الكاتب : عبدالرحمن بن آدم ..
وظيفة العقل وحدوده الخلقي والشرعي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد،
لقد خلق الله عزوجل العقل وجعل من وظيفته الإدراك وجعل لإدراكه حداً لا يمكنه تجاوزه، كما وجعل له ما يعينه على الإدراك كالسمع والبصر واللمس والذوق، فإدراك العقل بذاته المجرد يقع فيه نقص.
ولتوضيح هذا، نضرب هذا المثال:
العقل يدرك أن هناك من يطرق الباب بالسمع ولكن لا يمكنه إدراك إن كان الطارق رجلاً أم إمرأة؟ وإذا فتح الباب أدرك جنسه، ولكن قد يحدث له أحياناً أن يظن أن الطارق رجل من خلال السمع وإذا بالطارق إمرأة من خلال البصر بعد فتح الباب.
إذاً قد يخفى على العقل حقائق الأمور من خلال السمع حتى ينظر إليها احياناً وقد يخفى عليه من خلال السمع والبصر معا حيناً آخر حتى يخبر عنها عن طريق خبر ثقة موثوق به وبخبره. فالإنسان لا يدرك حقائق الأمور بالعقل المجرد أبدا من دون إعانة النقل ، إضافةً إلى حواسه كالسمع والبصر واللمس والذوق.
فالإنسان مثلاً يدرك بعقله أن لهذا الكون إله بناءً على الفطرة، وقد سئل أعرابي عن دليل وجود الله عزوجل فقال: "الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل على السميع البصير؟" . وقد قال أبي العتاهية: "وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد " .
وهذا لا يخفى أنه من إعانة البصر للعقل على الإدراك من خلال النظر إلى تلك الآيات الكونية، ولكن هل يمكن للإنسان أن يدرك أن الله عزوجل واحد لا شريك ولا صاحبة ولا ولد له بعقله المجرد؟
الجواب: لا شك ولا ريب في أنه لا يدرك ذلك بعقله المجرد وإنما يدركه بإخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم له بالنقل، أي بتصوص الكتاب والسنة.
إذاً العقل لا ينفرد في إدراك مسائل الشرع بذاته، فلا بد له من الرجوع إلى النقل لإدراكها من خلال التعقل والتدبر والتفكر والتأمل والتذكر عملاً بقوله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر : 17]. أي فهل من يعمل عقله في تدبرها وفهمها.
إذاً وظيفة العقل فهم وإدراك وتعقل وتدبر وتذكر النقل والتأمل والتفكر فيه، فهذا هو الوجه الشرعي الصحيح من إتباع العقل للنقل، فليس من وظيفة العقل أن يُقدّم على النقل فإنه لم يخلق لذلك وإنما خلق ليكون تبعاً مطاعاً للنقل أي لكتاب الله عزوجل ولسنة رسول الله الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم فهذا العقل يسمى بالعقل السليم خلقةً وشرعاً.
وأما العقل الذي يريد صاحبه من النقل أن يكون تبعاً ومطاعاً له فإنه عقل سقيم كصاحبه.
فالعقل إياك أن تحمله ما لا يطيق حتى لا يحملك ما لا تطيق.
فالإنسان لا يعتمد في إدراك المسائل على عقله المجرد دون النقل لأنه من الممكن أن يأخذ منه عقله ويصاب بالخلل فيه كما لا يعتمد في كسب الرزق على عقله المجرد ويديه ورجليه المجردتين دون الرازق سبحانه وتعالى، لأنه من الممكن أن تأخذ منه يديه ورجليه فيكون مقعدا مصاب بالشلل.
فليحذر الإنسان المسلم المؤمن من مشابهة إبليس وأتباعه في تقديم العقل. حيث أنه قدم عقله على كلام وأمر ربه فقاس قياساً مذموماً وامتنع من السجود فاحتج فقال: (... أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)[الأعراف : 12]. فأنظر كيف أراد لعقله أن لا يكون تابعاً، فراح يحمله ما لا يطيق حتى حمله عقله ما لا يطيق وهو لعن الله عزوجل له وطرده من رحمته إلى يوم الدين وجعله من أهل النار والعياذ بالله.
وقد سار على نهج إبليس في تقديم العقل على النقل أتباعه من اليهود حيث زين لهم إبليس سوء عملهم من تقديم العقل على النقل حتى دفع بهم إلى تحريفه بعد أن نزع من صدورهم قدسيته وإجلاله وتعظيمه فرأوا عملهم هذا بما أوحى إليهم عقولهم حسناً، قال الله سبحانه وتعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ..) [فاطر : 8]."
فهذا ما جنوه من تقديم العقل على النقل إبتداءً حتى إنتهى بهم الأمر إلى نهاية شنيعة لاتحمد عقباها، والعياذ بالله.
وهكذا حتى جاء من سار على نهج إبليس وأتباعه من اليهود فقدم العقل على النقل حذو القذة بالقذة وهم علماء الشيعة الاثني عشرية. فلما اتبعوا آباءهم الأوائل من السبئية الرافضة أتباع اليهودي عبدالله بن سبأ وقالوا بقولهم في الإمامة، توسعوا حتى ادعوا في شأنها ادعاءات من وحي عقولهم وادعوا أن القرآن العظيم قد نص عليها فعند خلو آيات وسور القرآن العظيم مما ادعوه رأوا أن القرآن العظيم لا يسعفهم قاموا برفضه ورده وإهماله وتجاهله واتخاذه عدوا لهم فعادوه بالطعن فيه والعمل على تحريفه بادعاء أن هناك آيات وسور في إمامة علي رضي الله عنه وأولاده قد حذفت منه.
فهذا ما جنوه من تقديم العقل على النقل حتى دفع بهم إلى نهاية شنيعة كاليهود لا تحمد عقباها، والعياذ بالله.
وللفائدة والمزيد، أنظر كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (درء تعارض العقل والنقل) ويعرف أيضاً في اوساط أهل العلم بعنوان: (بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول).