معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

شبهات حول السنة والسيرة النبوية ..

  شبهات حول السنة والسيرة النبوية
عماد حسن أبو العينين

 
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ..

أَمَّا بَعْدُ..
فإن من سنن الله فى الكون سنة التدافع بين الأضداد؛ بين الخير والشر، بين الحق والباطل، قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة251]، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[الحج40].
ولقد بُعث النَّـبِيّ  ولم يكن على الأرض موحد، ولا ساجد لله، إلا بقايا من أهل الكتاب على دين اندرس معظمه، وكانت الأرض فى ظلام الشرك الدامس، فكان أمر الله الرحيم أن يكشف هذه الغمة ويزيح هذه الظلمة ببعثة النَّـبِيّ  {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا[النساء174]، {يَا أَيُّهَا النَّـبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا[الأحزاب45-46]، فصدع النَّـبِيّ  بالدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده فأضاء قلوب الموحدين، ونّوَّرَ أبصار السالكين، ولكنَّ الكفر يأبى إلا الظلمة فأمر أتباعه بمحاربة أهل الحق، فكان التدافع من لدن ظهور الدعوة حتى يومنا هذا، تختلف الأسلحة والأشخاص والهيئات ولكنَّ الهدف واحد، هو إطفاء نور الله {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة32]، فقيد الله لهذا الدين علماء أجلاء يدفعون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، وشُبه الهالكين، فما كان منى إلا أننى حصرت -على قدر همتى- شبهات كثيرة لطوائف شتى مختلفة الأهواء والمشارب متوحدة الأهداف والمآرب.
وهذه الشبهات كانت تدور حول القرآن والسُنَّة والأنبياء والشرائع والعقل والنقل.... إلخ، والمطلع على الشبهات المثارة حول الإسلام وشريعته ونبيه يظن أنه وقع فى بحر خضم لا ساحل له، ولكنه ما يكاد يفتح عينيه على ردود علماء السُنَّة إلا ويراهم يُجهزون على هذه الشبهات ضربًا وطعنًا وذبحًا {فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال12]، فى معركة دامية رهيبة سَلِمَ فيها أهل الحق، وبقى أهل الباطل ما بين صريع وجريح.
ولقد انتقيت من هذه الشبهات أهمها، واقتصرت على الشبهات التى تدور حول السُنَّة والسيرة النبوية، وانتقيت الرد الذى يليق مع كل شبهة؛ فالرد على المستشرقين من اليهود والنصارى لا يليق إلا أن يكون جنبًا إلى جنب مع التوراة والإنجيل، والرد على أحفاد المعتزلة من العلمانيين والمستغربين والعصرانيين، لا يكون إلا بالعقل تارة والأبحاث العلمية تارة أخرى، وغيرهم من أهل الضلال والانحراف عن الجادة بكشف حقيقة ما يستندون إليه ويعتمدون عليه من حديث صحيح أو ضعيف أو موضوع وكيفية الاستدلال وصحته....إلخ.
وأستطيع أن أسجل بعض الملاحظات التى عنَّت لي أثناء النظر فى هذه الشبهات المثارة حول السُنَّة والسيرة النبوية:
أولًا: إن بعض من تظاهر بالإسلام والمحافظة عليه وتطهيره مما طرأ عليه من تغيير وتبديل يُرِدُ لضعاف العقول من المسلمين شُبهًا يُبطل بها كثيرًا من مسّلَّمات الإسلام ظنًا منه أنه عنه يُدافع ودونه يُنافح.
ولو أننا ضربنا صفحًا عن حكاية هذه الشبهات وبيان فسادها لكان منا ذلك رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا إذ الإعراض عن القول المُطرح أحرى لإماتته وإخماد ذكر قائله وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه.
إلا أن وسائل الإعلام من حولنا كثيرة ومتشعبة وكثيرٌ منها يعمل لصالح أعدائنا مما يُغرى الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، من ذلك وغيره؛ رأينا الكشف عن فساد هذه الشبهات ورد هذه الأقوال بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله.
ثانيًا: إن كان لكل طائفة من الطوائف التى تحارب الإسلام -عن عمد أو عن جهل- شُبهاتها الخاصة بها، التى نستطيع أن نقول إن هذه الشبهة لا تصدر إلا عن طائفة بعينها لأن من أصول منهجها كذا، وكذا، إلا أنهم يلتقون فى شبهات ويجتمعون عليها بجامع عداوة الإسلام وأهله، ومن هذه الشبهات المشتركة، الطعن فى السُنَّة النبوية.
ثالثًا: نظرًا لعمل المستشرقين الدءوب المنظم فإنهم بثوا شبهاتهم فى الموسوعات العالمية مثل "دائرة المعارف الإسلامية" و "دائرة المعارف البريطانية" بل إن منهم من شارك فى تأليف هذه الموسوعات، ومنهم من كان على اتصال بمن ألفها فلا غرو أن نجد ما يُثيره المستشرقون هو هو ما كُتب فى الموسوعات.
رابعًا: لا بد من النظر فى التوصيات التى ضمنتها فى (خاتمة البحث) لأنها -من وجهة نظرى- حل عملى لما نحن فيه من حرب مع أعداء الإسلام.
وأخيرًا: أقول إننى غير قلقٍ من  أعداء الإسلام فما زال هذا دأبهم؛ التشكيك فى القرآن والسُنَّة ونبي الأمة، فهم لا ينالون ثقة الجماهير الإسلامية أبدًا، ولا يُسمع صدى لمزاعمهم ونعاقهم؛ لأن المسلم بطبعه يخشى من آراء الآخر، ويتعامل معها بحذر وريبة سيما ما كان متعلقًا منها بالديانة، ولكنَّ خوفى وقلقى من هؤلاء الذين هم من بنى جلدتنا؛ الذين يتكلمون بألسنتنا ويشربون ماءنا ويتنفسون هواءنا، ويطعنون فى ديننا وشريعتنا ونبينا، الذين يهرفون بما لا يعرفون، فهؤلاء هم الخطر الداهم لديار المسلمين، وإن لم نقف حائلًا بينهم وبين ما يبغون وينشرون قد يزيغ فريق من المسلمين بسبب فسادهم وإفسادهم فى الأرض، ولا بد من كشف عوارهم الفكرى وخبلهم العقلى لعوام المسلمين.
من أجل هذا وغيره كان هذا الكتاب؛ ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حى عن بيِّنة.
فأسأل الله العظيم أن يجعله خالصًا لوجه وأن يتقبله برحمته إنه هو السميع العليم.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عماد حسن أبو العينين
تعريف الشبهة
الشّبهة لغةً: "من أشبه الشّيءُ الشّيءَ أي: ماثله في صفاته، والشَّبَه، والشِّبْه، والشّبيه، المثل، والجمع: أشباه، والتّشبيه: التّمثيل، والشّبهة المأخذ الملبس والأمور المشتبهة أي المشكلة لشبه بعضها ببعض.
والشّبهة: اسمٌ من الاشتباه وهو الالتباس، وشَبَّهَ عليه الأمر: أبهمه عليه حتى اشتبه بغيره، واشْتَبَهَ الأمر عليه: اختلط، يقال: اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميّز ولم تظهر، ومنه اشتبهت القبلة ونحوها، والجمع فيها شبهٌ وشبهاتٌ.
والاشتباه في الاستعمال الفقهيّ الاصطلاحى أخصّ منه في اللّغة، فقد عرّف الجرجانيّ الشّبهة بأنّها: "ما لم يتيقّن كونه حرامًا أو حلالًا"، أو كما عرفها السيوطى أنها: "ما جهل تحليله على الحقيقة وتحريمه على الحقيقة"، فلا يدر أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل.
وقد تناول العلماء الشّبهة من أربعة وجوه
الأوّل: ما تعارضت فيه الأدلّة.
الثّاني: ما اختلف فيه العلماء وهو متفرّع من الأوّل.
الثّالث: المكروه.
الرّابع: المباح الّذي تركه أولى من فعله باعتبار أمر خارج عن ذاته.
ويدلّ للتّفسير الأوّل والثّاني ما جاء فى حديث النّعمان بن بشير أن النَّـبِيّ  قال([1]): «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
ووجه الدّليل قوله : "لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ".
وجاء في رواية التّرمذيّ "لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَمِنْ الْحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ".
ومفهوم قوله: "كثير" أنّ معرفة حكمها ممكن للقليل من النّاس وهم المجتهدون.
فالشّبهة تكون في حقّ غيرهم ممّن لا يظهر لهم ترجيح أحد الدّليلين، أو معرفة الرّاجح من أقوال العلماء.
وما كان على هذه الحال لا يقال: إنّه من الحلال البيّن ولا من الحرام البيّن، والمتبيّن: هو ما لا إشكال فيه وهو ما يدلّ عليه الحديث في قوله: " الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشبّهات ".
أسباب الاشتباه
قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدّليل بسببٍ من الأسباب، كالإجمال في الألفاظ واحتمالها التّأويل، ودوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه، ودورانه بين العموم والخصوص، واختلاف الرّواية بالنّسبة للحديث، وكالاشتراك في اللّفظ، أو التّخصيص في عامّه، أو التّقييد في مطلقه، كما ينشأ الاشتباه عند تعارض الأدلّة دون مرجّحٍ.
كما أنّ النّصوص في دلالتها ليست على وضعٍ واحدٍ، فمنها ما دلالته على الأحكام ظنّيّةٌ، فيجتهد الفقهاء للتّعرّف على ما يدلّ عليه النّصّ، وقد يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك، إذ من الحقائق الثّابتة اختلاف النّاس في تفكيرهم، وتباين وجهات نظرهم.
والاشتباه النّاشئ عن خفاءٍ في الدّليل يعذر المجتهد فيه، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع، ويكون فيما انتهى إليه من رأيٍ قد اتّبع الدّليل المرشد إلى تعرّف قصد الشّارع"([2]).
من هذين التعريفين؛ اللغوى والشرعى نستطيع أن نقول فى مقامنا هذا: إن الشبهة هى التباس الأمور واختلاطها عند أهل الشبهات من المستشرقين والعلمانيين وغيرهم نتيجة جهل أو عمد، فكأنهم يريدون أن يُلبسوا على المسلمين دينهم فيخلطون الحق بالباطل بُغية عدم معرفة الحقيقة أو تشويهها، فيُلبسون الإسلام ثوب زور ويدعون عليه ما ليس فيه.
شبهات المستشرقين ([3])
 الشبهة الأولى: نشر محمدٌ دينه الإسلامي بالسيف
قام الإسلام على السيف ولم يدخل فيه معتنقوه بطريق الطواعية والاختيار، وإنما دخلوا فيه بالقهر والإكراه، وقد حرض محمد أتباعه على القتال واتخذوا من تشريع الجهاد في الإسلام وسيلة لهذا التجني الكاذب الآثم، وهذا ليس من صفة الأنبياء.
الرد على الشبهة وتفنيدها
إن تشريع الجهاد ثابت فى كل الأديان، ولابد لأى دين فى الأرض من قوة تحميه، وتشريع يكون فيه ردع للبغاة، الذين يتربصون به الدوائر.
والأدلة من الكتاب المقدس على أن الجهاد وحمل السيف والقتال هي من الأمور الربانية غير المسقطة للنبوات وقد أمر بها الرب وأوصى بها:
جاء في الكتاب المقدس قول الرب لموسى([4]):"هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكِي أَمَامَكَ لِيَحْرُسَكَ طَوَالَ الطَّرِيقِ، وَيَقُودَكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لَكَ... إِذْ يَسِيرُ مَلاكِي أَمَامَكَ حَتَّى يُدْخِلَكَ بِلاَدَ الأَمُورِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا أُبِيدُهُمْ...إِيَّاكَ أَنْ تَسْجُدَ لآلِهَتِهِمْ، وَلاَ تَعْبُدْهَا، وَلاَ تَعْمَلْ أَعْمَالَهُمْ، بَلْ تُبِيدُهُمْ وَتُحَطِّمُ أَنْصَابَهُمْ".
وجاء في رسالة بولس إلى العبرانيين([5]):"أن نبي الله إبراهيم حارب الملوك وقهرهم وأخذ الغنائم منهم"!!
فإذا كان حمل السيف أمرًا منافيًا للنبوة فلماذا أمر الرب موسى وإبراهيم بحمله؟
بل إن ما جاء فى الكتاب المقدس لا يخطر على البال من الحروب والإبادة وأخذ الأموال بأمر الرب مما لا يقارن بحال مع ما ينكرونه على المسلمين والدليل من الكتاب المقدس نفسه:
أولا: إباحة قتل الرجال والنساء والأطفال
جاء في سفر التثنية قول الرب([6]):"وَحِينَ تَتَقَدَّمُونَ لِمُحَارَبَةِ مَدِينَةٍ فَادْعُوهَا لِلصُّلْحِ أَوَّلًا. فَإِنْ أَجَابَتْكُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَاسْتَسْلَمَتْ لَكُمْ، فَكُلُّ الشَّعْبِ السَّاكِنِ فِيهَا يُصْبِحُ عَبِيدًا لَكُمْ. وَإِنْ أَبَتِ الصُّلْحَ وَحَارَبَتْكُمْ فَحَاصِرُوهَا فَإِذَا أَسْقَطَهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ فِي أَيْدِيكُمْ، فَاقْتُلُوا جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ، وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَسْلاَبٍ، فَاغْنَمُوهَا لأَنْفُسِكُمْ، وَتَمَتَّعُوا بِغَنَائِمِ أَعْدَائِكُمُ الَّتِي وَهَبَهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَكُمْ. هَكَذَا تَفْعَلُونَ بِكُلِّ الْمُدُنِ النَّائِيَةِ عَنْكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ الأُمَمِ الْقَاطِنَةِ هُنَا. أَمَّا مُدُنُ الشُّعُوبِ الَّتِي يَهَبُهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَكُمْ مِيرَاثًا فَلاَ تَسْتَبْقُوا فِيهَا نَسَمَةً حَيَّةً، بَلْ دَمِّرُوهَا عَنْ بِكْرَةِ أَبِيهَا، كَمُدُنِ الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ كَمَا أَمَرَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ، لِكَيِ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ رَجَاسَاتِهِمِ الَّتِي مَارَسُوهَا فِي عِبَادَةِ آلِهَتِهِمْ، فَتَغْوُوا وَرَاءَهُمْ وَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلَهِكُمْ".
ثانيا: طرد والإبادة، وعدم قبول العهد والصلح
جاء أيضًا قول الرب لموسى([7]):"وَمَتَى أَدْخَلَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمْ مَاضُونَ إِلَيْهَا لِتَرِثُوهَا، وَطَرَدَ مِنْ أَمَامِكُمْ سَبْعَ أُمَمٍ، أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْحِثِّيُّونَ وَالْجِرْجَاشِيُّونَ وَالأَمُورِيُّونَ وَالْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفِرِزِّيُّونَ وَالْحِوِّيُّونَ وَالْيَبُوسِيُّونَ. وَأَسْلَمَهُمُ الرَّبُّ إِلَيْكُمْ وَهَزَمْتُمُوهُمْ، فَإِنَّكُمْ تُحَرِّمُونَهُمْ. لاَ تَقْطَعُوا لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تَرْفُقُوا بِهِمْ، وَلاَ تُصَاهِرُوهُمْ. فَلاَ تُزَوِّجُوا بَنَاتِكُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، وَلاَ أَبْنَاءَكُمْ مِنْ بَنَاتِهِمْ، إِذْ يُغْوُونَ أَبْنَاءَكُمْ عَنْ عِبَادَتِي لِيَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْتَدِمُ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا. وَلَكِنْ هَذَا مَا تَفْعَلُونَهُ بِهِمْ: اهْدِمُوا مَذَابِحَهُمْ وَحَطِّمُوا أَصْنَامَهُمْ وَقَطِّعُوا سَوَارِيَهُمْ وَأَحْرِقُوا تَمَاثِيلَهُمْ".
ناهيك عن صور النهب والخديعة التي يُقرها الكتاب المقدس، واستحضر عدد بني إسرائيل لتعلم مدى الكارثة التي أصابت المصريين في أموالهم، واستحضر كيف أبقى رسول الله علي بن أبي طالب في مكة ليرد إلى المشركين ودائعهم في حادث الهجرة.
أقول: إن غاية ما فى الأمر أن المستشرقين حاروا في فهم هذه الظاهرة وهى أنه ما كاد يخرج  من مكة مهاجرًا بدينه، وما انفك العقد الأول من السنين حتى كانت جيوشه تقرع أبواب الروم، ثم أفل القرن الأول وقد أضحت الأمة الإسلامية في انتشارها على وجه الأرض كالنار سرى في الهشيم، فقد تحولت الأمم إلى الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وامتد الوجود الإسلامي في فترة وجيزة فملأ ما بين الصين والأندلس.
لقد حاروا في فهمها إذ لا تفهم إلا بالاعتراف بأن هذا الدين حق وافق فطرة الناس وعقولهم فأذعنوا له، وهروبًا من هذه الحقيقة التي نشرت الإسلام في ربوع كانت تُحسب قلاعًا للنصرانية قال النصارى بأن الإسلام دين قام على السيف، وبه انتشر، وأرادوا من خلاله طمس تلك الحقيقة الناصعة.
ولننظر إلى واقع تاريخ الدعوة الإسلامية:
لقد مكث  بمكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو إلى الله بالحجة والموعظة الحسنة، وقد دخل في الإسلام في هذه الفترة خيار المسلمين من الأشراف والفقراء، ولم يكن عند رسول الله  من الثراء ما يغري هؤلاء، وقد تحمَّل المسلمون من صنوف العذاب والبلاء ألوانًا، فما صرفهم ذلك عن دينهم، وما تزعزعت عقيدتهم، وما سمعنا أن أحدًا منهم ارتدّ سخطًا عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه.
ثم كان أن هاجر بعضهم إلى بلاد الحبشة هجرتين، ثم هاجروا جميعًا الهجرة الكبرى إلى المدينة، تاركين الأهل والولد والمال والوطن، متحملين آلام الاغتراب، ومرارة الفاقة والحرمان، وقد دخل في الإسلام من أهل المدينة قبل الهجرة وبعدها عدد كثير عن رضًا واقتناع ويقين واعتقاد، وما يكون لإنسان يحترم عقله ويذعن للمقررات التاريخية الثابتة، أن يزعم أنه كان للنّبِـي  والمسلمين في هذه الأربعة عشر عامًا أو تزيد حول أو قوة ترغم أحدًا على الدخول في الإسلام، إلا إذا ألغى عقله وهدم التاريخ الصحيح.
إن تشريع الجهاد في الإسلام لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كما زعموا، وإنما كان للدفاع عن العقيدة وتأمين سبلها ووسائلها، وتأمين المعتنقين للإسلام، وردِّ الظلم والعدوان، وإقامة معالم الحق، ونشر عبادة الله في الأرض، فلما تمالأ المشركون على المسلمين أمرهم الله بقتالهم عامة، ثم ماذا يقول هؤلاء المغرضون في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة8-9].
فالإسلام لم يقف عند حدِّ أن من سالمنا سالمناه، بل لم يمنع من البر بهم والعدل معهم، وعدم الجور عليهم، وكذلك كان موقف القرآن كريمًا جدًا مع الذين قاتلوا المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، أو ساعدوا عليه، فلم يأمر بظلمهم أو البغي عليهم، وإنما نهى عن توليهم بإفشاء الأسرار إليهم أو نصرتهم وإخلاصهم الودِّ لهم، فإن حاربونا حاربناهم، وصدق الله {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة190].
ونصوص القرآن والسُنَّة الصحيحة تردان على هذا الزعم وتكذبانه، وقد صرح الوحي بذلك في غير ما آية قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ}[البقرة256].
"فالإسلام وهو أرقى تصور للوجود وللحياة وأقوم منهج للمجتمع الإنساني ينادى بأن لا إكراه في الدين وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنَّهُم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين".([8])
وقال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[يونس99]
وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني.
فالله تعالى لم يَبْنِ أمر الإيمان على الإجبار والقسر وإنما بناه على التمكن والاختيار.
وقضية العقيدة كما جاء بها هذا الدين قضية اقتناع بعد البيان والإدراك وليست قضية إكراه وغصب وإجبار ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشرى بكل قواه وطاقاته يخاطب العقل المفكر والبداهة الناطقة ويخاطب الوجدان المنفعل كما يخاطب الفطرة المستكنة يخاطب الكيان البشرى كله والإدراك البشرى بكل جوانبه في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تُلْجِئُ مشاهدها إلجاءً إلى الإذعان ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنَّهَا فوق الوعي والإدراك.
وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشرى بالخارقة المادية القاهرة فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوة والإكراه؛ ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع.
فإنه لم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابَهَةِ الكفار أو إكراههم وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يُكْرِهُوا أحدًا على الإسلام، كما يفعل أتباع الملل والنحل الأخرى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة حيث كان المسلمون أعزاءً أقوياء.
ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان والتمكين من حرية التدين ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة إلى الله ونشر الإسلام في أنحاء الأرض بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال.
ولم يمنع النَّـبِيّ  يهوديًّا من دخول النصرانيَّة ولا نصرانيًّا من الدخول في اليهوديَّة، وكان علي عهد النَّـبِيّ  أبناء للأنصار دخلوا في اليهودية، كما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ([9]): كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا([10]) فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ U {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ}.
قال صاحب معالم التنزيل([11]): فقال النَّبِـي  عند ذلك: «قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم».
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال([12]): نزلت {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في رجل من الأنصار من بنى سالم يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيَّان وكان هو مسلمًا فقال للنّبِـي  :ألا استكرهما فإنَّهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله الآية.
وفي رواية أنه حاول إكراههما فاختصموا إلى النَّبِـي  فقال: يا رسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت الآية فخلاهما.
ولم يمنع النَّبِـي  وثنيًّا دخل في دين أهل الكتاب بل ولا يهوديًّا تنصر أو نصرانيًّا تَهَوَّدَ أو مجوسيًّا دخل في التهوُّد والتنصُّر، بل جمهور الفقهاء يُقِرُّوَنُه على ذلك كما هو مذهب مالك وأبِي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه.
وما أعطاه الرسول  نصارى نجران يدل على ذلك أيضًا فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ([13]): (صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ  أَهْلَ نَجْرَانَ..... عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا.....).
ولم تعرف عصور الإسلام أنَّهُم أكرهوا ذميًّا على ترك دينه.
والكفر رأس الظلم، فلا يتوهمن أحد أن حمل الآية على التخيير وعدم الإكراه يشعر بإباحة الكفر أو الرضا به، حاشا لله أن يكون هذا، ولعل خوف هذا التوهم هو الذي حدا بكثير من المفسرين على حمل الآية على التهديد والوعيد، حتى مثَّل علماء البلاغة للأمر الذي يراد به التهديد بهذه الآية، فالآية بنصها تخيير، ولكنه تخيير يستلزم تهديدًا ووعيدًا لا محالة في حال اختيار الكفر على الإيمان، وهي نصوص صريحة في عدم الإكراه على الإسلام.
وأما السُنَّة فقد جاءت مؤيدة لهذا المعنى: فعن بريدة قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ([14]): «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ»، وهكذا ترى أن النَّبِـي  لم يأمر بالقتال إلا بعد أن تستنفد الوسائل السلمية، وليس بعد استنفادها إلا أنهم قوم مفسدون أو يريدون الحرب، و في هذا السياق فإن الجزية ليست للإرغام على الإسلام، وإنما هي نظير حمايتهم وتأمينهم وتقديم شتى الخدمات لهم، وليس أدل على هذا مما رواه البلاذري([15]): أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لواقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الجزية وقالوا: (قد شُغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم) فقال أهل حمص: (لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل -مع أنه على دينهم- عن المدينة مع عاملكم)، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود.
وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد.
وقد يقول قائل فما تقول في حديث ابْنِ عُمَرَ([16]): «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
قلنا: المراد بالحديث فئة خاصة، وهم وثنيو العرب، أما غيرهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم على التخيير بين الأمور الثلاثة التي نص عليها الحديث.
على أن بعض كبار الأئمة كمالك والأوزاعي ومن رأى رأيهما يرون أن حكم مشركي العرب كحكم غيرهم في التخيير بين الثلاثة: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، واستدلوا أيضًا بالحديث السابق.
وإذا نظرنا بعين الإنصاف إلى الذين حملوا حديث المقاتلة على وثنيي العرب، لا نجدهم جافوا الحق والعدل، فهؤلاء الوثنيون الذين بقوا على شركهم لم يدعوا وسيلة من وسائل الصد عن الإسلام إلا فعلوها، ثم هم أعرف الناس بصدق الرسول، فهو عربي من أنفسهم والقرآن عربي بلغتهم، فالحق بالنسبة إليهم واضح ظاهر، فلم يبق إلا أنهم متعنتون معوِّقون لركب الإيمان والعدل والحضارة عن التقدم.
هذا إلى أن الشرك مذهب فاسد، والمذاهب الفاسدة تحارب ويحارب دعاتها بكل الوسائل، من قتل أو نفي أو سجن، وهذا أمر مقرر في القديم والحديث. وها هي دول الحضارة اليوم في سبيل سلامتها، بل وفي سبيل إرضاء نزواتها وأهوائها تزهق الآلاف من الأرواح، ويغمض الناظرون أعينهم عن هذا ولا يعترض المعترضون، فهل هذا حلال لهم، حرام على غيرهم؟!.
فالإسلام حينما لم يقبل من مشركي العرب المحاربين إلا الإسلام بعد ما تبين لهم الحق، وأصبحوا قلة تعتنق مذهبًا فاسدًا بجانب الكثرة الكاثرة من العرب التي أسلمت طواعية واختيارًا لم يكن متجنيًا ولا ظالمًا، فالحديث كيفما فهمناه لا ينهض دليلًا للمفترين على الإسلام.
ويرد هذه الفرية ويقتلعها من أساسها ما التزمه الرسول  في سيرته من التسامح مع أناس أُسروا وهم على شركهم، فلم يلجئهم على الإسلام، بل تركهم واختيارهم.
فقد أسر سيد بني حنيفة -ثُمامة بن أثال- فأتوا به إلى رسول الله  فعرفه وأكرمه، وأبقاه عنده ثلاثة أيام، وكان في كل يوم يعرض عليه الإسلام عرضًا كريمًا فيأبى ويقول: إن تسأل مالًا تُعطه، وإن تقتل تقتل ذا دمٍ، وإن تنعم تنعم على شاكر، فما كان من النَّبِـي  إلا أن أطلق سراحه.
ولقد استرقت قلب ثمامة هذه السماحة الفائقة، وهذه المعاملة الكريمة، فذهب واغتسل، ثم عاد إلى النَّبِـي  مسلمًا مختارًا، وقال له: (يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ َّ) ([17]).
وقد سُر رسول الله  بإسلامه سرورًا عظيمًا، فقد أسلم بإسلامه كثير من قومه، ولم يقف أثر هذا التسامح في المعاملة عند إسلام ثمامة وقومه بل كانت له آثار بعيدة المدى في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد ذهب مكة معتمرًا، فهمَّ أهلها أن يؤذوه ولكنهم ذكروا حاجتهم إلى حبوب اليمامة، فآلى على نفسه أن لا يرسل لقريش شيئًا من الحبوب حتى يؤمنوا، فجهدوا جهدًا شديدًا فلم يرَوا بُدًّا من الاستغاثة برسول الله ([18]).
ترى ماذا كان من أمر رسول الله  معهم؟ أيدع ثمامة حتى يلجئهم بسبب منع الحبوب عنهم إلى الإيمان؟ لا، لقد عاملهم بما عرف عنه من التسامح، وأن لا إكراه في الدين، فكتب إلى ثمامة أن يخلِّي بينهم وبين حبوب اليمامة، ففعل، فما رأيكم أيها المفترون؟.
ولما فتح النَّبِـي  مكة ودخلها ظافرًا منتصرًا كان صفوان بن أمية ممن أهدرت دماؤهم؛ لشدة عداوتهم للإسلام، والتأليب على المسلمين، فاختفى وأراد أن يذهب ليلقي بنفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمِّنه، فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: (فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك) فقال صفوان: إني أخافه على نفسي، فقال عمير: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه علامة الأمان و هي العمامة؛ فقبل برده، فرجع إلى رسول الله فقال: إن هذا يزعم أنك أمنتني، فقال النَّبِـي :"صدق". فقال صفوان: أمهلني بالخيار شهرين، فقال له رسول الله : (بل أربعة أشهر)، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه([19]).
فهل بعد هذه الحجج الدامغة يتقوَّل متقوِّل على الإسلام زاعمًا أنه قام على السيف والإكراه؟!.
إن من أُكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له؟ بل ويصبح حربًا على هذا الذي أكره عليه؟ ولكن التاريخ الصادق يكذب هذا، فنحن نعلم أن العرب -إلا شرذمة تسور الشيطان عليها- ثبتوا على ما تركهم عليه الرسول ، وحملوا الرسالة، وبلَّغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة، ولم يزالوا يكافحون ويجاهدون في سبيل تأمين الدعوة وإزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار في أقل من قرن من الزمان، ومن يطَّلع على ما صنعه العرب في حروبهم وفتوحاتهم لا يسعه إلا أن يجزم بأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم رخيصة لله.
ثم ما رأي هؤلاء المفترين على الإسلام في حالة المسلمين لمَّا ذهبت ريحهم، وانقسمت دولتهم الكبرى إلى دويلات، وصاروا شيعًا وأحزابًا وتعرضوا لمحن كثيرة في تاريخهم الطويل كمحنة التتار، والصليبيين في القديم، ودول الاستعمار في الحديث، وكل محنة من هذه المحن كانت كافية للمُكرَّهين على الإسلام أن يتحللوا منه ويرتدوا عنه، فأين هم الذين ارتدوا عنه؟ أخبرونا يا أصحاب العقول !!.
إن الإحصائيات الرسمية لتدل على أن عدد المسلمين في ازدياد على الرغم من كل ما نالهم من اضطهاد وما تعرضوا له من عوامل الإغراء، وقد خرجوا من هذه المحن بفضل إسلامهم وهم أصلب عودًا وأقوى عزيمة على استرداد مجدهم التليد وعزتهم الموروثة.
بل ما رأي هؤلاء في الدول التي لم يدخلها مسلم مجاهد بسيفه؟ وإنما انتشر فيها الإسلام بوساطة العلماء والتجار والبحّارة كأندونيسيا، والصين، وبعض أقطار إفريقيا، وأوروبا وأمريكا، فهل جرَّد المسلمون جيوشًا أرغمت هؤلاء على الإسلام؟ ألا فليسألوا أحرار الفكر الذين أسلموا من أوروبا وغيرها، وسيجدون عندهم النبأ اليقين.
لقد انتشر الإسلام في هذه الأقطار بسماحته، وقربه من العقول والقلوب، وها نحن نرى كل يوم من يدخل في الإسلام، وذلك على قلة ما يقوم به المسلمون من تعريف بالإسلام، ولو كنا نجرد للتعريف به عشر معشار ما يبذله الغربيون من جهد ومال لا يحصى في سبيل التبشير بدينهم وحضارتهم، لدخل في الإسلام ألوف الألوف في كل عام، ولن ترى-إن شاء الله- من يحل عروة الإسلام من عنقه أبدًا مهما أنفقوا في سبيل دعاياتهم التبشرية، وبعثاتهم التعليمية والتنصيرية"([20]).
"ومن أعظم الردود فى هذا المضمار لغة الأرقام والحصر؛ فالذى يحصى عدد حروب الرسول  فسيجدها عشرين؛ ما بين سرية وغزوة وبعث، على مدار عشر سنوات هى عمر الدعوة فى المدينة، وسيجد أن عدد القتلى من الجانبين؛ المسلمين والمشركين لا يتعدى 386 قتيلاً!!، وهذا العدد لا يتعدى قتلى حوادث المرور فى قرية صغيرة فى أمريكا خلال شهر أو شهرين.
فى حين كان عدد القتلى  بين طائفتين فى الديانة المسيحية؛ وهما الكاثوليك والبروتستانت فى أوربا فى القرون الوسطى وعلى مدى قرنين من الزمان بلغ عشرة ملايين طبقًا لإحصاء فولتير!!"([21]).
فأى حديث بعد حديث الأرقام والواقع يمكن أن يقال!!.
الشبهة الثانية: استبدل محمدٌ عبادة وثنية بأخرى وثنية
استبدل محمدٌ عبادة وثنية بأخرى وثنية فقد أمر أصحابه أن يطوفوا حول الكعبة وهى من الحجارة ويأمرهم أيضا برمى الجمرات على حجر يقولون إنه الشيطان، كما أمرهم بتقبيل حجر أسود، إن هذا الدين لا يحترم عقول أتباعه السذج.
الرد على الشبهة وتفنيدها
الحكمة من الطواف بيَّنها النَّبِـي  حين قال([22]): «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ»، وقال أيضًا([23]): «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ ، فالطائف يطوف بجسده وأما قلبه وروحه فإلى الله اتجاههما، وبه تعلقهما، كما يكون فى الصلاة ولسان الحاج وقلبه يلهجان بقولهما: (لبيك اللهم لبيك) وما سمعنا عن أحد أنه قال: (لبيك يا كعبة لبيك)، فالطواف والتلبية استجابة لأمر الله، وليست للكعبة، ولعل مما يفسر هذا قول بعض الصالحين: طاف الجسد بالبيت، وطاف القلب برب البيت.
والمسلمون ما طافوا به إلا بأمر الله، وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله تعالى.
ويرجم الحاج الشيطان رمزًا لما بعد الحج، فهي رياضة روحية للمؤمن، لذلك فإن الحاج بعد الحج يتذكر الرجم والحرب التي أعلنها على الشيطان، فلا يتلكأ عن معاداة من رجمه، ولذا تتضح آثار الرجم بعد الحج في السلوك والمعاملات وفي الصمود للمغريات.
ألا ترى الجندي وهو يتدرب على تمثال من ورق، يطعنه ويصرخ، فلم يفعل هذا؟
هل هذا سخف؟ لا... لأنه تدريب ليوم اللقاء الحقيقي مع الأعداء.
وكذا الجيوش، تقوم بمناورات بذخيرة غير حية، فهل تُهدر الوقت وتُضيع تعب الجند وجهدهم عبثًا؟ لا.. إنها تتدرب على هدف رمزي تحتله وهو من بلادها، ويهتف الجند صيحة النصر. إن هذا رمز وتدريب للمعركة الحقيقية القادمة.
وكذلك الرجم: إنه لرمزٌ كتمثال الجندي، وكالبقعة التي احتلت وصرخ الجميع لاحتلالها صرخة النصر، فتمثل الشيطان الذي يصد عن سبيل الله في مكان الرجم ثم رجمه، معناه لا طاعة له بعد اليوم، بل حرب معلنة بين الحاج وبينه حتى يلقى الحاج ربه، فكلما عرض له في أمر يريد غوايته تذكر الرجم والحرب المعلنة، فلا يخضع له ولا يطيعه، وتبقى طاعته لله وحده.
إن في الحج تتحقق منافع دينية ودنيوية معًا، فيه منافع روحية وأدبية واجتماعية واقتصادية، ففي المؤتمر الكبير الذي يعقد في عرفات، رمز لتوحيد كلمة المسلمين وتوجيههم إلى تدارس المشكلات والأمور التي تواجه شعوبهم، وفي الحج مساواة عملية بين الأمير والفرد العادي، فلا تمييز: لباس واحد، وحياة واحدة، بل سمو فوق المادة والحسب والنسب والمال والجاه.
حقًا إن هذا المؤتمر الإسلامي العالمي لا شبيه له، فالحج رياضة روحية وفكرية، وروح وتربية ومنافع؛ قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج27-28].
أما الحجر الأسود فإن سيدنا عمر لما قبل الحجر الأسود قال([24]):"إنىَّ أعْلَم إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ"إشارة إلى أن تقبيله أمر تعبدي، وأن الضار والنافع في الحقيقة، إنما هو الله تعالى وحده, وإنما قال عمر t: "إِنَّكَ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ" لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر وخاف أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع، وهو الله وحده.
ولقد جاءت بعض الأحاديث الواردة في فضل الحجر الأسود وأنه من الجنة فهو ليس كباقي الأحجار الأُخرى:
روى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِـي  قال([25]): «لَولا مَا مَسَّ الحَجَّر مِنْ أنْجَاسِ الجَاهِلِيّة مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلا شُفِيَّ ومَــا عَلى الأرْضِ شَيءٌ مِنْ الجَنَّـــةِ غَيْرَهُ».
وروى أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِـي  قَالَ([26]): «إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا».
وروى الترمذى عن ابْنَ عَمْرٍو قال: قال ([27]): «إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
وبالتالي من خلال هذه الأحاديث نستطيع أن نعرف سبب القدسية والاهتمام الذي يحظى به الحجر الأسود.
والآن ماذا تقولون أيها المستشرقون فيما ورد في كتابكم المقدس من أن سيدنا موسى والأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-كانوا يكرمون (تابوت العهد)، ويبخرونه كما جاء في العهد القديم، والنصارى يقبلون صور وتماثيل المسيح والعذراء، ومنهم من يسجد لهذه الصور والتماثيل كي ينالوا البركة بالسجود لها مع ما في ذلك من مخالفة للشريعة التوراتية، ومنهم من يقول إن الصور والأحجار لا تضر ولا تنفع، وإكرامها عائد لله تعالى، ونحن كذلك.
وماذا تقولون "من أن نبي الله يعقوب كان فى طريقه إلى حاران وشاهد رؤية السلم العجيب وبعد أن أفاق أخذ الحجر الذي توسده وسكب عليه زيتًا وسمى المكان بيت إيل أى: بيت الله وأقام الحجر عمودًا هناك وعاد إلى زيارة ذلك الحجر بعد عشرين عامًا و أطلق عليه اسم مصفاة، وأصبحت هذه المصفاة مكانًا للعبادة و المجالس العامة فى تاريخ شعب إسرائيل"([28]).
أراكم تعجزون عن الإجابة!!
شبهات العلمانيين([29])
الشبهة الأولى: أنتم أعلم بأمور دنياكم.
يقول : "أنتم أعلم بأمور دنياكم" إذ قد قرر الرسول  في هذا الحديث أن المسلمين أعلم بأمور دنياهم، وبالتالي فإن الشريعة لا تتدخل في تحديد الأمور الدنيوية التي هم بها عالمون.
الرد على الشبة وتفنيدها([30])
أولًا: لفظ الحديث عن طلحة قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ([31]): «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ U».
وفي رواية عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ([32]): «مَا تَصْنَعُونَ قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».
وفى رواية عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِـي  مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ([33]): «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
فيقال فى هذه الروايات: إن ما ذكرتموه لم يقله أحد من أهل العلم، بل هو مخالف لأقوالهم وما كان هذا سبيله فهو مردود على صاحبه، مرفوض غير مقبول، فقد بوب النووي على ذلك الحديث بقوله:"باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، دون ما ذكره  من معايش الدنيا على سبيل الرأي".
وقال أيضًا في شرح هذه الأحاديث([34]): "قال العلماء: قوله  (من رأي) أي: في أمر الدنيا ومعايشها لا على سبيل التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعًا يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله، قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا، وإنما كان ظنًا كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه  في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها والله أعلم".
فمما تقدم نقله عن أهل العلم يتبين أن مجال هذا الحديث إنما هو في "أمر الدنيا ومعايشها" ولم يذكر العلماء تلك العبارة مطلقة، بل قيدوها بما يبطل كل محاولات التأويل الباطل لهذا الحديث، فقد قيد العلماء "أمر الدنيا ومعايشها" بأن يكون النَّبِـي  قاله على سبيل الرأي أي أنه قاله لا على سبيل التشريع وهذا التقييد يعني أمرين:
أن الأمور التي يقال فيها: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) هي تلك الأمور التي لم تتناولها الأدلة الشرعية تناولًا عامًا أو تناولًا خاصًا، أو الأمور التي تناولتها السُنَّة لا على سبيل التشريع وإنما على سبيل الرأي فقط.
أن الأصل في كل ما تناولته النصوص الشرعية -ولو كان متعلقًا بأمر الدنيا أو المعاش أو غيره- أن يكون على سبيل التشريع إلا أن يدل الدليل أو القرينة على خلاف ذلك ويؤيد هذا الكلام أيضًا أمران:
تصرف الصحابة في القصة المذكورة حيث امتنعوا من تأبير النخل –رغم خبرتهم السابقة عن أهمية ذلك التلقيح علاوة على أنه أمر من أمور المعايش الدنيوية- وذلك لما لم يظهر لهم دليل أو قرينة تبين لهم أن الرسول  قال ما قال على غير سبيل التشريع، وهذا يعني أنهم يتعاملون مع أقواله  -ولو كانت في أمور المعايش- على أنها على سبيل التشريع حتى يأتي من الدليل الشرعي ما يبين أنها على غير سبيل التشريع.
طريقة صياغة العلماء للعبارات السابقة، فإنها واضحة كل الوضوح في أن الأصل في كل ما جاء في النصوص الشرعية إنما يتم التعامل معه على أنه جاء على سبيل التشريع، ولذلك احتاج هؤلاء العلماء أن يقيدوا الأمور التي لا يجب على المسلمين امتثالها من معايش الدنيا، بأنها التي جاءت على سبيل الرأي أو لا على سبيل التشريع وهذا يعني أن النصوص التي جاءت في معايش الدنيا أو غيرها ولم تظهر قرينة أو دليل يبين أنها جاءت على سبيل الرأي أو لا على سبيل التشريع فإنه يتم التعامل معها على أنها نصوص تشريعية يجب امتثالها.
ثانيًا: أن يقال إن الرسول لم يذكر الكلام في عدم تأبير النخل مطلقًا من كل قيد، حتى يقال: إن ما تناولته النصوص الشرعية مطلقًا من القيود وهو من أمور الدنيا فإن الشرع يترك -في هذه الحالة- ويرجع في تلك الأمور الدنيوية إلى أهل الدنيا.
فالرسول -كما بُيِّن في الحديث- لم يأمرهم أمرًا مطلقًا، أو لم ينهاهم نهيًا مطلقًا، أي بعبارة أخرى لم يكن ما صدر منه على سبيل التشريع، وألفاظ الحديث ورواياته المتعددة تدل على ذلك، وإن كان من سمع هذا الموضوع من الصحابة قد غلَّبوا جانب التشريع، فقد جاء في ألفاظ الحديث ورواياته: (ما أظن يغني ذلك شيئًا) وجاء (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا)، مما يبين أن الرسول  يتحدث عن ظن أو خبرة دنيوية لا علاقة لها بالتشريع، ولذلك لما غلَّب بعض الصحابة جانب التشريع في ذلك، بين لهم الرسول  أنه لم يرد ذلك وأن كلامه السابق لا يدل عليه، ولذلك قال لهم معقبًا على تصرفهم إزاء مقالته السابقة: (فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن) وقال: (إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر)، وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) فالروايات كلها في مبتداها ومنتهاها متضافرة على أن ما ذكره الرسول  للصحابة كان من قبيل الرأي المتعلق بأمور المعاش القائم على الخبرة البشرية التي قد يتاح منها لبعض الناس ما لا يتاح لغيرهم، ولم يكن كلامًا على سبيل التشريع، وإذا تبين ذلك، فقد بطل قولهم في أن النصوص الشرعية المتعلقة بأمور الدنيا، لا يعول عليها، ولا يرجع إليها، وإنما يرجع في مثل هذه الأمور إلى أهل الدنيا والمعرفة بها.
ثالثًا: أن يقال إن أمر الدنيا الذي عناه الرسول  في حديثه، هو تأبير النخل فلا يقاس عليه إلا ما جرى مجراه وكان على شاكلته، وهو الخبرة العملية المتعلقة بشأن من الشئون المباحة التي لم يتعلق بها الخطاب الشرعي لا أمرًا ولا نهيًا، وليس المراد بذلك كل أمر متعلق بالدنيا، لأنه قد جاءت نصوص شرعية كثيرة في أمور الدنيا، وقد تعلق بها الخطاب الشرعي أمرًا ونهيًا، فكانت بذلك موكولة إلى الشرع يبين حلالها وحرامها وما يصح منها وما لا يصح إلى غير ذلك من تفاصيلها المطلوبة، ولم تكن موكولة إلى المسلمين -أو إلى غيرهم- يجتهدون فيها أو يعملون فيها بمقتضى عقولهم أو مصالحهم أو أهوائهم، والنظام السياسي وتفاصيله قد تعلق به الخطاب الشرعي أمرًا ونهيًا وتخييرًا، فكان بذلك من النوع الموكول إلى الشرع يبين أحكامه وتفاصيله، ولم يكن من النوع الأول الذي وُكل إلى الخبرة البشرية حيث لم يتعلق به الخطاب الشرعي.
رابعًا: أن يقال ما هو الضابط الذي تعتمدون عليه في التفريق بين أمر الدنيا الموكول للبشر وبين أمر الدين الموكول إلى الشريعة؟ حيث إنكم لم تقدموا ضابطًا صحيحًا تفرقون به بين أمر الدنيا وأمر الدين فأنتم لستم تتبعون أو تتعلقون في قولكم: هذا من أمر الدنيا، وذاك من أمر الدين بنص شرعي، أو بكلام لأحد من أئمة العلم المعروفين لا قديمًا ولا حديثًا، وإنما أنتم تتبعون في تفريقكم الباطل من قلدتموهم من أهل الغرب أو الشرق الكافر الذين فصلوا الدولة عن الدين أو الدنيا عن الدين، إذ كما هو معروف مشهور عندما تسلطت الكنيسة على الناس بالباطل، وحدث بين ممثلي الكنيسة من جانب والناس من جانب مناوشات وصراع مرير طويل، انتهى الأمر بعزل الكنيسة عن التدخل في أمور الدنيا أو الدولة، وقُصر تدخلها أو قُصِرت صلاحيتها على التوجيه الروحي والوصايا الأخلاقية، وبعد هذا الوضع النهائي للكنيسة عندهم، أصبحت "أمور الدين" عندهم محصورة في علاقة الفرد بربه، وما يتصل بذلك من عقيدة الإنسان في ربه، وأنواع القرب التي يتقرب بها إليه لينال رضاه من غير أن يكون لتلك العلاقة أي بعد أو أثر خارج دائرة الفرد نفسه.
كما أصبحت أمور الدنيا تعني عندهم كل ما يتصل بحياة الفرد والجماعة داخل المجتمع، وما يترتب على ذلك من أنظمة وعلاقات ومعاملات وقوانين.
وقد تم الفصل الكامل بين هاتين الدائرتين: دائرة أمور الدنيا، ودائرة أمور الدين، وترتب على ذلك أن الدين عندهم أصبح محصورًا في نطاق الإنسان الفرد وحده، أو في داخل الكنيسة حيث يؤدي هؤلاء ما يعتقدون أنه من الدين عندهم، حتى إذا خرجوا من تلك الكنائس إلى واقع الحياة لم يكن للدين أدنى سلطان على تنظيم الحياة وقيادتها إلا ما كان من بعض الوصايا أو العظات الخلقية غير الملزمة؛ لأن ذلك خارج عن نطاقه وصلاحياته.
بينما أمور الدين تشمل عند المسلمين كل ما تعلق به الخطاب الشرعي أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، فما تعلق به الخطاب على وجه الأمر فيكون من الدين فعل المأمور به، وما تعلق به الخطاب على وجه النهي فيكون من الدين اجتناب المنهي عنه، وما تعلق به الخطاب على جهة الخبر، فيكون من الدين تصديق ما أخبر به.
ومن المعلوم البَّين الذي لا يحتاج إلى كبير بيان أو إيضاح أن الخطاب الشرعي قد تعلق على جهة الأمر والنهي بالأمور أو المسائل التي تتناول حياة الفرد أو الجماعة داخل المجتمع مما يطلق عليه أنه من الأمور الدنيوية وهي في الوقت نفسه مما يطلق عليه أنه من أمور الدين وذلك لتعلق الخطاب الشرعي به.
إذن فتعريف هؤلاء لأمر الدنيا، وما ترتب عليه من إخراج النظام السياسي في الإسلام من أمور الدين رغم تعلق الخطاب الشرعي به وإدخاله في أمور الدنيا التي لا دخل للشرع فيها، هو أمر مأخوذ أصلًا من طبيعة العلاقة بين الدين النصراني المحرف وبين الفكر العلماني، وغنى عن البيان أن ما كان كذلك فلا يصح أن يكون حجة في دين المسلمين.
الشبهة الثانية: غمس الذباب في الإناء لا يقره العقل
يقول بعض الناس إن النَّبِـي  قال([35]): «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً»، كيف لإنسان عاقل أن يغمس ذبابة فى إناء أو طعام ثم بعد ذلك يأكله إن هذا يُثير الاشمئزاز، ومدعاة للتلوث، ومخالف لأبسط قواعد الطب الحديث، ويصادم العقل، فهذا الحديث كذبٌ وإن كان فى البخارى.
الرد على الشبهة وتفنيدها([36])
أولًا: الحديث صحيح رواه الإمام البخاري في جامعه الصحيح، ولكنه لا يعد من "المتفق عليه" في اصطلاح علماء الحديث، لأن المتفق عليه عندهم هو ما اتفق على روايته الشيخان -البخاري ومسلم- في صحيحهما، وهذا الحديث مما انفرد به البخاري، ولم يخرجه مسلم، رحمهما الله.
ومعلوم أن أحاديث صحيح البخاري متلقاة بالقبول لدى جماهير الأمة في مختلف العصور، وخصوصًا فيما سلم فيها من النقد والاعتراض من جهابذة علماء الأمة من المحدثين والفقهاء الراسخين.
ولا أعلم أحدًا من العلماء السابقين أثار إشكالًا حول هذا الحديث أو تحدث عن علة قادحة في سنده أو متنه.
ثانيًا: إن هذا الحديث لا يتعلق ببيان أصل من أصول الدين، من الإلهيات أو النبوات أو السمعيات، ولا ببيان فريضة من فرائضه الظاهرة أو الباطنة، الشخصية أو الاجتماعية، ولا ببيان أمر من أمور الحلال والحرام في حياة الفرد أو الجماعة، ولا ببيان تشريع من تشريعات الإسلام المنظمة لحياة الأسرة والمجتمع والدولة والعلاقات الدولية، ولا ببيان خُلق من أخلاق الإسلام التي بُعث الرسول ليُتمم مكارمها.
ولو أن مسلمًا عاش عمره دون أن يقرأ هذا الحديث أو يسمع به، لم يكن ذلك خدشًا في دينه، ولا أثَّرَ ذلك في عقيدته أو عبادته، أو سلوكه العام.
فلو سلمنا -جدلًا- بكل ما أثاره المتشككون حول الحديث، وحذفناه من صحيح البخاري أصلًا، ما ضر ذلك دين الله شيئًا.
فلا مجال لأولئك الذين يتخذون من الشبهات المثارة حول الحديث، سبيلًا للطعن في الدين كله، فالدين -أعني الإسلام- أرسخ قدمًا، وأثبت أصولًا، وأعمق جذورًا من أن ينال منه بسبب هذه الشبهات الواهية.
ثالثًا: إن هذا الحديث -وإن كان صحيحًا لدى علماء الأمة- هو من أحاديث الآحاد، وليس من المتواتر الذي يفيد اليقين.
وأحاديث الآحاد إذا رواها الشيخان أو أحدهما قد اختلف فيها العلماء: هل تفيد العلم أي اليقين أم تفيد مجرد الظن الراجح؟ أم يفيد بعضها العلم بشروط خاصة؟
وهذا الخلاف يكفي للقول بأن من أنكر حديثًا من أحاديث الآحاد، قامت شبهة في نفسه حول ثبوته ونسبته إلى النَّبِـي  لا يخرج بذلك من الدين لأن الذي يخرج منه إنكار ما كان منه بيقين لا ريب فيه، ولا خلاف معه، أي القطعي الذي يسميه العلماء "المعلوم من الدين بالضرورة".
إنما يخرج من الدين حقًا من اتخذ من الغبار المثار حول هذا الحديث وسيلة للطعن في الدين والاستهزاء به، فإن هذا كفر صريح.
رابعًا: أما مضمون الحديث وعلاقته بالعلم والطب الحديث، فقد دافع عنه كثير من كبار الأطباء ورجال العلم، مستشهدين ببحوث ودراسات لعلماء غربيين مرموقين، ونشر ذلك كثير من المجلات الإسلامية في مناسبات شتى.
وحسبي هنا أن أنقل ردًا علميًا طبيًا حول هذا الموضوع، وهو للأستاذ الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام والتقويم بجامعة الإسكندرية، إثر مقال نشرته بعض الصحف لطبيب آخر تشكك في الحديث المذكور([37]).
يقول الدكتور أمين رضا: رفض أحد الأطباء الزملاء حديث الذبابة على أساس التحليل العلمي العقلي لمتنه لا على أساس سنده، وامتدادًا للمناقشة الهادئة التي بدأتها هذه الجريدة أرى أن أعارض الزميل الفاضل بما يأتي:
1- ليس من حقه أن يرفض هذا الحديث أو أي حديث نبوي آخر لمجرد عدم موافقته للعلم الحالي، فالعلم يتطور ويتغير، بل ويتقلب كذلك، فمن النظريات العلمية ما تصف شيئًا اليوم بأنه صحيح، ثم تصفه بعد زمن قريب أو بعيد بأنه خطأ، فإذا كان هذا هو حال العلم فكيف يمكننا أن نصف حديثًا بأنه خطأ قياسًا على نظرية علمية حالية، ثم نرجع فنصححه إذا تغيرت هذه النظرية العلمية مستقبلًا؟.
2- ليس من حقه رفض هذا الحديث أو أي حديث آخر لأنه "اصطدم بعقله اصطدامًا" على حد تعبيره، فالعيب الذي سبب هذا الاصطدام ليس من الحديث بل من العقل، فكل المهتمين بالعلوم الحديثة يحترمون عقولهم احترامًا عظيمًا، ومن احترام العقل أن نقارن العلم بالجهل.
العلم يتكون من أكداس المعرفة التي تراكمت لدى الإنسانية جمعاء بتضافر جهودها جيلا بعد جيل لسبر أغوار المجهول، أما الجهل فهو كل ما نجهله، أي ما لم يدخل بعد في نطاق العلم، وبالنظرة المتعقلة تجد أن العلم لم يكتمل بعد، وإلا لتوقف تقدم الإنسانية، وأن الجهل لا حدود له، والدليل على ذلك تقدم العلم وتوالي الاكتشافات يومًا بعد يوم من غير أن يظهر للجهل نهاية.
إن العالم العاقل المنصف يدرك أن العلم ضخم ولكن حجم الجهل أضخم، ولذلك لا يجوز أن يغرقنا العلم الذي بين أيدينا في الغرور بأنفسنا، ولا يجوز أن يعمينا علمنا عن الجهل الذي نسبح فيه؛ فإننا إذ قلنا أن علم اليوم هو كل شيء، وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه أدى ذلك بنا إلى الغرور بأنفسنا، وإلى التوقف عن التقدم، وإلى البلبلة في التفكير، وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحق حتى لو كان أمام أعيُننا، ويجعلنا نرى الحق خطأ، والخطأ حقًا فتكون النتيجة أننا نقابل أمورًا تصطدم بعقولنا اصطدامًا، وما كان لها أن تصطدم لو استعملنا عقولنا استعمالًا فطريًا سليمًا يحدوه التواضع والإحساس بضخامة الجهل أكثر من التأثر ببريق العلم والزهو به.
3- ليس صحيحًا أنه لم يرد في الطب شيء عن علاج الأمراض بالذباب؛ فعندي من المراجع القديمة ما يوصف وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب، أما في العصر الحديث فجميع الجراحين الذين عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا -أي في السنوات العشر الثالثة من القرن المنصرم- رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب، وكان الذباب يربي لذلك خصيصًا، وكان هذا العلاج مبنيًا على اكتشاف فيروس (البكتريوفاج)([38]) القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض، وكذلك (البكتريوفاج) الذي يهاجم هذه الجراثيم، وكلمة (بكتريوفاج) هذه معناها "آكلة الجراثيم"، وجدير بالذكر أن توقف الأبحاث عن علاج القرحات بالذباب لم يكن سببه فشل هذه الطريقة العلاجية، وإنما كان ذلك بسبب اكتشاف مركبات السلفا التي جذبت أنظار العلماء جذبًا شديدًا، وكل هذا مفصل تفصيلًا دقيقًا في الجزء التاريخي من رسالة الدكتوراه التي أعدها الزميل الدكتور أبو الفتوح مصطفى عيد تحت إشرافي عن التهابات العظام والمقدمة لجامعة الإسكندرية من حوالي سبع سنوات.
4- في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود سم في الذباب، وهذا شيء لم يكشفه العلم الحديث بصفة قاطعة إلا في القرنين الأخيرين، وقبل ذلك كان يمكن للعلماء أن يكذبوا الحديث النبوي لعدم ثبوت وجود شيء ضار على الذباب، ثم بعد اكتشاف الجراثيم يعودون فيصححون الحديث.
5- إن كان ما نأخذه على الذباب هو الجراثيم التي يحملها فيجب مراعاة ما نعلمه عن ذلك:
(أ) ليس صحيحًا أن جميع الجراثيم التي يحملها الذباب جراثيم ضارة أو تسبب أمراضًا.
(ب) ليس صحيحًا أن عدد الجراثيم التي تحملها الذبابة والذبابتان كاف لإحداث مرض فيمن يتناول هذه الجراثيم.
(ج) ليس صحيحًا أن عزل جسم الإنسان عزلًا تامًا عن الجراثيم الضارة ممكن، وإن كان ممكنًا فهذا أكبر ضرر له، لأن جسم الإنسان إذا تناول كميات يسيرة متكررة من الجراثيم الضارة تكونت عنده مناعة ضد هذه الجراثيم تدريجيًا.
6- في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود شيء على الذباب يضاد السموم التي تحملها، والعلم الحديث يعلمنا أن الأحياء الدقيقة من بكتريا وفيروسات وفطريات تشن الواحدة منها على الأخرى حربًا لا هوادة فيها، فالواحدة منها تقتل الأخرى بإفراز مواد سامة، ومن هذه المواد السامة بعض الأنواع التي يمكن استعمالها في العلاج، وهي ما نسميه "المضادات الحيوية" مثل البنسلين والكلوروميستين وغيرهما.
7- إن ما لا يعلمه وما لم يكشفه المتخصصون في علم الجراثيم حتى الآن لا يمكن التكهن به، ولكن يمكن أن يكون فيه الكثير مما يوضح الأمور توضيحًا أكمل؛ ولذلك يجب علينا أن نتريث قليلًا قبل أن نقطع بعدم صحة هذا الحديث بغير سند من علم الحديث، ولا سند من العلم الحديث.
8- هذا الحديث النبوي لم يَدْعُ أحدًا إلى صيد الذباب ووضعه عنوة في الإناء، ولم يشجع على ترك الآنية مكشوفة، ولم يشجع على الإهمال في نظافة البيوت والشوارع وفي حماية المنازل من دخول الذباب إليها.
9- إن من يقع الذباب في إنائه ويشمئز من ذلك ولا يمكنه تناول ما فيه فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
10- هذا الحديث النبوي لا يمنع أحدًا من الأطباء والقائمين على صحة الشعب من التصدي للذباب في مواطنه ومحاربته وإعدامه وإبادته، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهن أحد علماء الدين أن هذا الحديث يدعو الناس إلى إقامة مزارع أو مفارخ للذباب، أو أنه يدعو إلى التهاون في محاربته، ومن صنع ذلك أو اعتقد فيه فقد وقع في خطأ كبير"
هذا ما قاله الطبيب العالم الأستاذ الدكتور أمين رضا بلسان العلم والطب المعاصر وفيه كفاية وغنية جزاه الله خيرًا"([39]).
بعد هذا العرض لا بد أن نُثبت قاعدة وهى: أنه يجب أن نفرق بين المستحيل والمستغرب وهذا الخلط يقع فيه كثير من الناس فالمستحيل يعود إلى أصل الشيء ونكرانه بينما المستغرب يعود إلى ضعف المتصور وعدم إدراكه، وشتان بين الأمرين.
وقد يوجد فى دين الإسلام أمور قد تستغربها عقول بعض الناس ولا تستطيع أن تتصورها؛ كأمور النبوات والحشر والجنة والنار والصراط وأحوال القبر...إلخ.
وشأن المسلم إذا سمع خبرًا صحيحًا أن يقول سمعنا وأطعنا، وإذا سمع خبرًا يرفضه العقل يتأنى فيما يستغربه حتى يتيقن من صدقه أو كذبه ولا يصح له أن يبادر إلى التكذيب والحكم بالاستحالة حتى لا يقع فى التناقض عندما يثبت صحة الخبر وسلامته، اللهم إلا أن تأخذه العزة بالإثم فلا يسلم بصحته ولا يتراجع عن قوله.
على أننا نرى من الاستقراء التاريخى وتتبع التطور العلمى والفكرى أن كثيرًا مما كان غامضًا على العقول أصبح مفهومًا وواضحًا، بل نرى كثيرًا مما كان ينكره العقل أصبح الآن يقره ويسلم بوجوده وصار عنده من الحقائق.
الشبهة الثالثة: التداوي بأبوال الإبل وألبانها
يقول بعض الناس إن النَّبِـي  أمر بعض أصحابه بشرب أبوال الإبل للتداوى بها، وبعد ذلك أمر بقتلهم بطريقة شنيعة؛ فسّمّل أعينهم وقطّع أيديهم وأرجلهم وعطشهم، وأن هذا الحديث فى البخارى، وهذا مخالف لما كان عليه النَّبِـي  من الرحمة بأمته، وكذا مخالف لأبسط قواعد الطب الحديث، ويصادم العقل، فهذا الحديث كذب وإن كان فى البخارى.
الرد على الشبهة وتفنيدها
أولًا: الحديث صحيح رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وأصحاب السنن وأحمد؛ فعن أنس قال([40]): «إنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِـي  وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِـي  وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَبَلَغَ النَّبِـي  فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ»
فهؤلاء النفر من قبيلة عُرينة قدموا المدينة إلى النَّبِـي  وادعوا أنهم مسلمون، وكانوا يعانون من أنواع الأمراض والأوبئة ومنها الحمى وغيرها فلما دخلوا المدينة، ورآهم النَّبِـي  رقَّ لحالهم وأمرهم بأن يخرجوا إلى خارج المدينة، وأن يذهبوا إلى الإبل الخاصة بالصدقة التي ترعى في الصحراء والمراعي الطبيعية، حيث نقاء الجو وصفائه، وبُعده من الأمراض والأوبئة، وأمرهم بأن يشربوا من ألبان إبل الصدقة وأبوالها، لأنهم من المسلمين، فلما شربوا منها شفاهم الله تعالى، وعادت لهم صحتهم وحيويتهم ونشاطهم السابق، فانظر إلى فعلهم بعد ذلك:
قابلوا هذا الإحسان والمعروف بالنكران والخيانة.
 وكفروا.
وقتلوا رعاة إبل الصدقة.
وسملوا أعينهم.
وسرقوا الإبل وفرُّوا بها.
فأرسل خلفهم النَّبِـي من يقبض عليهم فذهب الصحابة إليهم وقبضوا عليهم وجاوؤا بهم وقت الظهر إلى النَّبِـي فأمر بهم النَّبِـي  بأن يقتلوا بطريقة تكون فيها عبرة لغيرهم ممن تُسّول له نفسه أن يعتدي على حُرمات المسلمين وأعراضهم وأموالهم ودمائهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وتكحيل أعينهم بحديد محمي على النار فعموا بها حتى ماتوا.
