مسألة مهمة تخص شخص أنبياء الله عز وجل وأوليائه
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداَ عبده ورسوله. أما بعد، لا يجوز في شرع الله عزوجل الإسلام كتاباً وسنةً أن يتعرض أحد ما إلى أنبياء الله عزوجل وأوليائه بقول الفحش فيهم وسوء الأدب معهم، لا سيما أنبيائه وعلى رأسهم خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن أوليائه أصحاب نبينا رضي الله عنهم أجمعين سواء من أنفق منهم قبل الفتح وقاتل أو من أنفق من بعد الفتح وقاتل حيث انهم جميعاَ قد وعدهم الله عزوجل الحسنى كما في قوله تعالى: ( ... لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ..)[الحديد : 10]). وكذا زوجات نبينا محمد صلى الله عليه وآله سلم أمهات المؤمنين لا سيما عائشة وحفصة رضي الله تبارك وتعالى عنهن، فضلاَ عن أن يُنكر ما لهم جمعياَ من حق وفضل ومقام سامي عند الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في شرع الإسلام ويُكفرهم ويُفسقهم ويلعنهم والعياذ بالله. فلا يستغل ما جاء في شرع الإسلام من نصوص ليسيء الأدب معهم إلا المبغض لهم الذي يحمل في صدره غيضاً وغلاً تجاههم. فمثلاَ لا يستغل قول الله عزوجل على لسان نبيه يونس عليه الصلاة والسلام : (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء : 87]، ليسيء الأدب مع نبي الله عزوجل يونس عليه الصلاة والسلام ويطعن فيه وينعته بأنه ظالم أو أنه كان من الظالمين إلا زنديق ملحد يحمل في صدره غيضاَ وغلاَ تجاه أنبياء الله عزوجل والعياذ بالله، وأما المسلم فإنه يعلم أن نعت نبي الله يونس لنفسه عليه الصلاة والسلام بأنه كان من الظالمين أو أنه ظلم هو من شدة معاتبته لنفسه من أنه فعل أمراَ لا ينبغي له فعله فوجد منه شدة في نفسه فراح ينعت نفسه بأنه كان من الظالمين، وهذا معلوم عن حال ومقال أهل الإيمان والتقوى من أنهم يعاتبون أنفسهم بألفاظ فيها تصغير وإذلال للنفس أمام ما يجدونه في أنفسهم من أنهم قد قصروا في أمر أو حكم من أوامر وأحكام الله عزوجل يعظمونها في أنفسهم لذا يعاتبون أنفسهم عليها بهذه العبارات والألفاظ سواء كان هؤلاء أهل الإيمان والتقوى أنبياء لله عزوجل أو أولياء. فهذه مثلاً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تنعت نفسها فتقول كما في مسند الإمام أحمد رحمه الله رواية رقم (26226) " .. فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي " فلا يستغل هذا النص ليسيء الأدب مع أم المؤمنين رضي الله عنها ويطعن فيها وينعتها بأنها سفيهة إلا زنديق يحمل في صدره غيضاَ وغلاَ تجاهها والعياذ بالله، وأما المسلم فإنه يعلم أن نعتها لنفسها بقولها رضي الله عنها " من سفهي " هو من شدة معاتبتها لنفسها من أنها فعلت أمراَ لا ينبغي لها أن تفعله فوجدت منه شدة في نفسها فراحت تنعت نفسها بقولها "من سفهي"، لأن النوح منهيٌ عنه شرعاَ. وأما بيان ما جاء في هذه الرواية " وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي " هو أحد أمرين : الأول : إما أنها كانت تعلم بالنهي عن النوح ولكن من شدة حزنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم نسيته فراحت تلتدم وتضرب وجهها مع النساء فلما تنبهت له فيما بعد نعتت نفسها بقولها " من سفهي ". الثاني : أنها كانت لا تعلم بالنهي أصلاَ وعلمت به مؤخراَ فلما علمت به نعتت نفسها بقولها " من سفهي " وهذا ممكن لأنه ليس شرطاَ أن تكون سمعت كل ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وان كان زوجها فكم من رواية يرويها غيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ترويها هي، وهذا لا يقدح في كونها أعلم النساء أو حتى أعلم من بعض الرجال من الصحابة فيما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وهو أبو موسى الأشعري يقول " ما أشكل علينا ــ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أمراَ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماَ " صحيح الترمذي للألباني. إذاً من واجب المسلم شرعاً التأدب معها والترضي عنها رضي الله عنها وأرضاها. مثال تقريبي للأذهان على ماسبق : قد تجد شخصاَ ذكياَ معروف بالذكاء ينعت نفسه في أحد المواضع بأنه غبي حيث فعل أمراَ لا ينبغي له أن يفعله فهل تنعته بالغباء وتقول عنه بأنه شخصٌ غبي وتنسى ذكائه وتضرب عنه صفحاً؟ فهل هذا من الإنصاف في شيء؟ أليس من الإنصاف أن لا تنعته أنت بذلك ولو نعت نفسه به؟ إذاً لماذا نعت هذا الشخص نفسه وهو المعروف بالذكاء بأنه غبي؟ الجواب : لأنه صدر منه أمراً رآه يتصادم مع ذكائه المعهود عنه فوجد منه شدة في نفسه فراح يعاتب نفسه بشدة وينعتها بالغباء عندما فعل أمراَ ما كان له أن يفعله. لذا أقول : لا تجد مسلماَ يحمل في صدره تجاه أنبياء الله عزوجل وأوليائه غيضاً أو غلاً أبداً فإن هذا من المحال، فلا يحمله في صدره تجاههم إلا زنديق ملحد. فالمسلم لا يخوض بالشر في مثل هذا الأمر ولا في غيره من الأمور التي تخص شخص أنبياء الله عزوجل لا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا في التي تخص شخص أولياء الله عزوجل لا سيما الصحابة وأمهات المؤمنين زوجات رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم. فيعرف ويحفظ لأنبياء الله عزوجل نبوتهم ورسالتهم وإسلامهم وإيمانهم وتقواهم وطاعتهم وعبادتهم لله عزوجل ويعرف ويحفظ قدرهم ومنزلتهم الرفيعة السامية عنده سبحانه وتعالى ويعرف شخصهم الطيب الطاهر من درن الشرك والكفر والبدع والباطل والضلال، وهكذا يعرف ويحفظ لأولياء الله عزوجل إسلامهم وإيمانهم وتقواهم وطاعتهم وعبادتهم لله عزوجل ويعرف ويحفظ قدرهم ومنزلتهم الرفيعة السامية عنده سبحانه وتعالى بعد أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ويعرف شخصهم الطيب الطاهر من درن الشرك والكفر والبدع والباطل والضلال، وعلى رأس أولياء الله عزوجل من ذكرناهم آنفاَ رضي الله عنهم. فها هو أحد السلف وهو أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يجيب بقوله فيما يروى عنه، عن سؤآل وجه له عن الذي جرى بين أولياء الله عزوجل من الصحابة الكرام العظام رضي الله عنهم أجمعين في صفين والجمل "ما رأيك في أهل الجمل وأهل صفين؟ قال : تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر من أعراضهم ألسنتنا؟" فلا يخوض المسلم في شخص أولياء الله عزوجل إلا بالخير ويكف لسانه عن قول الشر فيهم وفيما جرى بينهم عن طريق الفعل كيوم صفين والجمل فيبحث عن تأويل لذلك ما استطاع إليه سبيلا ليعذر به الجميع لأنه يعلم بقول الله سبحانه وتعالى ويفقهه جيداَ (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات : 9]، وهكذا الحال مع ما جرى بينهم عن طريق القول كقصة خالد بن الوليد حين سب عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي"، وقصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع شخص عيره بأمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: "يا أبا ذر إنك امروؤ فيك جاهليه". فلا يستغل هذا النص اليوم ليقول عن هذا الصحابي الجليل أبوذر رضي الله عنه أن أبوذر فيه جاهلية أو أنه من أهل الجاهلية إلا زنديق، فالذي ينبغي للمسلم شرعاً أن يسلكه في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل تجاه شخص أولياء الله عزوجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين الذين زكاهم وعدلهم وأثنى عليهم الخير وامتدحهم وأثبت إيمانهم وتقواهم وطاعتهم وعبادتهم الله رب العالمين في كتابه القرآن العظيم ورسوله الأمين في سنته الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم هو الإلتزام بهذا الذي جاء في شأنهم من التعديل والمدح والثناء والترضي عنهم جميعاَ والكف عما جرى بينهم وعدم الخوض فيهم بالشر والبحث عن تأويل فيما جرى بينهم من قول أو فعل مما سبق ذكره آنفاً ليعذر به الجميع رضي الله عنهم أجمعين. فأما وجود من يحمل في صدره غيضاً وغلاً تجاههم بعد هذا التعديل والمدح والثناء والرضا من الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإننا نقول له ولمن على شاكلته: من أنتم حتى حشرتم أنوفكم بين أولئك الأولياء لله عزوجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين فجرحتم وعدلتم وتكلمتم فيهم بما لا تطيقون حمله في الآخرة؟ فما هو مقامكم ومنزلتكم ووزنكم أمام هؤلاء الأولياء في ميزان الله عزوجل ؟ الجواب: لا شيء، وكما نقول عنكم دائماَ وأبداَ (صفر على الشمال). فعلى المسلم أن يحرص كل الحرص في أن يعلم قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر : 10]. والحمد لله رب العالمين .
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video