 267

[332] سبق تخريجه

[333] تهذيب الأحكام، للطوسي، 5/ 26

[334] الاستبصار، للطوسي، 2/ 151، تهذيب الأحكام، للطوسي، 5/ 27

[335] المحاسن، لأحمد بن لمحمد بن خالد البرقي، 1/ 222، بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار 31، الكافي، للكليني، 1/ 70، تهذيب الأحكام، للطوسي، 4/ 186

[336] مر تخريجه

[337] الكافي، للكليني، 1/ 70

[338] منهج الصادقين، لفتح الله الكاشاني، 2/ 493

[339] علل الشرائع، للصدوق، 2/ 515، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 552

[340] الأمالي، للطوسي، 290، 602، الجمل، للمفيد، 220، كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر الأنصاري، 287

[341] كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر الأنصاري، 343، 422، 423، الاحتجاج، للطبرسي، 1/ 233

[342] بحار الأنوار، للمجلسي، 43/ 66، 92/ 37، 94/ 226، 95/ 37، منازل الآخرة والمطالب الفاخرة، لعباس القمي، 299، نفس الرحمن في فضائل سلمان، للنوري الطبرسي، 337

[343] مختصر بصائر الدرجات، للحسن بن سليمان الحلي، 34، بحار الأنوار، للمجلسي، 39/ 243

[344] مختصر بصائر الدرجات، للحسن بن سليمان الحلي، 209، كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر الأنصاري، 130

[345] التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4/ 74، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/ 98

[346] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 336

[347] الكافي، للكليني، 5/ 378، الأمالي، للطوسي، 40

[348] الكافي، للكليني، 5/ 378، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 21/ 241، بحار الأنوار، للمجلسي، 43/ 144، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 21/ 198

[349] كشف الغمة، لابن أبي الفتح الإربلي، 1/ 148، بحار الأنوار، للمجلسي، 38/ 19

[350] الاحتجاج، للطبرسي، 1/ 145، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 2/ 50، بحار الأنوار، للمجلسي، 29/ 234، 312

[351] الكافي، للكليني، 7/ 94، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9/ 271

[352] الكافي، للكليني، 8/ 235

[353] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 194

[354] الاختصاص، للمفيد، 317، بحار الأنوار، للمجلسي، 25/ 380، 39/ 136، بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار، 419

[355] بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار، 376، 378، 379، الاختصاص، للمفيد، 302، 304، 305 تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2/ 248

[356] تفسير العياشي، للعياشي، 1/ 199

[357] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 173

[358] الكافي، للكليني، 1/ 237

[359] الكافي، للكليني، 5/ 346، بحار الأنوار، للمجلسي، 42/ 106وقال: هذه الأخبار لا ينافي ما مر من قصة الجنية، لأنها قصة مخفية أطلعوا عليها خواصهم، ولم يكن يتم به الاحتجاج على المخالفين، بل ربما كانوا يحترزون عن إظهار أمثال تلك الأمور لأكثر الشيعة أيضا، لئلا تقبله عقولهم ولئلا يغلو فيهم.

[360] مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 3/ 114، بحار الأنوار، للمجلسي، 43/ 42، 55، 78، موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، لهادي النجفي، 1/ 191، كشف الغمة، لابن أبي الفتح الإربلي، 2/ 95، مجمع النورين، لأبي الحسن المرندي، 30

[361] الإمامة والتبصرة، لابن بابويه القمي، 50، 52، كامل الزيارات، لجعفر بن محمد بن قولويه، 123، علل الشرائع، للصدوق، 1/ 205، كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 416

[362] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 1/ 34

[363] الكافي، للكليني، 1/ 448

[364] تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 173

[365] الكافي، للكليني، 5/ 494

[366] أنظر هذه الرواية وأخرى شبيهة في، الإمامة والتبصرة، لابن بابويه القمي، 50، 52، الكافي، للكليني، 1/ 464، كامل الزيارات، لجعفر بن محمد بن قولويه، 123، علل الشرائع، للصدوق، 1/ 205، كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 283، 416

[367] قرب الاسناد، للحميري القمي، 154، الاستبصار، للطوسي، 1/ 48، تهذيب الأحكام، للطوسي، 1/ 32

[368] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/ 290

[369] بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار، 171، الكافي، للكليني، 1/ 240، 306

[370] الاحتجاج، للطبرسي، 2/ 137، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 180، 47/ 273

[371] عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق، 2/ 180، الاحتجاج، للطبرسي، 2/ 222

[372] قرب الاسناد، للحميري القمي، 309

[373] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2/ 308

[374] الكافي، للكليني، 6/ 497

[375] الكافي، للكليني، 2/ 385

[376] الأمالي، للمفيد، 49

[377] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 1/ 379

[378] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 1/ 401

[379] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 2/ 499

[380] بشارة المصطفى، لمحمد بن علي الطبري، 163

[381] مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 2/ 59

[382] الأنوار النعمانية، لنعمة الله الجزائري، 2/ 320، زهر الربيع، لنعمة الله الجزائري، 23، شجرة طوبى، لمحمد مهدي الحائري، 1/ 70، الكشكول، ليوسف البحراني، 3/ 76، حدائق الأنس، للزنجاني، 209

[383] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 24

[384] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 463

[385] الكافي، للكليني، 5/ 465

[386] المقنع، للصدوق، 337، خلاصة الإيجاز، للمفيد، 42، رسالة المتعة، للمفيد، 8، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 463

[387] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 463، 466

[388] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 40، رسالة المتعة، للمفيد، 7

[389] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 41، رسالة المتعة، للمفيد، 7

[390] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 41، رسالة المتعة، للمفيد، 8

[391] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 42، رسالة المتعة، للمفيد، 8

[392] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 43، رسالة المتعة، للمفيد، 9

[393] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 462

[394] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 485

[395] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 54، رسالة المتعة، للمفيد، 12

[396] الاستبصار، للطوسي، 3/ 144، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 256

[397] الاستبصار، للطوسي، 3/ 144، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 256

[398] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 466

[399] الاستبصار، للطوسي، 3/ 145، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 254

[400] الاستبصار، للطوسي، 3/ 236، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 380

[401] الكافي، للكليني، 5/ 462، خلاصة الإيجاز، للمفيد، 47، رسالة المتعة، للمفيد، 10

[402] الكافي، للكليني، 5/ 463، النوادر، لأحمد بن عيسى الأشعري، 88

[403] الاستبصار، للطوسي، 3/ 145

[404] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 461، الاستبصار، للطوسي، 3/ 145، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 255

[405] الكافي، للكليني، 5/ 462، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 461، الاستبصار، للطوسي، 3/ 146، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 255

[406] الكافي، للكليني، 5/ 463

[407] الاستبصار، للطوسي، 3/ 219، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 258

[408] الكافي، للكليني، 5/ 463

[409] الكافي، للكليني، 5/ 467، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 270، 369، رسالة المتعة، للمفيد، 13

[410] الكافي، للكليني، 5/ 467

[411] الكافي، للكليني، 5/ 462

[412] الكافي، للكليني، 5/ 392، 462، الاستبصار، للطوسي، 3/ 233، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 377

[413] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 253

[414] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 253

[415] النوادر، لأحمد بن عيسى الأشعري، 91

[416] الكافي، للكليني، 5/ 452، الاستبصار، للطوسي، 3/ 147، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 259

[417] الاستبصار، للطوسي، 3/ 143، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 253

[418] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 41، رسالة المتعة، للمفيد، 8

[419] خلاصة الإيجاز، للمفيد، 48، رسالة المتعة، للمفيد، 11

[420] المقنع، للصدوق، 339، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 462، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 263

[421] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 288

[422] الكافي، للكليني، 5/ 450، الاستبصار، للطوسي، 3/ 142، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 251، 8/ 312

[423] جامع المدارك، للخوانساري، 4/ 293، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 20/ 158

[424] قرب الاسناد، للحميري القمي، 251

[425] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 254،

[426] تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/ 271

[427] كشف الغمة، لأبي الفتح الإربلي، 3/ 219، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 21/ 30، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 291 


من الردود الأخرى 

حديث الثقلين

نقول ليس كل ما لم يروا في الصحاح ضعيف , فهنالك أحاديث كثيرة لم ترو في الصحاح وهي صحيحة , وحديث كتاب الله وسنتي صحيح وثابت , فهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك جـ1 كتاب العلم ص (93) وصحح إسناده الألباني في صحيح الجامع برقم (3232) وكذلك (2937) عن أبي هريرة , وصححه ابن حزم في الأحكام جـ 6 ص (81) كما صححه السيوطي في الجامع برقم (3932). 


كتاب الله وعترتي أهل بيتي
 
إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي
لقد أوقعنا الشيعة في حيرة. فإذا قال عمر «حسبنا كتاب الله» قال الشيعة: وأين سنة رسول الله؟ وإذا قلنا لهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كتاب الله وسنتي» قالوا: كلا بل وعترتي وليس وسنتي.
ونسألهم: ماذا تعنون بالعترة وليس السنة؟ أليس المقصود من التمسك بالعترة التمسك بما تلقوه من سنة رسول الله؟ أم أن المطلوب التمسك بذوات العترة دون السنة التي تلقوها عن رسول الله؟
إذا كان المقصود سنة العترة فقولوا سنة العترة ولا تقولوا العترة من دون السنة.
وإذا كنتم تريدون سنتهم فلا خلاف حينئذ في كون سنة النبي مقدمة على سنة العترة بالاتفاق.
فعلى ماذا تشغبون إذن، وتصرفون الناس عن سنة النبي إلى ذوات العترة؟
وهل حقا تتمسكون بالعترة؟
فإن أول العترة هوعلي بن أبي طالب الذي بايع أبا بكر وعمر وعثمان فهل تقبلوا بذلك فتتمسكوا بهم وتقتدوا بهم؟
وأبناء العترة - الحسن والحسين - قد بايعا معاوية فهل تتمسكون بما فعلا؟
وقد سموا أبناءهم بأسماء الخلفاء الثلاثة فهل ترتضون ذلك؟
ونحن لو تركنا السنة إكراما للعترة فكيف نقبل مذهبا يروي عن العترة أن القرآن الذي نزل به جبريل سبعة عشر ألف آية كما في الكافي وصححه المجلسي؟
وهل سوف تقولون لنا إنكم تضربون بهذه الرواية عرض الحائط إذا خالفت القرآن؟ ولماذا تفعلون ذلك: هل لأن السند لم يصح أم لأن العترة وقعوا في خطأ فاحش؟ وأنتم صححتم سند هذا الخطأ الفاحش؟ فيلزم بهذا التصحيح الجزم بأنهم نطقوا بكلمة الكفر. وهذا عين الطعن بأهل البيت.
ثم كيف نتمسك بالعترة وقد رويتم عنهم إحاطة الكذابين بهم، ولم نجد من بين رواياتهم رواية واحدة صحيحة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
فهذا ليس طعنا بهم. كما أنه ليس طعنا بالتوراة والانجيل أن لا نأخذ بهما اليوم لدخول الكذب في كثير منها والتباس الحق بالباطل والصدق والكذب بهما.
روى ابن أبي عاصم في السنة (رقم 754). وفي رواية» إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض [أوما بين السماء إلى الأرض] وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض «(رواه أحمد في فضائل الصحابة2/ 746).
وفيه شريك وهو سيء الحفظ ولكن له شواهد.
 
والعترة عندنا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبنوه كما قرره القرآن والسنة.
وليس المراد بالخليفة هوالوصي بعد النبي بدليل أنه ذكر القرآن. والقرآن لا يمكن أن يكون خليفة على هذا النحو. فإن القرآن كان إماما للناس حتى في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذا كان علي قد خلف النبي فمن خلف القرآن؟ وهل يمكن أن تكون فاطمة خليفة.
 

ومعنى الخليفة هما الأمران اللذان يبقيان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من عدم اتقاء الله فيهما. قال تعالى] وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [. وقال تعالى] فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات [وقال تعالى] ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [والكلام في الآيتين لا علاقة له بالإمامة


مراده - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في قوله: (عترتي)!
 
فضيلة العلامة المحدث/ محمد ناصر الدين الألباني يرحمه الله. *
 
وأعلم - أيها القارىء الكريم -: أن من المعروف: أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيرًا، حتى يتوهم أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعًا واهمون في ذلك، وبيانه من وجهين:
 
- الأول: أن المراد من الحديث في قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: (عترتي). أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة بل هم مستمسكون به، ألا وهو: أن العترة فيهم هم أهل بيته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقد جاء ذلك موضحًا في بعض طرقه؛ كحديث الترجمة: (عترتي أهل بيتي).
 
وأهل بيته في الأصل هم: نساؤه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وفيهن الصديقة عائشة - رضي الله عنهن - جميعًا؛ كما هوصريح قوله تعالى في الأحزاب: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). [الأحزاب: 33].
 
بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا). [الأحزاب: 32 - 34].
 
وتخصيص الشيعة " أهل البيت " في الآية بعلي وفاطمة، والحسن والحسين - رضي الله عنهم - دون نسائه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارًا لأهوائهم؛ كما هومشروح في موضعه.
 
وحديث " الكساء " وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها؛ كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره.
 
وكذلك حديث " العترة " قد بين النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: أن المقصود أهل بيته - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله.
 
ولذلك قال التوربشتي - كما في " المرقاة ": (5/ 6..): (عترة الرجل: أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة بينها رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بقوله: (أهل بيتي). ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه).
 
- والوجه الآخر: أن المقصود من " أهل البيت " إنما هم: العلماء الصالحون منهم والمتمسكون بالكتاب والسنة.
 
قال الإمام أبوجعفر الطحاوي - رحمه الله تعالى -: (العترة: هم أهل بيته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره).
 
وذكر نحوه الشيخ علي القاريء في الموضع المشار إليه آنفًا. ثم استظهر: أن الوجه في تخصيص " أهل البيت " بالذكر ما أفاده بقوله: (إن أهل البيت غالبًا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله؛ فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته الواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته. وبهذا يصلح أن يكون مقابلاً لكتاب الله سبحانه؛ كما قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
 
قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في آية التطهير المتقدمة: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ).
 
فتبين: أن المراد بـ " أهل البيت " المتمسكين منهم بسنته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فتكون هي المقصود بالذات في الحديث، ولذلك جعلها أحد " الثقلين " في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الأول وهو القرآن.
 
وهو ما يشير إليه قول ابن الأثير في " النهاية ": (سماهما ثقلين؛ لأن الآخذ بهما - يعني: الكتاب والسنة - والعمل بهما ثقيل، ويقال: لكل خطير نفيس ثقل، فسماهما: ثقلين إعظامًا لقدرهما وتفخيمًا لشأنهما).
 
قلت: والحاصل أن ذكر " أهل البيت " في مقابل القرآن في هذا الحديث؛ كذكر سنة الخلفاء الراشدين مع سنته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في قوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين... ).
 
قال الشيخ القاريء (1/ 199): (فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي، فالإضافة إليهم، إما لعملهم بها، أولاستنباطهم واختيارهم إياها).
 
إذا عرفت ما تقدم؛ فالحديث شاهد قوي لحديث " الموطأ " بلفظ: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله). وهو في " المشكاة ": (186).
 
وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سود صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ. والله المستعان.
 
المصدر: " السلسلة الصحيحة ": [حديث رقم: 1761]


حديث الثقلين ينسف مذهب الرافضة نسفا
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرافضة تحتج بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي.
للوهلة الاولى تظهر لهذا الحديث شبهة عظيمة لكن اذا تأملت به عرفت انه هو الذي نسف مذهب الرافضة وقضى عليه.
الحديث يقول تمسكوا بشيئين هما:
1 - القرآن
2 - العترة.
لنبدأ بالقرآن:
يقوا الله سبحانه وتعالى:
ان الذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووونصروا أولئك هم المؤمنين حقا لهم مغفرة واجر كريم.
يعني الذي آمن وهاجر وجاهد فهو مؤمن حقا وله المغفرة والاجر من الله.
يعني ابوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله فهم مؤمنين حقا ولهم المغفرة والاجر من الله.
يعني خلافتهم صحيحة.
كذلك الذي آوى ونصر فهو مؤمن حقا له المغفرة والاجر من الله.
ويقول الله سبحانه وتعالى في القرآن:
محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا....
يعني الذين مع محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين واعمالهم صالحة.
اذن التمسك بالقرآن الذي طلب به الرسول يعني الاعتراف بفضل الصحابة وصحة خلافة ابوبكر وعمر وعثمان وكل من لايعترف بذلك فهوغير متمسك بالقرآن ويكون ضال اي الشيعة ضالة ومنحرفة ومذهبها باطل وهذا هواول اثبات ان حديث الثقلين قد نسف مذهب الشيعة نسفا.
اما التمسك بالعترة فيكون بفعل ما فعلوه ومن افعالهم مبايعة ابوبكر وعمر وعثمان وعدم لعن الصحابة وزوجات الرسول وعدم القول بردة الصحابة ولم تقل العترة ان الخلافة لنا وان علي رقم 1 مكرر اي نفس الرسول وقد احبت العترة الصحابة واحبوها وحدثت مصاهرة بينهم واكبر دليل على ذلك ان الصحابة عينوا علي اميرا عليهم وخليفة لهم وبقي الصحابة وال البيت اسرة واحدة ولم يظهر جماعتان متحاربتان كما هوحاصل اليوم بين آيات طهران.
اذن اهل السنة تمسكوا بالقرآن وال البيت كما قال رسول الله اما الشيعة فقد خالفوا القرآن وال البيت حيث كفروا الصحابة ولعنوهم وهم بهذا العمل المشين اثبتوا لكل عاقل انهم كاذبون في ادعائهم انهم انصار ال البيت لأن النصير لا يخالف من ينصره بل يسير على خطاه.
من هنا يتضح لنا ان حديث الثقلين الذي تتمسك به الشيعة هو الذي اثبت بطلان مذهبها وضربه الضربة القاضية.
هذا والله اعلم وصلى الله وسلم على محمد والحمد لله رب العالمين.


كتاب الله وسنتي - الثقلين
 
سنن الدارمي كتاب المقدمة
96 - أَخْبَرَنَا أَبُوعَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍوعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الْفَجْرِ ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ». وَقَالَ أَبُوعَاصِمٍ مَرَّةً: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
 
مسند أحمد حديث العرباض بن سارية رقم 176.9
176.9 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍوالسُّلَمِىُّ وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ قَالاَ أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ. فَقَالَ عِرْبَاضٌ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
 
مستد أحمد حديث العرباض بن سارية حدرث رقم 176.8
176.9 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍوالسُّلَمِىُّ وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ قَالاَ أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ. فَقَالَ عِرْبَاضٌ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
 
نفس المصدر السابق حديث العرباض حديث رقم 176.6
176.6 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ - عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍوالسُّلَمِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدْ إِلَيْنَا قَالَ «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ».
 
سنن ابن ماجه المقدمة حديث رقم 44
44 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِىُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ - يَعْنِى ابْنَ زَبْرٍ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى الْمُطَاعِ قَالَ سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِى اخْتِلاَفًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
 
سنن ابن ماجة المقدمة حديث رقم45
45 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ قَالاَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍوالسَّلَمِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ».
 
سنن ابي داود السنة حديث رقم 46.9 وقال عنه الالباني إنه صحيح
46.9 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍوالسُّلَمِىُّ وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ قَالاَ أَتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ. فَقَالَ الْعِرْبَاضُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
سنن الترمذي العلم حديث رقم 2891
2891 - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍوالسُّلَمِىِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا بَعْدَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِىٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». قَالَ أَبُوعِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
 
تخريج السيوطي عن العرباض بن سارية صححه الالباني في كتاب صحيح الجامع حديث رقم 2549
الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِى اخْتِلاَفًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
 
صحيح الجامع للالباني حديث رقم 2937بتخريج السيوطي عن ابوهريرة قال عنه الالباني إنه صحيح
تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
 
وايضا في تخريج السيوطي (ابوبكر الشافعي في الغيلانيات) عن ابي هريرة حديث رقم 3232 صحيح الجامع
قال عنه الالبأني إنه صحيح
خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
 
وايضا في كتاب مشكاة المصابيح الجزء الاول قال الالباني إنه صحيح


ادله بطلان تفسير الشيعه لحديث الثقلين والعتره
 
يتَّضح بجلاء من مجموع النقاط التي ذكرناها في موضوع مناقضة غيبة الإمام الثاني عشر لتلك الأدلة) ضعف ووهن تفسير متكلّمي الشيعة لحديث الثقلين.
يقول الحديث المذكور المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا أبداً»
 
إذا رجعنا فلسفة وجود الإمام كما تدعي الشيعه هي ضرورة وجود مفسِّر للقرآن ومبيّن لأحكام الله وحقائق الدين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم -
ووضعنا تلك الأدلّة جنباً إلى جنب حديث الثقلين،
نَصِلُ إلى تفسير الشيعة لهذا الحديث
 
وهو أن القرآن الكريم لا يكفي وحده لهداية الناس وإرشادهم نحو السعادة والكمال بل لا بد معه من مفسِّرين معصومين منصوبين مِنْ قِبَلِ الله تعالى،
 
وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث أن يعرِّفَنا بهؤلاء المفسِّرين المعصومين فبيَّن لنا أنهم عترته وأهل بيته. بعبارة أخرى، على الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا التفسير الصحيح للقرآن عن لسان العترة،
الذين هم، طبقاً لادعاء الشيعة، الأئمةُ الاثني عشر ذاتهم، وإلا فإنهم سيضلون وينحرفون.
ويقول علماء الشيعة في ذلك:
 
«إن جعل أهل البيت قرناء للقرآن الكريم في لزوم التمسّك بهما وأن الاثنين لا ينفصلان عن بعضهما، يوضِّح أن لا أحد من الاثنين يكفي وَحْدَهُ، وأن من قالوا:
 
(حسبنا كتاب الله) وقعوا في خطأ كبير، وأضلُّوا كثيراً» (، (بحث مبسوط في تعليم العقائد)، محسن غرويان، محمد رضا غلامي، سيد محمد حسين مير باقري، ص 305).
 
أقول: لو كان هذا التفسير لحديث الثقلين صحيحاً لكانت
نتيجته المنطقية ضلال جميع البشر في عصر الغيبة منذ 1200 سنه!!!!!!!!!!!
وحرمان مليارات الناس الأبرياء من الهداية والسعادة، منذ 1200 سنه!!!!!!!!!!!!!
 
لأن الإمكانية العملية للتمسك بعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فهم القرآن وتفسيره في عهد الغيبة قد انتفت،!!!!!!!!
 
والناس في عهد الغيبة
· إما سيتدبرون القرآن بأنفسهم ويفهموه بالاعتماد على عقلهم فهماً بشرياً (ولذا سيكون فهماً ناقصاً وغير خالص ومشوباً بالخطأ
 
· أو سيقلدون في فهم القرآن العلماء والفقهاء ويرجعون إليهم في هذا الأمر (والعلماء أيضاً فهمهم للدين فهم بشري)
 
فبهذا الحساب يكون جميع الناس ضالون ولا توجد طريق للهداية والسعادة إلى أن يظهر الإمام المعصوم.
 
فهل يمكن القبول بمثل هذا الأمر؟!
 
اذن الطريق الوحيد الذي يبقى للشيعة هو أن يقولوا:
رغم أن عترة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليست حاضرة الآن، لكن تعاليمهم قد وصلت إلينا في قالب الأحاديث والروايات المنقولة عنهم وهذه التعاليم تملأ هذا الفراغ.
 
وأننا إذا قلنا بضرورة وجود الأئمة المعصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم - خاصةً استناداً إلى الأدلة التي نقلناها عن متكلّمي الشيعة فيما سبق - لا يمكننا أبداً أن نعتبر أن باستطاعة الأحاديث والأخبار الباقية لدينا عن الأئمة أن تملأ الفراغ الناجم عن عدم وجود الإمام المعصوم حاليّاً بيننا لتجدد ظروف الحياه وتغيرها ووجود مسائل جديده تحتاج للتوضيح.
ونضيف هنا أنه إذا كان تفسير الشيعة لحديث الثقلين -
والذي يستند إلى أدلة ضرورة الإمامة - صحيحاً للزم من ذلك منطقياً ضرورة وجود الأئمة المعصومين وحضورهم في جميع العصور، وبالتالي فإن غيبة الإمام المعصوم لا تنسجم مع هذا التفسير إطلاقاً كما أن التوسُّل بالتعاليم والأحاديث الباقية لدينا عن الأئمة المعصومين لا يحل المشكلة.
 
فإذا قبلنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الناس بلغتهم مراعياً العرف السائد في التخاطب فيما بينهم، فيجب أن نقبل أن قصده من حديث الثقلين هو أنه لما كان أهل بيتي وعترتي أقربَ الناس إليَّ وأكثَرَهم أخذاً عني فإنهم يعرفون تعاليم القرآن وأحكام الله أفضل من غيرهم.
 
لذا فيجب على الناس أن يستفيدوا من علمهم قدر الإمكان ويأخذوا عنهم دروس الدين. ويتضح هذا أكثر إذا لاحظنا أن حديث الثقلين ورد بصورتين في إحداهما «كتاب الله وسنتي» وفي الثانية «كتاب الله وعترتي» وهذان النصان لا يتنافيان مع بعضهما بل يكمِّل أحدهما الآخر.
 
توضيح ذلك أن حديث الثقلين كان يتضمّن في الأصل جملة: «كتاب الله وسنتي» بما معناه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرنا أن نرجع بعده إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وأن نتمسّك بهذين الحبلين ونعتصم بهما كي لا نضل.
 
ولكن لما كانت عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أقرب إليه من الآخرين وكانت معرفتها بسنته أكثر من الآخرين لذا فإن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن الأمرَ ذاته في موارد أخرى بعبارة «كتاب الله وعترتي».
 
فإذا قلنا:
أولاً: إن قصد النبيِّ من كلمة «عترتي» أفرادٌ مخصوصون (كالأئمة الاثني عشر للشيعة)
وثانياً رجوعَ الناس إلى هؤلاء الأفراد لأجل فهم الدين بشكل صحيح والتمتُّع بنعمة الهداية والوصول إلى السعادة الأخروية ضروريٌ حتماً؛ عندئذٍ سنواجه الانتقادات ذاتها التي واجهناها من قبل لدى دراستنا وتحليلنا للأدلّة العقليّة على ضرورة الإمامة.
 
أما في التفسير الذي عرضناه لحديث الثقلين فلا حديثَ عن الضرورة الحتمية للرجوع إلى عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا نفيٌ لعلم العلماء الآخرين.
إن القول بضرورة الرجوع إلى الأئمة لا يمكن قبوله لما يترتب عليه من محظورات عقلية كما أن نفي إمكانية الأخذ عن علماء آخرين (غير الأئمة) مخالف لقواعد المنطق، لأن إثبات الشيء لا يعني نفي ما عداه.
بعبارة أخرى لم يكن معنى كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا رجعتم إلى علماء آخرين فإنكم ستضلون حتماً ولن تصلوا إلى الهداية أو السعادة أبداً. في القياس الاستثنائي (في علم المنطق) لا ينتج نفيُ المقدَّم نفيَ التالي،
بمعنى أن حديث الثقلين لا يدلُّ على أكثر من أن الناس لو رجعوا إلى عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتمسكوا بها فلن يضلُّوا أبداً. فهل يا ترى إذا نفينا المقدم (الرجوع إلى العترة) فإن النتيجة ستكون نفي التالي (أي أن الضلال سيكون قطعياً وحتمياً)؟
 
إن الإجابة على هذا السؤال طبقاً لقواعد المنطق هي: لا. إذا اعتبرنا كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارداً على حسب المعنى العرفي - كما هو الأصل - فسنرى أن استنتاج عصمة العترة من حديث الثقلين يفتقد الأساس المنطقيَّ المحكم.
أما الشيعة فيستدلُّون بحديث الثقلين على ثبوت عصمة العترة على النحو التالي:
«إن أمْرَ رسول الله بالتمسك بالقرآن والعترة بشكل متساوٍ جنباً إلى جنب يبيِّن أنه: كما أن القرآن الكريم مصونٌ عن الخطأ والاشتباه... فعترةُ رسول الله الطاهرة معصومةٌ أيضاً من باب أولى عن الخطأ والاشتباه» (المصدر السابق).
 
فأقول: لكن كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليس ظاهراً في إثبات المساواة بين القرآن والعترة. إن ما يفهم من ظاهر ذلك الحديث أن الناس لو رجعوا إلى كلا الاثنين (القرآن والعترة) فإنهم لن يضلوا أبداً. أما إذا أراد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث المذكور مساواة القرآن بالعترة واعتبارهما في رتبة واحدة فإن هذا يلزم عنه لازمان عقليان ومنطقيان:
 
1. في مثل هذا الفرض لن تكون هناك ضرورة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ارجعوا إلى كلا الاثنين (القرآن والعترة) تهتدوا، بل كان عليه أن يقول: إذا رجعتم إلى أيِّ واحدٍ منهما اهتديتم. وبالطبع لو أردنا أن نقبل بمرتكزات الشيعة فإنه في مثل هذا الفرض كان المفروض أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: بدلاً من الرجوع إلى القرآن ارجعوا إلى عترتي،
 
وذلك لأننا -حسب رأي الشيعة - لا نعلم تفسير القرآن على النحو الصحيح والمطلوب، وعاجزون عن فهم كثير من آيات القرآن، لأننا غير معصومين، وبالتالي فنحن نحتاج بشكل ضروري لتفسير الأئمة المعصومين لهذا الكتاب السماوي. بعبارة أخرى إذا قبلنا بمرتكزات الشيعة،
 
فإنه إذا كان هناك إمامٌ معصومٌ (المفسّر الحقيقي للقرآن) حاضراً بيننا، فإن رجوع الناس المباشر إلى القرآن والتدبّر في آياته ليس غير ضروري فحسب بل عملاً عبثيّاً وغير مجد بل حتى ممنوع!.
لان الشيعة يُعْتَبَروا الأئمةُ المعصومون «قرآناً ناطقاً»،
 
وعندما يكون لدينا «قرآنٌ ناطقٌ» أفلن يكون الرجوع إلى «القرآن الصامت» عملاً عبثياً وغيرَ مجد ولا فائدة منه (بدليل العجز المطلق لغير المعصوم عن فهم بعض الآيات فهماً صحيحاً واحتمال الخطأ في فهم الآيات أخرى)؟
2. وإذا قَصَدَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من حديث الثقلين المساواة بين العترة والقرآن وبالنتيجة «عصمة العترة» لكان من اللازم أن يذكر لنا مصاديق «العترة» بصراحة وشفافية تامة أي يعرّف لنا الأئمة واحداً واحداً. فلماذا لم يقم بمثل ذلك؟؟؟؟؟
ألا يدَّعي الشيعة أن الناس لا يستطيعون أن يشخّصوا وجود ملكة «العصمة» لدى أي شخص؟ ألا يقولون إن المعصوم لا يمكن أن يعرِّفه للناس إلا معصومٌ مثله؟
 
فلماذا امتنع النبيُّ عن التعريف الصريح بالأئمة المعصومين (بذكر الاسم والكنية)!
هنا من الضروري التذكير بنقطة هامة وهي أنه ليس لدينا حتى حديث واحد موثوق ذكر فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أسماء أشخاص على أنهم «أئمة معصومون»،
 
والأحاديث التي يستند إليها علماء الشيعة في هذا المجال كلها موضوعة لا تقوم بها حجَّة، لأن في أسانيدها رواةٌ مجروحون لا يُوثَقُ بنقلهم ليس من وجهة نظر أهل السنة فقط بل حتى من وجهة نظر علماء الشيعة الكبار.
و لنترك كل ما ذكرناه جانباً،
 
ولنفرض أنه كان هناك، من بين عترة النبيِّ وآله، علماء ومفسرون كبار استفادوا من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً وفهموا القرآن أفضل من غيرهم، ورغم أنهم لم يكونوا معصومين إلا أنهم كانوا علماء أتقياء وفقهاء ورعين.
 
فإذا قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم للناس: إضافةً إلى رجوعكم إلى القرآن وتدبّركم في آياته ارجعوا أيضاً إلى هؤلاء العلماء واستفيدوا من علمهم كي لا تضلوا أبداً، فأي محظور عقلي يكون في كلامه هذا؟
ستقولون: إن هؤلاء العلماء والفقهاء غير معصومين وقد يخطئون في فهم الدين فلا يمكن القول بأن الرجوعَ إليهم والأخذَ عنهم (حتى لو كان علمهم مأخوذاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم) يعصمنا من الضلال بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فنقول: أولاً: علينا أن نصحِّح فهمنا لموضوع الهداية والضلال. الهداية تعني أن يكون الإنسان على الطريق الصحيح في سعيه الصادق والمخلص للوصول إلى الحق والإذعان للحقيقة التي وجدها
 
(حتى لو كان هناك احتمال لاشتباهه في تشخيص الحقيقة، ولكن طالما أنه اجتهد بكل صدق وإخلاص بقدر استطاعته البشرية،
فإن ذلك سيمنحه رضا الله والقرب منه سبحانه وتعالى، ونَيل الأجر والثواب الأخروي، وهذه هي الهداية بعينها فليست الهداية شيئاً سوى ذلك)
 
وأي طريق أفضل من التعلم من مدرسة صحابيٍّ أدرك النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وتتلمذ على يديه مباشرةً وأخذ عنه حقائق الدين (خاصة إذا كان ذلك الصحابي فرداً من أفراد عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وكان قد نهل أكثر من غيره من فيض معارف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلومه)؟
بناء على ذلك، فإن المؤمن الذي يتدبّر القرآن ويتفكّر في آيات الله ويتعمّق في معانيها ويستفيد أيضاً في هذا المجال - لأجل مزيد من الفهم للقرآن- من أفكار واستنباطات كبار العلماء (مع قصد خالص ونية صحيحة، لا يمكننا أن نطلق عليه كلمة «ضال»،
 
رغم علمنا بأنه يمكن أن يقع في بعض الاشتباهات بسبب عدم عصمته والحدود التي تفرضها بشريته. إن ما يؤدي إلى انحراف الإنسان عن مسير الهداية ويوقعه في أودية الضلال هو معاندته العامدة للحق (بسبب هوى النفس وترجيح المصالح الدنيوية و.... ).
ثانياً: يعتقد علماء الشيعة أن الأئمة المعصومين أمروا الناس في أحاديث متعدِّدة بالرجوع في عصر الغيبة إلى الفقهاء العدول، وجعلوا أولئك الفقهاء حُجَّةً بينهم وبين الناس، وجعلوا هداية الناس مرهونة باتباع أولئك الفقهاء
 
(من ذلك مثلاً الحديث المشهور لدى الشيعة والمنسوب إلى توقيع صاحب الزمان أنه قال: «وَ أَمَّا الحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وأَنَا حُجَّةُ الله» (وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 27/ ص 140)، أو الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَارْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً» (أصول الكافي، الكليني: بَابُ كَرَاهِيَةِ الِارْتِفَاعِ إِلَى قُضَاةِ الْجَوْر، الحديث 5، ج 7/ ص 412)، أو الحديث المشهور: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً لِهَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ» (بحار الأنوار، المجلسي: ج 2/ ص 88، نقلا عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري). (المترجم)).
 
نحن لن نبحث الآن في صحة هذه الدعوى أو عدم صحتها.
إننا نريد أن نسأل: هل يمكن أن نستنتج من تلك الأحاديث أن الفقهاء معصومين؟
من البديهي أن الإجابة هي: كلا.
 
فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نستنتج من وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع «عترته» والتمسك بها، أن «عترته» لا بد أن تكون معصومة؟
هنا نلاحظ كيف أننا لو صحَّحنا فهمنا لمعنى الهداية والضلال فلن نجد في وصية النبيِّ المسلمينَ أن يتمسَّكوا بعترته (بمعنى العلماء والمفسرين والفقهاء من عترته وأهل بيته) وتأكيده أن التمسك بهم يعصمهم من الضلال (حتى لو وقعت أخطاء في هذا المجال) أيُّ محظور عقلي أو مشكلة،
 
ولمَّا كان الأمر كذلك فلا يمكننا أن نقول إن حديث الثقلين دليل قاطع ومحكم على عصمة العترة (وعلى أنه من الضروريّ والحتميّ أن يُرادَ من هذا اللفظ -أي العترة - أفرادٌ مخصوصون).
 