وهذا هو الوارد في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} [المائدة33].
وهذا نكاية بهم وتعزيزًا لهم وردعًا لغيرهم ممن يتربص بالمؤمنين الشر؛ ليكونوا عبرة لغيرهم من المنافقين والأعراب والمشركين الطامعين في خيرات المدينة.
كما أمر النَّبِـي  بعدم سقيهم الماء لما عطشوا.
قال الخطابي([41]): "إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم".
وقال النووي([42]): "إن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشا".
وهذه عقوبة تعزيرية لهم، يعود للإمام الحق في الاجتهاد في الحكم بها لما يراه من المصلحة في ذلك، وإلا فإن حكم المرتد هو القتل بكل حال لقوله ([43])مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» إضافة إلى أن هؤلاء قد قتلوا راعي إبل الصدقة بغير حق وظلمًا وعدوانًا، وهو من المسلمين.
ثانيًا: بالنسبة لشرب أبوال الإبل فقد أمرهم النَّبِـي بأن يشربوا من ألبانها وأبوالها، وأمر النَّبِـي  واجب تنفيذه وطاعته لقوله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور54] وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب36] وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7] وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور63] وقوله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران31] ولقوله ([44]): «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
وهذا الحديث من إعجاز الطب النبوي الشريف، والأمر مجرَّب محسوس، وكون بعض النفوس الآن لا تشتهي ولا تستسيغ أبوال الإبل فهذا أمر راجع إلى المريض نفسه فإن شاء أن يتعالج به وإن شاء تركه، وهو من باب الأخذ بالأسباب، ولكن مع هذا فإنه يجب عليه أن يؤمن بأن هذا الأمر فيه فائدته ونفع عظيم للمريض، لئلا يشك ويرد أمر النَّبِـي  فيقع في المحظور الأعظم.
وأكبر دليل على صدق هذا الأمر هو ما أشار إلى الصحابي بقوله (فشفوا) أي: أن هؤلاء المرضى قد شفاهم الله تعالى بسبب شربهم لألبان الإبل وأبوالها، وصاروا يتمتعون بصحة وعافية، وقد عادت عافيتهم إليهم.
فالطب الحديث يثبت أن أبوال الإبل من الأدوية التي تستخدم في علاج الجلطة الدموية مجموعه تسمى FIBRINOLYTIC تقوم آلية عمل هذه المجموعة على تحويل مادة في الجسم من صورتها غير النشطة PLAMINOGEN إلى الصورة النشطة PLAMIN وذلك من أجل أن تتحلل المادة المسببة للتجلط FIBRIN أحد أعضاء هذه المجموعة هو UROKINAE الذي يستخرج من خلايا الكلى أو من البول كما يدل الاسم URO-البول في الإنجليزية URINE لازلت مشمئزًا؟!!
في الحقيقة هو أمر فعلا مثير للاشمئزاز، ولكن لم يطلب أحد منك أن تشرب بول الإبل كفاتح شهية أو أن تستبدل به عصير البرتقال !!
لقد وصى النَّبِـي  به كعلاج لمرض خطير وهو الاستسقاء، وما كان العربي القديم يتورع عن فعل ذلك لأنه لم تكن متوفرة له السبل المطلوبة لاستخلاص مادة الشفاء من البول كما فعلنا نحن اليوم.
قال صاحب القانون([45]): "ولا يلتفت إلى ما يقال من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء، واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، وما فيه من خاصية وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به، وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك؛ فعوفوا، وأنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي وهو النجيب".
قال الرازي: "لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج".
وفي حياة الحيوان الكبرى: "وبول الإبل ينفع من ورم الكبد".
وقال الإسرائيلي([46]): "لبن اللقاح أرق الألبان، وأكثرها مائية وحدة، وأقلها غذاء فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السدد، ويدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه لإفراط حرارة حيوانه بالطبع، ولذلك صار أخص الألبان بتطرية الكبد وتفتيح سددها، وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديدًا والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل وهو حار كما يخرج من الحيوان".
ويذكر صاحب كتاب طريق الهداية في درء مخاطر الجن والشياطين أنه أخبر عن نفر من البادية عالجوا أربعة أشخاص مصابين بسرطان الدم وقد أتوا ببعضهم من لندن مباشرة بعد ما يأسوا من علاجهم وفقد الأمل بالشفاء وحكم على بعضهم بنهاية الموت لأنه سرطان الدم، ولكن عناية الله وقدرته فوق تصور البشر وفوق كل شيء، فجاءوا بهؤلاء النفر إلى بعض رعاة الإبل وخصصوا لهم مكانًا في خيام وأحموهم من الطعام لمدة أربعين يومًا ثُم كان طعامهم وعلاجهم حليب الإبل مع شيء من بولها خاصة الناقة البكر لأنها أنفع وأسرع للعلاج وحليبها أقوى خاصة من رعت من الحمض وغيره من النباتات البرية وقد شفوا تمامًا وأصبح أحدهم كأنه في قمة الشباب وذلك فضل الله.
وبول الإبل يسميه أهل البادية الوَزَر، وطريقة استخدامه بأن يُؤخذ مقدار فنجان قهوة أي؛ ما يعادل حوالي ثلاثة ملاعق طعام من بول الناقة ويُفضل أن تكون بكرًا وترعى في البر ثم يُخلط مع كأس من حليب الناقة ويُشرب على الريق.
ويقول الدكتور محمد مراد: "في الماضي البعيد استخدم العرب حليب الإبل في معالجة الكثير من الأمراض ومنها أوجاع البطن وخاصة المعدة والأمعاء ومرض الاستسقاء وأمراض الكبد وخاصة اليرقان وتليف الكبد وأمراض الربو وضيق التنفس ومرض السكري، واستخدمته بعض القبائل لمعالجة الضعف الجنسي حيث كان يتناوله الشخص عدة مرات قبل الزواج إضافة إلى أن حليب الإبل يساعد على تنمية العظام عند الأطفال ويقوي عضلة القلب بالذات، ولذلك تصبح قامة الرجل طويلة ومنكبه عريض وجسمه قوي إذا شرب كميات كبيرة من الحليب في صغره.
واستخدمت أبوال الإبل وخاصة بول الناقة البكر كمادة مطهرة لغسل الجروح والقروح ولنمو الشعر وتقويته وتكاثره ومنع تساقطه، وكذا لمعالجة مرض القرع والقشرة، ويقال إن في دماء الإبل القدرة على شفاء الإنسان من بعض الأمراض الخبيثة.
وقيل إن حليب الإبل يحمي اللثة ويقوي الأسنان نظرًا لاحتوائه على كمية كبيرة من فيتامين (ج) ويساعد على ترميم خلايا الجسم لأن نوعية البروتين فيه تساعد على تنشيط خلايا الجسم المختلفة، وبصورة عامة يحافظ حليب الإبل على الصحة العامة للإنسان.
وتشير النتائج الأولية للبحوث التي أجراها بعض الخبراء والعلماء أن تركيب الأحماض الأمينية في حليب الإبل تشبه في تركيبها هرمون الأنسولين، وأن نسبة الدهن في لحوم الإبل قليلة وتتراوح بين 1.2% و 2.8 %، وتتميز دهون لحم الإبل بأنها فقيرة بالأحماض الأمينية المشبعة، ولهذا فإن من مزايا لحوم الإبل أنها تُقلل من الإصابة بأمراض القلب عند الإنسان"([47]).
وفي مقالة من صحيفة الزمان أن باحثًا علميًا توصل إلى أن بول الإبل يشفي من طائفة من أمراض الجهاز الهضمي وعلى رأسها التهاب الكبد والباحث اسمه محمد أوهاج.
يقول الباحث محمد أوهاج([48]): "إن التحاليل المخبرية تدل على أن بول الجمل يحتوي على تركيز عال من البوتاسيوم والبولينا والبروتينات الزلالية والأزمولارتي وكميات قليلة من حامض اليوريك والصوديوم والكرياتين وأوضح أن ما دعاه تقصي خصائص البول البعيري العلاجية هو أنه رأى أفراد قبيلة يشربون ذلك البول حينما يصابون باضطرابات هضمية واستعان ببعض الأطباء لدراسة البول الإبلي فأتوا بمجموعة من المرضى وسقوهم ذلك البول لمدة شهرين وكانت النتيجة أن معظمهم تخلصوا من الأمراض التي كانوا يعانون منها يعني ثبت علميًا أن بول الجمال مفيد إذا شربته على الريق كما توصل أوهاج إلى أن بول الجمال يمنع تساقط الشعر".
وفى مقالة لمجموعة من العلماء بقسم علوم الأغذية بكلية الزراعة بجامعة الفاتح بليبيا تقول([49]): "إن ألبان الإبل هي الأفضل من حيث ثرائها بمكونات الغذاء, ومن حيث سلامتها تمامًا، وركز العلماء في البداية في أبحاثهم على لبن الناقة, والمقارنة بين خواصه الحيوية وألبان الأبقار, بعد كارثة أمراض جنون البقر التي تتجدد بين فترة وأخرى, وفي أكثر من بلد أوروبي وغيرها من الأمراض التي يمكن أن تصيب الأغنام كذلك، بينما لم يسمع أحدٌ إصابة إنسان بأية أمراض من جراء تناوله ألبان النوق، وفي هذه الدراسة العلمية والمعملية التي شارك فيها مجموعة من أساتذة كلية زراعة جامعة الفاتح, أثبت العلماء أن حليب الإبل يحتوي على كمية فائقة من فيتامين (ج) بما يعادل ثلاثة أمثال مثيله من ألبان الأبقار, في حين تصل نسبة (الكازين) إلى 70% من البروتين في ألبان الإبل, الأمر الذي يجعله سهل الهضم والامتصاص مقارنة بحليب الأبقار الذي تصل النسبة فيه إلى 80%, وكشفت الدراسة أن نسبة الدهون في حليب النوق هي أقل منها في حليب الأبقار, كما أنها حبيبات أقل حجمًا يسهل امتصاصها وهضمها، فضلًا عن ذلك فإن ألبان النوق تحتوي على مواد تقاوم السموم والبكتريا, ونسبة كبيرة من الأجسام المناعية المقاومة للأمراض, خاصة للمولودين حديثًا، ويمكن وصف حليب الإبل لمرضى الربو, والسكر, والدرن, والتهاب الكبد الوبائي, وقرح الجهاز الهضمي, والسرطان، لكن الدراسة العلمية كشفت عن مفاجأة أكبر, وهي احتواء ألبان الإبل على نسبة عالية من المياه تتراوح بين 84% و91% وهي نسبة غير موجودة في أي نوع من الألبان الأخرى, وقد تجلت قدرة الله تعالى في دور هرمون (البرولاكتين) في عملية دفع المياه في ضرع الناقة لتزيد كمية المياه في اللبن, ولوحظ أن هذه العملية تتم في الإبل وقت اشتداد الحر التي يحتاج فيها مولودها الرضيع لهذه الكمية من الماء, وكذلك الإنسان العابر معها الصحراء إلى كميات متزايدة من المياه ليطفىء ظمأه، وأثبتت التجارب العلمية الليبية أيضًا أن حليب النوق يحتفظ بجودته وقوامه لمدة 12 يومًا في درجة حرارة (10مْ) في حين أن حليب الأبقار يحتفظ بخواصه لمدة لا تزيد على يومين في نفس درجة الحرارة, وينصح أصحاب الدراسة بتناول كوب من لبن الإبل قبل النوم مع ملعقة من عسل النحل للتمتع بنوم هادىء وصحة جيدة".
شبهات القرآنيين([50])
الشبهة الأولى: لا حاجة لنا بالسُنَّة فالقرآن بيَّن الشريعة.
إن القرآن الكريم كافٍ في بيان قضايا الدين وأحكام الشريعة، ما ترك شيئًا ولا فرط في شيء، ومن ثم فلا حاجة لمصدر ثان للتشريع، فالسُنَّة لا حاجة إليها، ولا مكان لها بدليل قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام38]، وقوله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف111].
الرد على الشبهة وتفنيدها([51])
إن القول بهذه الشبهة يدل على جهل بالقرآن المجيد، وعدم فهم لآياته، بل يدل على سوء قصد لدى القائلين بها، فإن الأمة مجمعة على أن القرآن العظيم قد اشتمل الدين مجملًا في كثير من جوانبه وأحكامه، ومفصلًا في جوانب أخرى، وقد جاءت السُنَّة النبوية المطهرة فبينت المجمل وفصلته، والنَّبِـي  وهو يبين ويفصل إنما ينفذ أمر الله تعالى ويؤدي ما وكله الله تعالى إليه من بيان القرآن المنزل على الخلق، تطبيقًا واستجابة لأمر الله في قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل44].
فالقرآن المجيد قد اشتمل على قضايا الدين، وأصول الأحكام الشرعية، أما تفاصيل الشريعة وجزئياتها فقد فصل بعضها وأجمل جمهرتها، وإنما جاء المجمل في القرآن بناء على حكمة الله التي اقتضت أن يتولى رسوله تفصيل ذلك المجمل وبيانه، وهذا هو ما قام عليه واقع الإسلام، وأجمعت عليه أمته، ومن ثم فلا وزن لمن يقول بغير ذلك أو يعارضه، لأن معارضته مغالطة واضحة وبهتان عظيم، وإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء، وبين كل صغيرة وكبيرة في الدين؛ فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة؛ أين في القرآن الكريم عدد الصلوات، ووقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، وعدد ركعات كل صلاة، والسجدات في كل ركعة، وهيئاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وواجباتها، وسننها، ونواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها؟ ومثل ذلك يقال في أحكام العبادات كافة، إن القرآن العظيم قد ورد فيه الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نجد منه الأنواع التي تخرج منها الزكاة، ومقدار كل نوع، وأين نجد أحكام الصيام؟ وأين نجد مناسك الحج؟ إن الله سبحانه قد وكل بيان ذلك إلى رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، وجاء رسول الله 
فقال([52]): «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، ولم يقل: كما تجدون في القرآن، لأن القرآن قد خلا من تفصيل الأحكام وبيانها.
ولعل من حكمة الله سبحانه في ترك التفاصيل والبيان لرسوله ؛ أن تفصيل الأحكام وبيان جزئياتها، وتوضيح دقائقها، إنما يكون بالطريق العملي أولى وأجدى، ولو أن الأحكام فصلت قولًا نظريًا، لما استغنت عن بيان عملي واقعي.
ولعله من الحكمة وراء ذلك أيضًا بيان ما لرسول الله من منزلة سامية لا يشاركه فيها غيره، ومكانة رفيعة عالية لا يرقى إليها سواه، وذلك بإسناد الله تعالى تفصيل الأحكام وبيانها إليه ، إذ لو كان كل شيء مفصلًا مبينًا لكان رسول الله مثل غيره من الناس مطبقًا لما هو قائم فعلًا، لكنَّ الله اختصه بتفصيل الأحكام وبيان مجمل القرآن تكريمًا لشأنه وإعلاء لمنـزلته، وليس ذلك أمرًا قائمًا بذاته، بل هو مبني على ما سبق أن بيناه من حِكَم.
أما هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة فقد ارتكبوا عددًا من الأخطاء، أول هذه الأخطاء أنهم لم يحاولوا أن يفهموا الموضوع في إطار القرآن الكريم كله، وإنما أخذوا آية واحدة أو آيات وركزوا كلامهم فيها، وبنوا مذهبهم الفاسد عليها، وتركوا القرآن المجيد كله بما فيه من آيات واضحات تتصل بالموضوع اتصالًا مباشرًا، ومن هنا فقد حملوا الآيات التي اختاروها ما لا تحتمل، ووجهوا معناها الوجهات الخطأ التي أرادوها هم، وليس التي تنطق بها الآيات، ومن البدهيات التي يعلمها عامة الناس بله العلماء أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن آياته إنما يفهم بعضها في إطار البعض الآخر، وأن تفسير بعض الآيات بعيدًا عن بقية الكتاب الكريم قد يكون خطأ يؤدي إلى محظورين خطيرين؛
الأول: عدم فهم المراد من الآيات فهمًا صحيحًا.
الثانى: أن يضرب القرآن بعضه ببعض، وأن تعارض بعض آياته بالبعض الآخر، وهذا جرم عظيم، لا يرتكبه إلا مجرم أثيم، وهؤلاء قد اعتمدوا آية أو بضع آيات من القرآن، ثم عزلوها عن بقية ما في القرآن المجيد من آيات بينات في نفس الموضوع، ثم حملوها من المعاني مالا تحتمل، عن سوء قصد وتعسف، ولعل تفنيد شبهتهم هذه يقتضينا إلى جانب ما ذكرنا توضيح معاني الآيات التي استدلوا بها، حتى تبطل شبهتهم هذه بتمامها، وتنهار من أساسها.
إن عمدتهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه هو قول الله U: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[الأنعام38]، مدعين أن هذه الآية تعني أن الكتاب الكريم قد احتوى تفصيل كل صغيرة وكبيرة وبيانها، ومن ثم فلا حاجة إلى السُنَّة التي تبينه وتفصله، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالكتاب في الآية الكريمة، إنما هو اللوح المحفوظ، وليس القرآن الكريم، وسياق الآية كاملة يرجح هذا، فالآية الكريمة كاملة: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام39]، فالآية تتحدث عن عظيم علم الله تعالى، وإحاطته بكل شيء في الوجود من دواب وطيور وغيرها، وقد شمل علم الله سبحانه كل شيء، وقدر ما يقع لكل منها، ثم إليـه يحشر الكل، وذلك كقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد22]، فالكتاب الذي احتوى كل شيء كان أو كائن أو يكون إنما هو اللوح المحفوظ وعلى تفسير الكتاب بأنه القرآن الكريم، فقد قال المفسرون أن معنى الآية؛ إن الله تعالى قد ضمن القرآن الكريم كل ما يحتاج إليه المكلفون من أوامر ونواه، وعقائد وشرائع، وبشارة ونذارة، إلى غير ذلك، وليس معنى ذلك أنه لا يحتاج إلى السُنَّة المبينة له، فهو وحي، والسُنَّة وحي، ورسول الله  لا ينطق عن الهوى، وقد قال عنه ربه سبحانه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم3-4]، فالله سبحانه الذي ضمن القرآن العظيم قضايا الدين وأصول الأحكام مجملة، هو سبحانه الذي وجه الناس وأرشدهم إلى الطريق الذي يحصلون منه على تفصيل ذلك المجمل وبيانه، وقد جاء التوجيه في القرآن نفسه فقد قال الله U: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ[محمد33]، وقال تبارك وتعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7]، وغير ذلك آيات كثيرة تأمر المؤمنين بطاعة رسول الله والأخذ عنه، وبذلك يتضح معنى الآية الكريمة: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام38]، وأن الكتاب لو فسر بأنه القرآن، فإن الله تعالى قد ضمنه كل شيء يحتاج إليه المكلف، فما كان فيه من تفصيل كفى، وما كان فيه من إجمال، فقد وجه القرآن المؤمنين إلى الطريق الذي يجدون فيه تفصيل ذلك المجمل، وهو رسول الله ،وبذلك يكون القرآن المجيد قد اشتمل كل شيء، وصدق الله القائل: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام38].
"أما الذين يقولون إننا لا حاجة لنا إلى السُنَّة النبوية، اكتفاءً بالبلاغ القرآنى، الذى لم يفرط فى شىء، فإننا نقول لهم ما قاله الأقدمون -من أسلافنا- للأقدمين من أسلافهم: إن السُنَّة النبوية هى البيان النبوى للبلاغ القرآنى، وهى التطبيق العملى للآيات القرآنية، التى أشارت إلى فرائض وعبادات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات الإسلام، وهذا التطبيق العملى، الذى حوّل القرآن إلى حياة معيشة، ودولة وأمة ومجتمع ونظام وحضارة، أى الذى "أقام الدين"، قد بدأ بتطبيقات الرسول للبلاغ القرآنى، ليس تطوعًا ولا تزيّدًا من الرسول، وإنما كان قيامًا بفريضة إلهية نص عليها القرآن الكريم {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل44]، فالتطبيقات النبوية للقرآن -التى هى السُنَّة العملية والبيان القولى الشارح والمفسر والمفصّل- هى ضرورة قرآنية، وليست تزيّدًا على القرآن الكريم، هى مقتضيات قرآنية، اقتضاها القرآن، ويستحيل أن نستغنى عنها بالقرآن، وتأسيًا بالرسول ، وقيامًا بفريضة طاعته التى نص عليها القرآن الكريم: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران32] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ[النساء59] {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ[النساء80]، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[آل عمران31] {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ[الفتح10]، تأسيًا بالرسول ، وطاعة له، كان تطبيق الأمة -فى جيل الصحابة ومن بعده- لهذه العبادات والمعاملات، فالسُنَّة النبوية، التى بدأ تدوينها فى العهد النبوى، والتى اكتمل تدوينها وتمحيصها فى عصر التابعين وتابعيهم، ليست إلا التدوين للتطبيقات التى جسدت البلاغ القرآنى دينًا ودنيا فى العبادات والمعاملات.
فالقرآن الكريم هو الذى تَطَلَّبَ السُنَّة النبوية، وليست هى بالأمر الزائد الذى يغنى عنه ويستغنى دونه القرآن الكريم.
أما العلاقة الطبيعية بين البلاغ الإلهى -القرآن- وبين التطبيق النبوى لهذا البلاغ الإلهى -السُنَّة النبوية- فهى أشبه ما تكون بالعلاقة بين"الدستور"وبين"القانون".
فالدستور هو مصدر ومرجع القانون، والقانون هو تفصيل وتطبيق الدستور، ولا حُجة ولا دستورية لقانون يخالف أو يناقض الدستور، ولا غناء ولا اكتفاء بالدستور عن القانون.
إن رسول الله ، ليس مجرد مبلّغ فقط، وإنما هو مبلّغ، ومبين للبلاغ، ومطبق له، ومقيم للدين، تحوّل القرآن على يديه إلى حياة عملية، أى إلى سنة وطريقة يحياها المسلمون.
وإذا كان بيان القرآن وتفسيره وتفصيله هو فريضة إسلامية دائمة وقائمة على الأمة إلى يوم الدين، فإن هذه الفريضة قد أقامها -أول من أقامها- حامل البلاغ، ومنجز البيان، ومقيم الإسلام .
"والذين يتصورون أن الرسول  مجرد مبلِّغ إنما يضعونه فى صورة أدنى من صورتهم هم، عندما ينكرون عليه البيان النبوى للبلاغ القرآنى، بينما يمارسون هم القيام بهذا البيان والتفسير والتطبيق للقرآن الكريم !.. وهذا "مذهب" يستعيذ المؤمن بالله منه ومن أهله ومن الشيطان الرجيم.!"([53]).
الشبهة الثانية: السُنَّة ليست وحيًا والنَّبِـي يُصيب ويخطئ
إن السُنَّة النبوية ليست وحيًا من قبل الله -سبحانه وتعالى- على رسوله ولكنه اجتهاد وتصرف من النَّبِـي بمقتضى بشريته، وهو بهذا الاعتبار يصيب ويخطئ، فالسُنَّة ليست وحيًا، وبالتالي فهي ليست مُنـزهة عن الخطأ، لأن المُنـزه عن الخطأ إنما هو الوحي، ولا وحي إلا القرآن المجيد، ولسنا ملزمين باتباعها، والدليل على ذلك أولًا([54]): مسألة نزول جيش المسلمين في غزوة بدر، حيث أنزله الرسول منـزلًا ثم ظهر خطأ هذا المنـزل، فانتقل الجيش إلى منـزل آخر بناء على رأى صحابي من أصحابه، ثانيًا: مسألة أسرى بدر، حيث استحياهم الرسول ولم يقتلهم، وأخذ منهم الفداء، ونزل القرآن مبينًا خطأ ذلك الاجتهاد وإصابة اجتهاد عمر ورأيه في المسألة.
الرد على الشبهة وتفنيدها
إن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء ما كان ينبغي أن تصدر عن مسلم، أو عمن يدعي أنه مسلم، فإن الأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وإلى أن تقوم الساعة على أن السُنَّة النبوية المطهرة وحي من قبل الله تعالى على رسوله ، وأن النَّبِـي  لا ينطق عن الهوى، وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادرًا عن فراغ أو عن هوى، ولكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غويٌّ مبين.
والأدلة على أن السُنَّة وحي من الله تعالى على نبيه كثيرة وعديدة نستيطع أن نلخص منها الآتى:
أولًا: إخبار الله تعالى بذلك في نصوص قاطعة في آيات بينات من القرآن المجيد الذي ينتسب إليه هؤلاء.. من ذلك قوله عن النَّبِـي : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[النجم3-4] ومن ذلك قوله عن نبيه : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[الحاقة44-47] فهذه الآيات ليس فيها إخبار بأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي فقط، بل فيها إخبار بأنه لو افترى على الله تعالى شيئًا لم يوحه الله إليه لقتله الله وقضى عليه، وحيث إن الله تعالى لم يأخذ من رسوله باليمين، ولم يقطع منه الوتين، أي لم يقض عليه، فإن الرسول ما نطق إلا بما أوحاه الله تعالى إليه.
ثانيًا: النصوص القاطعة من كتاب الله المجيد التي يأمر الله فيها المؤمنين باتباع الرسول في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7] وقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد33]
ثالثًا: ترتيب الله تعالى الإيمان على طاعة رسوله والرضا بحكمه، والتسليم لأمره ونهيه في كل ما يراه ويحكم به، وذلك في قول الله U: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[النساء65] ومن ذلك وصف الله تعالى المؤمنين بأن شأنهم مع رسول الله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وذلك في قوله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51]
رابعًا: إجماع الأئمة كلها على أن السُنَّة وحي من قبل الله إلى رسوله وبخاصة صحابة رسول الله  حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به في كل ما يأتي وما يذر فيما ليس بخصوصية له مستجيبين لتوجيه الله تعالى في قوله لأمة الإسلام: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب21] وقد كان الذي يعرف الكتابة منهم يكتب لنفسه خاصة، وقد كان ثمة عدد من أصحاب رسول الله يكتبون لأنفسهم في حياته الشريفة، ثم بعد حياته  كانت المسألة تُعرَضُ للصحابة رضوان الله عليهم فيبحثون في القرآن، فإذا لم يجدوا حكمها، بحثوا في السُنَّة الشريفة وحكموا فيها بما وردت به السُنَّة، وكان سائلهم يسأل أصحابه وإخوانه قائلًا: أنشدكم الله هل سمع أحدكم من رسول الله شيئًا في المسألة؟ فإذا جاءهم حكم رسول الله  على لسان أصحابه أو بعضهم سارعوا إلى تطبيقه والأخذ به.
أما ما أثاروه من مغالطات مدعين أنها أدلة على أن السُنَّة النبوية المطهرة ليست وحيًا؛ فهو كلام ظاهر البطلان، ونحن نرد عليه رغم وضوح بطلانه إبطالًا لمزاعمهم.
أولًا: ما أثاروه من منـزل جيش المسلمين في غزوة بدر؛ فقد كان ذلك بناءً على رأي رآه رسول الله ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه قائلًا: (أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله : (بل هو الرأي والحرب والمكيدة)، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل إليه رسول الله ، فكون ذلك ليس عن وحي واضح، فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هو وحي.
ثانيًا: أما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي، فقد كان الرأي أولًا، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك، وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمرًا هامًا قد لا يتوفر في كثير غيرها من قضايا التشريع، فرسول الله أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه رضوان الله عليهم، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر t، وكان رأي عمر أن يقتل الأسرى جميعًا وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله يُبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويُبين الصواب في القضية، يقول الله سبحانه في شأن فعل الرسول في أسرى بدر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال67-69]
فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي، وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول لا يقول ولا يفعل فيما يتصل بالدين إلا بوحي من عند الله سبحانه، وأن الله سبحانه لا يدع رسوله على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلًا، وخلاصته أن قول الرسول وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه، لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صوابًا موافقًا لأمر الله أقره الله تعالى على ذلك، وكان إقرار الله سبحانه له دليلًا على موافقة عمله لمراد الله تعالى فيكون وحيًا، وإن كان اجتهاد الرسول ليس صوابًا موافقًا لمراد الله سبحانه فإن الله تعالى لا يقره على ما قال أو فعل اجتهادًا، بل يصوب له ويصحح، وذلك كما حدث في أسرى بدر، حيث نزل فيها القرآن مصوبًا؛ وكما حدث في أوائل سورة "عبس" حيث نزل القرآن معاتبًا، وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السُنَّة وحي من عند الله تعالى، وأن الله سبحانه يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.
وفيصل الأمر في الشبهات التي أثاروها ظانين أنها دليل على أن السُنَّة النبوية ليست وحيًا؛ أن ما يصدر عن الرسول  نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته ، دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلًا أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل، ومنـزل الجيش ببدر، ونوع آخر يفعله  بمقتضى كونه بشرا رسولًا، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله تعالى، مثل أسرى بدر، فقد اجتهد فيه الرسول  رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة رضوان الله عليهم، فنزل الوحي مصوبًا ومبينًا الحكم الصحيح.
الشبهة الثالثة: لم يُرد النَّبِـي أن تكون السُنَّة مصدرا ثانيا للتشريع
"لم يقصد النَّبِـي أن تكون سنته مصدرًا تشريعيًا للدين، بل كان مصدر التشريع عند الرسول  هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسُنَّة، وأنها مصدر من مصادر التشريع، وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين، حيث دخل فيه ما ليس منه، واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن، ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر؛ والدليل على ذلك نهى النَّبِـي الصحابة عن كتابة شيء سوى القرآن"([55]) «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»([56])، وقد أهمل الصحابة كتابتها وحفظها، وكان عمر يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عددًا من الصحابة بسبب روايتهم للحديث.
الرد على الشبهة وتفنيدها
هذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطًا وافتراء، فالأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وحتى قيام الساعة بحول الله تعالى على أن سنة النَّبِـي  هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وقد أقمنا الأدلة وافية بفضل الله على أن السُنَّة وحي من الله سبحانه على رسوله ، وكون السُنَّة وحيًا من عند الله تعالى قاطعًا وكافيًا بذاته على أنها شرع الله تعالى إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب، ولكنا نزيد الأمر وضوحًا، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك.
أما قولهم بأن الرسول  نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له كتبة القرآن؛ فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض، وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية، فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السُنَّة منـزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السُنَّة وبخاصة تدوينها وكتابتها، والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السُنَّة كثيرة، منها: أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينـزل به جبريل على قلب النَّبِـي ،فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السُنَّة النبوية من أقوال الرسول وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة رضوان الله عليهم. ومنها: أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله تعالى إلى النَّبِـي بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السُنَّة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السُنَّة أن يقول القائل: "أو كما قال" وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزًا في القرآن. ومنها: أن الكاتبين بين الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السُنَّة والقرآن معًا، وإذا كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محررًا مضبوطًا تامًا لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
وأما احتجاجهم بأن الرسول  نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السُنَّة، فهو احتجاج باطل من وجوه، أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول : (لا تكتبوا عني، ومـن كتب عني غير القرآن فليمحه). هذا الحديث معلول أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد، ولو صرفنا نظرًا عن هذا، فإن رسول الله  كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه  الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة، منها: أن رسول الله  خطب يوم الفتح فقال "إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل الشك من البخاري وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون.."ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله : (اكتبوا لأبي شاة) ومنها: ما روي عن أبي هريرة أنه قال:"ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله  مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب". ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ما أن بعض الصحابة حدثه فقال: إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله  بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعًا، فرجع عبد الله إلى رسول الله فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول : (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق). وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، "وجدنا أن روايات المنع لم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره". بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها: إضافة إلى ما سبق أن رسول الله قال في مرض موته: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده).
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
"أن ذلك من منسوخ السُنَّة بالسُنَّة، أي أن المنع جاء أولًا، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك، وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسُنَّة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسُنَّة"([57]).
أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، أما في صحيفتين فمأذون به.
وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع، وهذا الذي رواه الجمهور.
وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السُنَّة.
أما قولهم إن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا من النَّبِـي  أن السُنَّة ليست شرعًا فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها؛ فهذا من الكذب والمكابرة، والمطلع على المدونات في كتب السُنَّة، وتاريخ العلوم، وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله ، وبخاصة موقف الصحابة رضوان الله عليهم من سنة رسول الله  يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق، إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور، فقد كان أصحاب رسول الله  أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله  وأفعاله وحفظها، والعمل بها، بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله ، فهذا عمر بن الخطاب يقول:"كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ"([58]) وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله واتباعها والالتزام بها.
وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ([59]): إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وكان الصحابة حريصين على أن يسألوا أزواج النَّبِـي رضوان الله عليهن عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النَّبِـي يسألنهن عما يعرض لهن، وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
بل لقد بلغ من حرص الصحابة على الالتزام بسنة النَّبِـي أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك، ثقة منهم بأن فعله وحي، فعن ابن عمر قال([60]):"إنَّ رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ: «لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ ".
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ([61]): صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ  ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
إلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة على معرفة سنة النَّبِـي  في جميع أحواله، والالتزام بها، والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم، ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة، ونبذهم خواتيم الذهب، ولم يكن ذلك إلا استجابة لله تعالى في أمره بطاعة رسوله والاقتداء به كما في قوله U: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب21]، ثم استجابة لرسوله في أمره الأمة باتباع سنته والالتزام بها، كما في قوله ([62]): «لِتَأْخُذُوا -أي: عني- مَنَاسِكَكُمْ»، وقوله  ([63]): «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقوله ([64]): «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»، وقوله ([65]): «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
هذا قليل من كثير مما يبين موقف الصحابة رضوان الله عليهم من سنة رسول الله وهو موقف يتسم بالحرص الشديد والاهتمام البالغ على معرفة سنة رسول الله وحفظها والالتزام بها، بل وتبليغها إلى من يسمعها استجابة لقول رسول الله ([66]): «نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ».
ومن هذا يتبين مدى كذب أعداء السُنَّة وأعداء الله ورسوله في ادعائهم الذي سلف ذكره.
وأما دعواهم بأن كبار الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون رواية الحديث، وكان عمر يتهدد رواة السُنَّة، وأنه نفذ وعيده فحبس ثلاثة من الصحابة بسبب إكثارهم من رواية السُنَّة؛ فهذا كذب يضاف إلى ما سبق من دعاواهم الكاذبة، وفيه جانب من التدليس الذي لا يخلو عنه كلامهم.
أما أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون رواية الحديث، فهذا باطل، والحق أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك، لعظم المسئولية، ووعيد رسول الله على من يكذب عليه في قوله ([67]): «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم بين أمرين هم حريصون على كل منهما؛ أولهما: تبليغ دين الله إلى من يليهم من الأمة، ثانيهما: التثبت والتحري الشديد لكل ما يبلغونه عن رسول الله ، لذلك كان الواحد منهم يمتقع وجهه، وتأخذه الرهبة وهو يروي عن رسول الله ، فالصواب إذن أن الصحابة كانوا يهابون رواية الحديث بسبب شدة خوفهم من الكذب على رسول الله ، أو الخطأ فيما يروون، وليس كما يزعم هؤلاء، أن ذلك لأنهم كانوا يرون السُنَّة غير شرعية، أو أنها ليست مصدرًا تشريعيًا.
أما دعوى حبس عمر ثلاثة من أصحابه هم([68]): عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وأبو الدرداء y؛ فهذه رواية ملفقة كاذبة، جرت على الألسنة، وقد ذكرها البعض كما تجري على الألسنة وتدون في كتب الموضوعات من الأحاديث والوقائع، فليس كل ما تجري به الألسنة أو تتضمنه بعض الكتب صحيحًا، وقد تولى تمحيص هذه الدعوى الكاذبة الإمام ابن حزم رحمه الله فقال: "وروي عن عمر أنه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر من أجل الحديث عن رسول الله " وبعد أن طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع محصها شرعًا فقال: "إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو: إما أن يكون عمر اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وتبليغ السُنَّة وألزمهم كتمانها وعدم تبليغها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقول به مسلم، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين فلقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات أي الطريقين الخبيثين شاء"([69]).
هكذا يتضح كذب ادعائهم وفساد ما بنوه على هذا الادعاء([70]).
الشبهة الرابعة: تكفل الله بحفظ القرآن ولم يتكفل بحفظ السُنَّة
"تقوم شبهتهم هذه على أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه القرآن وذلك في قوله U: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر9] لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يحرف ولم يبدل، ولم تدخله كلمة ولا خرجت منه كلمة، ولم يرو بغير لفظه ومعناه، أما السُنَّة فلم يتكفل الله سبحانه بحفظها، ولذلك داخلتها الموضوعات المحضة من جانب أي التي لم يقلها الرسول لا بلفظها ولا بمعناها، ومن جانب آخر ضاعت ألفاظها ورويت بالمعنى، وذلك فيما لو صح أن الرسول  قالها، فكان ضياع ألفاظها سببًا في عدم معرفة المعنى الذي أراده الرسول ، حتى ليصح أن يقال إن السُنَّة كلها أضحت موضوعة على رسول الله ، ما كان منها موضوعًا بلفظه ومعناه، وما كان منها موضوع المعنى بسبب ضياع ألفاظه وروايتهم إياه بالمعنى"([71]).
الرد على الشبهة وتفنيدها
إن الله أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله سبحانه، لذا كان جديرًا بأن يحفظه الله سبحانه ويصونه أن يحرف أو يبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.
أما السُنَّة فهي وحي الله تعالى إلى رسوله أوحى الله تعالى بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه ثم صاغها النَّبِـي بكلامه، ولأن السُنَّة ليست كلام الله تعالى فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أو حدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطًا بحيث لا تجوز رواية الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.
ورأس هذه الشروط أن يكون عارفًا بالعربية، عالمًا بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيرًا بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك، فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أمانًا من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها، وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.
أما الزعم بأن الله تعالى لم يحفظ سنة نبيه ؛ فإن كان المراد أنه تعالى لم يحفظها بألفاظها، فهذا مُسّلْمٌ، وقد يُقال إن السُنَّة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولو رويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى، وقد روى الخطيب البغدادي أن أم المؤمنين عائشة –رضى الله عنها- قالت لعروة بن الزبير"بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا، قالت: لا بأس بذلك"([72]). فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أو انضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.
أما إن كان المراد أن الله تعالى لم يحفظ السُنَّة مطلقًا لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضُيًّعت؛ فذلك كذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السُنَّة عبر تاريخ الإسلام.
والحق أن الله سبحانه تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله تعالى ضمنيًا بحفظ سنة نبيه ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السُنَّة التي تبينه، كما قــال U: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل44]، فالسُنَّة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين، فمن حفظ الله تعالى كتابه أن يحفظ السُنَّة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليهــا ومن حفظ الله تعالى دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما؛ لذلك كان من قدر الله سبحانه أن هيأ لسنة نبيه هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السُنَّة ما لم يعرف له تاريخ العلوم والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد، وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله تعالى وهداية وتأييد، فقد ابتدعوا نظامًا لحفظ السُنَّة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع، واخترعوا من الوسائل المعرفية والمناهج العلمية ما هو معجز في بابه، كل ذلك على غير مثال سابق لا عند العرب، ولا عند غير العرب ممن كانت لهم ثقافات وفلسفات، وكانت لهم أديان، وكانوا الأكثر حاجة إلى تمحيص مكتوباتهم وأسفارهم الدينية، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء الإسلام ولا إلى قريب منه، وقد شهدت الأمم جميعها بأن علماء السُنَّة قد أتوا في باب جمعها وتصنيفها، وتمييزها، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع، ما لم تعرفه الأمم من قبل، والسؤال: هل كان هذا يمكن أن يتم دون توفيق من الله سبحانه وهداية ومعونة وإرشاد؟..إنه توفيق الله تعالى لحفظ سنته الذي هو من حفظ كتابه، لحاجة الكتاب إلى السُنَّة في بيانه وتفصيله، وحاجة دين الله الإسلام إلى الكتاب والسُنَّة جميعًا.
أما زعمهم بأن السُنَّة أضحت خليطًا لا يعرف منها الصحيح من الموضوع؛ فذلك كذب وافتراء بل تبجح ومكابرة، فإن أقل الناس ذكاء ومعرفة بالسُنَّة تكفيه زيارة واحدة لإحدى المكتبات الحديثية التي تضم كتب السُنَّة أو بعضها ليدرك بعد تصفح لعناوين هذه المدونات وبعض ما فيها أن الله تعالى حفظ سنة نبيه، وأن كتب الصحاح والسنن موجودة ينهل منها المسلمون الزاد النافع لهم في الدنيا والدين، رغم أنوف منكري السُنَّة أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين.
شبهات الخوارج([73])
الشبهة الأولى: الرجم لم يثبت بالقرآن
إن الرجم لم يثبت بالقرآن الكريم ولذا فلا يعد حدًا بدليل:
أولًا: الرجم أشد العقوبات فلو كان مشروعًا لذُكر فى القرآن ولما لم يذكر دل على أنه غير مشروع.
ثانيًا: إن حد الأمة نصف حد الحرة {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء25] والرجم لا يتنصف فلا يصح أن يكون حدًا للحرة.
ثالثًا: إن الحكم عام فى جميع الزناة وتخصيص الزاني المحصن من هذا الحكم مخالف للقرآن.
الرد على الشبهة وتفنيدها
إن الرجم ثبت بفعله  وقوله, وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات الصحيحة التى لا يتطرأ إليها الشك, وبطريق التواتر أن النَّبِـي  أقام حد الرجم على بعض الصحابة كماعز والغامدية وأن الخلفاء الراشدين من بعده قد أقاموا هذا الحد فى عهودهم وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد للزنى بعد الإحصان.
ثم ظل فقهاء الإسلام فى كل عصر وفى كل مصر مجمعين على كونه حكمًا ثابتًا وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة بأدلة متضافرة لا مجال للشك فيها أو الارتياب وبقى هذا الحكم إلى عصرنا هذا لم يخالف فيه أحد إلا فئة شاذة من المنحرفين عن الإسلام.
الرد على الشهبة الأولى: إن هذه الشبهة تدل على جهلهم الفاضح وعدم فهمهم لمهمة الرسول  أو سوء إدراكهم لأسرار القرآن ومقاصده وذلك منتهى الجهل والغباء، فعدم ذكر الرجم فى القرآن لا يدل على عدم المشروعية فكثير من الأحكام الشرعية لم تذكر فى القرآن وإنما بينتها السُنَّة النبوية والله تعالى قد أمرنا بإتباع الرسول والعمل بأوامره: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7] والرسول مبلغ عن الله وكل ما جاء به إنما هو بوحى سماوى من العليم الحكيم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم3-4]، وكيف يكون الرجم غير مشروع وقد رجم  ورجم معه أصحابه وبين ذلك بهديه وفعله..!!
ثم إن مهمة الرسول  قد بينها القرآن بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل44]، وليس قول الرسول([74]): «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ليس هذا القول إلا من البيان الذى أشار إليه القرآن وهو نص قاطع على حكم الزاني المحصن وقد أشار  فى الحديث الشريف بقوله([75]): «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ...» إلى أن سنته المطهرة بوحي من الله فثبت أن كل ما جاء به الرسول هو تشريع من الله وأنه واجب الاتباع.
الرد على الشهبة الثانية: إن قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء25]، ليس فيها دليل على ما قاله الخوارج من عدم مشروعية الرجم فإن الآية الكريمة قد أشارت إلى أن المراد بالعذاب هنا الجلد لا الرجم بدليل التنصيف فى العقوبة والله تعالى يعلم أن الرجم لا ينصف ولا يمكن للناس أن يميتوا إنسانًا نصف موتة فدل العقل والفهم السليم على أن المراد بهذه العقوبة الجلد لا الرجم.
فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة وتجلد الحرة البكر مئة جلدة والسر فى التخفيف على الأمة دون الحرة أن الجريمة من الحرة أفظع وأشنع لكون الحرة فى مأمن من الفتنة وهى أبعد عن داعية الفاحشة والأمة ضعيفة عن مقاومتها فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها.
الرد على الشهبة الثالثة: وأما دعواهم أن الحكم عام وتخصيصه مخالف للقرآن فجهل مطبق ألا ترى أن كثيرًا من الأحكام جاءت عامة وخصصتها السُنَّة النبوية!! مثل: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة38] فإن هذا اللفظ عام يشمل كل سارق حتى ولو كانت سرقته لشيء حقير وتافه وعلى دعواهم ينبغى أن نقطع يد من سرق فلسًا أو إبرة مع أن السُنَّة النبوية قد خصصت هذا الحكم وقيدته بربع دينار أو ما قيمته عشرة دراهم قال ([76]): «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ» وكذلك قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء23] لم تنص الآية على حرمة الأم والأخت من الرضاعة مع أن الرسول  بين أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فيجب أن تكون حرمة البنت من الرضاعة مخالفة للقرآن بموجب دعواهم والقرآن نهى عن الجمع بين الأختين فمن قال بحرمة الجمع بين العمة وبنت أخيها أو الخالة وبنت أختها يجب أن نحكم عليه بمخالفة القرآن.... وهذا جهل واضح لا يصدر من مسلم عاقل.
"وقد أجمع الصحابة رضى الله تعالى عنهم ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت وإنكار الخوارج ذلك باطل لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب وإن أنكروا وقوعه من رسول الله  لإنكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه  متواتر المعنى وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنىً كالمتواتر لفظًا إلا أن إنحرافهم عن الصحابة والمسلمين أوقعهم فى جهالات كثيرة ولهذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم من كونه ليس فى كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا ذلك من فعله  والمسلمين فقال لهم وهذا أيضًا كذلك"([77]).
"وكأنى بالفاروق عمر بن الخطاب الذى جعل الله الحق على لسانه وقلبه قد ألهم أمر هؤلاء الخوارج فكشف نواياهم وأطلع الناس على خبث عقيدتهم فخطب على المنبر وكان فيما قال: إن الله بعث محمدًا  بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني به قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله  ورجمنا بعده وأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم فى كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فضيلة أنزلها الله فى كتابه ألا وإن الرجم حق على كل من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف والله لولا أن يقول الناس زاد فى كتاب الله لكتبتها"([78]).
شبهات الصوفية([79])
الشبهة الأولى: التوسل بالنَّبِـي  ومن بعده الصالحين
التوسل بالنَّبِـي جائز بدليل ما جاء عن عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ  فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ: فَادْعُهْ قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ».
الرد على الشبهة وتفنيدها
هذا الحديث صحيح([80]) إلا أن هذا الحديث حجة عليهم فيما يدَّعونه من جواز التوسل بالنَّبِـي ، وهذا ظاهر جدًا من قول النَّبِـي :"إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، ومن جواب الرجل عليه:"فادعه".
فإن التوسل هنا مختص بالدعاء، ويؤيده قول الرجل في دعائه: "اللهم! فشفعه فيَّ"، وهذا مقتضاه حصول الدعاء من النَّبِـي  إلى ربه لأجل هذا الرجل في محنته؛ لأن مقتضى الشفاعة ومعناها: الدعاء والطلب للغير.
قال ابن منظور([81]): "وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة255] قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه...".
وهذا يؤيده ما رواه أنس بن مالك أن النَّبِـي قال([82]): «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ و قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَأْتُونَ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْخَلْقِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ...».
فهذا ظاهر جدًا على أن الاستشفاع لا يكون توسلًا بالجاه، وإنما هو بالدعاء، فلو كان بالجاه لكفاهم أن يتوسلوا بجاه أحد الأنبياء دون الحاجة إلى التردد بين الأنبياء جميعًا، كما ورد في متن الحديث، وهذا لم يقع منهم، ومن ثَمَّ فلا شفاعة بغير دعاء أو طلب أو سؤال.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفلِحون}[المائدة35] فالوسيلة شرعًا: ما يُتقربُ به إلى الله ِممَّا شرعه، والتقرب إلى الله بدعائه عبادة، ومبنـى العبادات على التوقيف؛ لا زيادة فيها ولا نقصان، فما هو المشروع إذن من التوسل([83])
الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته، قال تعالى:  {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}[الأعراف180]، وقال تعالى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى}[الإسراء110] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ([84]): «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة».
قال ابن العَرَبِي([85]): "أي: اطلبوا منه بأسمائه؛ فيطلب بكل اسم ما يليق له تقول: يا رحيم ارحمنـي  يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقنـي، يا هاد اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تُب علىَّ، وهكذا، فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمنـي، يا عزيز احكم لى، يا لطيف ارزقنـى، وإن دعوت بالاسم الأعظم قلت: يا الله فهو متضمن لكل اسم ولا تقل: يا رزاق اهدني، إلا أن تريد يا رزاق اُرزقنـى الخير، وكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين".
الثانى: التوسل بالعمل الصالح، وهو أن يتقرب العبد إلى الله تعالى بعمل صالح، يظن أنه أخلص فيه لله فيدعو به فالمؤمنون يقولون: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة5] وهذا عمل صالح -أي: العبادة- ثم قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}[آل عمران193] وهذا عمل صالح -أي: الإيمان-، ثم قالوا: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ}[آل عمران193]، وهذا دعاء.
وحديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فلم يخرجوا من الغار، ولم ينجوا إلا بدعائهم بصالح أعمالهم.
الثالث: التوسل بدعاء الصالحين؛ وهو أن يطلب دعاء من يظن أنه من أهل الصلاح والتقوى، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتوسلون إلى الله بنبيهم ليسقيهم الله الغيث، فيدعو النَّبِـىّ فيُسقوا الغيث بإذن الله، وحديث الأعرايى الذي قال: يا رسول الله اُدع  الله أن يسقينا الغيث وكان النَّبِـىّ على المنبر فدعا الله فسُقوا بإذن الله والحديث فى الصحيحين.
ولما مات النَّبِـىّ  وأصابهم قحط على عهد عمر بن الخطاب (عام الرمادة)، كان عمر يتوسل إلى الله بالعباس بن عبد المطلب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ  t كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ([86]): "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ"، وكذا كان معاوية يستسقى بيزيد بن الأسود الجرشي والضحاك، فكان معاوية يُجلس يزيد معه على المنبر ويقول([87]): قم يا يزيد، اللهم إن كنا نتوسل إليك بخيارنا وصلحائنا فيستسقي الله فيُسقون، وكذا توسل معاوية بأبي مسلم الخراسانى([88]) وهذا معناه؛ أن التوسل بدعاء الصالحين الذين هم على قيد الحياة أمَّا بعد موتهم فلا يجوز البتة، وإلا لعدل عمر بن الخطاب عن دعاء العباس لهم، وتوسل بالنَّبِـيّ   بعد مماته، وهذا ما لم يفعله t، ولو لم يكن في النصوص على عدم جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، غير توسل عمر بدعاء العباس، وتركه التوسل بذات النَّبِـىّ  لكفى، وما أحسن ما قاله الإمام أبو حنيفة: "وأكره أن يُسأل الله إلا بالله" كما فى الدر المختار وغيره من كتب الحنفية.
هذه هي أنواع التوسل الثلاثة، وأدلتها من الكتاب والسُنَّة، فليتق الله الذين يدْعُون أصحاب القبور، وليعلموا أنه تعالى النافع الضار الذى يُجيب دعوة الداع إذا دعاه، وإذا قال قائل: والله لقد دعوت عند قبر الشيخ الفلاني واستُجيب لي، أقول له: "كثيرًا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة مصاحبة، وإقبال على الله، أو حسنة تقدمت منه، فجعل الله  I إجابة دعوته شكرًا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن الظان أن السر فى لفظ الدعاء؛ فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التى قارنته من ذلك الداعي.
"وهذا كما إذا استعمل رَجُل دواءً نافعًا، في الوقت الذي ينبغي استعماله على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ فى حصول المطلوب كان غالطًا، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، ومن هذا أنه قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر، فيظن الجاهل أن السر للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجوء إلى الله، فإذا حصل ذلك فى بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله"([89]).
شبهات الموسوعات العالمية
الشبهة الأولى: تعدد زوجات النَّبِـي يدل على أنه شهوانى
لقد كان محمد رجلًا شهوانيًا يسير وراء شهواته وملذاته ويمشى مع هواه لم يكتف بزوجة واحدة أو بأربع كما أوجب على أتباعه بل عدد الزوجات فتزوج عشر نسوة أو يزيد سيرًا مع الشهوة وميًلا مع الهوى!
الرد على الشبهة وتفنيدها([90])
تعدد نساء الأنبياء:
لقد ذكر الكتاب المقدس تعدد نساء الأنبياء فذكر لإبراهيم ثلاثًا سوى السراري، وذكر ليعقوب أربع زوجات فيما ذكروا ولداو د تسع زوجات وعشرات الإماء، وأما سليمان الذي تقول التوراة بأن الله قال عنه: "أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا"([91]) ويقول عنه كتبة الأسفار أيضًا "أحب الملك نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون: مؤابيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات، ومن الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم ولا يدخلون إليكم، لأنهم يميلون قلوبهم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة وكانت له سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه، وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب دأود أبيه"([92]).
ويجدر هنا أن نذكر أن داود على كثرة نسائه كان كاملًا مع الرب، رغم أن التوراة تذكر زناه بامرأة أو ريا الحثي وحاشاه u.
ثم كيف لهؤلاء أن يسقطوا حق النبوة من التعظيم بسبب كثرة الزوجات وهم لم يسقطوها للأنبياء وقد رموهم بأعظم الفواحش من زنا وخمر؟ وهو بكل حال أشد من تعدد الزوجات، وتعدد زوجات النَّبِـي  كانت لحكمة أبعد وأعمق مما تصوره هؤلاء، فزواجه لم يكن لغرض دنيوي فحسب، ولو كان دافع الزواج حاجة الجسد فقط لكان ذلك في شبابه أولى، فقد تزوج رسول الله  من خديجة وعمره خمس وعشرون سنة، وهي تكبره بخمس عشرة سنة، وبقيت وحيدة عنده حتى وفاتها، ثم تزوج بعد وفاتها بثلاث سنين من سودة بنت زمعة وعائشة بنت الصديق ثم بقية أزواجه، وقد كان زواجه من عائشة وسودة وعمره ثلاث وخمسون سنة.
وقد كانت جميع أزواجه -خلا عائشة- ثيبات، وفيهن من لا يرغب بزواجها لكبر سنها كسودة، وفيهن من قاربت الأربعين كأم سلمة.
وأما عائشة فكانت البكر الوحيدة في نسائه وأصغرهن، وهنا يلمز هؤلاء فارق السن بينها وبين رسول الله ، ويغفلون عن خصائص البيئة العربية التي لا تجعل لفارق السن كبير اعتبار، إذ تنصرف الهمم لإنجاب الذرية، وكلما صغر عمر المرأة زادت خصوبتها.
ثم إن هؤلاء يرون من زواجه  من عائشة ما يستحق القدح، ولا يرون ذلك في زواج إبراهيم من هاجر وقد دخل عليها وعمره خمس وثمانون سنة([93]) كما أن داود قد تزوج في شيخوخته أبيشج الشمونية، وبينهما من العمر ما يقارب الخمسين سنة([94]).
فلو كان المراد من الزواج الجرى وراء الشهوة أو السير مع الهوى أو مجرد الاستمتاع بالنساء لتزوج فى سن الشباب لا فى سن الشيخوخة ولتزوج الأبكار الشابات لا الأرامل المُسنات وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة([95]): «هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا فَقَالَ: هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ».
فالرسول الكريم أشار عليه أن يتزوج البكر وهو  يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار ويتزوج فى سن الشيخوخة ويترك سن الصبا إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟!
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله بمهجهم وأرواحهم ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن يشاء من الفتيات الأبكار الجميلات فلماذا لم يعدد الزوجات فى مقتبل العمر وريعان الشباب ولماذا ترك الزواج بالأبكار وتزوج الثيبات؟
إن هذا بلا شك يدفع كل تقول وافتراء ويدحض كل شبهة وبهتان ويرد على كل أفاك أثيم يريد أن ينال من قدسية الرسول أو يشوه سمعته فما كان زواج الرسول بقصد الهوى أو الشهوة وإنما كان لحكم جليلة وغايات نبيلة وأهداف سامية سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها إذا ما تركوا التعصب الأعمى وحكموا منطق العقل والوجدان وسوف يجدون فى هذا الزواج "المثل الأعلى" في الإنسان الفاضل الكريم والرسول النَّبِـي الرحيم الذى يضحي براحته فى سبيل مصلحة غيره وفى سبيل مصلحة الدعوة والإسلام.
حكمة تعدد زوجات الرسول 
إن الحكمة من تعدد زوجات الرسول كثيرة ومتشبعة ويمكننا أن نجملها فيما يلى:
أولًا: الحكمة التعليمية
لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول  هى تخريج بضع معلمات للنساء يعلمنهن الأحكام الشرعية فالنساء نصيف المجتمع وقد فُرض عليهن من التكليف ما فرض على الرجال.
وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النَّبِـي  عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن كأحكام الحيض والجنابة والنفاس والأمور الزوجية وغيرها من الأحكام وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل.
كما كان من خلق الرسول  الحياء الكامل وكان –كما تروى السُنَّة النبوية- أشد حياء من العذراء فى خدرها فما كان  يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة بل كان يكنى فى بعض الأحيان ولربما لم تفهم المرأة عن طريق الكناية مراده u.
تروى السيدة عائشة -رضى الله عنها-أن امرأة من الأنصار سألت النَّبِـي  عن غُسلها فى المحيض فعلمها  كيف تغتسل فقَالَ([96]): «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ: كَيْفَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي».
قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها فقلت: ضعيها فى مكان كذا وكذا وتتبعى بها أثر الدم وصرحت لها بالمكان الذى تضعها فيه.
فكان  يستحى من مثل هذا التصريح وهكذا كان القليل أيضًا من النساء من تستطيع أن تتغلب على نفسها وعلى حيائها فتجاهر الرسول  بالسؤال عما يقع لها.
نأخذ مثلًا لذلك حديث أم سلمة، وفيه تقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ النَّبِيُّ ([97]): «إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَعْنِي وَجْهَهَا وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ قَالَ: نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا».
مراده  أن الجنين يتولد من ماء الرجل, وماء المرأة, ولهذا يأتى له شبه بأمه وهذا كما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان2].
قال ابن كثير: "أمشاج: أى أخلاط, والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه فى بعض قال ابن عباس: يعنى ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا...."
وهكذا مثل هذه الأسئلة المحرجة كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاته الطاهرات ولهذا تقول السيدة عائشة tا: رحم الله نساء الأنصار ما منعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين.
وكانت المرأة منهن تأتى إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام فكان نساء الرسول خير معلمات وموجهات لهن وعن طريقهن تفقهن النساء في دين الله.
ثم أنه من المعلوم أن السُنَّة المطهرة ليست قاصرة على قول النَّبِـي  فحسب بل هي تشمل قوله وفعله وتقريره وكل هذا من التشريع الذى يجب على الأمة اتباعه فمن ينقل لنا أخباره وأفعاله  في المنزل غير هؤلاء النسوة اللواتي أكرمهن الله فكن أمهات للمؤمنين وزوجات لرسوله الكريم فى الدنيا والآخرة؟!
لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره وأفعاله المنزلية عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ثانيًا: الحكمة التشريعية:
وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة ونضرب لذلك مثلًا بدعة التبنى التى كان يفعلها العرب قبل الإسلام فقد كانت دينًا متوارثًا عندهم يتبنى أحدهم ولدًا ليس من صُلبة ويجعله فى حكم الولد الصلبي ويتخذه ابنًا حقيقيًا له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال: فى الميراث والطلاق والزواج ومجرمات المصاهرة ومحرمات النكاح إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه وكان دينًا تقليديًا متبعًا في الجاهلية.
كان الواحد منهم يتبنى ولد غيره فيقول له: أنت ابنى أرثك وترثنى وما كان الإسلام ليقرهم على باطل ولا ليتركهم يتخبطون في ظلمات الجهالة فمهد لذلك بأن ألهم رسوله  أن يتبنى أحد الأبناء -وكان ذلك قبل البعثة- فتبنى  زيد بن حارثة على عادة العرب قبل الإسلام.
وفي سبب تبنيه قصة من أروع القصص وحكمة من أروع الحكم ذكرها المفسرون وأهل السير لا يمكننا الآن ذكرها لعدم اتساع المجال وهكذا تبنى الرسول الكريم زيد بن حارثة وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك اليوم زيد بن محمد([98]).
قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ t([99]): إنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ  مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب5] فقال النَّبِـي : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وقد زوجه  بنت عمته زينب بنت جحش الأسدية وقد عاشت معه مدة من الزمن لكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما فكانت تغلظ له القول وترى أنها أشرف منه لأنه كان عبدًا مملوكًا قبل أن يتبناه الرسول وهي ذات حسب ونسب.
ولحكمة يريدها الله تعالى طلق زيد زينب فأمر الله رسوله أن يتزوجها ليبطل بدعة التبنى ويقيم أسس الإسلام ويأتى على الجاهلية من قواعدها ولكنه  كان يخشى من ألسنة المنافقين والفجار أن يتكلموا فيه ويقولوا تزوج محمد امرأة ابنه فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله  فى قوله جل وعلا: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب37]، وهكذا انتهى حكم التبني وبطلت تلك العادات التى كانت متبعة في الجاهلية وكانت دينًا تقليديًا لا محيد عنه ونزل قوله تعالى مؤكدًا هذا التشريع الإلهى الجديد: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِـي ينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[الأحزاب40].
وقد كان هذا الزواج بأمر من الله تعالى ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول الأفاكون المرجفون من أعداء الله وكان لغرض نبيل وغاية شريفة هى إبطال عادات الجاهلية وقد صرح الله بغرض هذا الزواج بقوله: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}[الأحزاب37].
وقد تولى الله تزويج نبيه الكريم بزينب امرأة ولده من التبني ولهذا كانت تفخر على نساء النَّبِـي بهذا الزواج الذى قضى به رب العزة من فوق سبع سماواته([100]).
وهكذا كان هذا الزواج للتشريع وكان بأمر الحكيم العليم فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والأفهام وصدق الله: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا}[الإسراء85].
ثالثًا: الحكمة الاجتماعية:
وهذه تظهر بوضوح فى تزويج النَّبِـي  بابنة الصديق الأكبر أبى بكر وزيره الأول ثم بابنة وزيره الثاني الفاروق عمر وأرضاه ثم باتصاله  بقريش اتصال مصاهرة ونسب وتزوجه العديد منهن مما ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق وجعل القلوب تلتف حوله وتلتقى حول دعوته في إيمان وإكبار وإجلال.
لقد تزوج النَّبِـي  بالسيدة عائشة بنت أحب الناس إليه وأعظمهم قدرًا إليه ألا وهو أبو بكر الصديق الذى كان أسبق الناس إلى الإسلام وقدم نفسه وروحه وماله في سبيل نصرة دين الله والذود عن رسوله وتحمل ضروب الأذى في سبيل الإسلام حتى قال  مُشيدًا بفضل أبي بكر([101]): «(مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِيهِ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».
فلم يجد الرسول مكافأة في الدنيا لأبي بكر أعظم من أن يُقر عينه بهذا الزواج بابنته ويصبح بينهما مصاهرة وقرابة تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق.
كما تزوج  بالسيدة حفصة بنت عمر فكان ذلك قرة عين لأبيها عمر على إسلامه وصدقه وإخلاصه وتفانيه في سبيل هذا الدين وعمر هو بطل الإسلام الذي أعز الله به الإسلام والمسلمين ورفع به منار الدين فكان اتصاله  به عن طريق المصاهرة خير مكافأة له على ما قدم في سبيل الإسلام وقد ساوى  بينه وبين وزيره الأول أبي بكر في تشريفه بهذه المصاهرة فكان زواجه بابنتيهما أعظم شرف لهما بل أعظم مكافأة ومنة ولم يكن بالإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الشرف فما أجلَّ سياسته؟ وما أعظم وفاءه للأوفياء المخلصين!!
كما يقابل ذلك إكرامه لعثمان وعلي بتزويجهما ببناته وهؤلاء الأربعة هم أعظم أصحابه وخلفاؤه من بعده في نشر ملته وإقامة دعوته فما أجلها من حكمة وما أكرمها من نظرة!!
رابعًا: الحكمة السياسية:
لقد تزوج النَّبِـي  ببعض النسوة من أجل تأليف القلوب عليه وجمع القبائل حوله فمن المعلوم أن الإنسان إذا تزوج من قبيلة أو عشيرة يصبح بينه وبينهم قرابة ومصاهرة وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضح لنا الحكمة التى هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج.
أولًا: تزوج صلوات الله عليه بالسيدة جويرية بنت الحارث؛ سيد بني المصطلق وكانت قد أُسرت مع قومها وعشيرتها ثم بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها فجاءت إلى رسول الله  تستعينه بشيء من المال فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت فتزوجها فقال المسلمون: أصهار رسول الله  تحت أيدينا أي أنهم في الأسر فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعًا ودخلوا في دين الله وأصبحوا من المؤمنين.
فكان زواجه  بها بركة عليها وعلى قومها وعشيرتها لأنه كان سببًا لإسلامهم وعتقهم وكانت جويرية أيمن امرأة على قومها.
فعن عائشة -رضى الله عنها- أنها قالت([102]): أصاب رسول الله  نساء المصطلق فأخرج الخُمس منه ثم قسمه بين الناس فأعطى الفرس سهمين والرجل سهمًا فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس فجاءت إلى الرسول فقالت: يارسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابنى من الأمر ما قد علمت وقد كاتبنى ثابت على تسع أواق فأعني على فكاكي فقال u: أو خير من ذلك؟ فقالت: ما هو؟ فقال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك فقالت: نعم يارسول الله فقال رسول الله: قد فعلت.
وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله يسترقون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة بيت بتزوجه  بنت سيد قومه.
ثانيًا: "وكذلك تزوجه بالسيدة صفية بنت حُيي بن أخطب التى أسرت بعد مقتل زوجها في غزوة خيبر ووقعت في سهم بعض المسلمين فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيدة بني قريظة لا تصلح إلا لرسول الله  فعرضوا الأمر على الرسول الكريم فدعاها وخيرها بين أمرين:
إما أن يعتقها ويتزوجها  فتكون زوجة له.
وأما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها.
فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له وذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته وحسن معاملته وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس"([103]).
ثالثًا: "وكذلك تزوج رسول الله  بالسيدة حبيبة رملة بنت أبى سفيان الذى كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك وألد الأعداء لرسول الله  وقد أسلمت ابنته في مكة ثم هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فرارًا بدنها وهناك مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة لا معين لها ولا أنيس فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها فأبلغها النجاشي ذلك فسرت سرورًا لا يعرف مقداره إلا الله سبحانه لأنها لو رجعت إلى أبيها أو أهلها لأجبروها على الكفر والردة أو عذبوها عذابًا شديدًا وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار.
ولما بلغ أبا سفيان الخبر أقر ذلك الزواج وقال: هو الفحل لا يقعد أنفُه فافتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له إلى أن هداه الله تعالى للإسلام"([104]).
ومن هنا تظهر لنا الحكمة الجليلة في تزوجه  بابنة أبي سفيان فقد كان هذا الزواج سببًا لتخفيف الأذي عنه وعن أصحابه المسلمين سيما بعد أن أصبح بينهما نسب وقرابة مع أن أبا سفيان كان وقت ذاك من ألد بني أمية خصومة لرسول الله ومن أشدهم عداء له وللمسلمين فكان تزوجه بابنته سببًا لتأليف قلبه وقلوب قومه وعشيرته كما أنه  اختارها لنفسه تكريمًا لها على إيمانها لأنها خرجت من ديارها فارة بدينها فما أكرمها من سياسة وما أجلها من حكمة!!
الشبهة الثانية: التشكيك فى صحة الأحاديث النبوية كاملة
إن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم: سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا عن النَّبِـي.
إلى جانب أنه لما ظهرت الفتن والانقسامات والفرق السياسية قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تُثبت أنها على حق، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع بل إن المحدثين صنفوا الحديث إلى أنواع كثيرة مضطربة لا تستطيع أن تضبطها.
الرد على الشبهة وتفنيدها([105])
إن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النَّبِـي ، وشمل قسمًا كبيرًا من الحديث، والمطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث يجد نصوصًا تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة تُثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جدًا تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة، حتى لقد يقع في ظن الباحث أن الحديث قد دُوِّن جميعُه منذ عهده المبكر.
فتصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيرًا في كتابة الحديث، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير، بل إنه قد تم في أوائل القرن الثاني، بين سنة 120ـ 130 هـ، بدليل الواقع الذي يحدثنا عن ذلك، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية، مثل جامع معمر بن راشد (154) وجامع سفيان الثوري (161) وهشام بن حسان (148) وابن جريج (150) وغيرها كثير.
وقد وجد العلماء بعض هذه الجوامع، ويجري الآن تحقيق جامع معمر بن راشد في الهند، ليكون إخراجه شاهد حق ودليل صدق على ما بيناه في هذه المسألة.
إن علماء الحديث وضعوا شروطًا لقبول الحديث تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله  ويتضح هذا للمطلع على شروط الراوي فى كتب مصطلح الحديث التي تشترط أن يتوفر فيه الصدق لما اجتمع فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية، مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية، وقوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معًا مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، وكذا سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية، والمطلع على علم الحديث يرى دقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضادٍّ له.
إن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا، بل تنبهوا إلى عوامل في الرواية المكتوبة لم يتنبه إليها هؤلاء المتطفلون بالاقتراح عليهم، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح، لذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راو إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه، ونجد عليها إثبات السماعات وخط المؤلف أو الشيخ المسمع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها.
فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم، وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات، والمستندات المكتوبة.
إن البحث عن الإسنادلم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام هؤلاء، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية، لصيانة الحديث من الدس.
وقد ضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثًا عنها، واختبارًا لرواة الحديث، حتى اعتبرت الرحلة شرطًا أساسيًا لتكوين المحدث.
إن المسلمين لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السُنَّة في قيود رواية المبتدع، ولبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع.
إن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم، فكان على هؤلاء أن يسلموا لهم، كما أننا نستدل على دقة العلم وإحكام أهله له بتقاسيمه وتنويعاته، بل لا يُعد علمًا ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع!!
إن علماء الحديث قد أفردوا لكل نوع من الحديث وعلومه كُتبًا تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث، أو أسانيد أو رجال، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الأنواع.
ونحن نقول له: كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن، فلو قال إنسان كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد بالآلاف لأحلناه إلى الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي والحل المقنع.
فكما يرجع في الطب إلى الأطباء، وفي الهندسة إلى المهندسين وفي الكيمياء إلى علمائها، والصيدلة إلى أصحابها.... كذلك فارجع في الحديث إلى علماء الشرع المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المُدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث تُريده وتود معرفة حاله.
الخَاتِمَةُ
إن دين الإسلام هو الدين الحق الذى ارتضاه الله للناس دينا؛ قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة3]، فعلى المسلمين أن يعوا خطورة الادِّعاءات التي تُثار حول دينهم وعقيدتهم، كما يجب عليهم تفّحُص الخطاب المغلف الذي يوجه إليهم من الغرب، فكم من رزية حسبناها هدية، وكم من محنة توهمناها منحة.
فأعداء الإسلام لا يتوانون عن إلصاق الشُبهات التى من شأنها أن تعوق حركة المد الإسلامى التى يكتسح بها قارات العالم، ومن أجل ذلك؛ يجب على المسلمين أن يعملوا على تكوين منظمات إسلامية للدفاع عن الإسلام ودحض شبهات أعدائه، بأسلوب علمي رصين؛ يقوم برصد كل ما يقع من شبهات وافترءات وردها على المستويين الإقليمى والعالمى، يتبعون فى ذلك الأتى:
توظيف الإعلام بأجهزته المختلفة ووسائله لخلق وعي ديني سليم، والرد على هجمات الغرب فى إساءته للإسلام.
التعامل مع شبهات أعداء الإسلام من خلال هيئة متخصصة تصدر أحكامها عن دراسة متأنية مستبصرة وليس من موقف انحيازى لفكر أو منهج.
تعريف المجتمع الإسلامى بشبهات أعدائه ومآربهم، من خلال عقد المحاضرات الدينية والتثقيفية على مدار السنة.
إعداد الخطباء الأكفاء الذين يوضحون ويبرزون هذه الشبهات والرد عليها، واستغلال المناسبات الدينية لذلك.
استكتاب علماء أجلاء لمعالجة تلك القضايا، وتشجيع الكتب التى تُفند تلك الشبهات.
قيام العلماء والأئمة بواجبهم في رفع الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية والسنن النبوية عن الناس بنشر الحق في تلك الشبهات.
النشر على شبكة الدولية (الإنترنت) بإنشاء موقع متخصص فى ذلك.
تدريس بعض تلكُم الشبهات فى المناهج الدراسية بداية من المرحلة الإعدادية فى مصر وغيرها من بلاد الإسلام.
الاهتمام بالأقليات المسلمة فى ذلك الشأن وإمدادهم بما يُحصنهم من ردود مترجمة كل على حسب لغته.
هذا آخرُ ما قصدتُه من هذا البحث، وقد مَنّ اللّه الكريمُ فيه بما هو أهلٌ له من الفوائد‏، واللّه المحمودُ على ذلك فنعمه لا تُحصى، وله المِنّة أن هداني لذلك، ووفّقني لجمعه ويَسَّرَه عليّ، وأعانني عليه؛ فله الحمدُ والامتنانُ والفضلُ والطَّوْلُ والشكرانُ‏.
والحمدُ للّه ربّ العالمين أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلواتُه وسلامُه الأطيبان الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد خير خلقه أجمعين، كلما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذكره الغافلون، وعلى سائر النبيّينَ وسائر الصالحين‏.‏
المصادر والمراجع
الإصابة فى صحة حديث الذبابة، د/ خليل إبراهيم الملا خاطر، الطبعة الأولى 1405هـ، دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة.
البداية والنهاية – لابن كثير- دار الريان- مصر 1988م.
تأويل مختلف الحديث- ابن قتيبة- دار الكتب العلمية- بيروت.
تفسير القرآن العظيم – للحافظ ابن كثير – دار الغد العربى.
تفسير القُرطُبـيّ – للإمام القُرطُبـيّ – طبعة دار الكتب العلمية-بيروت- 1993م.
تفسير آيات الأحكام – محمد على الصابونى-دار الصابونى- ط الأولى-1999 القاهرة.
حُجية السُنَّة، د/ عبد الغنى عبد الخالق، دار القرآن الكريم-بيروت-1407هـ.
دفاع عن السُنَّة- أ.د/ محمد أبو شهبة- مكتبة السُنَّة-القاهرة-1989م.
ردود عن الشبهات المثارة من المستشرقين نشرت بموقع الأزهر الشريف.
السلسلة الصحيح للألباني- المكتب الإسلامى- الأردن.
السيرة النبوية لابن هشام، طبعة دار الجيل، الطبعة الأولى، بيروت.
ضعيف وصحيح الجامع الصغير- الألبانى - المكتب الإسلامي- بيروت.
العلمانية بين الغرب والإسلام- أ.د/ محمد عمارة- دار الوفاء-القاهرة 1996م.
العلمانية؛ نشأتها وتطورها وآثارها فى الحياة الإسلامية المعاصرة، د/ سفر الحوالى- الدار السلفية – الكويت- 1987م.
فتح الباري شرح صحيح البخاري – للحافظ ابن حَجَرِ- دار الريان- مصر.
في ظلال القرآن – سيد قطب- دار الشروق- بيروت.
لسان العرب- ابن منظور- إحياء التراث العربى.
الموسوعة الإسلامية العامة- وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إشراف أ.د/ محمود حمدى زقزوق- القاهرة 2003م.
الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت.
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة- الطبعة الرابعة- دار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 1420هـ
n
m....................................................................... 3
تعريف الشبهة................................................................ 7
أسباب الاشتباه............................................................. 8
شبهات المستشرقين...................................................... 10
الشبهة الأولى: نشر محمدٌ دينه الإسلامي بالسيف......................... 10
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 10
الشبهة الثانية: استبدل محمدٌ عبادة وثنية بأخرى وثنية..................... 21
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 21
شبهات العلمانيين......................................................... 25
الشبهة الأولى: أنتم أعلم بأمور دنياكم..................................... 25
الرد على الشبة وتفنيدها.................................................. 25
الشبهة الثانية: غمس الذباب في الإناء لا يقره العقل....................... 30
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 30
الشبهة الثالثة: التداوي بأبوال الإبل وألبانها................................ 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
شبهات القرآنيين.......................................................... 32
الشبهة الأولى: لا حاجة لنا بالسُنَّة فالقرآن بيَّن الشريعة.................... 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
الشبهة الثانية: السُنَّة ليست وحيًا والنَّبِـي يُصيب ويخطئ................. 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
الشبهة الثالثة: لم يُرد النَّبِـي أن تكون السُنَّة مصدرا ثانيا للتشريع.......... 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
الشبهة الرابعة: تكفل الله بحفظ القرآن ولم يتكفل بحفظ السُنَّة............... 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
شبهات الخوارج.......................................................... 32
الشبهة الأولى: الرجم لم يثبت بالقرآن..................................... 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
شبهات الصوفية.......................................................... 32
الشبهة الأولى: التوسل بالنَّبِـي  ومن بعده الصالحين...................... 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
شبهات الموسوعات العالمية.............................................. 32
الشبهة الأولى: تعدد زوجات النَّبِـي يدل على أنه شهوانى.................. 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
الشبهة الثانية: التشكيك فى صحة الأحاديث النبوية كاملة.................. 32
الرد على الشبهة وتفنيدها................................................. 32
الخَاتِمَةُ.................................................................... 32
المصادر والمراجع....................................................... 32
n..................................................................... 32
 
