الكاتب : عبدالرحمن بن آدم ..
بين الباب والجدار روايات لا تصح هذار
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد،
فعندما تقرأ في كتب الشيعة الاثني عشرية التي تتحدث عن ما يسمونها في أوساطهم بمظلومية الزهراء، يقولون: أن عمر رضي الله عنه ظلمها وكسر ضلعها وأسقط جنينها بين الباب والجدار مستندين في ذلك على روايات لا تصح هذار.
ولا أدري لماذا هذا التكرار لما يسمونها بمظلومية الزهراء؟ وهي حادثة لم تقع أصلاً، حيث لم يصح فيها من الآثار والأخبار شيئاً.
وقد فصل الكلام في الموضوع "فيصل نور" تحت عنوان " ضلع الزهراء " تحت هذا الرابط:
https://www.fnoor.com/main/articles.aspx?article_no=5597
أقول: ليس علماء أهل السنة والجماعة وحدهم الذين قالوا بأنها روايات لا تصح، بل يستشكل العديد من علماء الشيعة على ماجاء في هذه الروايات من إعتداء عمر رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها وعلي رضي الله عنه جالس في بيته ولم يحرك ساكنا، فهذا محمد حسين فضل الله يقول: أنا لا أتفاعل مع هذا، لأنَّ محبّة المسلمين للزهراء (عليها السلام) كانت أكثر من محبّتهم لعليّ وأكثر من محبّتهم للحسن والحسين وفوقها محبتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قلت إنّه من المستبعد أن يُقدِم أحد على فعل ذلك، مع الإقرار بوجود نوايا سيئة ومبيتة، ليس لبراءة فلان من الناس، بل خوفاً من أن يهيّج الرأي العام الإسلامي. وفي هذا المجال، هنا روايات مختلفة، فبعضهم يقول: دخلوا المنزل، والبعض الآخر يقول: لم يدخلوا، فقلت: أنا أستبعد ذلك ولا أتفاعل مع الكلمة نفسها، وضجّت الدنيا وانقلبت السماوات على الأرض، وبدأت تُنسج الأقوال وتتفشّى عند البعض.
وقال أيضاً: ولذلك فقد أجبت عن سؤال حول الموضوع أن السند محل مناقشة في بعض ما ورد، ولكنه أمر ممكن... ). وقال في جوابه الثاني: (وقد رأيت أن كثيرا من علمائنا رووا هذه الروايات في كتبهم بحيث أنه إذا ناقش البعض في سندها فإن عمل العلماء مع الشهرة التي تصل بالقضية إلى مستوى التسالم وضروريات المذهب قد يجبر هذا الضعف... وهكذا وردت روايات متعددة حول كسر الضلع ونحوه من الفضائع). وقال: وسئلت عن كسر ضلع الزهراء فقلت آنذاك: إن الرواية - حسب اطلاعي - الواردة في هذه القضية ضعيفة، وقلت: إن التحليل التاريخي يجعل الانسان متحفظا في هذا الموضوع... لان المسألة أنني أثرت علامة استفهام وأبديت بعض التحفظات من أجل إثارة البحث حولها خاصة وان ما نعرفه من جمهور المسلمين الشيعة - في احتفالاتهم بالزهراء عليها السلام - أنهم يتحدثون عن ذلك بشكل يوجب الثقة حتى بالحديث الضعيف وان المسألة يقينية لا تحتمل الخلاف أبدا مع العلم إن الاخذ بالحديث الضعيف إذا عمل به المشهور محل كلام عندهم، فالمرحوم آية الله السيد الخوئي كان يرى أن عمل المشهور من الناس لا يجبر ضعف الخبر الضعيف. مع أن البعض يرى أن يجبر ضعفه... وأحب أن أوكد أن مسألة كسر ضلع الزهراء وعدمه وإسقاط جنينها وعدمه هي من المسائل التاريخية، فلا تمس أصل التشيع ولا الشريعة الاسلامية... ). وقال في العدد 18 من نشرة (فكر وثقافة) بتاريخ 19/ 10 / 1996 م: (أما مسألة ما أثير من كسر الضلع فأنا لم أنفه بل رسمت علامة استفهام كما رسم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء علامة استفهام، وكما رسم السيد عبد الحسين شرف الدين على ما أنقله، ونحن نشكر من يجيب على علامات الاستفهام التي رسمناها، ثم أنني بينت لكم مرارا أن القضية ليست من اهتماماتي، بل أزيدكم أن لدي مجلسا في بيروت كل أربعاء ولقد جاء أحد الخطباء وقرأ حول كسر الضلع وقلت له: طيب الله أنفاسك، فلا مشكلة عندي في ذلك، ولكن بعض الناس يحملون السلم بالعرض) - أنظر: حوار مع فضل الله حول الزهراء، لهاشم الهاشمي، 281 ، وشاهد أيضاً الفيديو المرفق.