والحاصل إن الحديث المذكور لا يدل بالضرورة على مثل هذه النتيجة، لأنه حتى لو فرضنا عدم عصمة عترته فإن الحديث لن يتضمن أي تناقض أو إشكال (هذا بشرط أن نأخذ حديث النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على المعنى العرفي وأن نصحح فهمنا لمعنى الهداية والضلال).
ثالثاً: إذا اعتبرنا أن الضلال هو الخطأ في فهم الدين وفي تشخيص الحقيقة فسنكون مجبرين على الاعتراف بأننا ضالون على الدوام ولن نجد في حياتنا الهداية، حتى لو رجعنا إلى العترة التي تدّعي الشيعة عصمتها.
 
ذلك لأننا حتى لو افترضنا أن عترة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم معصومة عن الخطأ فإن الناس العاديين الآخرين غير معصومين عن الخطأ لذا فقد يخطئون في فهم كلام المعصوم أو في حفظه أو في نقله من شخص إلى آخر،
 
وبالتالي فإن كلام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين (الذي يؤكِّد أننا لو رجعنا إلى القرآن والعترة فلن نضل إذن أبداً) سيظهر أنه خلاف الواقع، هذا حتى لو افترضنا عصمة العترة. ونعوذ بالله من تحليلات تنتج في النهاية ظهور مخالفة حديث النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم للواقع!.
ثم نسأل: إذا كان الأئمة المعصومون قد جاؤوا لأجل بيان حقائق الدين وأحكام الله والتفسير الصحيح المعصوم عن الخطأ للقرآن الكريم،
 
فلماذا لم يدوِّن أيٌّ منهم تفسيراً كاملاً للقرآن كي يصبح مرجعاً معتبراً وكاملاً ومدوَّناً للآتين، حتى لا يختلفَ علماء الشيعة في العصور التالية عند غياب الإمام المعصوم في فهم الدين وفي تفسيرهم الصحيح للقرآن ولا تتشتَّتَ آراؤهم؟
 
لماذا لم يكتب الإمام علي (ع) خلال فترة الخمسة وعشرين عاماً التي اعتزل فيها السياسة وجلس في بيته مثل هذا التفسير؟
 
لماذا لم يقم الأئمة التالون (خاصة الإمام جعفر الصادق (ع) الذي أُتيحت له الحرية في نشر معارف الإسلام) بمثل هذا العمل؟
لماذا لم يستفد الإمام الحسين (ع) من السنوات العشر الأولى من إمامته (التي كان معاوية لا يزال فيها حياً وكان المجتمع هادئاً لأن الحسين (ع) بسبب الصلح الذي أمضاه أخوه الإمام الحسن (ع) مع معاوية، لم يتعرَّض إلى مجاهدة معاوية ومحاربته) في كتابة تفسير كامل للقرآن الكريم من أوله لآخره؟
والسؤال ذاته يمكن أن نطرحه حول تعليم أصول الدين وطرق الاجتهاد الصحيح وقواعد استنباط الأحكام من النصوص الدينية.
ألم يكن الأئمة كما تدعون انهم يعلمون الغيب؟؟؟ فالاولي انهم يعلمون أن عهد الغيبة سيحل قريباً وسيُحْرَمُ الناس فيه من حضور إمام معصوم؟
 
والسؤال فلماذا لم يقم أيٌّ منهم بكتابة دورة كاملة في علم أصول الفقه!!!! والقواعد الصحيحة للتفقُّه في الدين كي يستفيد العلماء والفقهاء منها في المستقبل؟
 
، وعلى الأقل عندما يريدون الاجتهاد من النصوص الدينية يستندون إلى منهج وقواعد واحدة ولا يقع بينهم كل ذلك الاختلاف والتشتت في الآراء؟
 
إن كل ما بقي لدينا عن الأئمة الكرام هو مجموعة من الأحكام الفقهية الخاصة بعصرهم وفترتهم الزمنية فقط لا غير، ولا نجد أي شيء في تعاليمهم يتعلق بالنظر إلى المستقبل وتعليم نهج الاجتهاد واستنباط الأحكام.
فعلى سبيل المثال لم يقولوا لنا شيئاً عن موضوع ما إذا كانت ظروف الزمان والمكان دخيلة في الاجتهاد أم لا.؟؟؟؟
مثلاً كانوا يقولون فقط: الاحتكار محرَّمٌ في ستة أشياء (الحنطة والشعير و... ) ولكنهم لم يوضِّحوا أبداً هل هذا الحكم خاصٌّ بذلك العصر فقط أم أن حكم الاحتكار هذا يمتد بذاته إلى الأبد؟؟؟؟
 
لهذا نرى اليوم فقيهاً يقول إن حكم الاحتكار اليوم هو حكم الاحتكار ذاته الذي قاله المعصوم (قبل 13 قرن) وأنه إلى يوم القيامة لا يحرم الاحتكار إلا في الأشياء الست المذكورة في تلك الرواية.
 
في حين أن هناك فقيهاً آخر يقول إن تحريم احتكار القمح والشعير و... في عصر الأئمة سببه أن حاجة الناس الأساسية إلى المواد الغذائية كانت منحصرة في تلك المواد الغذائية المذكورة فقط، وكان احتكار تلك الأغذية يضر إضراراً كبيراً بالمجتمع الإسلامي
 
. واليوم وبعد أن تغيرت حاجات الناس فإن احتكار الأشياء التي يحتاجها الناس بالضرورة (مثل الحديد والإسمنت والزيت و... ) حرامٌ أيضاً،
 
يعني أن الملاك الأصلي لحكم الاحتكار هو حاجات الناس وحاجات المجتمع الضرورية، وليس من البعيد أن يأتي يوم تخرج فيه تلك السلع التي وردت في الرواية وكان احتكارها محرماً في ذلك الزمن مثل القمح والشعير
 
والزبيب والتمر و... عن كونها من ضروريات المجتمع وحاجات الأفراد الأساسية وبالتالي يصبح احتكارها غير محرم في حين يكون احتكار سلع مثل اللحم والدجاج والسمك و... أو الخشب والورق و... محرماً نظراً لكونها من السلع التي يحتاجها المجتمع بشكل أساسي
. فسؤالنا هو لماذا كان الأئمة المعصومون يكتفون، عند بيانهم لأحكام الدين وإجاباتهم عن استفتاءات الناس، بذكر الأحكام فقط والإجابة على أسئلة الناس فحسب،؟؟؟
 
ولا يُذَكِّرون الناس مثلاً أو ينبِّهونهم إلى أن حكم فرض دية المقتول على عاقلة القاتل مثلاً يختص بالمجتمعات القبلية القديمة فقط مثل أهالي الجزيرة العربية وعصور ما قبل العصور الحديثة أم لا يختص بها بل يعم جميع المجتمعات؟؟؟؟؟
 
وهل ينطبق الحكم ذاته على مجتمعات أخرى وأزمنة مستقبلية أم لا؟
ويمكن طرح هذه الأسئلة بشكل كُلِّيّ بالصورة التالية:
 
لماذا لم يخلّف لنا الأئمة المعصومون آثاراً مكتوبة في مجال تفسير القرآن، وبيان أحكام الله، والرؤية الدينية للعالم والكون، والتاريخ الصحيح لحوادث صدر الإسلام، ومكانة العقل والعلم والفلسفة في الدين وكذلك حول أصول الأخلاق والعرفان (أو التصوف) الإسلامي و...، كي يحولوا إلى حد كبير دون تحريف تعاليمهم واندثارها،
 
وكي تكون تلك المؤلفات مصباح هداية يستنير بها ويهتدي بهديها جميع من سيأتي بعدهم في المستقبل؟
 
صحيح أن بعض المستندات المكتوبة تتعرض أحياناً إلى الدس والاختلاق والتحريف، لكن احتمال الوضع والتحريف في الوثيقة المكتوبة أقلُّ بكثير منه في الكلام المنقول شفهياً والمتناقل عبر الأفواه بين الناس. لذا إذا كان أئمة الشيعة قد نصبهم الله حقاً، وكانوا مأمورين بتفسير القرآن تفسيراً معصوماً عن الخطأ وببيان أحكام الله وحقائق الدين، فإن تدوينهم لتعاليمهم وقيامهم بذلك بأنفسهم (للحيلولة دون الوضع والافتراء فيها أو تحريفها واندثارها، وكذلك لأجل استفادة الناس والأجيال اللاحقة بنحو أكثر) كان من أوجب الواجبات.
 
فلماذا لم يقم أيٌّ منهم بمثل هذا الأمر؟؟؟؟؟
يكفي أن نفكِّر بهذه النقطة فقط كي ندرك حقيقة أن التفسير المعصوم عن الخطأ للدين لم يكن غرضاً مطلوباً لِلَّهِ تعالى.
 
بعبارة أخرى إن الله تعالى لم يجعل فهم الناس لدينهم بشكل كامل وصحيح مئة بالمئة ودون أي خطأ أو نقص وعلمهم بجميع أحكامه صغيرها وكبيرها وتطبيقهم لها بحذافيرها شرطاً للسعادة والكمال والقرب منه سبحانه وتعالى. لأنه لو كان يريد ذلك لخلق جميع الناس منذ البداية معصومين عن الخطأ.
ودليلنا على ادعائنا هذا أن وضع مثل هذا الشرط بالنسبة لأناس غير معصومين هو في الحقيقة تكليف بما لا يطاق وهو أمر - بمعزل عن قبحه - يؤدي إلى حرمان جميع الناس من السعادة والكمال
 
. وثانياً: حتى لو كان هذا الشرط قابلاً للتحقُّق ولم يكن خارجاً عن طاقة البشر فإن لازمه الضروري على الأقل وجود مرجع معصوم وحضوره في جميع العصور إلى يوم القيامة.
 
لكننا نرى اليوم أن مثل هذا اللازم أو الشرط غير متحقِّق،
لذا استناداً إلى هذا الواقع يمكننا أن نستنتج أن الله تعالى لم يجعل الوصول إلى السعادة والقرب منه سبحانه مشروطاً بالفهم والعمل المعصومان عن الخطأ،
 
بل جعل شرط ذلك أن يبحث الإنسان بكل صدق وإخلاص عن الحقيقة ويعتمد في هذا السبيل على عقله وفطرته ووجدانه النقي الطاهر لتشخيص الحق من الباطل ويبذل طاقته وغاية جهده بصدق وإخلاص، وعندئذٍ حتى لو وقع في خطأ أو اشتباه أو تعثُّر فإنه يكون معذوراً بالتأكيد.
 
القصة في فهم الدين أيضاً هي هذه وليست شيئاً آخر. لقد أراد الله من الإنسان أن يسعى ويبذل جهده لفهم دينه ومعرفة طريق الحق من خلال تدبره القرآن وإعماله عقله وفكره وتفكيره،
 
ولما كان الله يعلم أنه خلق البشر غير كاملين وأن قدراتهم محدودة وناقصة وأنهم جائزو الخطأ، وأنهم بعد السعي الصادق لن يصلوا سوى إلى فهم بشري للدين، فإنه يقبل منهم هذا ويغفر لهم نواقصهم وأخطاءهم غير العمديَّة، ولا يرفض إلا المعاندة المتعمّدة وعن علم للحقّ.
 
هذا عدا عن أنه لو كان شرط السعادة والكمال هو التفسير المعصوم عن الخطأ للدّين فإن مثل هذا الغرض لا يمكن تحصيله حتى مع نَصْب أئمة معصومين وحضورهم بين الناس في جميع العصور.
 
لأنه حتى لو وُجد إمام معصوم في كل عصر كي يبين للناس حقائق الدين وأحكام الله بشكل صحيح مئة بالمئة، فإن الناس رغم ذلك قد يقعون في الخطأ والاشتباه في فهمهم لكلام المعصوم وفي ضبطهم له أو أثناء نقلهم كلامه إلى الآخرين مما سيعرِّض تعاليم المعصوم إلى التشويه والتحريف أو الدس والوضع.
 
ألا يختلف علماء الشيعة ذاتهم في عصرنا الحاضر في فهمهم لكلام المعصوم؟
 
ألا يقدِّم كل واحدٍ من هؤلاء الفقهاء فهمه إلى الناس على أنه كلام المعصوم ذاته وحقيقة الدين؟
 
أليس فهمهم للدين فهماً بشريّاً (وبالتالي فهو فهم ناقص ومشوب بالخطأ)؟

الم يقل سيدنا علي
إنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حقيقةً، وعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوْرَاً، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوا بِهِ، ومَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ.
وقال عليه السلام: «
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ: زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنَىً؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ،
فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ
 
وقال رب العزة ي كتابه الكريم أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)
 
««توقيع الشناوي عوض»»


دراسة لبعض أسانيد كتاب الله وعترتي في طرق أهل السنة

المستدرك على الصحيحين ج: 3 ص: 118
4576 حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الحنظلي ببغداد ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ثنا يحيى بن حماد وحدثني أبو بكر محمد بن بالويه وأبو بكر أحمد بن جعفر البزار قالا ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن حماد وثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارا ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ثنا خلف بن سالم المخرمي ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش قال ثنا حبيب بن أبي ثابت (منقطعاًعن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن فقال كأني قد دعيت فأجبت إني قد الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
هذا منقطع، فإن حبيب كثير التدليس، ولم يصرح بالتحديث في أي من طرق الحديث، عدا أنه لم يسمع من أبي طفيل أصلاً.
 وذكر الحديث بطوله هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله شاهده حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما شاهداً أخرجه في مستدركه (3\118): من طريق محمد بن سلمة بن كهيل (واهي الحديث) عن أبيه (منقطعاً) عن أبي الطفيل بن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم  يقول
وهذا حديث لم يصح. فإن محمد بن سلمة شيعي واهي الحديث كما أثبت العقيلي في ضعفائه (4\79) وابن عدي في الكامل (6\216). وليس فيه توثيق ولا روى له أحدٌ من أصحاب الكتب الستة، فكيف يدعي الحاكم أن الحديث صحيحٌ على شرط الشيخين؟! وسلمة اتهمه بالتشيع كذلك أبو داود ويعقوب بن شيبة والعجلي. وقال ابن المديني في "العلل": «لم يلق سلمة أحداً من الصحابة إلا جندباً و أبا جحيفة». فالحديث منقطعٌ إذاً، وفيه ضعيف.
 ***************************************

المستدرك على الصحيحين ج: 3 ص: 160
4711 حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن مصلح الفقيه بالري ثنا محمد بن أيوب ثنا يحيى بن المغيرة السعدي ثنا جرير بن عبد الحميد عن الحسن بن عبد الله النخعي عن مسلم بن صبيح عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وأبو الضحى توفي سنة 100هـ، فيما أن زيد بن أرقم توفي سنة 65هـ (على قول ابن حبان)، ولا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه.
**************************************
سنن الدارمي ج: 2 ص: 524
3316 حدثنا جعفر بن عون ثنا أبو حيان عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنما انا بشر يوشك ان يأتيني رسول ربي فأجيبه وأني الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث عليه ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات
***************************************
سنن البيهقي الكبرى ج: 7 ص: 30
13017 أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ جعفر بن عون أنبأ أبو حيان وهو يحيى بن سعيد عن يزيد بن حيان قال سمعت زيد بن أرقم رضي الله عنه يقول ثم قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه وإني الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث عليه ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي قال بلى إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء تحرم عليهم الصدقة قال نعم أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبي حيان
****************************************
السنن الكبرى ج: 5 ص: 45
8148 أخبرنا محمد بن المثنى قال ثنا يحيى بن حماد قال ثنا أبو عوانة عن سليمان قال ثنا حبيب بن أبي ثابت (منقطععن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال كأني قد دعيت فأجبت إني قد الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كان في الدوحات رجل إلا رآه بعينه وسمع بأذنه

هذا منقطع، فإن حبيب كثير التدليس، ولم يصرح بالتحديث في أي من طرق الحديث، عدا أنه لم يسمع من أبي طفيل أصلاً.

**************************************
السنن الكبرى ج: 5 ص: 51
8175 أخبرنا زكريا بن يحيى قال ثنا إسحاق قال أنا جرير عن أبي حيان التيمي يحيى بن سعيد بن حيان عن يزيد بن حيان قال انطلقت أنا وحصين بن سمرة بن عمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فجلسنا إليه فقال حصين يا زيد حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شهدت معه قال ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء يدعى فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه وإني الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ومن استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه تركه كان على الضلالة وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات قال حصين فمن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال بلى إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة قال من هم قال آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس
****************************************
السنن الكبرى ج: 5 ص: 130
8464 أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثني يحيى بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن سليمان قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال كأني قد دعيت فأجبت إني قد الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه
هذا منقطع، فإن حبيب كثير التدليس، ولم يصرح بالتحديث في أي من طرق الحديث، عدا أنه لم يسمع من أبي طفيل أصلاً.
***************************************
مصنف ابن أبي شيبة ج: 6 ص: 133
30081 حدثنا زكريا قال حدثنا عطية(كوفي ضعيف) عن أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض
*************************************
المعجم الأوسط ج: 3 ص: 374
3439 حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب الأشناني الكوفي نا عباد بن يعقوب نا أبو عبد الرحمن المسعودي عن كثير النواء عن عطية(كوفي ضعيف)  عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
****************************************
المعجم الأوسط ج: 4 ص: 33
3542 حدثنا حمدان بن إبراهيم العامري الكوفي قال نا يحيى بن الحسن بن فرات القزاز قال نا أبو عبد الرحمن المسعودي عن كثير النواء وابي مريم الانصاري عن عطية(كوفي ضعيف)  عن أبي سعيد الخدري عن النبي ص قال اني الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
***********************************
مسند البزار 1-3 ج: 3 ص: 89
864 حدثنا الحسين بن علي بن جعفر قال نا علي بن ثابت قال نا سعاد بن سليمان عن أبي إسحاق عن الحارث(كذاب) عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مقبوض وإني قد الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وأنكم لن تضلوا بعدهما وأنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة فلا توجد
**************************************
مسند أحمد ج: 3 ص: 14
11119 حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو إسرائيل يعني إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي عن عطية(كوفي ضعيف)  عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض
************************************
مسند أحمد ج: 3 ص: 17
11147 حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو النضر ثنا محمد يعني بن طلحة(كوفي لين عن الأعمش (مدلسعن عطية العوفي(كوفي ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم اني أوشك ان أدعي فأجيب وأني الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وان اللطيف الخبير أخبرني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما
*****************************************
مسند أحمد ج: 3 ص: 26
11227 حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بن نمير ثنا عبد الملك يعني بن أبي سليمان عن عطية (كوفي ضعيفعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اني قد الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض
**************************************
مسند أحمد ج: 3 ص: 59
11578 حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بن نمير ثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطية العوفي(كوفي ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اني قد ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض
**************************************
المعجم الصغير ج: 1 ص: 226
363 حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب الأشناني الكوفي حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن كثير النواء عن عطية العوفي (كوفي ضعيفعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء ألى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض لم يروه عن كثير النواء إلا المسعودي
***************************************
المعجم الصغير ج: 1 ص: 232
376 حدثنا الحسن بن مسلم بن الطيب الصنعاني حدثنا عبد الحميد بن صبيح حدثنا يونس بن أرقم عن هارون بن سعد عن عطية(كوفي ضعيف)  عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم إني الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض لم يروه عن هارون بن سعد إلا يونس
***********************************
مسند أبي يعلى ج: 2 ص: 297
1021 حدثنا بشر بن الوليد حدثنا محمد بن طلحة(كوفي لين) عن الأعمش (مدلس عن عطية بن سعد(كوفي ضعيف)  عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم إني أوشك أن أدعا فأجيب وإني الثقلين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما
*****************************************
مسند أبي يعلى ج: 2 ص: 376
1140 حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا محمد بن فضيل(شيعي محترق)  عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطية العوفي(كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثم يا أيها الناس إني كنت قد ما إن أخذتم به لم تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض
**************************************
مسند ابن الجعد ج: 1 ص: 397
2711 حدثنا بشر بن الوليد نا محمد بن طلحة (كوفي لين) عن الأعمش (مدلس)  عن عطية(كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم إني أوشك أن أدعى فأجيب وأني الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما
**************************************
مسند عبد بن حميد ج: 1 ص: 114
265 أخبرنا جعفر بن عون انا أبو حيان التيمى عن يزيد بن حيان قال سمعت زيد بن أرقم يقول ثم قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك ان يأتينى رسول ربي فأجيبه وانى الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات فقال حصين يا زيد ومن أهل بيته أليست نساؤه من أهل بيته قال بلى ان نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال آل يا علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة قال نعم
***************************************
المعجم الكبير ج: 3 ص: 65
2679 حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا عبد الرحمن بن صالح ثنا صالح بن أبي الأسود عن الأعمش(مدلس  عن عطية(كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد رفعه قال ثم كأني قد دعيت فأجبت فإني الثقلين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما
*****************************************
المعجم الكبير ج: 3 ص: 66
2680 حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا نصر بن عبد الرحمن الوشاء ثنا زيد بن الحسن الأنماطي(كوفي منكر الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء فخطب فسمعته وهو يقول أيها الناس قد ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي
*************************************
المعجم الكبير ج: 3 ص: 66
2681 حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا جعفر بن حميد حدثنا عبد الله بن بكير الغنوي عن حكيم بن حبير( شيعي كذاب ) عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين فقام رجل فقال يا رسول الله وما الثقلان فقال رسول الله كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به لن تزالوا ولن تضلوا والأصغر عترتي وإنهم لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم
****************************************
المعجم الكبير ج: 3 ص: 67
2683 حدثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا سعيد بن سليمان ح وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وزكريا بن يحيى الساجي قالا ثنا نصر بن عبد الرحمن الوشاء ثنا زيد بن الحسن الأنماطي(كوفي منكر الحديث ثنا معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم أيها الناس إني فرط لكم واردون علي الحوض حوض أعرض ما بين صنعاء وبصرى فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض
***************************************
المعجم الكبير ج: 3 ص: 180
3052 حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وزكريا بن يحيى الساجي قالا ثنا نصر بن عبد الرحمن الوشاء ح وحدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري ثنا سعيد بن سليمان الواسطي قالا ثنا زيد بن الحسن الأنماطي(كوفي منكر الحديث ثنا معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال لما صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا تحتهن ثم بعث إليهن فقم ما تحتهن من الشوك وعمد إليهن فصلى تحتهن ثم قام فقال يا أيها الناس إني قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وإني لاظن أني يوشك أن أدعي فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال أليس تشهدون ان لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وناره حق وأن الموت حق وأن البعث بعد الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قالوا بلى نشهد بذلك قال اللهم أشهد ثم قال أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم قال يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض حوض أعرض ما بين بصرى وصنعاء فيه عدد النجوم قد حان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما كتاب الله عز وجل سبب طرفة بيد الله وطرفة بأيدكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض
**************************************
المعجم الكبير ج: 5 ص: 154
4922 حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شريك عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت يرفعه قال ثم إني قد الخليفتين كتاب الله وعترتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان
 والقاسم بن حسان لم يذكره البخاري في التاريخ الكبير (7\161) إلا بقوله: «القاسم بن حسان» مما يعني حدوث سقط في الكتاب. إذ أن البخاري يذكر على الأقل من روى عنه، وعن من. وقد ذكر المنذري أن البخاري قال: «القاسم بن حسان، سمع من زيد، بن ثابت. وعن عمّه عبد الرحمن بن حرملة، وروى عنه الركين بن الربيع. لم يصح حديثه في الكوفيين». وهذا هو الأشبه، ولذلك لم يعتد العلماء بتعديل أحمد بن صالح المصري له، لما عرف به من تساهل في توثيق مجاهيل التابعين. وقال الذهبي في ترجمته ميزان الاعتدال (5\448): «قال البخاري: "حديثه منكر، ولا يُعرف"». ولذلك قال ابن القطان: «لا يُعرف حاله». ولخص ابن حجر حاله بقوله في  تقريب التهذيب (1\449): «مقبول»، أي عند المتابعة كما هو اصطلاحه، وهنا قد تفرد به. فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان، ولأن سماعه من زيد بن ثابت شكك به ابن حبان، ولما نص عليه البخاري من بطلان للحديث.
******************************************************
4923 
حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري ثنا شريك عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين من بعدي كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان
  والقاسم بن حسان لم يذكره البخاري في التاريخ الكبير (7\161) إلا بقوله: «القاسم بن حسان» مما يعني حدوث سقط في الكتاب. إذ أن البخاري يذكر على الأقل من روى عنه، وعن من. وقد ذكر المنذري أن البخاري قال: «القاسم بن حسان، سمع من زيد، بن ثابت. وعن عمّه عبد الرحمن بن حرملة، وروى عنه الركين بن الربيع. لم يصح حديثه في الكوفيين». وهذا هو الأشبه، ولذلك لم يعتد العلماء بتعديل أحمد بن صالح المصري له، لما عرف به من تساهل في توثيق مجاهيل التابعين. وقال الذهبي في ترجمته ميزان الاعتدال (5\448): «قال البخاري: "حديثه منكر، ولا يُعرف"». ولذلك قال ابن القطان: «لا يُعرف حاله». ولخص ابن حجر حاله بقوله في  تقريب التهذيب (1\449): «مقبول»، أي عند المتابعة كما هو اصطلاحه، وهنا قد تفرد به. فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان، ولأن سماعه من زيد بن ثابت شكك به ابن حبان، ولما نص عليه البخاري من بطلان للحديث.
****************************************
عباد بن شيبان أبو يحيى المخزومي عن زيد بن ثابت
المعجم الكبير ج: 5 ص: 166
4969 حدثنا محمد بن حيان المازني حدثنا كثير بن يحيى ثنا أبو كثير بن يحيى ثنا أبو عوانة وسعيد بن عبد الكريم بن سليط الحنفي عن الأعمش (مدلسعن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن واثلة عن زيد بن أرقم قال ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمت ثم قام فقال كأني قد دعيت فأجبت إني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقلت لزيد أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه
**************************************
المعجم الكبير ج: 5 ص: 169
حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا عمرو بن عون الواسطي ثنا خالد بن عبد الله عن الحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
وأبو الضحى توفي سنة 100هـ، فيما أن زيد بن أرقم توفي سنة 65هـ (على قول ابن حبان)، ولا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه.
**************************************
المعجم الكبير ج: 5 ص: 170
4981 حدثنا معاذ بن المثنى ثنا علي بن المديني ثنا جرير بن عبد الحميد عن الحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
وأبو الضحى توفي سنة 100هـ، فيما أن زيد بن أرقم توفي سنة 65هـ (على قول ابن حبان)، ولا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه.
***************************************
السنة لابن أبي عاصم ج: 2 ص: 644
1554 حدثنا أبو بكر ثنا محمد بن بشر ثنا زكريا حدثنا عطية(كوفي ضعيف)    عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
****************************************************
1555 
حدثنا أبو مسعود الرازي حدثنا زيد بن عوف حدثنا أبو عوانة عن الأعمش (مدلس) عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع كان بغدير خم قال كأني قد دعيت فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض وإن الله مولاي وأنا ولي المؤمنين ثم أخذ بيد علي رضي الله عنهما فقال من كنت وليه فعلي وليه فقال أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان في الركاب إلا قد سمعه بأذنيه ورآه بعينيه قال الأعمش(مدلسفحدثنا عطية(كوفي ضعيف) عن أبي سعيد لمثل ذلك
هذا منقطع، فإن حبيب كثير التدليس، ولم يصرح بالتحديث في أي من طرق الحديث، عدا أنه لم يسمع من أبي طفيل أصلاً.
****************************************
حلية الأولياء ج: 1 ص: 355
حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان حدثني نصر بن عبدالرحمن الوشاء ثنا زيد بن الحسن الانماطي(كوفي منكر الحديث)  عن معروف بن خربوذ المكي عن أبي الطفيل عامر بن وائلة عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون على الحوض فإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فانه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض
***************************************
سير أعلام النبلاء ج: 9 ص: 365
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الهمذاني بمصر أخبرنا أبو هريرة محمد بن الليث بن شجاع الوسطاني وزيد بن هبه الله البيع ببغداد قالا أخبرنا أبو القاسم أحمد بن المبارك أخبرنا قفرجل أخبرنا عاصم بن الحسن أخبرنا عبد الواحد بن محمد حدثنا الحسين ابن إسماعيل القاضي إملاء حدثنا محمد بن يزيد أخو كرخويه أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا زكريا عن عطية العوفي(كوفي ضعيف)    عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
***************************************
فضائل الصحابة لابن حنبل ج: 2 ص: 585
990 حدثنا عبد الله قال حدثني أبي قثنا بن نمير قثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطية العوفي (كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اني قد ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين واحد منهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض قال بن نمير قال بعض أصحابنا عن الأعمش قال انظروا كيف تخلفوني فيهما
*****************************************
فضائل الصحابة لابن حنبل ج: 2 ص: 779
1382 حدثنا عبد الله قال حدثني أبي نا الأسود بن عامر نا أبو إسرائيل عن عطية(كوفي ضعيف)    عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
*******************************************************
1383 
حدثنا عبد الله قال حدثني أبي نا أبو النضر نا محمد يعني بن طلحة (كوفي لين)عن الأعمش (مدلس) عن عطية العوفي (كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما
*****************************************
فضائل الصحابة للنسائي ج: 1 ص: 15
45 أخبرنا محمد بن المثنى قال ثنا يحيى بن حماد قال ثنا أبو عوانة عن سليمان(مدلس) قال ثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال كأني قد دعيت فأجبت إني قد الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيدي علي فقال من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كان في الدوحات رجل إلا رآه بعينه وسمعه بإذنه
**************************************
سنن الترمذي ج: 5 ص: 662
3786 حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحسن هو الأنماطي(كوفي منكر الحديث)  عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول يا أيها الناس إني قد ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي قال وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد قال وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم
***************************************
 
سنن الترمذي ج: 5 ص: 663
3788 حدثنا علي بن المنذر كوفي حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا الأعمش (مدلس) عن عطية (كوفي ضعيف)   عن أبي سعيد  والأعمش (مدلس )عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما قال هذا حديث حسن غريب
أما ما رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد، فهو منقطع. وحبيب مدلس مشهور لم يبين سماعه من زيد في كل طرق الحديث
**************************************
السنة لابن أبي عاصم ج: 2 ص: 350
754 ثنا أبو بكر ثنا عمرو بن سعد أبو داود الحفري عن شريك عن الركين عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الخليفتين من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض
فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان
 والقاسم بن حسان لم يذكره البخاري في التاريخ الكبير (7\161) إلا بقوله: «القاسم بن حسان» مما يعني حدوث سقط في الكتاب. إذ أن البخاري يذكر على الأقل من روى عنه، وعن من. وقد ذكر المنذري أن البخاري قال: «القاسم بن حسان، سمع من زيد، بن ثابت. وعن عمّه عبد الرحمن بن حرملة، وروى عنه الركين بن الربيع. لم يصح حديثه في الكوفيين». وهذا هو الأشبه، ولذلك لم يعتد العلماء بتعديل أحمد بن صالح المصري له، لما عرف به من تساهل في توثيق مجاهيل التابعين. وقال الذهبي في ترجمته ميزان الاعتدال (5\448): «قال البخاري: "حديثه منكر، ولا يُعرف"». ولذلك قال ابن القطان: «لا يُعرف حاله». ولخص ابن حجر حاله بقوله في  تقريب التهذيب (1\449): «مقبول»، أي عند المتابعة كما هو اصطلاحه، وهنا قد تفرد به. فالحديث ضعيف لجهالة القاسم بن حسان، ولأن سماعه من زيد بن ثابت شكك به ابن حبان، ولما نص عليه البخاري من بطلان للحديث.

**************************************

التدوين في أخبار قزوين ج: 3 ص: 465
عن محمد بن إسحاق قال قرأت على محمد بن مسعود ثنا أبو حجر عمرو بن رافع ثنا جرير عن الحسن عن مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وانهما لم يتفرقا حتى يردا على الحوض قال الخليل الحسن هو الحسن بن أبي عميرة ومسلم هو ابن يسار
وأبو الضحى توفي سنة 100هـ، فيما أن زيد بن أرقم توفي سنة 65هـ (على قول ابن حبان)، ولا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه.


كتاب الله وسنتي – كتاب الله وسنة نبيه

ان الاحاديث الواردة في التمسك بسنة النبي صلى الله عليه واله وسلم كثيرة , ولكني رايت الرافضة يركزون على الطعن بحديث معين , وهو ( كتاب الله وسنتي ) , فسمعت الكثير من الرافضة يقول ان هذا الحديث ضعيف , فلا يجوز لكم ان تحتجوا به , ويجب عليكم ان تحتجوا بحديث كتاب الله وعترتي.
سوف اركز على حديث كتاب الله وسنتي وذلك لان الرافضة يركزون عليه ليطعنوا بسنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , واما حديث كتاب الله وعترتي فسوف افرد الكلام عليه في موضوع خاص به.
لقد ورد حديث ( كتاب الله وسنتي ) وفي لفظ ( كتاب الله وسنة نبيه ) في عدة مصادر وخلاصة الحكم على هذا المعنى لا ينزل عن درجة الحسن.
قال الامام البيهقي : " 20336 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ , أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ , ثنا جَدِّي , ثنا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ , ثنا أَبِي , عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابُ اللهِ , وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ " اهـ.[1]

وفي كتاب الاعتقاد : " أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، ثنا جَدِّي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدَّيْلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحَاقَرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمُونَ إِخَوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " اهـ.[2]

وقال الامام الحاكم بعد ان اورد الرواية : " وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِأَحَادِيثِ عِكْرِمَةَ وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَبِي أُوَيْسٍ، وَسَائِرُ رُوَاتِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لِخُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّفَقٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» وَذِكْرُ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ غَرِيبٌ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهَا ". وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 318 - احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس عبد الله وله أصل في الصحيح " اهـ.[3]

وقال الحافظ المنذري  : "  65 - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَيْبَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد
66 - وَعنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تضلوا أبدا كتاب الله وَسنة نبيه الحَدِيث
رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد
احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح " اهـ.[4]

وقال الامام الالباني : " 40 - (صحيح)
وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " اهـ.[5]

فالحديث صحيح كما صرح ائمة الحديث , فكل حديث يأتي بنفس المعنى فهو معتبر ولا يضر ضعف بعض رواته بعد ان علمنا ان للحديث طريقا معتبرا فيكون السند الصحيح , او الحسن هو الاصل , وإيراد غيره للاستئناس , وزيادة اليقين.
قال الامام الالباني : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " اهـ. [6]

ولقد صححه الامام الزرقاني في شرحه على الموطأ , حيث قال : " وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ
________________
(مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) مَرَّ أَنَّ بَلَاغَهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاتِي أَمْرَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ شَيْئَيْنِ (لَنْ تَضِلُّوا مَا مَسَكْتُمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ، أَيْ: أَخَذْتُمْ وَتَعَلَّقْتُمْ وَاعْتَصَمْتُمْ (بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ) بَدَلٌ مِنْ أَمْرَيْنِ (وَسُنَّةَ نَبِيهِ) فَإِنَّهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ لَا عُدُولَ عَنْهُمَا وَلَا هَدْيَ إِلَّا مِنْهُمَا، وَالْعِصْمَةُ وَالنَّجَاةُ لِمَنْ مَسَكَ بِهِمَا وَاعْتَصَمَ بِحَبْلِهِمَا، وَهُمَا الْعُرْفَانِ الْوَاضِحُ وَالْبُرْهَانُ اللَّائِحُ بَيْنَ الْمُحِقِّ إِذَا اقْتَفَاهُمَا وَالْمُبْطِلِ إِذَا حَلَّاهُمَا، فَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إِلَيْهِمَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُحَصِّلُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ يَقِينًا، وَفِي السُّنَّةِ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» " اهـ.[7]
وحسنه العلامة عبد القادر الارناؤوط رحمه الله في تحقيقه لجامع الاصول للامام ابن الاثير : " 64 - (ط) مالك بن أنس - رحمه الله -: بَلَغَهُ، أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ». أَخرجه الموطأ (1).
__________
(1) في القدر رقم 3 باب النهي عن القول بالقدر بلاغاً، لكن يشهد له حديث ابن عباس عند الحاكم 1/ 93 بسند حسن فيتقوى به " اهـ.[8]

ولقد كان الصحابة الكرام يبايعون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على الكتاب , والسنة كما جاء عند الامام ابي عوانة في مستخرجه , حيث قال : " 7217 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» " اهـ.[9]