 


([1]) (صحيح): البخارى 52، مسلم 1599، أبو داود 3329، الترمذى 1205، النسائى 4453، ابن ماجة 3984، أحمد 17883.
([2]) اللسان، مادة (شبه)، وانظر أيضًا الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت.
([3]) المستشرقون: جمع مستشرق، يطلق على كل من يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم وليس من أهلهم، ولهم تيار فكرى يعرف باسمهم وهو (الاستشراق) هدفه التشكيك فى صحة نبوة محمد  والطعن فى الإسلام دينًا وشريعة وعقيدة ولغة، منهم منصفون وأكثرهم المتعصبون وكلاهما مرٌ كافر، ولهم آراء خطيرة نكتفى منها بشبهتين اثنتين حول النبي  وسنته، نهيك عن شبههم حول القرآن.
([4]) سفر الخروج [23: 22]، وانظر أيضًا ما جاء فى نفس السفر [34: 11].
([5]) رسالة الرسول بولس إلى العبرانيين [7: 1، 2].
([6]) سفر التثنية [20: 10].
([7]) سفر التثنية [7: 1].
([8]) سيد قطب، فى ظلال القرآن: 1/ 291.
([9]) (صحيح): انفرد به أبو داود 2682، صحيح سنن أبى داود 3/58.
([10]) قَالَ أَبُو دَاوُد: الْمِقْلَاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.
([11]) تفسير البغوى: 1/ 314.
([12]) تفسير الطبري: 3/ 14.
([13]) (ضعيف): انفرد به أبو داود 3041، ضعيف سنن أبى داود 3/167.
([14]) (صحيح): أحمد 22469، مسلم 1731، أبو داود 2612، الترمذى 1408، ابن ماجة 2858.
([15]) فتوح البلدان 129.
([16]) (صحيح): البخارى 25، مسلم 22، أبو داود 1556، الترمذى 2609، النسائى 2443، أحمد 68.
([17]) (صحيح): البخارى 462، مسلم 1764، أبو داود 2679، النسائى 189، أحمد 9523.
([18]) راجع قصة إسلامة، ابن كثير البداية والنهاية 5/45، ابن هشام السيرة النبوية 6/35
([19]) راجع قصة دخول النبي  مكة، ابن كثير البداية والنهاية 4/306، ابن هشام السيرة النبوية 3/213.
([20])  د/ منقذ السقار،  موقع www/haridy.com فى 25/12/2001.
([21])  هذا الإحصاء مستفاد من د/محمد عمارة.
([22]) (صحيح): الترمذى 960، الدارمى 1847، صحيح الجامع 3955.
([23]) (ضعيف): أحمد 23830، أبو داود 1888، الترمذى 902، الدارمى 1858، ضعيف الجامع 2056.
([24]) (صحيح): البخارى 1597، مسلم 1270، أبو داود 1873، الترمذى 860، ابن ماجة 2943، أحمد 100.
([25]) (صحيح): صحيح الجامع 5334.
([26]) (صحيح): أحمد 5589، صحيح الجامع 2194.
([27]) (صحيح): أحمد 6961، الترمذى 878، صحيح الجامع 1633.
([28]) سفر التكوين [28: 10] وراجع أيضًا التكوين 31: 45 –55، والقضاة 11، وأيضًا القضاة 20و21، وصموئيل الأول7، وأيضًا صموئيل الأول 10.
([29]) العلمانيون: هم من بنى جلدتنا، يدعون إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدًا عن الدين الذي يتم فصله عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في المسجد وضمير الفرد؛ بحيث لا يُصرح بالتعبير عنه إلا في أضيق الحدود (تقليدًا لأوربا التى نبذت الدين ورأها ظهريًا)، من مزاعمهم: إن الإسلام استنفذ أغراضه؛ فهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية، يعملون على: تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم الحضارة الغربية بحيث يسهل اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية منها ومحاكاتهم فيها.
([30]) الأستاذ/ محمد شاكر الشريف، رسالة "تحطيم الصنم العلماني".
([31]) (صحيح): أحمد 1398، مسلم 2361، ابن ماجة 2470.
([32]) (صحيح): انفرد به  مسلم 2362.
([33]) (صحيح): أحمد 24399، مسلم 2363، ابن ماجة 2471.
([34]) النووى على شرح صحيح مسلم.
([35]) (صحيح): أحمد 7101، البخارى 3320، أبو داود 3844، ابن ماجة 3505.
([36]) الإصابة فى صحة حديث الذبابة ، د/خليل إبراهيم الملا خاطر، فقد جمع أسانيد الحديث وطرقه وقد زاد خمسين طريقًا، وترجم لرجال تلك الطرق وتبين بعد دراسة علمية أنه لا يوجد فيها راو واحد متهم أو كذاب أو ضعيف أو منكر، بل هم حفاظ ثقات أثبات، وبحث أيضًا فى صحته من النواحى الفقهية والطبية وقد أبدع فجزاه الله خيرًا.
([37]) وانظر أيضًا، تعليق الأستاذ/ محمد نجيب المطيعى فى تعليقه على المجموع للنووى 1/175.
([38]) وانظر أيضًا حول موضوع البكتريوفاج، أ.د/ على محمد مطاوع، أخصائى وأستاذ الأشعة والراديوم وعميد كلية الطب بجامعة الأزهر سابقًا.
([39]) يمكن مراجعة أيضًا، تقرير جامعة الملك عبد العزيز، كلية العلوم، قسم علوم الأحياء، دراسة مبدئية، نبيه باعش-منصور سجينى-عبد الوهاب عبد الحافظ-محمد زكى.
([40]) (صحيح): البخارى 4192، مسلم 1671، أبو داود 4364، الترمذى 72، النسائى 305، ابن ماجة 3503، أحمد 11631.
([41]) كما فى فتح البارى 1/407.
([42]) نفس المصدر السابق.
([43]) (صحيح): البخارى 3017، أبو داود 4351، الترمذى 1458، ابن ماجة 2535، أحمد 1874.
([44]) (صحيح): البخارى 7288، مسلم 1337، الترمذى 2679، النسائى 2619، ابن ماجة 1، أحمد 7320.
([45]) ابن سينا، القانون فى الطب هو كتاب فى الطب النظري والعملي، وفي أحكم الأدوية، طبع في روما سنه 1593م، ترجم إلى اللاتينية ومنه استاق الغرب أصول الطب؛ وما كانوا ليصلوا إلى ربع ما وصلوا إليه إلا بهذه الترجمة وبالانتفاع به، طبع في البندقية عام 1595م.
([46]) أحد علماء الطب القدامى.
([47]) دراسة فى مجال الطب والصحة، نشرت فى مقالة بجريدة الاتحاد .
([48]) دراسة نشرت فى مقالة صحيفة الزمان.
([49]) هذه المقالة من موقع الخالدي http: //www.alkhaldi.8k.com/
([50]) بدأ إنكار السُنَّة النبوية والشغب عليها على هيئة فردية في حالات نادرة لا اعتبار بها، وكان ذلك في حياة النبي (راجع قصة الزبير- فى تفسير النساء65)، أما إنكار السُنَّة على هيئة مؤثرة فى التاريخ، فقد بدأ على أيدى الخوارج والشيعة، ثم انضم إليهم طوائف من المتكلمين وبخاصة من المعتزلة.
أما نشأتها في العصر الحديث فكانت فى الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري في شبه القارة الهندية على يد زمرة من أبناء تلك البقعة، وزعمت تلك الطائفة الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السُنَّة النبوية المطهرة.
([51]) شبهات القرآنيين حول السُنَّة النبوية ،  أ.د. محمود محمد مزروعة، بتصرف شديد، راجع أيضًا حجية السُنَّة، د/عبد الغنى عبد الخالق ص384، وأيضًا، دفاع عن السُنَّة، أ.د/ محمد أبو شهبة، أيضًا، مقالة أ.د/ موسى شاهين لاشين بالموسوعة الإسلامية العامة ص501.
([52]) (صحيح): البخارى 631، مسلم 674، أبو داود 589، الترمذى 205، النسائى 634، ابن ماجة 979، أحمد15171.
([53]) موقع الأزهر الشريف، http://www.alazhr.org/Qadaia/Default.ap.
([54]) من شبهاتهم أيضا مسألة تأبير النخل وقد مر الرد عليها وتفنيدها.
([55]) د/ عبد الغنى عبد الخالق، حجية السُنَّة ص392.
([56]) (صحيح): أحمد 10701، مسلم 3004، الترمذى 2665، ابن ماجة 37.
([57]) ابن قتيبة الدينورى، تأويل مختلف الحديث 266 بتصرف.
([58]) (صحيح): البخارى 89، مسلم 1479، الترمذى 3318، النسائى 2132، أحمد 222.
([59]) (صحيح): البخارى 88، أبو داود 3603، الترمذى 1151، النسائى 3330، أحمد 15715.
([60]) (صحيح): البخارى 5866، مسلم 2091، أبو داود 4227، الترمذى 1741، النسائى 5164، ابن ماجة 3645، أحمد 4663.
([61]) (صحيح): أحمد 11467، أبو داود 650، صحيح الجامع 461.
([62]) (صحيح): مسلم 1297، أبو داود 1970، النسائى 3062، أحمد 14009.
([63]) (صحيح): البخارى 631، مسلم 674، أبو داود 589، الترمذى 205، النسائى 634، ابن ماجة 979، أحمد 15171.
([64]) (صحيح): البخارى 7280، مسلم 1835، النسائى 4193، ابن ماجة 3، أحمد 8511.
([65]) (صحيح): أبو داود 4607، الترمذى 2676، ابن ماجة 42، صحيح الجامع 2549.
([66]) (صحيح): أحمد 21080، أبو داود 3660، الترمذى 2656، ابن ماجة 230، صحيح الجامع 6766.
([67]) (صحيح): البخارى 110، مسلم 3، ابن ماجة 34، أحمد 8067.
([68]) رد هذه الشبهة بقوة أ.د/ محمد أبو شهبة فى (دفاع عن السُنَّة) ص 280.
([69]) ابن حزم، الإحكام فى أصول الأحكام 2/ 193.
([70]) يمكن أيضًا مراجعة، الموسوعة الإسلامية العامة، مقالة جمع السُنَّة، أ.د/ عزت عطية، ص447.
([71]) د/ عبد الغنى عبد الخالق، حجية السُنَّة ص389.
([72]) الكفاية: 273.
([73]) هم فئة خرجت على الإمام علي بن أبي طالب بعد أن كانت تحارب معه، يغلب عليهم الانفعال والتطرف في السلوك، والتزّمت في الدين والتحجّر في الفكر، تكونت بعد معركة صفين في منتصف القرن الأول الهجري، بسبب رفضها لنتيجة التحكيم، وأصبحت العبارة التي صاغها أحدهم (لا حكم إلا لله) شعار هذه الطائفة، وكان لهذا الشعار التأثير الخطير على استقطاب بسطاء الناس وجهلتهم.
من زعمهم: إن كل خبر ورد عن النبي يخالف ظاهر الكتاب لا يعمل به، وأن كل خبر لا يكون متواترًا لا يجوز أن يُتخذ دليلا.
([74]) (صحيح): مسلم 1690، أبو داود 4415، الترمذى 1434، ابن ماجة 2550، أحمد 22158.
([75]) (صحيح): أحمد 16722، أبو داود 4604، الترمذى 2664، ابن ماجة 12.
([76]) (صحيح): البخارى 6789، مسلم  1684، أبو داود 4383، الترمذى 1445، النسائى 4914ابن ماجة 2585، أحمد 23558.
([77]) العلامة الألوسى، روح المعانى.
([78]) محمد على الصابونى، تفسير آيات الأحكام 2/16.
([79]) الصوفية: حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنـزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقًا مميزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة لا عن طريق أتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقًا جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها: إن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطه أهل السُنَّة والجماعة.
مصادر التلقي: الكشف، الإلهام، الفراسة، الهواتف، الإسراءات والمعاريج، الكشف الحسي، الرؤى والمنامات.
الطرق الصوفية: مدرسة الزهد: وأصحابها: من النساك والزهاد والعباد والبكائين، مدرسة الكشف والمعرفة، مدرسة وحدة الوجود، مدرسة الاتحاد والحلول.
([80]) رواه أحمد 16789، الترمذى 3578، ابن ماجة 1385، صحيح الجامع 1279.
([81]) لسان العرب، مادة (شفع).
([82]) (صحيح): البخارى 44، مسلم 193، الترمذى 2593، ابن ماجة 4312، أحمد 11743.
([83]) راجع رسالة الشيخ الألباني-رحمه الله- في التوسل جمع أحمد عباس.
([84]) (صحيح): البخاري 6410، مسلم 6750، الترمذي 3506، ابن ماجة 386، أحمد 2/258.
([85]) كما فى تفسير القُرطُبـيّ 7/207.
([86]) (صحيح): البخاري1010، المجموع للنووي5/65، الحاوي للمواردي 4/144، وانظر المغنـي لابن قدامة3/346، شرح السُنَّة للبغوي 2/655.
([87]) القصة صححها ابن حجر في تلخيص الحبير 2/206، وانظر البداية والنهاية 8/328.
([88]) انظر الزهد لأحمد بن حنبل 469.
([89]) الداء والدواء 1/16.
([90]) د/ منقذ السقار، موقع www/haridy.com فى 25/12/2001م.
([91]) صموئيل  7 /14.
([92]) ملوك 11/1-8.
([93]) انظر التكوين 16/16.
([94]) انظر  الملوك  1/1-4.
([95]) (صحيح): البخارى 2967، مسلم 715، أبوداود 3347، الترمذى 1100، النسائى 4590، ابن ماجة 1860، أحمد13710.
([96]) (صحيح): البخارى 314، مسلم 332، أبوداود 314، النسائى 251، ابن ماجة 642، أحمد 24386.
([97]) (صحيح): البخارى 130، مسلم 313، الترمذى 122، النسائى 195، ابن ماجة 600، أحمد 25964.
([98]) انظر الألوسي والقرطبي وأحكام القرآن لابن العربي ففيها القصة مفصلة.
([99]) (صحيح): البخارى 4782، مسلم 2425، الترمذى 3209، أحمد 5455.
([100]) (صحيح): البخارى 7420، مسلم 86، الترمذى 3212.
([101]) (صحيح): أحمد 7397، الترمذى 3661، ابن ماجة 94، صحيح الجامع  5661 وما بين قوسين ضعيف انظر ضعيف الجامع‌ 5130‌.
([102]) (حسن): أحمد 25833، أبو داود 3931، صحيح سنن أبى داود 4/22.
([103]) (صحيح): البخارى 371، مسلم 1345، أبو داود 2045، الترمذى 1095، النسائى 547، ابن ماجة 1909، أحمد11532.
([104]) راجع القصة كاملة، ابن كثير البداية والنهاية 4/145، ابن هشام السيرة النبوية 2/80.
([105]) أ. د / نور الدين عتر، من كتاب "منهج النقد في علوم الحديث".


