زيّ العجم
وقد كتب عمر إلى من كان مع عتبة بن فرقد بآذربايجان : « .. وإياكم والتنعم ، وزيّ العجم» (السنن الكبرى ج10 ص14 والمصنف للصنعاني ج11 ص86 ). وليس ذلك لاجل أن في ذلك تشبهاً للمسلم بغير المسلم ، فانه لم يكن بينهما هذا التمايز الواضح في الزي ، بحيث يعدّ هذا زيّ مسلم ، وذاك زيّ كافر ، فإن الناس كانوا يتوافدون على الدخول في الاسلام من جميع الامم ، وما كانوا يؤمرون بتغيير زيّهم إلى زيّ آخر خاص بالمسلمين.. بل لقد ادعى ابن تيمية : ان الشريعة حين تنهى عن مشابهة الاعاجم ، دخل في ذلك الاعاجم الكفار والمسلمون معاً (راجع : اقتضاء الصراط المستقيم ص162) الجـــــــواب وفي مسلم عن أبي عثمان النهدي قال : كتب إلينا عمر رضي الله عنه يا عتبة بن فرقد إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا كد أمك فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك ، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ، ولبوس الحرير وهو في مسند أبي عوانة الإسفراييني وغيره بإسناد صحيح كما في الفروع : أما بعد فاتزروا وارتدوا ، وألقوا الخفاف والسراويلات ، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، وإياكم والتنعم وزي الأعاجم وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب ، وتمعددوا ، واخشوشنوا ، واخلولقوا ، واقطعوا الركب وانزوا وارموا الأغراض . وبين أبو عوانة في صحيحه من وجه آخر سبب قول عمر ذلك . فعنده في أوله أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خبيص عليها اللبود ، فلما رآه عمر قال : أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا ؟ قال : لا قال عمر : لا أريده ، وكتب إلى عتبة إنه ليس من كدك الحديث . غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب محمد بن أحمد بن سالم السفاريني هذا يؤكد مدى حرص الخليفة الراشد عمر الفاروق على حماية الهوية الإسلامية، والشخصية الاجتماعية للأمة، خاصة بعد الفتوح العظيمة في عصره لفارس والروم، وحرصه على تميز المسلمين حتى لا يذوبوا في الأمم الأخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان عناية عمر في هذا الأصل (وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس (إياكم وزي أهل الشرك)[64] وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين ..وفيه أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية وهي زي بني معد بن عدنان وهم العرب فالمعدية نسبة إلى معد ونهى عن زي العجم وزي المشركين وهذا عام كما لا يخفى وقد تقدم هذا مرفوعا[65].... وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا فلم يفر عبقري فريه حتى صدر الناس بعطن فأعز الله به الإسلام[66] ..ومما يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك، لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى).[67] -*---- [64] اقتضاء الصراط المستقيم ص125. الحديث رواه البخاري رقم 5490 مختصرا لم يسق هذا اللفظ، ومسلم في الصحيح ح رقم 2069 مطولا وهذا لفظه. [65] اقتضاء الصراط المستقيم ص 126 وانظر حاشية رقم 56 .ففيها تخريح للحديث. [66] اقتضاء الصراط المستقيم ص 127 وهذا حديث ابن عمر عند البخاري رقم 3473 قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( بينما أنا على بئر أنزع منها جاءني أبو بكر وعمر فأخذ أبو بكر الدلو فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه فنزع حتى ضرب الناس بعطن ) قال وهب ـ ابن جرير راوي الحديث ـ العطن مبرك الإبل يقول حتى رويت الإبل فأناخت. [67] اقتضاء الصراط المستقيم ص 176 . المحافظة على الهوية الإسلامية في ضوء السنة النبوية الدكتور حاكم المطيري قال النووي: "ومقصود عمر رضي الله - تعالى - عنه حثهم على خشونة العيش وصلابتهم في ذلك ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك". أ.هـ. ومعلوم أن الموقف الذي قال فيه الفاروق هذه المقالة موقف يحتاج إلى الخشونة والشدة والصبر والتحمل، ولا يتناسب معه التجمل والترفه والبذخ والميوعة، فهو خطاب أمير المؤمنين للجيش المسلم في الجهاد، ولا يفهم من النص تحريم ما ذكر أو كراهته، لكونها من زي الأعاجم، فقد تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام - رضي الله عنهم - كانوا يلبسون ذلك.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video