ويقول آل كاشف الغطاء وهو من كبار علماء الشيعة: إن السجايا العربية، والتقاليد الجاهلية، التي ركزتها الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييداً، وتأكيداً: تمنع بشدة ضرب المرأة، أو تمد إليها يد سوء، حتى إن بعض كلمات أمير المؤمنيين ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في أعقابه ونسله. - جنة المأوى، لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، 135
وهذا الخوئي سئل: هل الروايات التي يذكرها خطباء المنبر، وبعض الكتاب عن كسر (عمر) لضلع السيدة فاطمة (عليها السلام) صحيحة برأيكم؟ فأجاب: الخوئي: ذلك مشهور معروف، والله العالم. - صراط النجاة (تعليق الميرزا التبريزي)، للخوئي، 3/ 314
ورده واضح ويشير إلى أنه ليس من المتيقنين بالمسألة، لذا ذهب بعض الشيعة إلى أن قول الخوئي هذا دليل على أنه لم يحكم بصحة رواية كسر الضلع. - أنظر: مرجعية المرحلة وغبار التغيير، لجعفر الشاخوري، 77
وكذلك ذهب الحسني إلى أن كثير من المرويات (في موضوع الباب) لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي. - سيرة الأئمة الإثني عشر، لهاشم معروف الحسني، 131
وكان محسن الفضلي وهو من كبار تلامذة الآخوند والميرزا النائيني يستنكر على قراء العزاء عندما يتحدثون بطريقة سلبية عن الزهراء حيث يقول لهم: يخسأ فلان وغيره من أن يمس الزهراء (ع). - مرجعية المرحلة وغبار التغيير، لجعفر الشاخوري، 75
إذاً ليس مبتغى الشيعي ما يسميه بــ "مظلومية الزهراء" وإنما مبتغاه التشفي من الفاروق عمر رضي الله عنه فحسب ليتسنى له سبه ولعنه ورميه بالكفر والنفاق والعياذ بالله مع علمه أنه لا يصح فيما يسمونها بمظلومية الزهراء شيء من الآثار والأخبار على لسان علماء السنة وبعض الشيعة.
وأما ما جاء في مصنف إبن أبي شببة رحمه الله الذي يدندنون حوله من رواية زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم: أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله ما أحد أحب إلينا من أبيك، وما أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي ان اجتمع هؤلاء النفر عندك، إن أمرتهم أن يحرّق عليهم البيت، فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم الله ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم، ولا ترجعوا إلىّ، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر " - المصنف - ابن أبي شيبة الكوفي 8 /572
أقول: هل يسلّم الشيعي لما جاء في الرواية من أن علياً رضي الله عنه سمع بتهديد عمر رضي الله عنه ثم ذهب وبايع؟
فإن كان يسلّم بهذا، فإنه يناقض ويعارض ما قالوه في حق علي رضي الله عنه من أنه لم يسكت عن مظلومية زوجته الزهراء حيث أخذ بتلابيب عمر وطرحه أرضاً، وهو القائل عن نفسه: "والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت" - نهج البلاغة، 3/ 72، وكذلك قوله لابنه الحسن: ما يبالي أبوك أوقع على الموت أم وقع عليه الموت. - المسترشد في إمامة أمير المؤمنبن، لإبن جرير الطبري (الشيعي)، 367
وإن كان لا يسلّم فإن الرواية إذن لا تسعفه ولا يستقيم له الاستدلال بها ولا يصح لأنها تحتوي على ما يعارض ويناقض اعتقاد الشيعي في علي رضي الله عنه من أنه شجاع لا يخاف ولا يهاب أحداً، فكيف يخاف من تهديد عمر رضي الله عنه ويهابه ثم يذهب ويبايع، إلا إذا كان هذا الشيعي يعمل بميزان الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر، فهذا أولا.
ثانيا: نجيب عن الرواية متناً أنه ليس فيها كسر أضلاع ولا حرق أبواب أو بيوت ولا إسقاط أجنة، بل فيها بيعة علي للصديق، ورضا فاطمة عنه وعن عمر رضي الله عنهم أجمعين. وهذا أمراً لا يسر الشيعة.
نعم بين الباب والجدار روايات لا تصح هذار.