شبهات حول السنة

ذكر المستشرفون وأعداء الدين شبهاً كثيرة حول السنة النبوية من ناحية أسانيدها ومتونها ومقاصدها وأطوارها , نسوق بعضاً منها مع الرد:
 
الشبهة الأولى :
 
من الشبهات التي ادعاها بعض غلاة المستشرقين من قديم ، وأقام بناءها على وهم فاسد هي أن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب ، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث وقد ردد عدد من المستشرقين هذه الشبهة منهم جولد زيهر وشبرنجر ، ودوزي ، فقد عقد " جولد زيهر " فصلاً خاصاً حول تدوين الحديث في كتابه " دراسات إسلامية " وشكك في صحة وجود صحف كثيرة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ، ورأى " شبرنجر " في كتابه " الحديث عند العرب " أن الشروع في التدوين وقع في القرن الهجري الثاني ، وأن السنة انتقلت بطريق المشافهة فقط ، أما " دوزي " فهو ينكر نسبة هذه " التركة المجهولة " - بزعمه - من الأحاديث إلى الرسول صلى الله عليه و سلم .
 
وقد أراد المستشرقون من وراء هذه المزاعم إضعاف الثقة باستظهار السنة وحفظها في الصدور ، والتشكيك في صحة الحديث واتهامه بالاختلاق والوضع على ألسنة المدونين ، وأنهم لم يجمعوا من الأحاديث إلا ما يوافق أهواءهم ، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث ، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم : سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية ، فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على الحق ، وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جداً ، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح ، أو هذا الحديث موضوع . ويمكن الرد هذه الشبهة من عدة وجوه :
 
1- أن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وشمل قسماً كبيراً من الحديث ، وما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة ، تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جداً ، تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة .
 
2 - أن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة جداً في كتابة الحديث ، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير ، فتم في أوائل القرن الثاني ، بين سنة 120 ـ 130 هـ ، بدليل الواقع الذي بين لنا ذلك ، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية ، مثل جامع معمر بن راشد(154) ، وجامع سفيان الثوري(161) ، وهشام بن حسان(148) ، وابن جريج (150) ، وغيرها كثير .
 
3 - أن علماء الحديث وضعوا شروطاً لقبول الحديث ، تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهناك شروط اشترطوها في الراوي تضمن فيه غاية الصدق والعدالة والأمانة ،مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية ، كما أنها تضمن فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معاً ، مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه ، ويتضح ذلك من الشروط التي اشترطها المحدثون للصحيح والحسن والتي تكفل ثقة الرواة ، ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد ، وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية ، ودقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط والقواعد في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته ، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضاد له .
 
4 - أن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا ، بل وضعوا شروطاً في الرواية المكتوبة لم يتنبه لها أولئك المتطفلون ، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح ، ولذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه ، ونجد عليها إثبات السماعات ، وخط المؤلف أو الشيخ المسمَع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها ، فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات والمستندات المكتوبة .
 
5 - أن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم ، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية لصيانة الحديث من الدس ، وضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد ، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثاً عنها واختباراً لرواة الحديث ، حتى اعتبرت الرحلة شرطاً أساسياً لتكوين المحدث .
 
6 - أن المحدثين لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث ، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السنة ، فوضعوا القيود والضوابط لرواية المبتدع وبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع .
 
7 - أن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط ، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه ، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم ، فإن مما يستدل به على دقة العلم وإحكام أهله له تقاسيمه وتنويعاته ، بل لا يُعد علماً ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع ؟!!.فظهر بذلك تهافت هذه الشبهة وبعدها عن الموضوعية والمنهجية .
 
الشبهة الثانية :
 
من الشبهات التي رددها أذناب المستشرقين قولهم : " لو كانت السنة ضرورية لحفظها الله كما حفظ القرآن في قوله تعالى :{ إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون } ، ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابتها كما أمر بكتابة القرآن " .
 
وقولهم في الحديث الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم : - ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ) ، : " لو كان هذا الحديث صحيحاً لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة السنة ، ولأمر بتدوينها كما دون القرآن ، ولا يمكن أن يدع نصف ما أوحي إليه بين الناس بغير كتابة ، ولا يكون حينئذ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها ، ولماذا ترك الصحابة نصف الوحي ولم يدونوه ، فبإهمالهم له يصبحون جميعاً من الآثمين " (6) .
 
الرد على هذه الشبهة و تفيدها :
 
إن الله عز وجل كما أراد لهذه الشريعة البقاء والحفظ ، أراد سبحانه أيضاً ألا يكلف عباده من حفظها إلا بما يطيقون ولا يلحقهم فيه مشقة شديدة ، فمن المعلوم أن العرب كانوا أمة أمية ، وكان يندر فيهم الكتبة ، وكانت أدوات الكتابة عزيزة ونادرة ، حتى إن القرآن كان يكتب على جريد النخل والعظام والجلود ، وقد عاش النبي - صلى الله عليه وسلم -بين أصحابه بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة ، ولهذا كان التكليف بكتابة الحديث كله أمرا ًفي غاية الصعوبة والمشقة ، لأنه يشمل جميع أقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته - صلى الله عليه وسلم - ولِما يحتاجه هذا العمل من تفرغ عدد كبير من الصحابة له ، مع الأخذ في الاعتبار أن الصحابة كانوا محتاجين إلى السعي في مصالحهم ومعايشهم ، وأنهم لم يكونوا جميعا يحسنون الكتابة ، بل كان الكاتبون منهم أفراداً قلائل ، فكان تركيز هؤلاء الكتبة من الصحابة على كتابة القرآن دون غيره حتى يؤدوه لمن بعدهم تامًا مضبوطًا لا يُنْقص منه حرف .
 
ومن أجل ذلك اقتصر التكليف على كتابة ما ينزل من القرآن شيئاً فشيئاً حتى جمع القرآن كله في الصحف
 
وكان الخوف من حدوث اللبس عند عامة المسلمين فيختلط القرآن بغيره - وخصوصاً في تلك الفترة المبكرة التي لم يكتمل فيها نزول الوحي - أحد الأسباب المهمة التي منعت من كتابة السنة .
 
ثم إنه لم يحصل لحفاظ السنة في عهد الصحابة ما حصل لحفاظ القرآن ، فقد استحرَّ القتل بحفاظ القرآن من الصحابة ، أما السنة فإن الصحابة الذي رووا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا كثر ، ولم يحصل أن استحر القتل فيهم قبل تلقي التابعين عنهم .
 
ومن الأسباب أيضاً أن السنة كانت متشعبة الوقائع والأحداث فلا يمكن جمعها كلها بيقين ، ولو جمع الصحابة ما أمكنهم فلربما كان ذلك سبباً في رد من بعدهم ما فاتهم منها ظناً منهم أن ما جمع هو كل السنة
 
ثم إن جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن كان عرضة لأن يُقبِل الناس على تلك الكتب ، ويدعوا القرآن ، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها عن طريق الرواية ، وبعض الكتابات الخاصة .
 
أضف إلى ذلك أن القرآن يختلف عن السنة من حيث أنه متعبد بتلاوته ، معجز في نظمه ولا تجوز روايته بالمعنى ، بل لا بد من الحفاظ على لفظه المنزل ، فلو ترك للحوافظ فقط لما أمن أن يزاد فيه حرف أو ينقص منه ، أو تبدل كلمة بأخرى ، بينما السنة المقصود منها المعنى دون اللفظ ، ولذا لم يتعبد الله الخلق بتلاوتها ، ولم يتحداهم بنظمها ، وتجوز روايتها بالمعنى ، وفي روايتها بالمعنى تيسير على الأمة وتخفيف عنها في تحملها وآدائها .
 
وقد بلَّغ - صلى الله عليه وسلم - الدين كله وشهد الله له بهذا البلاغ فقال سبحانه : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } (7) ، ووجود السنة بين الأمة جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم فيه أبلغ دلالة على تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياها لأمته وبالتالي لم يضع نصف ما أوحاه الله إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما زعم الزاعمون - ، بل الجميع يعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتمتعون بحوافظ قوية ، وقلوب واعية ، وذكاء مفرط ، مما أعانهم على حفظ السنة وتبليغها كما سمعوها ، مستجيبين في ذلك لحث نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لهم في الحديث الذي رواه الترمذي و غيره بقوله ( نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فحفظها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع).
 
فتم ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفظ السنة وتبليغها ، ويكون بذلك - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ دين الله عز وجل كاملاً ولم ينقص منه شيئاً .
 
الشبهة الثالثة
 
ومن الشبهات التي يرددها المستشرقين و أذنابهم هو ما فهموه من قوله تعالى{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } (8) ، وقوله سبحانه : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ } (9).
 
فقالوا : إن هذه الآيات وأمثالها تدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين ، وكلَّ حُكم من أحكامه ، وأنه بيَّن ذلك وفصَّله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر ، وإلا كان الكتاب مفرِّطاً فيه ، ولما كان تبياناً لكل شيء ، فيلزم الخُلْف في خبره سبحانه وتعالى .
 
الرد على هذه الشبهة و تفنيدها :
 
وجواباً على هذه الشبهة يقال : ليس المراد من الكتاب في قوله تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } (10) القرآن ، وإنما المراد به اللوح المحفوظ ، فإنه هو الذي حوى كل شيء ، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها ، جليلها ودقيقها ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، على التفصيل التام ، بدلالة سياق الآية نفسها حيث ذكر الله عز وجل هذه الجملة عقب قوله سبحانه : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } (11)أي مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم كل ذلك مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ لا يخفى على الله منه شيء .
 
وعلى التسليم بأن المراد بالكتاب في هذا الآية القرآن ، كما هو في الآية الثانية وهي قوله سبحانه : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ }(12) فالمعنى أنه لم يفرِّط في شيء من أمور الدِّين وأحكامه ، وأنه بيَّنها جميعاً بياناً وافياً .
 
ولكن هذا البيان إما أن يكون بطريق النص مثل بيان أصول الدين وعقائده وقواعد الأحكام العامة ، فبيَّن الله في كتابه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وحِلِّ البيع والنكاح ، وحرمة الرِّبا والفواحش ، وحِلِّ أكل الطيبات وحُرْمة أكل الخبائث على جهة الإجمال والعموم ، وتَرَك بيان التفاصيل والجزئيات لرسوله صلى الله عليه وسلم . ولهذا لما قيل لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير : " لا تحدثونا إلا بالقرآن قال : والله ما نبغي بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن .
 
وروي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل يحمل تلك الشبهة : إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ، ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ، ثم قال أتجد هذا في كتاب الله مفسَّرا ، إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك "
 
وإما أن يكون بيان القرآن بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابه أدلة وحُجَجاً على خلقه .
 
فكل حكم بينته السنَّة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة ، فالقرآن مبَيِّن له حقيقة ، لأنه أرشد إليه وأوجب العمل به ، وبهذا المعنى تكون جميع أحكام الشريعة راجعة إلى القرآن .
 
فنحن عندما نتمسك بالسنة ونعمل بما جاء فيها إنما نعمل في الحقيقة بكتاب الله تعالى ، ولهذا لما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله " بلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه وقالت : إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت ، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هو في كتاب الله ، فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول ، قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأتِ { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }(13) ؟! قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه .
 
وحُكِي أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى ، فقال رجل : ما تقول في المُحْرِم إذا قتل الزُّنْبُور ؟ فقال لا شيء عليه ؟ فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } ، ثم ذكر إسناداً إلى النبي في الحديث الذي رواه الترمذي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ، ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال " للمُحْرِم قتل الزُّنْبُور " فأجابه من كتاب الله قال الإمام الخطابي رحمه الله " أخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ ، إلا أن البيان على ضربين : بيان جَلِيّ تناوله الذكر نصاً وبيان خفِيّ اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً ، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معنى قوله سبحانه : { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ، فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان " , وبذلك يتبين ضلال هؤلاء وسوء فهمهم وتهافت شبهاتهم ، وأنه لا منافاة بين حجية السنة وبين كون القرآن تبياناً لكل شيء ، والحمد لله أولاً وآخراً .
 
الشبهة الرابعة :
 
ومن شبهاتهم أيضا تمسكهم بجملة أخبارٍ منسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تؤيد بحسب زعمهم - ما ذهبوا إليه من عدم الاحتجاج بالسنة ، ووجوب عرض ما جاء فيها على كتاب الله .
 
ومن هذه الأخبار ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا اليهود فحدّثوه فخطب الناس فقال : ( إن الحديث سيفشو عنِّي ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عنِّي ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي ) ، فقالوا : إذا أثبتت السنة حكماً جديداً فإنها تكون غير موافقة للقرآن ، وإن لم تثبت حكماً جديداً فإنها تكون لمجرد التأكيد فالحجة إذاً في القرآن وحده .
 
ومن هذه الأخبار التي استدلوا بها ما روِي أنه - صلى الله عليه وسلم- قال : ( إذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه ، قلته أم لم أقله فصدّقوا به ، فإني أقول ما يُعرَف ولا يُنكَر ، وإذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدِّقوا به ، فإني لا أقول ما يُنكَر ولا يُعرَف ) ، فقالوا هذا يفيد وجوب عرض الحديث المنسوب إليه - صلى الله عليه وسلم - على المستحسن المعروف عند الناس من الكتاب أو العقل ، فلا تكون السنة حجَّة حينئذ .
 
ومن تلك الأخبار أيضاً ما رُوِي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه ، ولا أحرِّم إلا ما حرَّم الله في كتابه ) ، وفي رواية : ( لا يمسكنَّ الناس عليَّ بشيء ، فإني لا أحلُّ لهم إلا ما أحلَّ الله ولا أحرَّم عليهم إلا ما حرَّم الله ) .
 
هذه هي خلاصة الشبه التي أوردوها ، وهي شبه ضعيفة متهافتة لا تثبت أمام البحث والنظر الصحيح ، وتدل على مبلغ جهلهم وسوء فهمهم .
 
الرد على هذه الشبهة و تفنيدها :
 
أما الحديث الأول : ( إن الحديث سيفشو عني .... ) فإن أحاديث العرض على كتاب الله كلها ضعيفة لا يصح التمسك بشيء منها كما ذكر أهل العلم ، فمنها ما هو منقطع ، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول ، ومنها ما جمع بين الأمرين ، وقد بَيَّن ذلك ابن حزم و البيهقي ، و السيوطي ، وقال الشافعي في الرسالة : " ما روَى هذا أحدٌ يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير ، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء " ، بل نقل ابن عبد البر في جامعه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : " الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث " ، ثم قال : " وهذه الألفاظ لا تصح عنه - صلى الله عليه وسلم - عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه " .
 
بل إن الحديث نفسه يعود على نفسه بالبطلان ، فلو عرضناه على كتاب الله لوجدناه مخالفاً له ، فلا يوجد في كتاب الله أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل منه إلا ما وافق الكتاب ، بل إننا نجد في القرآن إطلاق التأسي به - صلى الله عليه وسلم والأمر بطاعته ، والتحذير من مخالفة أمره على كل حال ، فرجع الحديث على نفسه بالبطلان .
 
ومما يدل على بطلانه كذلك معارضته الصريحة لقوله - صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي رواه أبو داود : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ).
 
وعلى التسليم بصحة الخبر فليس المراد منه أن ما يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم نوعان : منه ما يوافق الكتاب فهذا يُعمل به ، ومنه ما يخالفه فهذا يُردُّ ، بل لا يمكن أن يقول بذلك مسلم ، لأن في ذلك اتهاماً للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، وكيف لمؤمن أن يقول ذلك وقد ائتمنه الله على وحيه ودينه وقال له : { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي }(14) .
 
فالرسول عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، ولا يمكن أن يوجد خبر صحيح ثابت عنه مخالفٌ لما في القرآن .
 
فيكون معنى الحديث إذاً : " إذا رُوِي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله ، فإن خالفه فردُّوه فإنه ليس من قولي " ، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يتكلمون على علامات الوضع في الحديث ، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مخالفاً لمحكمات الكتاب ، ولذلك قال " فما أتاكم يوافق القرآن : فهو عنِّي ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي".
 
وعندما نقول : إن السنة الصحيحة لابدَّ وأن تكون موافقة للقرآن غير مخالفة له ، فلا يلزم أن تكون هذه الموافقة موافقة تفصيلية في كل شيء ، فقد تكون الموافقة على جهة الإجمال ، فحين تبين السنة حكماً أجمله القرآن ، أو توضِّح مُشْكِلاً ، أو تخصص عامَّاً ، أو تقييد مطلقاً ، أو غير ذلك من أوجه البيان ، فهذا البيان في الحقيقة موافق لما في القرآن ، غير مخالف له .
 
بل حتى الأحكام الجديدة التي أثبتتها السنة ودلَّت عليها استقلالاً ، هي أيضاً أحكام لا تخالف القرآن ، لأن القرآن سكت عنها على جهة التفصيل ، وإن كان قد أشار إليها وتعرض لها على جهة الإجمال حين قال : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (15) .
 
وأما الحديث الثاني : ( إذا حُدِّثتم عنِّي حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه ....) ، فرواياته ضعيفة منقطعة كما قال البيهقي و ابن حزم وغيرهما ، فضلاً عما فيه من تجويز الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - وذلك في عبارة : ( ما أتاكم من خبر فهو عنِّي قلته أم لم أقله ) ، وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمح بالكذب عليه وهو الذي تواتر عنه قوله في الصحيحين : ( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار ) .
 