فلو لم تكن هناك سنة يجب المحافظة عليها لما بايع عليها الصحابة الكرام إذ انه من المعلوم ان البيعة تنعقد على شيء موجود لا مفقود , فلما كانت السنة المطهرة وهي المصدر التشريعي الثاني بعد القران الكريم عند المسلمين موجودة انعقدت البيعة عليها , وفي هذا الاثر الحث على التمسك بالسنة المطهرة والحفاظ عليها.
وتوجد اثار اخرى في اسانيدها مقال ولكن لوجود اسانيد اخرى بهذا المعنى مع تصريح بعض ائمة الحديث ما بين قائل بصحة الحديث , او تحسينه , فتكون هذه الطرق مع تضعيفها تقوي هذه الاثار , ففي سنن الدارقطني , وغيره : " 4606 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ , نا أَبُو قَبِيصَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ , نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي , وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ " اهـ.[10]

وقال ابو الشيخ : " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ " اهـ.[11]

وقال ابن عبد البر : "  حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْفَرَائِضِيُّ، نا الْحُنَيْنِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اهـ. [12]

وقد قال الامام ابن عبد البر ان هذا الحديث من شهرته لا يحتاج الى اسانيد , ثم اسند روايتين , حيث قال : " حَدِيثٌ ثَانٍ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ
128 - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ
وَهَذَا أَيْضًا مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ أَحَادِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ اثْنَتَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا أَبَدًا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الديبلي قال حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْفَرَائِضِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُنَيْنِيُّ عَنْ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اهـ.[13]

وقال الامام ابو بكر الخطيب : " أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْضَاوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُجَدَّدِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ نا سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا " اهـ.[14]

وصححه الامام ابن حزم حيث قال : " وإنما الصحيح في هذا الباب ما ناولنيه بعض أصحابنا وحدثنيه أيضا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كلاهما عن أبي الوليد عبد الله بن يوسف القاضي عن ابن الدخيل عن العقيلي نا محمد بن إسماعيل نا إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الله بن أبي عبد الله البصري وثور بن يزيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم اعقلوا أيها الناس قولي فقد بلغت وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه وبه إلى العقيلي ثنا موسى بن إسحاق ثنا محمد بن عبيد المحاربي ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدا ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولم يتفرقا حتى يردا علي الحوض " اهـ.[15]

ولقد وردت روايات اخرى تحث على التمسك بالسنة , ومنها ما جاء في الصحيحين : "  حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» " اهـ.[16]

وفي سنن الامام ابن ماجة وغيره : " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الْمُطَاعِ قَالَ سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ
تحقيق الألباني : صحيح، الإرواء (2455)، المشكاة (165)، الظلال (26 - 34)، التراويح " اهـ.[17]

وقال الامام الحاكم : " 102 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَارِسِيُّ، وَحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، قَالَا: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ الْقُرَشِيُّ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا ابْنُ أَبِي الْمَوَالِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَوْهَبٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ: الْمُكَذِّبُ بِقَدْرِ اللَّهِ، وَالزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ يُذِلُّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَيُعِزُّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرَمِ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي «.» قَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 102 - صحيح ولا أعرف له علة " اهـ.[18]

والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الاسلامي , قال الامام الشافعي : "  لم أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَهُ الناس أو نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ في أَنْ فَرَضَ اللَّهُ عز وجل اتِّبَاعَ أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل لم يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلٌ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ ما سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا " اهـ.[19]

وقال الامام ابو اسحاق الشيرازي : " وأول ما يبدأ به الكلام على خطاب الله عز و جل وخطاب رسوله صلى الله عليه و سلم لأنهما أصل لما سواهما من الأدلة " اهـ.[20]

وكذلك نقول بأن سنة النبي صلى الله عليه واله وسلم وحي من الله تعالى , وقد جاءت الادلة الدالة على ذلك من القران , والسنة , قال الامام عبد الرزاق : " 2342 - عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34] قَالَ: «الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ» " اهـ.[21]

وقال الحافظ ابن كثير : " { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد " اهـ.[22]

وفي مسند الامام احمد : " 17174 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرِيزٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا  عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ " (2)
__________
(2) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، فمن رجال أبي داود والنسائي، وهو ثقة. حريز: هو ابن عثمان الرحبي " اهـ.[23]

وفي المسند ايضا : " 17194 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ زَيْدٌ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ، يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قَالَ: " يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ " (2)
__________
 (2) حديث صحيح، وهو بإسناد الذي قبله، غير أن الإمام أحمد قرن هنا بعبد الرحمن- وهو ابن مهدي- زيدَ بنَ الحباب " اهـ.[24]

ولقد ورد في كتب الامامية عدة روايات تفيد بالتمسك بالسنة النبوية المطهرة , ومنها : ما جاء في عين الحياة للمجلسي حيث قال : " وروى علي بن ابراهيم بسند صحيح في تفسير قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) عن أبي عبدالله عليه السّلام انّه قال : نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السّلام، وبلال، وعثمان بن مظعون فأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام حلف أن لا ينام في الليل أبداً، وأما بلال حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأمّا عثمان بن مضعون فانّه حلف أن لا ينكح أبداً فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة : ما لي اراك متعطّلة ؟ فقالت : ولمن أتزين ؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فانّه قد ترهب، ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى : الصلاة جامعة فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟ ألا انّي أنام بالليل، وأنكح، وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فانزل الله : ( لا يُؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان... ) ثم بيّن كفارته " اهـ.[25]

فلو كان قول علي رضي الله عنه سنة لما خالف سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
وفي الرواية تصريح النبي صلى الله عليه واله وسلم على ان الراغب عن سنته فليس منه , وفي هذا تحذير خطير من ترك السنة النبوية , وحث على التمسك بها.
وفي الكافي : " 10-  عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) " اهـ. [26]

وفي رواية اخرى في الكافي : " عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا وَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ " اهـ.[27]

ففي رواية موسى الكاظم رحمه الله التصريح بان الاعتبار بالكتاب , والسنة , وأن ما من شيء الا وهو موجود فيهما , ولقد اكدت رواية الصادق بأن ما من شيء الا وفيه كتاب , او سنة , والنفي مع الاستثناء يفيد الحصر , ففي هذا دلالة على ان الكتاب والسنة فيهما كل شيء يحتاجه المسلم لا غيرهما , فهما مستغنيان عن غيرهما , وغيرهما محتاج اليهما.
 ولقد كانت الامة في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تتعبد لله تعالى بادلة القران , وما صدر من حضرة النبي صلى الله عليه واله وسلم لا غير , ولقد مات الرسول صلى الله عليه واله وسلم وختم الله تعالى به التشريع والامر في الامة على ذلك.
وفي روضة المتقين : " و يؤيده ما رواه الكليني و غيره بأسانيد كثيرة منها في الصحيح، عن أيوب بن الحر قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل شي ء مردود إلى الكتاب و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " اهـ.[28]

وفيه ايضا : " و في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من خالف كتاب الله و سنة محمد صلى الله عليه و آله و سلم فقد كفر " اهـ.[29]

فلو لم يكن الكتاب والسنة هما المرجع , وهما الاصل لما قال الامام الصادق رحمه الله ان من خالفهما فقد كفر.
وفي الكافي : " عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ وَ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَقُولُونَ هَذَا فَقَالَ يَا وَيْحَكَ وَ هَلْ رَأَيْتَ فَقِيهاً قَطُّ إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وآله ) " اهـ.[30]

ففي هذه الرواية خطاب النبي صلى الله عليه واله وسلم للقراء بأن يبلغوا الكتاب والسنة لا غير , فلو كان التبليغ يتعلق بامر اخر لذكره النبي صلى الله عليه واله وسلم.
وفي روضة المتقين : "  و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي " اهـ.[31]

وقال الصدوق : " 47 -  حدثنا محمد بن عمر البغدادي قال : حدثنا محمد بن الحسين بن حفص الخثعمي قال : حدثنا محمد بن عبيد قال : حدثنا صالح بن موسى قال : حدثنا عبد العزيز بن - رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبدا ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما : كتاب الله وسنتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " اهـ.[32]

فلو قال الرافضي ولكن سند هذه الرواية سني , فنقول لهم لماذا اوردها الصدوق ؟ , ثم نقول لهم قد ورد في كتبكم على لسان الائمة عدم رد الرواية وان كان فيها رواة مطعون بهم , قال هاشم الهاشمي : " وروى البرقي بسند صحيح عن محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال : ( لا تكذبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئ ولا قدري ولا حروري ينسبه إلينا، فإنكم لا تدرون لعله شئ من الحق فيكذب الله فوق عرشه ) " اهـ.[33]

وقال المجلسي : " و روى الصدوق في العلل بإسناده الصحيح عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال : لا تكذبوا بحديث أتاكم به مرجى‏ء و لا قدري و لا خارجي نسبه إلينا، فإنكم لا تدرون لعله شي‏ء من الحق فتكذبوا الله عز و جل فوق عرشه " اهـ.[34]

وفي مسند زيد بن علي : " حدثني زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي ( ع م ) قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه والبيت غاص بمن فيه قال ادعوا لي الحسن والحسين فدعوتهما فجعل يلثمهما حتى أغمي عليه، قال فجعل علي عليه السلام يرفعهما عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله قال ففتح عينيه فقال دعهما يتمتعان مني وأتمتع منهما فإنه سيصيبهما بعدي أثرة  ثم قال : يا أيها الناس اني خلفت فيكم كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي، اما ان ذلك لن يفترقا حتى ألقاه على الحوض " اهـ.[35]

وفي نهج البلاغة : " ومن كلامه (عليه السلام) قبل موته
..............
أَمَّا وَصِيَّتِي: فَاللهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّداً فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هذَيْن الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ" اهـ.[36]

وفي وصية علي لابن عباس رضي الله عنهما : " [ 77 ] ومن وصيته (عليه السلام) لَهُ لما بعثه للا حتجاج على الخوارج
لاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوه، تَقُولُ وَيَقُولُونَ، وَلكِنْ حاجّهُمْ بالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً " اهـ.[37]

وقال البحراني : " لأنهم ( عليهم السلام ) قد أمرونا بعرض ما شك فيه من الأخبار على الكتاب والسنة فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما، فالواجب في تمييز الخبر الصادق من الكاذب مراعاة ذلك، وفيه غنية عما تكلفوه، ولا ريب أن اتباع الأئمة ( عليهم السلام ) أولى من اتباعهم " اهـ.[38]

فلو لم تكن السنة عدل القران لما كان عرض روايات الامامية عليها ميزانا للقبول والرد , ولو كان قول العترة او فعلهم او تقريرهم سنة لما عرضوا اخبارهم على الكتاب والسنة , فمن المستحيل عرض الشيء على نفسه.


1 - سنن البيهقي - ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي - ج 10 ص 194.
2 - الاعتقاد - ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي - ج 1ص 228.
3 - المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الامام الذهبي - ابو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم - ج 1 ص 171.
4 - الترغيب والترهيب - عبد العظيم بن عبد القوي المنذري - ج 1 ص 41.
5 - صحيح الترغيب والترهيب - محمد ناصر الدين الالباني - ج 1 ص 10.
6 - منزلة السنة في الإسلام – محمد ناصر الدين الالباني - ج 1 ص 18.
7 - شرح الزرقاني على موطأ مالك - محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري – ج 4 ص 387.
8 - جامع الاصول – تحقيق عبد القادر الارناؤوط – ج 1 ص 277.
9 - مستخرج أبي عوانة – ابو عوانة يعقوب بن اسحاق الاسفراييني – ج 4 ص 432.
10 - سنن الدار قطني - ابو الحسن علي بن عمر الدارقطني - ج 5 ص 440 , والمستدرك على الصحيحين مع تعليقات الامام الذهبي - ابو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم - ج 1 ص 171.
11 - طبقات المحدثين – ابو الشيخ عبد الله بن محمد الاصبهاني – ج 4 ص 67.
12 - جامع بيان العلم وفضله – ابن عبد البر - ج 2  ص 55.
13 - التمهيد – ابو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر - ج 24  ص 331.
14 - الفقيه والمتفقه – ابو بكر احمد بن علي بن ثابت البغدادي - ج 1  ص 275.
15 - الاحكام – ابو محمد علي بن احمد بن حزم – ج 6 ص 243.
16 - صحيح البخاري - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ - ج 7 ص 2 , وصحيح مسلم - بَابُ اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَوَجَدَ مُؤَنَهُ، وَاشْتِغَالِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْمُؤَنِ بِالصَّوْمِ - ج 2 ص 1020.
17 - صحيح وضعيف سنن ابن ماجة - محمد ناصر الدين الالباني - ج 1 ص 114 , وسنن أبى داود - ج 12 ص 211 , وسنن البيهقي الكبرى - ج 10 ص 195 , وسنن الدارمي - ج 1 ص 57 , وصحيح ابن حبان - ج 1 ص 179.
18 - المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الامام الذهبي – ابو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم - ج 1  ص 91.
19 - الأم - محمد بن ادريس الشافعي - ج 7 ص 273.
20- اللمع في أصول الفقه - أبو اسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي - ص 3.
21 - تفسير القرآن - عبد الرزاق بن همام الصنعاني - ج 3 ص 299.
22 - تفسير ابن كثير - ابو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير -ج 6 ص 415.
23 - مسند الامام احمد - تحقيق شعيب الارناؤوط - ج 28 ص 410 - 411.
24 - مسند الامام احمد - تحقيق شعيب الارناؤوط - ج 28 ص 429.
25 - عين الحياة - محمد باقر المجلسي - ج 1 ص 348.
26 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 62 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 1 ص 209.
27 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 59 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 1 ص 204.
28 - روضة المتقين - محمد تقي المجلسي - ج ‏6 ص 33 - 34.
29 - روضة المتقين - محمد تقي المجلسي - ج ‏6 ص 34.
30 - الكافي – الكليني - ج 1 ص 70 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح  – ج 1 ص 230.
31 - روضة المتقين - محمد تقي المجلسي - ج ‏13 ص 124.
32 - كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - ص 235.
33 - حوار مع فضل الله حول الزهراء  - هاشم الهاشمي - ص 217.
34 - مرآة العقول – محمد باقر المجلسي – ج 4 ص 314.
35 - مسند زيد بن علي - زيد بن علي - ص 404.
36 - نهج البلاغة - الشريف الرضي - ج 2 ص 33.
37 - نهج البلاغة - الشريف الرضي - ج 3 ص 136.
38 - الحدائق الناضرة - البحراني - ج 1 ص 16.

عدد مرات القراءة:
22564
إرسال لصديق طباعة
الخميس 15 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق:28 ديسمبر 2023م 03:12:33 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث إنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)؛ وذلك لأن النبي (ص) قد خطب - انظر: "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" لمحمد أبي شهبة (572/2 - 580) - ثلاث مرات في حجة الوداع: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع بإسناد حسن من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح أن حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) صحيح، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في هذه الحالة يكون ضعيفاً أيضاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الجمعة 25 جمادى الأولى 1445هـ الموافق:8 ديسمبر 2023م 04:12:57 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث إنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو أحْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأثنين 15 ربيع الآخر 1445هـ الموافق:30 أكتوبر 2023م 04:10:40 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو أحْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله حال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث أنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
السبت 6 ربيع الآخر 1445هـ الموافق:21 أكتوبر 2023م 04:10:41 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من سلمة بن دينار (أبي حازم)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن سلمة بن دينار (أبي حازم) منقطعة.
كما أن سلمة بن دينار (أبي حازم) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو أحْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) أيضاً؛ وذلك لأننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله حال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث أنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
السبت 29 ربيع الأول 1445هـ الموافق:14 أكتوبر 2023م 03:10:09 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أنه من المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين الوارد فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، والله أعلم.
ونلاحظ أن حديث حجة الوداع ليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وبالتالي فلا يجب الخلط بينهما.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد حديث حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأثنين 24 ربيع الأول 1445هـ الموافق:9 أكتوبر 2023م 03:10:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أنه من المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين الوارد فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، والله أعلم.
ونلاحظ أن حديث حجة الوداع ليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وبالتالي فلا يجب الخلط بينهما.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد حديث حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الجمعة 7 ربيع الأول 1445هـ الموافق:22 سبتمبر 2023م 04:09:38 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأربعاء 5 ربيع الأول 1445هـ الموافق:20 سبتمبر 2023م 04:09:26 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) يقول قبل أن يروي حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الخميس 14 صفر 1445هـ الموافق:31 أغسطس 2023م 04:08:46 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأربعاء 13 صفر 1445هـ الموافق:30 أغسطس 2023م 04:08:47 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
السبت 9 صفر 1445هـ الموافق:26 أغسطس 2023م 03:08:36 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
الجمعة 8 صفر 1445هـ الموافق:25 أغسطس 2023م 04:08:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
الأثنين 13 محرم 1445هـ الموافق:31 يوليو 2023م 06:07:36 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 5 محرم 1445هـ الموافق:23 يوليو 2023م 04:07:59 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 26 شوال 1444هـ الموافق:17 مايو 2023م 04:05:42 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 25 شوال 1444هـ الموافق:16 مايو 2023م 04:05:00 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
السبت 1 شوال 1444هـ الموافق:22 أبريل 2023م 04:04:24 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الجمعة 30 رمضان 1444هـ الموافق:21 أبريل 2023م 04:04:16 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص)، كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد ورد حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا فيما يخص أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، وأن أقرباء النبي (ص) غير داخلين في أهل بيته (ص)، وأن زوجاته (ص) داخلات في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 27 رمضان 1444هـ الموافق:18 أبريل 2023م 03:04:49 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) و حثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وهذا المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" تؤيده آيتان من القرآن الكريم واللتان جاءت فيهما مفردة "أهل البيت" بمعنى الأشخاص الذين يسكنون في البيت نفسه، وهاتان الآيتان هما:
– قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وهذه الآية المخاطب بها بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت.
– قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، والمعروف أن زوجات النبي (ص) يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا فإن آية التطهير قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (زوجات النبي)؛ وذلك لكون النبي (ص) من مصاديق أهل البيت. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير.
لذا فإن أقرباء النبي (ص) ليسوا من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهم لا يسكنون في بيته (ص).
فيتبين لنا من خلال هذا الكلام حول قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - أن أهل بيت النبي (ص) هم - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) وليس أقربائه، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأثنين 26 رمضان 1444هـ الموافق:17 أبريل 2023م 04:04:08 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) و حثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وهذا المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" تؤيده آيتان من القرآن الكريم واللتان جاءت فيهما مفردة "أهل البيت" بمعنى الأشخاص الذين يسكنون في البيت نفسه، وهاتان الآيتان هما:
– قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وهذه الآية المخاطب بها بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت.
– قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، والمعروف أن زوجات النبي (ص) يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا فإن آية التطهير قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (زوجات النبي)؛ وذلك لكون النبي (ص) من مصاديق أهل البيت. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير.
لذا فإن أقرباء النبي (ص) ليسوا من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهم لا يسكنون في بيته (ص).
فيتبين لنا من خلال هذا الكلام حول قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - أن أهل بيت النبي (ص) هم - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) وليس أقربائه، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا»، وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن لفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم، وله شواهد تقويه، حيث جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق أن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأثنين 5 رمضان 1444هـ الموافق:27 مارس 2023م 05:03:51 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وهذا المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" تؤيده آيتان من القرآن الكريم واللتان جاءت فيهما مفردة "أهل البيت" بمعنى الأشخاص الذين يسكنون في البيت نفسه، وهاتان الآيتان هما:
– قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وهذه الآية المخاطب بها بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت.
– قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، والمعروف أن زوجات النبي (ص) يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا فإن آية التطهير قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (زوجات النبي)؛ وذلك لكون النبي (ص) من مصاديق أهل البيت. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير.
لذا فإن أقرباء النبي (ص) ليسوا من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهم لا يسكنون في بيته (ص).
فيتبين لنا من خلال هذا الكلام حول قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - أن أهل بيت النبي (ص) هم - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) وليس أقربائه، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي جاء فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد جاء - كما بينا سابقاً - حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- لفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، وأخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- لفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، وأخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 4 رمضان 1444هـ الموافق:26 مارس 2023م 05:03:41 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وهذا المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" تؤيده آيتان من القرآن الكريم واللتان جاءت فيهما مفردة "أهل البيت" بمعنى الأشخاص الذين يسكنون في البيت نفسه، وهاتان الآيتان هما:
– قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وهذه الآية المخاطب بها بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت.
– قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، وقول الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30] يدل على اعتنائه تعالى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، والمعروف أن زوجات النبي (ص) يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا فإن آية التطهير قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)، كما أن هذه الآية استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (زوجات النبي)؛ وذلك لكون النبي (ص) من مصاديق أهل البيت. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث قد أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370)، ثم قال: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
لذا فإن أقرباء النبي (ص) ليسوا من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهم لا يسكنون في بيته (ص).
فيتبين لنا من خلال هذا الكلام حول قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - أن أهل بيت النبي (ص) هم - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) وليس أقربائه، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي جاء فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد جاء - كما بينا سابقاً - حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- لفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، وأخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- لفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، وأخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
السبت 11 شعبان 1444هـ الموافق:4 مارس 2023م 03:03:43 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
– مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (انظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
– ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص)، وهذه الأحاديث قد أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي جاء فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع لا يجوز قبول روايته إذا كانت في روايته دعوة لبدعته، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 2 شعبان 1444هـ الموافق:23 فبراير 2023م 05:02:21 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
– مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
– ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص)، وهذه الأحاديث قد أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
السبت 27 رجب 1444هـ الموافق:18 فبراير 2023م 11:02:43 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
– مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
– ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص)، وهذه الأحاديث قد أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 25 رجب 1444هـ الموافق:16 فبراير 2023م 03:02:56 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)؛ وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
– مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
– ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وهناك طرق غير طريق مسلم لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح على عكس الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
وهناك أيضاً طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جاء - كما بينا سابقاً - فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر عدم تفرق القرآن وأهل بيت النبي (ص) أو عترته حتى يردا على النبي (ص) الحوض، وهذا اللفظ الذي يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً هو: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 16 رجب 1444هـ الموافق:7 فبراير 2023م 03:02:30 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".
فكما نرى، فإن خطبة حجة الوداع التي رواها ابن هشام في "سيرته" من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 9 رجب 1444هـ الموافق:31 يناير 2023م 04:01:05 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 18 جمادى الآخرة 1444هـ الموافق:11 يناير 2023م 06:01:00 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية - غير محفوظة عند أهل العلم - تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأثنين 18 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:12 ديسمبر 2022م 02:12:02 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 28 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:23 نوفمبر 2022م 06:11:32 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 27 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:22 نوفمبر 2022م 06:11:27 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 22 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:17 نوفمبر 2022م 03:11:48 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 18 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:13 نوفمبر 2022م 04:11:11 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 15 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:10 نوفمبر 2022م 04:11:34 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
كما أن هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 4 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:30 أكتوبر 2022م 06:10:39 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب)، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع المروية من طريق محمد بن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق آخر بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
السبت 3 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:29 أكتوبر 2022م 02:10:42 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وتجدر الإشارة إلى أن ابن هشام قد ذكر خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).
وفي هذه الرواية، نجد أن خطبة حجة الوداع من طريق ابن إسحاق قد جاءت بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. كما جاءت خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 30 ربيع الأول 1444هـ الموافق:26 أكتوبر 2022م 04:10:19 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج أحاديث اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج أحاديث اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

الحديث الخامس: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 23 ربيع الأول 1444هـ الموافق:19 أكتوبر 2022م 02:10:04 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وهذا الطريق قد رواه رواة عدة، ونحن قبل أن نبين أحوال هؤلاء الرواة سوف نقوم بعرض طرق حديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل وبيان تخريجها كالآتي:
أولاً: طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
ثانياً: طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
ثالثاً: طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 20 ربيع الأول 1444هـ الموافق:16 أكتوبر 2022م 04:10:32 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريق آخر لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.
كما ورد لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل طريق آخر أيضاً أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5)، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 28 صفر 1444هـ الموافق:25 سبتمبر 2022م 05:09:57 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا - كما بينا سابقاً - من طرق ضعيفة لا تصح، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد - كما بينا سابقاً - في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً كما بينا سابقاً، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 25 صفر 1444هـ الموافق:22 سبتمبر 2022م 06:09:36 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
ونحن سوف نخرج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) واللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) كالآتي:
• تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه):
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
ولحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" طرق أخرى، وفي هذه الطرق جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح كما بينا سابقاً، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث "كتاب الله وسنة نبيه" يُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 21 صفر 1444هـ الموافق:18 سبتمبر 2022م 04:09:41 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح كما بينا سابقاً، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
السبت 20 صفر 1444هـ الموافق:17 سبتمبر 2022م 02:09:38 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح كما بينا سابقاً، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 18 صفر 1444هـ الموافق:15 سبتمبر 2022م 03:09:25 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء - كما بينا سابقاً - الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح كما بينا سابقاً، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 17 صفر 1444هـ الموافق:14 سبتمبر 2022م 05:09:09 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها كما بينا سابقاً، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها كما بينا سابقاً؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح كما بينا سابقاً، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الجمعة 12 صفر 1444هـ الموافق:9 سبتمبر 2022م 03:09:22 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الخميس 11 صفر 1444هـ الموافق:8 سبتمبر 2022م 04:09:43 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
• ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 7 صفر 1444هـ الموافق:4 سبتمبر 2022م 03:09:59 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
•ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأربعاء 3 صفر 1444هـ الموافق:31 أغسطس 2022م 06:08:10 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
•ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الثلاثاء 2 صفر 1444هـ الموافق:30 أغسطس 2022م 09:08:24 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
•ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى - كما بينا سابقاً - غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد (وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً. والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع كما بينا سابقاً، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. ولفظ: «وسنة نبيه» حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي لفظ: «وسنة نبيه»، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (وهو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأثنين 1 صفر 1444هـ الموافق:29 أغسطس 2022م 06:08:24 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
•ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408) -، وكذلك حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها - مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ -، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً)، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً).
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً)، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه)، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 30 محرم 1444هـ الموافق:28 أغسطس 2022م 08:08:54 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين:
اللفظ الأول: كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب )، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني: كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص)، وهم: (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):
أولاً: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناده صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص). و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.

الطريق الثاني: الأَعْمَش، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95)، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
وقد جاء من:
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42).
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وطريق آخر: حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).
وطريق آخر: سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد بينا حال سليمان الأعمش، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً.

الطريق الرابع: الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3).

رابعاً: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

خامساً: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3).

سادساً: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الطريق الأول: كَثِير بْن زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني: علي بن ثابت، قال: حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناده لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126)، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي: "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه)، فهو كالآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

ثانياً: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3).

خامساً: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4).
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5).

سادساً: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2).

ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى.
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في"السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف، وبالتالي يكون حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا إن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق وأن قلنا بإن البيهقي قد أخرج حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله. (أنظر: "تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. (أنظر: "تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (أنظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47 - 55).
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، أدخل على الرابط أدناه:
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2 - 604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده صحيح.

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا، ولم يذكر له إسناداً، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي: "و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص)، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي: "«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم.
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين، كالآتي:
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام): قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام). (أنظر: "تفسير ابن كثير" 289/4).
•ومرة مع نساء النبي (ص): قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30]... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب/30]، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11): "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته. وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 369)، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه. وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، أدخل على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً)، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً)؛ وذلك بقول الرسول (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها. وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً)، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً، كما أن حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/2408) -، وكذلك حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها - مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).

ولفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً، ويُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأنما ورد في حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/2408)، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً)، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ -، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى، وعلى فرض صحة لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً)، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (286/2): "ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى، وقال الخطيب أيضاً: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي" (287/2). وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي للسيوطي" (89/1)، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى. كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً).
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة. وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث، والله أعلم.

وأما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" فيسمى حديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً)، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين، وهما:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وهو الصحيح، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، من طريق جابر الأنصاري (رض).
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه)، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7].
بالإضافة إلى ذلك، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، كالآتي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2)، كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13)، كالآتي:
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني، كالآتي:
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الجمعة 28 محرم 1444هـ الموافق:26 أغسطس 2022م 07:08:57 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة ، وهي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ : "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ" .
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة :
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ... . وقد جاء من :
طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ :"نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي »" .
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) .
وهذا الطريق ضعيف ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7) .
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
وطريق آخر : حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) .
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وطريق آخر : سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ : ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ : لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) .
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :«إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) :«تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي» .
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» .
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ :"رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي »" .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :« أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً ، وقد سبق بيان حاله .
وفيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) :«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ» .
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ :«إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي» .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5) ، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص) :«إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد» .
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي ، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "المسند" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) :«إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله (ص) :«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم» .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - ، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :«يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا» .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) :«لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة : مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَالَ : ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ ، فَقَالَ :«يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وهذا الحديث مرسل ، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم ، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح) ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك . وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير ، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4) .
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ :«أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في "السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ :«قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال :«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ ، فَقَالَ : بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسناداً ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ :"انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي :"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ :«وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28] ، واستمر الكلام حتى قوله تعالى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] ... ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى : {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31] . إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) :"{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به الشيعة الأثنا عشرية أيضاً ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) . والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين ، وهما :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى ، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في "السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) :«عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ» .
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607) ، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال :"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ" ، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42) ، وأحمد في "المسند" (رقم/17145) ، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2) ، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض) .

وقال (ص) :«فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) :«خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ» .
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»" .
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»" .

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 20 محرم 1444هـ الموافق:18 أغسطس 2022م 03:08:01 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة :
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7) .
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كذلك هذا الطريق أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً ، وقد سبق بيان حاله .
وفيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5) ، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي ، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وهذا الحديث مرسل ، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم ، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح) ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك . وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير ، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4) .
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 19 محرم 1444هـ الموافق:17 أغسطس 2022م 02:08:31 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة :
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7) .
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كذلك هذا الطريق أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الإسناد فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً ، وقد سبق بيان حاله .
وفيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5) ، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وهذا الحديث مرسل ، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم ، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح) ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك . وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير ، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4) .
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 17 محرم 1444هـ الموافق:15 أغسطس 2022م 03:08:39 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لعلي بن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5) ، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وهذا الحديث مرسل ، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم ، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح) ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك . وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير ، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4) .
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وهذا السند فيه عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 16 محرم 1444هـ الموافق:14 أغسطس 2022م 03:08:10 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم ، حيث انه ولد في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (كما هو الراجح) ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك . وللمزيد حول مولد عروة بن الزبير ، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (422/4) .
وكذلك هذا الحديث في سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 15 محرم 1444هـ الموافق:13 أغسطس 2022م 04:08:13 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي" (224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعاً من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى بن معين :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (278/4) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان البستي" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه يحيى بن معين :"عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (237/5) .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 محرم 1444هـ الموافق:2 أغسطس 2022م 01:08:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 27 ذو الحجة 1443هـ الموافق:27 يوليو 2022م 02:07:45 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي ، وَلَا تُعْسِفُوهُ ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، قال: ثنا هِشَامٌ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 18 ذو الحجة 1443هـ الموافق:18 يوليو 2022م 03:07:04 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم - أبو سعيد الخدري - جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت - علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة - عمرو بن عوف المزني - أبو سعيد الخدري - أنس بن مالك - عروة بن الزبير - عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني :"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبد الله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض) .

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض) .

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 7 ذو الحجة 1443هـ الموافق:7 يوليو 2022م 07:07:44 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) . و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله (ص): « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله (ص): « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي (ص) خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي (ص) ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال (ص) : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 22 ذو القعدة 1443هـ الموافق:22 يونيو 2022م 04:06:22 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه - بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 9 ذو القعدة 1443هـ الموافق:9 يونيو 2022م 05:06:28 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه - بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 9 ذو القعدة 1443هـ الموافق:9 يونيو 2022م 05:06:02 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه - بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 20 رمضان 1443هـ الموافق:22 أبريل 2022م 03:04:45 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - كلاهما قد جاءا من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 19 رمضان 1443هـ الموافق:21 أبريل 2022م 02:04:38 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) ، فهو كالآتي :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 19 رمضان 1443هـ الموافق:21 أبريل 2022م 02:04:51 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 19 رمضان 1443هـ الموافق:21 أبريل 2022م 01:04:29 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - التي هي غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 19 رمضان 1443هـ الموافق:21 أبريل 2022م 12:04:11 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله – حذيفة بن أسيد – زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص بقية طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي التي هي غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فقد جاء الحديث فيها تارةً بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وتارةً بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - ، وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) ، وقد ضعّف أهل العلم هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى ، وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 18 رمضان 1443هـ الموافق:20 أبريل 2022م 04:04:08 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وقد ضعّف أهل العلم لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 18 رمضان 1443هـ الموافق:20 أبريل 2022م 03:04:58 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً ، حيث لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كذلك هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 18 رمضان 1443هـ الموافق:20 أبريل 2022م 03:04:44 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، ويُعتبر لفظاً زائداً لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 18 رمضان 1443هـ الموافق:20 أبريل 2022م 02:04:20 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يُعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند ضعيف ، فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

ولفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ويُعتبر لفظاً زائداً لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 17 رمضان 1443هـ الموافق:19 أبريل 2022م 06:04:17 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد الذي هو : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، والذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية - لم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن هذا اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 28 شعبان 1443هـ الموافق:1 أبريل 2022م 06:04:35 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3) :"وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة ، قال علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وبالتالي هذا السند يعتبر منقطعاً .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) ، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة ، حيث قال علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير ، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7) :"مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى ، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 24 شعبان 1443هـ الموافق:28 مارس 2022م 11:03:23 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث "كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي" الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف هذا الحديث ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 24 شعبان 1443هـ الموافق:28 مارس 2022م 03:03:23 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 24 شعبان 1443هـ الموافق:28 مارس 2022م 02:03:11 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55) .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره ، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيفان ولا يتقوى بغيرهما أبداً ، وللفائدة أكثر حول موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة ، أدخل على الرابط أدناه :
https://www.afriqa-sat.com/vb/t84097.html?noj

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) وحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها قد جاء من طرق ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه منكراً وشاذاً - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - وكذلك حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها هو حديث مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 18 شعبان 1443هـ الموافق:22 مارس 2022م 08:03:55 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 17 شعبان 1443هـ الموافق:21 مارس 2022م 07:03:17 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو موصوف بالتدليس ، حيث وصفه ابن حبان بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً :"كَانَ مدلساً" انتهى ، وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وهذه المرتبة بيَّنها ابن حجر العسقلاني في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) ، كما أن أبي إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع ، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 17 شعبان 1443هـ الموافق:21 مارس 2022م 01:03:20 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 12 شعبان 1443هـ الموافق:16 مارس 2022م 08:03:51 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، وهم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 12 شعبان 1443هـ الموافق:16 مارس 2022م 07:03:32 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من صحابة رسول الله (ص) ، هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 12 شعبان 1443هـ الموافق:16 مارس 2022م 09:03:52 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 11 شعبان 1443هـ الموافق:15 مارس 2022م 08:03:56 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) - الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - غير معصوم من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال قبل ان يروي حديث الثقلين :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 11 شعبان 1443هـ الموافق:15 مارس 2022م 06:03:02 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى ، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122) "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى ، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قال قبل ان يروي الحديث :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، حيث أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، فهو غير معصوم من الخطأ والسهو والنسيان ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 11 شعبان 1443هـ الموافق:15 مارس 2022م 03:03:35 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول ، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب ، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1) :"إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى ، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، فقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات ، الصغائر أو الكبائر ، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم ، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم ، ولا في أخبارهم ، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص) ، قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 9 شعبان 1443هـ الموافق:13 مارس 2022م 03:03:58 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وعليه فإن المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 8 شعبان 1443هـ الموافق:12 مارس 2022م 04:03:16 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وبالتالي المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته . وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 8 شعبان 1443هـ الموافق:12 مارس 2022م 01:03:03 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآيات ، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34] ، ونلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى قد أعتنى بنصح زوجات النبي (ص) وخطابهن بأحسن الألقاب بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] ، يقول أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) : "{يَا نِسَاء النَّبِيِّ} تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل" انتهى ، وبالتالي المقصود من نساء النبي (ص) في هذا الخطاب هو زوجاته ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 شعبان 1443هـ الموافق:8 مارس 2022م 03:03:07 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 شعبان 1443هـ الموافق:8 مارس 2022م 03:03:32 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى ، ونحن سبق وأن أوردنا الآيات القرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، وهي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء ، كما توجد آيات أخرى تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
كذلك هناك جملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن ، سواءً بسواء ، كالآتي :
قال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 شعبان 1443هـ الموافق:8 مارس 2022م 06:03:27 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) .

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 شعبان 1443هـ الموافق:8 مارس 2022م 05:03:32 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ولا يوجد اي آية تأمرنا ان نطيع احدا من اهل بيته (ص) ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] ، وقال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة :92] ، وقال تعالى : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب :66] ، وقال تعالى : {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء :80] ، فأين هم أهل الذين نتمسك بهم؟ ومن هم؟

واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال تعالى : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 4 شعبان 1443هـ الموافق:8 مارس 2022م 04:03:11 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله ، حيث قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال: 46] .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 3 شعبان 1443هـ الموافق:7 مارس 2022م 06:03:29 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن "أهل البيت" - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن أهل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 3 شعبان 1443هـ الموافق:7 مارس 2022م 06:03:12 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن أهل البيت - بالمفهوم اللغوي - هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4) :"أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن أهل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأثنين 3 شعبان 1443هـ الموافق:7 مارس 2022م 04:03:50 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى .
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] " انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وهناك ملاحظة على قول زيد بن أرقم - رضي الله عنه بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ، وذلك لأن هذا القول - إن صحت نسبته إلى زيد بن أرقم - مخالف للمفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" ، حيث أن أهل البيت هم سكانه ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي :"أَهْلُ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وَالتَّأَهُّلُ التَّزَوُّجُ. وَأَهْلُ الرَّجُلِ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ. وَأَهْلُ الْبَيْتِ: سُكَّانُهُ. وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ: مَنْ يَدِينُ بِهِ" انتهى من"مقاييس اللغه لابن فارس" (150/1) ، وقد جاءت مفردة "أهل البيت" في القرآن الكريم مرتين ، كالآتي :
• مرة مع زوجة إبراهيم (عليه السلام) : قال تعالى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73] ، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) . (أنظر : "تفسير ابن كثير" 289/4) .
•ومرة مع نساء النبي (ص) : قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] ، وهذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول الله (ص) ، فهن سبب نزول هذه الآية ، وهناك أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من نساء رسول الله (ص) أوردها ابن كثير في "تفسيره" (365/6-369) ، ثم قال بعد أن ذكر الروايات المختلفه لهذه الأحاديث :"وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى من "تفسير ابن كثير" (370/6) .
وبالتالي أعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" ، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم زوجاته بالإضافة إلى النبي (ص) ولا يشمل أقرباؤه . وللمزيد حول مفهوم أهل بيت النبي (ص) ، أدخل على الرابط أدناه :
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن أهل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 28 رجب 1443هـ الموافق:2 مارس 2022م 11:03:47 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 21 رجب 1443هـ الموافق:23 فبراير 2022م 12:02:45 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا إنه يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 18 رجب 1443هـ الموافق:20 فبراير 2022م 04:02:44 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا أن الحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة" على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام يضعف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 17 رجب 1443هـ الموافق:19 فبراير 2022م 11:02:21 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا أن الحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ما يؤدي إلى تضعيف الحديث ، والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 17 رجب 1443هـ الموافق:19 فبراير 2022م 06:02:20 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، وبالتالي يكون الحديث ضعيفاً ، إلا أن الحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 17 رجب 1443هـ الموافق:19 فبراير 2022م 06:02:29 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح " انتهى .
وعلى فرض أن إسناد حديث "كتاب الله وسنة نبيه" الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الخميس 8 رجب 1443هـ الموافق:10 فبراير 2022م 12:02:05 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :"لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 7 رجب 1443هـ الموافق:9 فبراير 2022م 10:02:17 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :" لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 7 رجب 1443هـ الموافق:9 فبراير 2022م 09:02:58 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :" لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 6 رجب 1443هـ الموافق:8 فبراير 2022م 03:02:45 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :" كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :" لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 6 رجب 1443هـ الموافق:8 فبراير 2022م 03:02:18 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :" لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :" كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 4 رجب 1443هـ الموافق:6 فبراير 2022م 05:02:06 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه الذهبي في"ميزان الأعتدال" (144/4) :"صدوق شيعي" انتهى ، وقال فيه أبو جعفر العقيلي في"الضعفاء الكبير" (220/4) :" لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 3 رجب 1443هـ الموافق:5 فبراير 2022م 07:02:17 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :" كَانَ معروف شيعياً" انتهى من"تاريخ الإسلام الذهبي" (625/9) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 19 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:24 ديسمبر 2021م 04:12:55 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 19 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:24 ديسمبر 2021م 03:12:59 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 17 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:22 ديسمبر 2021م 04:12:09 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 14 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:19 ديسمبر 2021م 12:12:11 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من غلاة الشيعة في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأحد 14 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:19 ديسمبر 2021م 11:12:43 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من غلاة الشيعة في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
السبت 13 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:18 ديسمبر 2021م 08:12:13 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 12 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:17 ديسمبر 2021م 11:12:34 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وكذلك نجد أن سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) - فيه راويان من أهل الكوفة ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 12 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:17 ديسمبر 2021م 09:12:00 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وكذلك سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) - فيها راويان من أهل الكوفة . وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 12 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:17 ديسمبر 2021م 09:12:50 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وكذلك سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) - فيها راويان من أهل الكوفة . وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الجمعة 12 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:17 ديسمبر 2021م 08:12:44 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وكذلك سند حديث الثقلين - الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) - فيها راويان من أهل الكوفة . وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 10 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:15 ديسمبر 2021م 07:12:38 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الأربعاء 10 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:15 ديسمبر 2021م 12:12:13 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وأيضاً فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، وأيضاً قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
الثلاثاء 9 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:14 ديسمبر 2021م 05:12:37 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) :
الطريق الأول : أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

كما أن هذا الطريق أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه أيضاً سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الثالث : أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أن هذا الطريق أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .

الطريق الرابع : أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى ، كما قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .
الثلاثاء 24 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:30 نوفمبر 2021م 12:11:29 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولا : حديث زيد بن أرقم (رض) :
الطريق الأول : أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .

الطريق الثالث : أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكنه فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) .

الطريق الرابع : أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا : حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولا : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .
الأثنين 23 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:29 نوفمبر 2021م 11:11:04 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولا : حديث زيد بن أرقم (رض) :
الطريق الأول : أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .

الطريق الثالث : أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكنه فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) .

الطريق الرابع : أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا : حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) .
وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث" انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولا : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" انتهى .
الخميس 19 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:25 نوفمبر 2021م 04:11:21 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض) :-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :-
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الخميس 19 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:25 نوفمبر 2021م 01:11:54 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الأربعاء 18 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:24 نوفمبر 2021م 11:11:40 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وإسناده صحيح ، وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الأحد 15 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:21 نوفمبر 2021م 04:11:11 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف حديث الكساء والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الأحد 15 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:21 نوفمبر 2021م 03:11:19 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي الفرس ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على هذا الرابط : https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/ ) .
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف حديث الكساء والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الأحد 15 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:21 نوفمبر 2021م 10:11:23 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حيان التيمي الكوفي الذي يرويه عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً).
والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . (وينظر للفائدة : بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " : https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/ ) .
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف حديث الكساء والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الأحد 15 ربيع الآخر 1443هـ الموافق:21 نوفمبر 2021م 08:11:57 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه سليمان بن مهران الاعمش ، وهو مولى بني كاهل كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) ، قال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير". انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه السعدي :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي" (277/7) ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف". انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .
وفيه أيضاً زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، وهو مدلس . (أنظر : "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" 42/1) .
وفيه كذلك : سعاد بن سليمان الكوفي ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) . وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) : مُنكر الحَدِيث . وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، ومن ضمنها حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أَبي حَيَّانَ (كوفي) الذي يرويه عن يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ (كوفي) عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
كما أن هناك رواة من الموالي الفرس في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً).
والمعروف أن الموالي الفرس قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . (وينظر للفائدة : بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " : https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/ ) .
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف حديث الكساء والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
السبت 23 ربيع الأول 1443هـ الموافق:30 أكتوبر 2021م 08:10:40 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (62/3) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (253/2) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (321/8) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (302/2) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (255/2) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (207/3) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (126/2) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (124/13) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
السبت 23 ربيع الأول 1443هـ الموافق:30 أكتوبر 2021م 08:10:34 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (62/3) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (253/2) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (321/8) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (302/2) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (255/2) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (207/3) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (126/2) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (124/13) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
السبت 23 ربيع الأول 1443هـ الموافق:30 أكتوبر 2021م 08:10:28 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (62/3) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (253/2) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (321/8) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (302/2) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (255/2) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (207/3) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (126/2) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (124/13) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
السبت 16 ربيع الأول 1443هـ الموافق:23 أكتوبر 2021م 09:10:34 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (رقم/117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (62/3) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (253/2) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (560/3) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (321/8) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (79/3) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (245/4) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (302/2) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (255/2) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (207/3) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (126/2) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (448/3) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لا يصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) . كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب أن طرقه لا يمكن أن تقوى ببعضها نتيجة الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي التي جاءت من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : (( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي)) ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : ((أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (124/13) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (209/1) : "موثق" . انتهى .
الخميس 14 ربيع الأول 1443هـ الموافق:21 أكتوبر 2021م 12:10:23 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) (2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/62) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/253) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص 55-47).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (604-2/603).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي (غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" 2408) ، فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) ، كما أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق (فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" 2408) ، كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي التي جاءت من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير طريق حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (2408) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : (( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي)) ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : ((أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأربعاء 13 ربيع الأول 1443هـ الموافق:20 أكتوبر 2021م 10:10:57 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) (2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/62) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/253) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص 55-47).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (604-2/603).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … " . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي (غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" 2408) ، فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) ، كما أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق (فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" 2408) ، كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأنما ورد في أحاديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي التي جاءت من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : (( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي)) ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : ((أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم .

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1443هـ الموافق:19 أكتوبر 2021م 07:10:28 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) (2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/62) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/253) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص 55-47).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (604-2/603).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فهناك طرق جاء فيها الحديث بذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها طرق الحديث الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) ، كما أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق (فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" 2408) ، كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأنما جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) ، وهذه الطرق جاءت بأسانيد ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1443هـ الموافق:19 أكتوبر 2021م 06:10:28 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) (2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :"مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ من حَدثَك بِهَذَا فَيَقُول حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب". انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي هو متروك الحديث ، حيث قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/62) :"قَالَ زَائِدَة وَلَيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ السَّعْدِيّ كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/253) :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا". انتهى .

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص 55-47).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (604-2/603).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، فهناك طرق للحديث جاء ذِكر العترة فيها دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق الأخرى للحديث جاء ذِكر العترة فيها مع الأمر بالتمسُّك بها ( أيضاً كما بينا سابقاً) بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بطرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي التي جاء فيها ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها ، وجميع طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - ومن ضمنها تلك التي أحتج بها الشيعة الأثنا عشرية - جاءت بأسانيد ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (2408) (حيث جاء بأسناد صحيح) ، كما أن طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - التي جاء فيها ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها - لا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها (كما بينا سابقاً) ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق (فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" 2408) ، كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أورده مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأنما جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) ، وهذه الطرق أيضاً ضعيفة كما بينا سابقاً . وعلى فرض صحة لفظ : « وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»  ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الثلاثاء 29 محرم 1443هـ الموافق:7 سبتمبر 2021م 11:09:57 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :"كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :"أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص47 - 48 - 49 - 50 -51 - 52 - 53 - 54 - 55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، حيث ذكر ابن هشام الخطبة في هذا الكتاب فقال :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (604-2/603).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ منكراً وشاذاً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 28 محرم 1443هـ الموافق:6 سبتمبر 2021م 12:09:50 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :"كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :"أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص47 - 48 - 49 - 50 -51 - 52 - 53 - 54 - 55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، ونحن هنا نسوق خطبة حجة الوداع كما جاء في هذا الكتاب :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ [ ص: 604 ] ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
اللَّهمّ اشْهَدْ [ ص: 605 ].

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ منكراً وشاذاً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأحد 27 محرم 1443هـ الموافق:5 سبتمبر 2021م 03:09:55 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم" . انتهى من "جامع التحصيل للعلائي" (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :"كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):"ذاهب الحديث". انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (1/393) :"صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :"أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :"منكر الحديث". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :"كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :"قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص47 - 48 - 49 - 50 -51 - 52 - 53 - 54 - 55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك جاء خطبة حجة الوداع في كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" ، ونحن هنا نسوق خطبة حجة الوداع كما جاء في هذا الكتاب :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ [ ص: 604 ] ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
اللَّهمّ اشْهَدْ [ ص: 605 ]

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) ، وفيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ منكراً وشاذاً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الجمعة 18 محرم 1443هـ الموافق:27 أغسطس 2021م 09:08:24 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . [أنظر : "تيسير مصطلحات الحديث" (ص66) لمحمود الطحان].
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه راوٍ أيضاً متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. [ أنظر :"تيسير مصطلح الحديث" (ص120) لمحمود الطحان].
والعلماء المتقدمين و بعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . [ أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" (ص47 - 48 - 49 - 50 -51 - 52 - 53 - 54 - 55) لعبد القادر المحمدي ].
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ منكراً وشاذاً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الجمعة 18 محرم 1443هـ الموافق:27 أغسطس 2021م 01:08:37 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . [أنظر : "تيسير مصطلحات الحديث" (ص66) لمحمود الطحان].
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه راوٍ أيضاً متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. [ أنظر :"تيسير مصطلح الحديث" (ص120) لمحمود الطحان].
والعلماء المتقدمين و بعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . [ أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" (ص47 ، 48 ، 49 ، 50 ، 51 ، 52 ، 53 ، 54 ، 55) لعبد القادر المحمدي ].
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.


وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ منكراً وشاذاً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الثلاثاء 15 محرم 1443هـ الموافق:24 أغسطس 2021م 05:08:01 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف يسير الضعف الذي اعتضد بطرقه أو شواهده. والحسن لغيره أصله ضعيف لكن ترقى إلى درجة الحسن لغيره بأمرين : 1- أن يروى من طريق آخر فأكثر ، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو اقوى منه. 2- أن يكون ضعف الحديث يسيراً ، إما لسوء حفظ راويه أو لإنقطاع في سنده أو لجهاله في رجاله.
وذلك لأن الحديث الضعيف على ثلاث مراتب :
المرتبة الأولى : الحديث الضعيف يسير الضعف .
المرتبة الثانية : الحديث الضعيف شديد الضعف .
المرتبة الثالثة : الحديث الموضوع .
فالحديث الموضوع هو ما في سنده كذاب، مع نكارة المتن، أو ما قامت فيه علامات الوضع.
أما الحديث الضعيف جداً؛ فهو الحديث الذي في سنده راوٍ سيء الحفظ جداً، أو متهم بالكذب، أو متروك، أو الضعيف إذا خالف رواية المقبولين، وهو الحديث المنكر، ورواية المقبول إذا خالف رواية من هم أرجح منـه، وهو الحديث الشاذ .
أما الحديث الضعيف يسير الضعف فهو كل أنواع الحديث الضعيف ما عدا ما يدخل في الحديث الموضوع أو الضعيف جداً .
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ شاذاً ومنكراً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الثلاثاء 15 محرم 1443هـ الموافق:24 أغسطس 2021م 04:08:26 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف يسير الضعف الذي اعتضد بطرقه أو شواهده. والحسن لغيره أصله ضعيف لكن ترقى إلى درجة الحسن لغيره بأمرين : 1- أن يروى من طريق آخر فأكثر ، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو اقوى منه. 2- أن يكون ضعف الحديث يسيراً ، إما لسوء حفظ راويه أو لإنقطاع في سنده أو لجهاله في رجاله.
وذلك لأن الحديث الضعيف على ثلاث مراتب :
المرتبة الأولى : الحديث الضعيف يسير الضعف .
المرتبة الثانية : الحديث الضعيف شديد الضعف .
المرتبة الثالثة : الحديث الموضوع .
الحديث الموضوع فهو ما في سنده كذاب، مع نكارة المتن، أو ما قامت فيه علامات الوضع.
أما الحديث الضعيف جداً؛ فهو الحديث الذي في سنده راوٍ سيء الحفظ جداً، أو متهم بالكذب، أو متروك، أو الضعيف إذا خالف رواية المقبولين، وهو الحديث المنكر، ورواية المقبول إذا خالف رواية من هم أرجح منـه، وهو الحديث الشاذ .
أما الحديث الضعيف يسير الضعف فهو كل أنواع الحديث الضعيف ما عدا ما يدخل في الحديث الموضوع أو الضعيف جداً .
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ شاذاً ومنكراً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة. واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 14 محرم 1443هـ الموافق:23 أغسطس 2021م 01:08:30 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف يسير الضعف الذي اعتضد بطرقه أو شواهده. ومن شروطه أن يكون ضعفه يسيراً ، فإذا كان شديد الضعف فإنه لا ينجبر. قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء فيها الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ شاذاً ومنكراً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 14 محرم 1443هـ الموافق:23 أغسطس 2021م 01:08:54 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- الحديث مرسل وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف يسير الضعف الذي اعتضد بطرقه أو شواهده. ومن شروطه أن يكون ضعفه يسيراً ، فإذا كان شديد الضعف فإنه لا ينجبر. قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (1/34) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا". انتهى .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاء الحديث بلفظ فيه التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد في أغلب أسانيدها ، وكذلك بسبب كون هذا اللفظ شاذاً ومنكراً ومخالفاً في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك مخالفاً مع الآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 7 محرم 1443هـ الموافق:16 أغسطس 2021م 09:08:53 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق عروة بن الزبير (رض) ، فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) :"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ »" .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي من طريق الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاءت بلفظ التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد لأسانيدها وتعارضها في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم وكذلك بسبب مخالفتها للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 7 محرم 1443هـ الموافق:16 أغسطس 2021م 04:08:27 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .

وفي "سيرة ابن هشام" (604-2/603) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، 9: 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ » .

وأخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، وأبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاءت بلفظ التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد لأسانيدها وتعارضها في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن وله شواهد تقويه ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
السبت 5 محرم 1443هـ الموافق:14 أغسطس 2021م 05:08:35 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر (رض) المشهور ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، أبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « (... وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ » . وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاءت بلفظ التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد لأسانيدها وتعارضها في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنة نبيه ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) صحيح بشواهده ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
السبت 5 محرم 1443هـ الموافق:14 أغسطس 2021م 12:08:19 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر (رض) المشهور ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، أبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « (... وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ » . وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . وأما باقي الطرق التي جاءت بلفظ التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح ، ولا يمكن أن تقوى ببعضها بسبب الضعف الشديد لأسانيدها وتعارضها في اللفظ والمعنى مع حديث الثقلين في صحيح مسلم . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين ( المروي عن الرسول (ص) في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير خم ) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي:
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح جاء من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن جاء من طريق من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة ، واللفظ الزائد (وسنة نبيه) صحيح بشواهده ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (4607)، والترمذيُّ في "سننه" (2676)، وابن ماجه في "سننه" (42)، وأحمد في "مسنده" (17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "2/1164"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/309)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (9/582)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (1/136).

وقال (ص) : "فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي".
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (5063)، ومسلم في "صحيحه" (1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : "خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وجاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الجمعة 4 محرم 1443هـ الموافق:13 أغسطس 2021م 08:08:07 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272) ، من طريق كَامِل أَبُي الْعَلَاءِ ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ يُخْبِرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ بِدَوْحٍ ، فَكُسِحَ فِي يَوْمٍ مَا أَتَى عَلَيْنَا يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
وإسناده ضعيف ، فيه كامل بن العلاء أبو العلاء ، ذكر ابن حبان في "المجروحين" (2/227) ، وقال فيه :" كَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يدْرِي فَلَمَّا فحش ذَلِك من أَفعاله بَطل الِاحْتِجَاج بأخباره ". انتهى ، وترجم له ابن عدي في "الكامل" (7/223) ، وذكر هذا الحديث من مناكيره .

الطريق الرابع :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الخامس :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر (رض) المشهور ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (1218) ، أبو داود في "سننه" (1905) ، وابن ماجة في "سننه" (3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « (... وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ » . وإسناده صحيح .
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/10) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وقال الامام الالباني أيضا في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين (بلفظ كتاب الله وأهل بيتي) لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم . و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي (ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه : (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق حسن من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة . فقد جاء في "روضة المتقين" (13/124) لمحمد تقي المجلسي الذي هو من علماء الشيعة الأمامية :"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يا معشر (أو معاشر) قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي ".
وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن الرواية في "مرآة العقول" (1/209) : "موثق" . انتهى .
الأثنين 30 ذو الحجة 1442هـ الموافق:9 أغسطس 2021م 07:08:09 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص) ، قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص) ، أي أنه لم يكن يضبط الحديث عندما رواه ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة . فهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى .
الجمعة 20 ذو الحجة 1442هـ الموافق:30 يوليو 2021م 08:07:29 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص) ، قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص) ، أي أنه لم يكن يضبط الحديث عندما رواه ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة . فهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى .
الجمعة 20 ذو الحجة 1442هـ الموافق:30 يوليو 2021م 08:07:23 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا ". انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (3/448) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته :- ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (5/237) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته :- عبدالله بن شبيب الربعي ؛ متروك الحديث ، قال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (2/126) :"قَالَ أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق ذَاهِب الحَدِيث ". انتهى.

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/331) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (1/18) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح . وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص) ، قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ) ، فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص) ، أي أنه لم يكن يضبط الحديث عندما رواه ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة . فهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء الكافي (1/62) للكليني الذي هو من علماء الشيعة الإمامية حيث قال :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى .
الأحد 15 ذو الحجة 1442هـ الموافق:25 يوليو 2021م 05:07:13 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

((حديث الثقلين))
روي هذا الحديث بلفظين :-
اللفظ الأول :- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني :- كتاب الله وسنتي , رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :-
أولا :- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول :- أخرجه مسلم في "صحيحه" (2408) ، وأحمد في "المسند" (19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/183) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1550) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ " .
وهذا الطريق إسناده صحيح , وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني :- أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1555) ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
واسناده ضعيف ، فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي (117) .
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث :- أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4577) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص 86):" ذاهب الحديث ". انتهى ، وقال فيه ابن عدي:- " وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ " انتهى من "الكامل" (7/445) .

الطريق الرابع :- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (5/169) ، و الحاكم في "المستدرك" (4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (1026) ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (2/292).

ثانيا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3788) ، وأحمد في "المسند" (11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/65) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (2843) :" مجمع على ضعفه". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (2/176) :" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى , وقال فيه ابن حجر العسقلاني في " تقريب التهذيب" (1/393) :" صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا " .انتهى
وهذا الطريق أعله الإمام أحمد ، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (117) ، وقال بعد أن رواه :" أَحَادِيثُ الْكُوفِيِّينَ هذه مناكير ". انتهى

ثالثا :- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" (3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (3/560) :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا :- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (1/355) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" (8/321) ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (3/560).

خامسا :- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند" (21578) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (240) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/154) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال" (3/369) .

سادسا :- حديث علي بن أبي طالب (رض) :- روي عنه من طريقين :-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (1558) ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (5/329)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/177) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (8/18) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (505) .

الطريق الثاني : أخرجه البزار في "مسنده" (864) ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل" (3/79) . وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (4/324) :" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي) :-
أولا :- حديث أبي هريرة (رض) :-
أخرجه الدارقطني في "السنن" (4/245) ، والبزار في "مسنده" (8993) ، والحاكم في "المستدرك" (319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/302) وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا :- حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (951) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/485) :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا :- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1/275) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 2/278 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي". انتهى ، وترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) وقال :"قال أبو داود: ليس بشيء". انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (1/345) :"يروي الموضوعات عن الأثبات". انتهى

رابعا :- حديث أنس بن مالك (رض) :-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (4/67) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، ترجم له ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/207) وقال :"قَالَ يحيى: كَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ الدراقطني ضَعِيف". انتهى

خامسا :- حديث عبد الله بن عباس (رض) :-
أخرجه الحاكم في "المستدرك " (318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20838) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ..
وأخرجه الآجري في "الشريعة" (1704) ، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ .
كلاهما ( ثور بن زيد – الزهري ) ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" (3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا, حيث أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد"عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ".


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح .وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان,ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص), قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ),فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص)، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة ، وأن إجماع العترة : ليس حجة على القول الصحيح ، فضلا عن قول بعضهم ، أو عملهم .
الخميس 5 ذو الحجة 1442هـ الموافق:15 يوليو 2021م 12:07:06 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

حديث الثقلين
روي هذا الحديث بلفظين:-
اللفظ الأول:- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي, رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني:- كتاب الله وسنتي, رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –أنس بن مالك–عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):-
أولا:- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول:- أخرجه مسلم في "صحيحه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن خزيمة في "صحيحه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح, وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني:- أخرجه الترمذي في "سننه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا .
واسناده ضعيف,فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي.
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث:- أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال":" ذاهب الحديث " .
وقال فيه ابن عدي:- وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" .

الطريق الرابع:- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ، و الحاكم في "المستدرك" ، وابن عساكر في "معجمه" ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب".

ثانيا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
فقد أخرجه الترمذي في "سننه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء":" مجمع على ضعفه" .انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين":" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى,وقال فيه ابن حجر العسقلاني : صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا.

ثالثا:- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" ، والطبراني في "المعجم الأوسط" ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا:- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل".

خامسا:- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند"، وعبد بن حميد في "مسنده" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، والطبراني في "المعجم الكبير"، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال".

سادسا:- حديث علي بن أبي طالب (رض):- روي عنه من طريقين:-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف, فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" ، والبخاري في "التاريخ الكبير" ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين".

الطريق الثاني: أخرجه البزار في "مسنده" ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل". وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل":" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي):-
أولا:- حديث أبي هريرة (رض):-
أخرجه الدارقطني في "السنن" ، والبزار في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك"، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف جدا, فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا:- حديث عمرو بن عوف المزني (رض):-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
وإسناده ضعيف، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض):-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا.
وإسناده ضعيف, فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع, قال فيه قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال فيه أبو داود: ليس بشيء, وقال فيه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.

رابعا:- حديث أنس بن مالك (رض):-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ " .
وإسناده ضعيف , فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قال فيه يحيى بن معين : ضعيف، وقال: مرة: رجل صالح وليس حديثه بشيء، وقال: مرة: رجل صدق وفي رواية ابن محرز، قال: ليس بشئ هو ضعيف, وقال فيه الدارقطني : ضعيف.

خامسا:- حديث عبد الله بن عباس (رض):-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ..
وأخرجه الآجري في "الشريعة" ، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ .
كلاهما ( ثور بن زيد – الزهري ) ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا, حيث أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد"عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ".


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح .وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان,ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص), قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ),فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص)، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة ، وأن إجماع العترة : ليس حجة على القول الصحيح ، فضلا عن قول بعضهم ، أو عملهم .
الأربعاء 4 ذو الحجة 1442هـ الموافق:14 يوليو 2021م 03:07:08 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

حديث الثقلين
روي هذا الحديث بلفظين:-
اللفظ الأول:- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي, رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني:- كتاب الله وسنتي, رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):-
أولا:- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول:- أخرجه مسلم في "صحيحه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن خزيمة في "صحيحه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح, وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني:- أخرجه الترمذي في "سننه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا .
واسناده ضعيف,فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي.
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث:- أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال":" ذاهب الحديث " .
وقال فيه ابن عدي:- وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" .

الطريق الرابع:- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ، و الحاكم في "المستدرك" ، وابن عساكر في "معجمه" ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب".

ثانيا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
فقد أخرجه الترمذي في "سننه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء":" مجمع على ضعفه" .انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين":" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى,وقال فيه ابن حجر العسقلاني : صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا.

ثالثا:- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" ، والطبراني في "المعجم الأوسط" ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا:- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل".

خامسا:- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند"، وعبد بن حميد في "مسنده" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، والطبراني في "المعجم الكبير"، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال".

سادسا:- حديث علي بن أبي طالب (رض):- روي عنه من طريقين:-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف, فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" ، والبخاري في "التاريخ الكبير" ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين".

الطريق الثاني: أخرجه البزار في "مسنده" ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل". وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل":" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي):-
أولا:- حديث أبي هريرة (رض):-
أخرجه الدارقطني في "السنن" ، والبزار في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك"، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف جدا, فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا:- حديث عمرو بن عوف المزني (رض):-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
وإسناده ضعيف، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض):-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا.
وإسناده ضعيف, فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع, قال فيه قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال فيه أبو داود: ليس بشيء, وقال فيه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.

رابعا:- حديث أنس بن مالك (رض):-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ " .
وإسناده ضعيف , فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قال فيه يحيى بن معين : ضعيف، وقال: مرة: رجل صالح وليس حديثه بشيء، وقال: مرة: رجل صدق وفي رواية ابن محرز، قال: ليس بشئ هو ضعيف, وقال فيه الدارقطني : ضعيف.

خامسا:- حديث عبد الله بن عباس (رض):-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ..
وأخرجه الآجري في "الشريعة" ، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ .
كلاهما ( ثور بن زيد – الزهري ) ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا, حيث أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد"عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ".


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح .وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان,ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص), قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ),فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص)، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة ، وأن إجماع العترة : ليس حجة على القول الصحيح ، فضلا عن قول بعضهم ، أو عملهم .
الأربعاء 4 ذو الحجة 1442هـ الموافق:14 يوليو 2021م 03:07:13 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

حديث الثقلين
روي هذا الحديث بلفظين:-
اللفظ الأول:- كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي, رواه جمع من الصحابة هم ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم.
اللفظ الثاني:- كتاب الله وسنتي, رواه جمع من الصحابة هم (أبو هريرة –عمرو بن عوف المزني –أبو سعيد الخدري –عبد الله بن عباس).
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي):-
أولا:- حديث زيد بن أرقم (رض) :-
الطريق الأول:- أخرجه مسلم في "صحيحه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن خزيمة في "صحيحه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
وهذا الطريق إسناده صحيح, وفيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني:- أخرجه الترمذي في "سننه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا .
واسناده ضعيف,فيه : حبيب بن أبي ثابت ، ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة . قال فيه علي بن المديني :" حبيب بن أبي ثابت لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى من "جامع التحصيل" للعلائي.
و كذلك فيه : الأعمش ، وهو ثقة ، لكنه مدلس مشهور بالتدليس أيضا ، وقد عنعن .

الطريق الثالث:- أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال":" ذاهب الحديث " .
وقال فيه ابن عدي:- وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" .

الطريق الرابع:- أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ، و الحاكم في "المستدرك" ، وابن عساكر في "معجمه" ، من طريق الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي ، قال فيه البخاري :" لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب".

ثانيا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض) :-
فقد أخرجه الترمذي في "سننه" ، وأحمد في "المسند" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، والطبراني في "المعجم الكبير" ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعد العوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء":" مجمع على ضعفه" .انتهى ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين":" لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب ". انتهى,وقال فيه ابن حجر العسقلاني : صدوق يخطىء كثيرا وكان شيعيا مدلسا.

ثالثا:- حديث جابر بن عبد الله (رض):-
أخرجه الترمذي في "سننه" ، والطبراني في "المعجم الأوسط" ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف جدا ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" :" منكر الحديث ". انتهى .

رابعا:- حديث حذيفة بن أسيد (رض):-
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف ، فيه معروف بن خربوذ ، ضعفه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" ، وكان شيعيا .
وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل".

خامسا:- حديث زيد بن ثابت (رض):-
أخرجه أحمد في "المسند"، وعبد بن حميد في "مسنده" ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ، وابن أبي عاصم في "السنة" ، والطبراني في "المعجم الكبير"، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
إسناده لا يصح ، فيه القاسم بن حسان ، قال فيه البخاري :" حديثه منكر ، ولا يعرف ". انتهى من "ميزان الاعتدال".

سادسا:- حديث علي بن أبي طالب (رض):- روي عنه من طريقين:-
الطريق الأول : أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" ، من طريق كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي .
وإسناده ضعيف, فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" ، والبخاري في "التاريخ الكبير" ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وفيه كثير بن زيد ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين".

الطريق الثاني: أخرجه البزار في "مسنده" ، من طريق علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد .
وإسناده لا يصح أيضا ، فيه الحارث بن عبد الله الأعور ، اتهمه الشعبي وعلي بن المديني وأبو خيثمة بالكذب ، وضعفه أكثر أهل العلم ، انظر "الجرح والتعديل". وفيه كذلك : أبو إسحاق السبيعي ، وهو مدلس ، وقد عنعن . وفيه كذلك : سعاد بن سليمان ، قال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل":" كان من عتق الشيعة وليس بقوي في الحديث ". انتهى .

وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي):-
أولا:- حديث أبي هريرة (رض):-
أخرجه الدارقطني في "السنن" ، والبزار في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك"، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ .
وإسناده ضعيف جدا, فيه : صالح بن موسى الطلحي ، ضعيف جدا ، ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" وقال :" قال يحيى: ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك ". انتهى.

ثانيا:- حديث عمرو بن عوف المزني (رض):-
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
وإسناده ضعيف، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" :" اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ " انتهى .

ثالثا:- حديث أبي سعيد الخدري (رض):-
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا.
وإسناده ضعيف, فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع, قال فيه قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال فيه أبو داود: ليس بشيء, وقال فيه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.

رابعا:- حديث أنس بن مالك (رض):-
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ " .
وإسناده ضعيف , فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قال فيه يحيى بن معين : ضعيف، وقال: مرة: رجل صالح وليس حديثه بشيء، وقال: مرة: رجل صدق وفي رواية ابن محرز، قال: ليس بشئ هو ضعيف, وقال فيه الدارقطني : ضعيف.
خامسا:- حديث عبد الله بن عباس (رض):-
أخرجه الحاكم في "المستدرك" ، والبيهقي في "السنن الكبرى" ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ..
وأخرجه الآجري في "الشريعة" ، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ .
كلاهما ( ثور بن زيد – الزهري ) ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ .
وإسناده صحيح .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة :( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر المشهور ، والذي ذكر فيه خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، وجاء فيه أنه قال : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ اللهِ ، ولم يذكر فيه :( وسنة نبيه ) . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع ثلاث مرات : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وفي أوسط أيام التشريق .
ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس كان عن خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فإن الترمذي روى في "سننه" ، من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلاَدِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ .
وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس ، والله أعلم .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنتي) في "الموطأ" بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا, حيث أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ.
قال ابن عبد البر في "التمهيد"عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ". انتهى.
قال الامام الالباني : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ".


فيتلخص مما سبق ما يلي :-
حديث الثقلين بلفظ كتاب الله وأهل بيتي لايصح فيه غير لفظ رواية مسلم المروي عن الصحابي زيد بن أرقم(رض) وهو : وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .وفيه كما قلنا الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .و أما باقي الطرق المروية عن باقي الصحابة التي فيها التمسك بكتاب الله وأتباع أهل بيت النبي(ص) أو عترته وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض والتي يحتج بها الشيعة الأثنا عشرية فكلها ضعيفة لا تصح .وعلى فرض صحة لفظ : ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول أي لا يتعمدون الكذب ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان,ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم(رض) الذي روى حديث الثقلين في الطريق الصحيح الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي(ص), قال جملته قبل ان يرويه (يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ),فهو لم يكن متأكدا مما يرويه بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله(ص)، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي) ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله:(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، ولكن زيد بن ارقم(رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو (وسنتي) والله أعلم.

أما حديث كتاب الله وسنتي فهو مشهور وله طريق صحيح من عبد الله بن عباس (رض) المعروف بحبر الأمة وعلى فرض لو لم يرد حديث : كتاب الله وسنتي ، فإن معناه صحيح متفق عليه ، بخلاف حديث العترة ، فإن أكثر أهل العلم على أن العصمة في كلام الله ، وكلام رسوله ، وإجماع الأمة ، وأن إجماع العترة : ليس حجة على القول الصحيح ، فضلا عن قول بعضهم ، أو عملهم .
 
اسمك :  
نص التعليق :