وقد رُوي هذا الحديث من طرق مقبولة ليس فيها لفظ ( قلته أم لم أقله ) منها رواية صحيحة أخرجها الإمام أحمد : ( إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه )
 
والمراد منه أن من أدلَّة صحة الحديث وثبوته أن يكون وفق ما جاءت به الشريعة من المحاسن ، وأن يكون قريباً من العقول السليمة والفطر المستقيمة ، فإن جاء على غير ذلك كان دليلاً على عدم صحته ، وهذا هو الذي يقوله علماء الحديث عند الكلام على العلامات التي يعرف بها الوضع وليس هذا مجال بسطها .
 
نعم قد تقصر عقولنا عن إدارك الحكمة والعلَّة ، فلا يكون ذلك سبباً في إبطال صحة الحديث وحجيته ، فمتى ما ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجب علينا قبوله وحسن الظن به ، والعمل بمقتضاه ، واتهام عقولنا ، قال ابن عبد البر : كان أبو إسحاق إبراهيم بن سيار يقول : " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من فم القربة ، فكنت أقول : إن لهذا الحديث لشأناً ، وما في الشرب من فم القربة حتى يجيء فيه هذا النهي ؟ فلما قيل لي : إن رجلاً شرب من فم القربة فوكعته حية فمات ، وإن الحيات والأفاعي تدخل أفواه القرب علمت أن كل شيء لا أعلم تأويله من الحديث أن له مذهباً وإن جهلته ".
 
وأما الحديث الثالث : ( إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه ....) ، فهو حديث منقطع في كلتا روايتيه كما قال الشافعي و البيهقي و ابن حزم .
 
وعلى فرض صحته فليس فيه أيُّ دلالة على عدم حجية السنة بل المراد بقوله : ( في كتابه ) ما أوحى الله إليه - كما قال البيهقي - فإن ما أوحى الله إلى رسوله نوعان : أحدهما وحي يتلى ، والآخر وحي لا يتلى ، ففسَّرَ الكتاب هنا بما هو أعم من القرآن .
 
وقد ورد في السنة استعمال الكتاب في هذا المعنى في الحديث الذي رواه الإمام البخاري حيث قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم ردٌّ ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا إليها فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرُجِمت ، فجعل - صلى الله عليه وسلم -حكم الرجم والتغريب في كتاب الله ، مما يدُلُّ على أن المراد عموم ما أوحي إليه .
 
وحتى لو سلمنا أن المراد بالكتاب القرآن ، فإن ما أحلَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو حرمه ولم ينص عليه القرآن صراحة ، فهو حلال أو حرام في القرآن لقول الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }(16) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله ) رواه الترمذي وغيره .
 
وأما رواية : ( لا يمسكنَّ الناس عليَّ بشيء ...) ، فقد قال فيها الشافعي إنها من رواية طاووس وهو حديث منقطع .
 
وعلى افتراض ثبوتها فليس معناها تحريم التمسك بشيء مما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أو الاحتجاج به .
 
وإنما المراد أنه -صلى الله عليه وسلم - في موضع القدوة والأسوة ، وأن الله عز وجل قد خصَّه بأشياء دون سائر الناس فأبيح له ما لم يبح لغيره ، وحُرِّم عليه ما لم يُحرَّم على غيره ، فكان المعنى : لا يتمسكن الناس بشيء من الأشياء التي خصني الله بها ، وجعل حكمي فيها مخالفاً لحكمهم ، ولا يقس أحدٌ نفسه عليَّ في شيء من ذلك ، فإن الحاكم في ذلك كله هو الله تعالى ، فهو الذي سوى بيني وبينهم في بعض الأحكام ، وفرَّق بيني وبينهم في بعضها الآخر .
 
وبهذا يتبين أن الأحاديث التي استند إليها أصحاب هذه الشبهة منها ما لم يثبت عند أهل العلم ، ومنها ما ثبت ولكن ليس فيه دليل على دعواهم ، فلم يبق لهؤلاء الذين نابذوا السنة ، وتأولوا القرآن على غير وجهه - من حجة إلا اتباع الهوى ، وصدق الله إذ يقول :{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .(17)
 
الشبهة الخامسة :
 
خلاصة هذه الشبهة قولهم: إن السنة لم تكن شرعاً عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون سنته مصدراً تشريعياً للدين وما قال شيئاً أو فعله بقصد التشريع ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد بل كان مصدر التشريع عند الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن وحده وكذلك فهم الصحابة رضوان الله عليهم وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسنة وأنها مصدر من مصادر التشريع وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين حيث دخل فيه ما ليس منه واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر التي هي السنة النبوية وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك وهي :
 
1.أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم وحضهم على ذلك ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولاً كانت أو فعلا وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه )(18)
 
2. أن الصحابة رضوان عليهم عرفوا من النبي صلى الله عليه و سلم أن السنة ليست شرعاً فأهملوا كتابتها وحفظها رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.
 
3. أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم الخلفاء الراشدون كانوا يكرهون رواية الأحاديث ويحذرون منها وكان عمر رضي الله عنه يهدد رواة الحديث ويتوعدهم وقد حبس عمر بن الخطاب عدداً من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذاً لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.
 
الرد على الشبهة وتفنيدها :
 
يمكن أن نرد على هذه الشبهة في عدة نقاط :
 
1.أما قولهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة الحديث بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه وكان له صلى الله عليه وسلم كتبة القرآن فقول مبالغ فيه ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية فهو مصدر الدين الأول وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها : أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم فكتابته والإحاطة به أيسر وهم على ذلك أقدر أما السنة النبوية من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله عليه السلام وأفعاله اليومية وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها صلى الله عليه وسلم بينهم وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة رضوان الله عليهم ومنها : أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه ولا تجوز روايته بالمعنى أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى ويجوز في السنة أن يقول القائل : " أو كما قال " وما هو من قبيلها وليس ذلك جائزاً في القرآن ومنها : أن الكاتبين بين الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قلة وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معاً وإذا كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة فليكن المكتوب هو القرآن وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
 
وأما احتجاجهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها:
 
أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تكتبوا عني، ومـن كتب عني غير القرآن فليمحه ). هذا الحديث معلول أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد ". ولو صرفنا نظراً عن هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الإذن بها بل الأمر بها في أحاديث أخر ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس حيث ذكروا حديث النهي ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة منها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال “ إن الله حبس عن مكة القتل –أو الفيل الشك من البخاري وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون .. " ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لأبي شاة )(19)
 
ومنها : ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب (20). ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن بعض الصحابة حدثه فقال : إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعاً، فرجع عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق) (21) وهذه الروايات في الصحيح وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن “ وجدنا أبا بكر الخطيب رحمه الله (ت463هـ ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه السابق ذكره وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد وكذلك فعل غيره (22) بينما أحاديث الإذن كثيرة والصحيح منها كثير روينا بعضه ومنها : إضافة إلى ما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته :( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ) . (23)
 
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها :
 
أ.أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة أي أن المنع جاء أولاً ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وقد قالوا إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
 
ب.أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة أما في صحيفتين فمأذون به.
 
ج.أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
 
وهناك آراء غير ذلك لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع وهذا الذي رواه الجمهور.
 
وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة ويكثرون اللجاج به
 
2.أما قولهم إن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا من النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة ليست شرعاً فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها فهذا من الكذب والمكابرة والمطلع على المدونات في كتب السنة وتاريخ العلوم وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخاصة موقف الصحابة رضوان الله عليهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور. فقد كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم وأفعاله وحفظها والعمل بها بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحدث عنه البخاري بسنده المتصل إليه. يقول : " كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوماً فإذا نـزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك" وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعها والالتزام بها ...
 
وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم يروي البخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أن امرأة أخبرته أنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (كيف وقد قيل ؟ ) ففارق زوجه لوقته وتزوجت بغيره ..
 
وكان الصحابة رضي الله عنهم حريصين على أن يسألوا أزواج النبي رضوان الله عليهن عن سيرته وسنته في بيته وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
 
بل لقد بلغ من حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الالتزام بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك ثقة منهم بأن فعله صلى الله عليه وسلم وحي فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب ثم نبذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( إني لن ألبسه أبداً ) فنبذ الناس خواتيمهم ". (24)
 
وروى القاضي عياض في كتابه " الشفا " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم فلما قضى صلاته قال : ( ما حملكم على إلقاء نعالكم) ؟ قالوا : يا رسول الله رأيناك ألقيت نعليك، فقال : ( إن جبريل أخبرني أن فيهمــا قذرا) (25)
 
وأورد ابن عبد البر في “ جامع بيان العلم وفضله " عن ابن مسعود رضي الله عنه " أنه جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فسمعه يقول : ( اجلسوا ) فجلس بباب المسجد أي حيث سمع النبي يقول ذلك فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (تعال يا عبد الله بن مسعود)
 
إلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة رضوان الله عليهم على معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله والالتزام بها والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم كما فعل عبد الله بن مسعود ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة ونبذهم خواتيم الذهب ولم يكن ذلك إلا استجابة لله تعالى في أمره بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم والاقتداء به كما في قوله عز وجل :(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (26) ثم استجابة لرسوله صلى الله عليه وسلم في أمره الأمة باتباع سنته والالتزام بها كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( خذوا عني مناسككم ) (27) وقوله عليه الصلاة والسلام : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (28). وقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : ( من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) (29) وقوله صلى الله عليه وسلم ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة .. ) (30)
 
هذا قليل من كثير مما يبين موقف الصحابة رضوان الله عليهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موقف يتسم بالحرص الشديد والاهتمام البالغ على معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظها والالتزام بها بل وتبليغها إلى من يسمعها استجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نضر الله امرأ سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع ) (31)
 
ومن هذا يتبين مدى كذب أعداء السنة وأعداء الله ورسوله في ادعائهم الذي سلف ذكره.
 
3-وأما دعواهم بأن كبار الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون رواية الحديث وكان عمر رضي الله عنه يتهدد رواة السنة وأنه نفذ وعيده فحبس ثلاثة من الصحابة بسبب إكثارهم من رواية السنة فهذا كذب يضاف إلى ما سبق من دعاواهم الكاذبة وفيه جانب من التدليس الذي لا يخلو عنه كلامهم.
 
أما أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون رواية الحديث فهذا باطل والحق أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك لعظم المسؤولية ووعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من يكذب عليه في قوله عليه السلام ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) (32) ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم بين أمرين هم حريصون على كل منهما أولهما : تبليغ دين الله إلى من يليهم من الأمة ثانيهما : التثبت والتحري الشديد لكل ما يبلغونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك كان الواحد منهم يمتقع وجهه، وتأخذه الرهبة وهو يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصواب إذن أن الصحابة كانوا يهابون رواية الحديث بسبب شدة خوفهم من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الخطأ فيما يروون وليس كما يزعم هؤلاء أن ذلك لأنهم كانوا يرون السنة غير شرعية أو أنها ليست مصدراً تشريعياً.
 
أما دعوى حبس عمر رضي الله عنه ثلاثة من أصحابه هم : عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وأبو الدرداء رضي الله عنهم فهذه رواية ملفقة كاذبة، جرت على الألسنة وقد ذكرها البعض كما تجري على الألسنة وتدون في كتب الموضوعات من الأحاديث والوقائع فليس كل ما تجري به الألسنة أو تتضمنه بعض الكتب صحيحاً وقد تولى تمحيص هذه الدعوى الكاذبة الإمام " ابن حزم " رحمه الله في كتابه : “ الإحكام “ فقال :(وروي عن عمر أنه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء وأبا ذر من أجل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد أن طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع محصها شرعاً فقال : إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد لأنه لا يخلو : إما أن يكون عمر اتهم الصحابة وفي هذا ما فيه أو يكون نهى عن نفس الحديث وتبليغ السنة وألزمهم كتمانها وعدم تبليغها وهذا خروج عن الإسلام وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقول به مسلم ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين فلقد ظلمهم فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات أي الطريقين الخبيثين شاء " (33).
 
الشبهة السادسة :
 
و من شبهاتهم أيضا أن بين السنة والقرآن تعارضا في الكثير كما يزعمون أن السنة تتعارض فيما بينها ويرتبون على ذلك النتيجة التي قدموا لها بأنه لا داعي للأخذ بالسنة أي بالأحاديث النبوية .‏
 
الرد على هذه الشبهة :
 
إن علماءنا الأفاضل وقفوا أمام شبهة التعارض المزعومة هذه سواء كانت تعارضا مزعوما بين القرآن والحديث أو بين الأحاديث بعضها مع بعض ومن أمثلة التعارض الأول حسب زعمهم أي التعارض بين القرآن والسنة أن يأمر القرآن بقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة في قوله ( فاقرأوا ما تيسر من القرآن )‏ ثم يقول الحديث النبوي : "‏ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "‏ ‏ فنقول ببساطة شديدة أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون تعارضا أبدآ و لكنه تخصيص للعام و هذا الأمر من بديهيات علوم الشريعة فأمر القرآن عام خصصته السنة النبوية ومثله قول القرآن (‏ وأحل الله البيع وحرم الربا )‏ فهو عام في كل أنواع البيع لكن يجئ الحديث النبوي ليخصص أنواعا بعينها بطريقة بعينها في البيع فيقول :‏ "‏ الذهب بالذهب مثلا بمثل ويدا بيد والفضل ربا إلخ "‏ ولا تعارض لأن السنة وهى البيان التفصيلي لما يجمل في القرآن كما تصرح الآية (‏ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )‏ .‏
 
ومن النوع الثاني ‏ أي تعارض حديث مع حديث ما روى عن استحباب الوضوء بعد الأكل من طعام مسته النار مثل :‏ من أكل لحم جزور فليتوضأ وتوضأوا فيما مست النار ثم جاء الحديث الآخر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الوضوء مما مست النار فلا تعارض هنا ولكن الحديث الأخير غير الحكم في الحديث الذي سبقه فهو ما يسميه علماء الحديث النسخ أي تغيير المتأخر للحكم المتقدم ولا تعارض فيه ‏
 
ومسائل كثيرة قد تحدث شبهة كاستثناء الخاص من العام كقوله تعالى (‏ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )‏ ثم يأتي الحديث ليقيد حج النساء باشتراط أن يكون مع المرأة محرم "‏ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها "‏ فهذا استثناء للخاص من العام وأيضا لا تعارض فيه .‏
 
فهذه المسائل وغيرها قد عنى بدراستها وتوضيح ما يصنع الشبهة فيها عنى بها علماء السنة وأفردوا لها التصانيف المختلفة التي حولتها من مواطن اشتباه أو مآخذ كما يتلمس الكارهون إلى حيث أصبحت جميعها مصدر سعة وثراء ورفع للحرج عن الإنسان في التشريع الإسلامي يحسب له ولا يعاب عليه .
 
الشبهة السابعة :
 
إن حَمَلَةَ السنة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا جنودا للسلاطين والملوك في العصر الأموي والعباسي فكانوا يضعون لهم من الأحاديث ما يوافق رغباتهم ويثبت ملكهم.
 
الرد على هذه الشبهة :
 
ولقد أجاب الدكتور مصطفى السباعي على هذا الزعم الباطل في كتابه مكانة السنة في التشريع الإسلامي فقال: "إن أعداء الإسلام من غلاة الشيعة والمستشرقين ودعاة الإلحاد لم يصلوا ولن يصلوا إلى مدى السمو الذي يتصف به رواة السنة من الترفع عن الكذب حتى في حياتهم العادية بل ولن يصل أعداء الإسلام إلى مبلغ الخوف الذي استقر في نفوسهم بجنب الله خشية ورهبة، ولا مدى استنكارهم لجريمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال منهم من قال بكفر من يفعل ذلك وقَتْلِهِ وعدم قبول توبته إن أعداء الإسلام معذورون إذ لم يفهموا عن علمائنا هذه الخصائص لأنه لا يوجد لها ظل في نفوسهم ولا فيمن حولهم، ومن اعتاد الكذب ظن في الناس أنهم أكذب منه واللص يظن الناس لصوصا مثله وإلا فمن الذي يقول في قوم جاهروا بالإنكار على بعض ولاتهم لأنهم خالفوا بعض أحكام السنة وتعرض بعضهم للضرب والإهانة والتنكيل في سبيل الجهر بكلمة الحق من يقول: إن هؤلاء استباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفوا إلى سنته أحكاما لم يقلها".ا هـ
 
نعم إن قوما لم يحابوا في حكمهم على الرجال أحدا لا أبا ولا ابنا ولا أخا ولا صديقا ولا شيخا إن ذلك لَعُنوَانُ صدق ديانتهم ونزاهتهم وأمانتهم وعنوان إجلال الحفاظ للسنة النبوية الشريفة وأنها عندهم أغلى من الآباء والأجداد والأولاد والأحفاد فكانوا مضرب المثل في الصدق والتقوى والأمانة.
 
وهاك أمثلةً على نزاهتهم في حكمهم على الرجال :
 
1- المُجَرِّحُونَ لآبائهم:
 
الإمام علي بن المديني سئل عن أبيه فقال: "سلوا عنه غيري" فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: "هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ".
 
2- المجرحون لأبنائهم:
 
الإمام أبو داود السجستاني "صاحب السنن" قال: "ابني عبد الله كذاب". ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة: "إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه".
 
3- المجرحون لإخوانهم:
 
زيد بن أبي أنيسة قال: "لا تأخذوا عن أخي يحيى المذكور بالكذب".
 
4- المجرحون لأصهارهم وأختانهم:
 
شعبة بن الحجاج قال: "لو حابيت أحدا لحابيت هشام بن حسان كان خَتَنِي، ولم يكن يحفظ".
 
5- المجرحون لبعض أقاربهم:
 
أبو عروبة الحراني: "قال الذهبي في ترجمة الحسين بن أبي السري العسقلاني: "قال أبو عروبة: هو خال أمي، وهو كذاب".
 
6- ومن الذين لم يحابوا مشايخهم:
 
روى الإمام ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما فقال: قد رضيت بالأحول يعني: يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة وهو شيخه ومنه تعلم وبه تخرج، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك - أو من له مثل نقدك - يا أحول؟!
 
قال ابن أبي حاتم:هذه غاية المنزلة ليحيى بن سعيد القطان إذ اختاره شيخه شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة شيخه ومعلمه".
 
وبلغ من نزاهة أئمة الحديث أنهم كانوا لا يقبلون شفاعة إخوانهم للسكوت عمن يرون جرحه وكيف يرتضون تلك الواسطة وهم الذين طعنوا في أبنائهم وآبائهم وإخوانهم لما رأوا منهم ما يستوجب القدح.
 
أما عن موقف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام من ملوكهم وأمرائهم فالنماذج المشرفة الدالة على ذلك كثيرة فمنها على سبيل المثال لا الحصر موقف أبي سعيد الخدري من مروان والي المدينة، وموقـف ابن عمر من الحجاج وموقف الإمام الزهري مع هشـام بن عبد الملك الأموي وغيرهم الكثير و الكثير .
 
الشبهة الثامنة :
 
وهذه الشبهة هي إختلاف المحدثين في التوثيق والتضعيف .
 
لقد اعتبر الطاعنون اختلاف علماء الحديث في توثيق الرجال وتضعيفهم مطعنا في منهجهم، ويلزم من ذلك أن يوثقوا من لا يستحق التوثيق، ويضعفوا من لا يستحق التضعيف، وينتج عنه تصحيح أحاديث لم تبلغ درجة الصحة، ولذلك حكموا على كثير من الأحاديث بالصحة وهي ليست كذلك.
 
الرد على هذه الشبهة :
 
ما وضعه علماء الحديث من قواعد وأصول ثابتة لتوثيق الرواة وتضعيفهم ينفي ما قالوا، ولم ينطلقوا رحمهم الله في تعديل الرواة وتجريحهم من هوى، وإنما كانوا يفعلون ذلك حسبة لله وتدينا، ولذلك كثر قولهم: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
 
ولقد قام علم عظيم وضعت له القواعد وأسست له الأسس، وجعل مقياسا دقيقا ضبطت به أحوال الرواة من حيث التوثيق والتضعيف، ذلك "علم الجرح والتعديل" الذي لا نظير له عند أمة من الأمم.
 
والذي يطالع كتب علوم الحديث يقف مبهورا أمام هذا العلم فائقِ الدقة، البالغ الإحكام، الذي لا يمكن أن يكون وضع صدفة أو جاء عفوا، وإنما بذلت فيه جهود، وتعبت فيه أجسام، وسهرت فيه أعين حتى بلغ إلى قمة الحسن ومنتهى الجودة.
 
ونتناول من هذا العلم ثلاثة أسئلة يتضح من خلالها فساد هذا الزعم وبطلانه.
 
أولا: من هو الراوي الذي يقبل حديثه؟.
 
ثانيا: كيف يوثق؟.
 
ثالثا: إذا تعارض فيه توثيق وتضعيف، ما العمل إذا؟ وما الذي أدى إلى ذلك؟.
 
والجواب على هذه الأسئلة:
 
أولا: لقد نص علماء الحديث على صفات معينة متى توفرت تلك الصفات في شخص معين قبلت روايته واحتج بحديثه.
 
قال ابن الصلاح - رحمه الله: "وأجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه. وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني".
 
فهذا هو الثقة الذي تقبل روايته وهو الذي جمع بين شرطي العدالة والضبط. ثانيا: يوثق الراوي إذا ثبتت عدالته بالاستفاضة، أو باشتهاره بين أهل العلم بالثناء والخير، أو بتعديل عالم أو أكثر، وثبت ضبطه بموافقة روايته للثقات المتقنين في الغالب.
 
ويقبل تعديل الراوي ولو لم يذكر سببه وذلك لكثرة أسباب التعديل ومشقة ذكرها.
 
وأما جرحه فلا يقبل إلا إذا بين سببه؛ لأن الجرح يحصل بأمر واحد، ولا مشقة في ذكره، إضافة إلى اختلاف الناس في أسبابه.
 
ثالثا: إذا تعارض جرح وتعديل في راو معين قدم الجرح إذا كان مفسرا ولو زاد عدد المعدلين، وعلى ذلك جمهور العلماء؛ لأن مع الجارح زيادة علم خفيت عن المعدل، فالمعدل يخبر عن ظاهر حال الراوي، والمجروح يخبر عن أمر باطن، وهذا شرط مهم؛ فإنهم لم يقبلوا الجرح إذا تعارض مع التعديل إلا إذا كان مفسرا، وهذا ما استقر عليه الاصطلاح.
 
يقول الدكتور نور الدين عتر:
 
"لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في تقديم الجرح، فقد وجدناهم يقدمون التعديل على الجرح في مواطن كثيرة، ويمكننا أن نقول: إن القاعدة مقيدة بالشروط الآتية:
 
1ـ أن يكون الجرح مفسرا، مستوفيا لسائر الشروط.
 
2ـ ألا يكون الجارح متعصبا على المجروح أو متعنتا في جرحه.
 
3ـ أن يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بالدليل الصحيح.
 
وهذا يدل على أن اختلاف ملحظ النقاد يؤدي إلى اختلافهم في الجرح والتعديل، لذلك قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". وهذا؛ لأن الثقة إذا ضعف يكون ذلك بالنظر لسبب غير قادح، والضعيف إذا وثق يكون توثيقه من الأخذ بمجرد الظاهر.
 
وقال الحافظ ابن حجر: "والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة ولكن محله إن صدر مبينا من عارف بأسبابه؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدم فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضا، فإن خلا المجروح عن تعديل قُبل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجروح أولى من إهماله".
 
كما أنه يجب أن يراعى عند الاختلاف حال المعدل والمجرح؛ لأن ذلك من القرائن التي يرجح بها عند الاختلاف في التوثيق والتضعيف.
 
قال الإمام الذهبي مبينا أقسام المتكلمين في الرجال من حيث التعنت والتوسط والاعتدال في الجرح والتعديل:
 
1ـ قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، وهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون.
 
2ـ وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون.
 
3ـ وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي: معتدلون منصفون.
 
وبعد فعلماء الحديث لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم، وتصحيحهم وتضعيفهم من خواء وتخبط، وإنما انطلقوا من قواعد متينة وأرض صلبة، في أحكامهم؛ ولذلك برزت هذه الأحكام إلى الوجود في منتهى الدقة، متفقة فيما بينها، متحدة لا شذوذ فيها، منسجمة لا تباين يعتريها، ويعجز كل دعي أن ينقد ما أصلوه بنقد علمي لا مطعن فيه، وبحكم لا قادح فيه.
 
وهذه شهادة أحد المستشرقين أنفسهم ينقلها الدكتور نورالدين عتر في هذه المسألة وهو (ليوبولد فايس) قال: "إننا نتخطى نطاق هذا الكتاب إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون الأوائل يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي من أجل ما نحن هنا بصدده أن نقول: إنه نشأ من ذلك علم تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول، وشكلها، وطريقة روايتها.
 
ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذكروا عن أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماما مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة. فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه أو على الحديث جملة، فإن عليه هو وحده أن يثبت ذلك".

عدد مرات القراءة:
3256
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :