نظرة الى منهج الإمام الطبري وابن كثير في كتابة التاريخ
وهنا أمرينبغي ان أتحدّث عنه إلى إخواني المشتغلين بالتاريخ قراءة واطلاعاً،او ممن يحاولون الانتفاع به في الاستدلال والنقل، لأني رأيت منهم من يظنّ أن إيراد الطبري لخبر من الأخبار كاف لتحميل هذا الإمام مسئولية الخبر الذي أورده، واعتباره هو المصدر لهذا الخبر، وأن الأخبار التي يوردها سواء كلها في ميزان الصحة عنده،
وأن عزوهم الخبر إلى الطبري ودلالتهم على موضعه من تاريخه تتم بهما مهمتهم من الاستدلال، وتبرأ بذلك ذمتهم من عهدة هذا الخبر، ويبقى الطبري هو المتحمّل لمسئولية ما يترتب على ذلك في الحكم على أحداث التاريخ وعلى أقدار رجاله وتصرفاتهم.
إن ظنهم هذا لا يغني من الحق شيئاً، وإن الطبري ليس هو صاحب الأخبار التي يوردها بل لها أصحاب آخرون أبرأَ هو ذمتَه بتسميتهم، وهؤلاء متفاوتون في الأقدار، وأخبارهم ليست سواء في قيمتها العلمية، ولا يتم اعتبار الطبري مرجعاً في التاريخ إلا بإكمال المهمة التي بدأ بها، وهي تقدير أخباره بأقدار أصحابها، وفيها ما يعد من سلسلة الذهب، وفيها ما لا تزيد قيمته على قيمة الخزف، ولكل ذلك نقّاده وصيارفته وتجّاره، وهم يعرفون أقدار هذه الأخبار عند التعريف بأقدار أهلها، وقديماً قيل: ِ وما آفة الأخبار إلا رواتُهاُ .
فلم يترك الامام الطبري مهماً من أخبار سلف الأمة مما أُثِر عن الأئمة الذين سمَّيْنا بعضهم إلا وقد دوّن طرفاً منه، ناسِباً كل خبر إلى صاحبه وإلى من يرويه عنهم صاحب ذلك الخبر من شيوخه وأسلافهم
لم يقتصر الطبري على المصادر التي أشرت إلى بعضها، بل أراد أن يقف قارئه على مختلف وجهات النظر، فأخذ عن مصادر أخرى قد لا يثق هو بأكثرها، إلا أنها تفيد عند معارضتها بالأخبار القوية، وقد تكمل بعض ما فيها من نقص. كما صنع بنقله كثيراً من أخبار مخنف لوط بن يحيى الأزدي الذي قال فيه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: "أخباريٌّ تالف لا يوثَق به، تركه أبو حاتم وغيره. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم. مات قبل السبعين ومائة". فقد نقل الطبري من أخباره في مئات المواضع، ولو أن الذين ينقلون عن الطبري ويقفون عنده، استقوا أخبارهم من لوط بن يحيى هذا واكتفوا بعزوها إلى الطبري لظلموا الطبري بذلك، وهو لا ذنب له بعد أن بيَّن لقارئه مصادر أخباره، وعليهم أن يعرفوا نزعات أصحاب هذه المصادر ويزِنُوها بالموازين العادلة اللائقة بهم وبها
وقد شبه هذا الحال احدهم فقال : إن مثل الطبري ومن في طبقته من العلماء الثقات المتثبّتين - في إيرادهم الأخبار الضعيفة - كمثل رجال النيابة الآن إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية فإنهم يجمعون كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها، مع علمهم بتفاهة بعضها أو ضعفه، اعتماداً منهم على أن كل شيء سيقدَّر بقدره. وهكذا الطبري وكبار حملة الأخبار من سلفنا كانوا لا يفرّطون في خبر مهما علموا من ضعفِ ناقله خشية أن يفوتهم بإهماله شيء من العلم ولو من بعض النواحي، إلا أنهم يردُّون كل خبر معْزواً إلى راويه ليعرف القارئ قوة الخبر من كون رواته ثقات أو ضعفَه من كون رواته لا يوثَق بهم، وبذلك يرَوْنَ أنهم أدُّوا الأمانة، ووضعوا بين أيدي القرّاء كل ما وصلت إليه أيديهم
وقد بين جزءا من هذا المنهج الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني من لسان الميزان فقال : "إن الحفّاظ الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة مع سكوتهم عنها على ذكرهم الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث بإسناده فقد بَرِئوا من عهدته، وأسندوا أمره إلى النظر في إسناده".
هذاهو منهج الامام الطبري في كتابة التاريخ لانه ليس مقلدا حتى في كتابته للآثار نجده يثير استغراب بعض ائمة الحديث المعاصرين من اسلوبه
قال الأَلْبَانِيُّ في كِتَابِهِ سِلْسِلَةُ الأَحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ و المَوْضُوعَةِ (5\173) : «إِنِّي لأَعْجَبُ أشدَّ العجَبِ من أسلوبِ الإمامِ الطَّبريِّ في تَصْحِيْحِ الأحاديثِ في كتابِهِ المذكور (تَهْذِيْبُ الآثَارِ). فَقَدْ رأيتُ له فيهِ عشَرَاتُ الأحاديثِ يُصَرِّحُ بِصِحَّتِها عندَهُ، و لا يَتَكَلَّمُ على ذلك بِتَوْثِيْقٍ. بل يُتْبِعُهُ بحكايته عن العلماءِ الآخرينَ تَضْعِيْفَهم و بكلامِهِم في إعلاَلِهِ، و لا يردُّهُ. بحيثُ أنَّ القَارِئَ يَمِيْلُ إلَيْهِم دُونَهُ! فما أشْبَهَهُ فيهِ بأسلوبِ الرَّازِي في رَدِّهِ على المُعْتَزِلَةِ في تَفْسِيْرِهِ: يَحْكِي شُبُهَاتِهِم عَلَى أَهْلِ السُنَّةِ، ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ رَدِّهَا».
ولااظن ان في هذا استغراب من محدث في مثل منزلة الامام الطبري لانه كان يكتب لمن ليس في عصرنا يكتب لاناس يفهمون مايقصده ومايرمي اليه ويفهمون اسباب تصحيحه لهذا الحديث او ذاك دون ان يرى هو ان يكون هناك داع لبيان سبب الحكم على حديث بالصحةولايقصد الالباني ان الطبري فيه عجز عن بيان اسباب صحة الحديث ولكن يقصد بالعجز الرازي والله اعلم
والسبب الآخرالذي ينبغي أن نشير إليه هو أن اتساع صدور أئمة السنة - من أمثال أبي جعفر الطبري - لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم، دليل على حريتهم، وأمانتهم، ورغبتهم في تمكين قرّائهم من أن يطّلعوا على كل ما في الباب، خاصة في الروايات التاريخية واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة - هو ورواته- فيما يتصل بكل ما هم متعصبون له.
والتهمة ليست على الطبري فباسناده ابرأساحته وقدبين ذلك بنفسه حيث قال - رحمه الله - في مقدمة تاريخه :
"وليعلم الناظر في كتابنا هذا إن اعتقادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت إني أرسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى روايتها فيه ... - إلى أن قال - رحمه الله -:
" فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه ويستبشعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا، ونحن إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا..." اهـ.
وايراده لروايات بثتهاالشيعةفي كتبها ورجالها متهمون بالتشيع والرفض هو ما ماجعل البعض يتهم الامام الطبري بالتشيع اضافة الى اسباب اخرى سنبينها هنا ان شاء الله.
اتهام البعض للامام الطبري بالتشيع :
من العجائب أن يتهم إمام من أئمة المسلمين الكبار ، وشيخ المفسرين على الإطلاق ابن جرير الطبري بالتشيع ، فهذا مما يتعزى به العلماء والصالحون من بعده إذا ما اتهم أحدهم بأمر هو منه براءٌ.
وانقسم الناس في هذا الاتهام الى قسمين
القسم الاول اتهمه بالتشيع الخفيف الناتج عن حبه لال البيت وولاءه لهم وتأييد موقف علي في الفتنة وتصنيفه في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولااظن ان في هذا بأسا لانه القدر الذي ينبغي ان يكون في قلب كل مؤمن ليستكمل ايمانه .
القسم الثاني اتهمه بالتشيع المذموم وهو الرفض والعياذبالله وذلك ايضا لاسباب:
إثباته الأسانيد و الروايات لحديث غدير خم
مناظرته مع داود الظاهري الذي نتج عنها أن صنف ابن داود الظاهري واسمه محمد كتابا ًفي الرد على الطبري و رماه بالعظائم و الرفض , كما ذكر ذلك عوام الحنابلة في بغداد
إكثاره من الرواية عن لوط بن يحيى و يكنى بأبي مخنف و قد روى عنه خمسمائة وسبعاً و ثمانين رواية , وهو إخباري تالف لا يوثق به كما قال عنه الذهبي وقد رمي بالرفض و الكذب
وهذه التهم باطلة لادلة مهمة وهي
اولاً:
انه رحمه الله صنف كتابا ًمن فضائل أبي بكر و عمر رضي الله عنهما و هذا مالا تصنفه الروافض.
ثانياً:
تصحيحه لحديث غدير خم و جمعه للروايات و الأسانيد فهي من ناحية حديثية بحتة, ولا يلزم من تصحيحه للحديث إن يكون شيعياً رافضياً.
قال ياقوت:
(كان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب خبر غدير خم ، وقال: إن علي ابن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم بغدير خم .... وبلغ أبا جعفر ذلك ، فابتدأ الكلام في فضائل علي بن أبي طالب ؛ وذكر طرق حديث غديرخم)
قال ابن كثير: (رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غديرخم في مجلدين)مقدمة تاريخ الأمم والملوك (65)
ثالثاً:
أما ما كتبه محمد بن داود الظاهري في الرد على ابن جرير الطبري فهو مجرد دعوه مفتقرة إلى الدليل, ثم إن كلام الأقران يطوى ولا يروى و ينبغي أن يتأنى فيه و ينظر و يتمهل سيما إذا لم يوافقه غيره فيه .
رابعاً:
أن ابن جرير الطبري رحمه الله قد وافقه أحد علماء الرافضة باسمه و اسم أبيه و كنيته و لقبه ومعاصرته وكثرة تصانيفه.
قال الذهبي رحمه الله:
(أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ , فقال:كان يضع للروافض , كذا قال السليماني , و هذا رجم بالظن الكاذب , بل ابن جرير من كبارأئمة الإسلام المعتمدين , و ما ندعي عصمته من الخطأ , ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل و الهوى , فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه , لا سيما في مثل إمام كبير , فلعل السليماني أرادالآتي ويقصد ابن جرير الطبري الشيعي
ميزان الاعتدال (3/499)
قال الذهبي عنه :
(رافضي له تواليف , منها كتاب الرواة عن أهل البيت رماه بالرفض عبدالعزيز الكتاني ).
قال ابن حجر في لسان الميزان معلقا على كلام الذهبي :
(ولو حلفت أن السليماني ما أراد إلا الآتي لبررت , والسليماني حافظ متقن كان يدري ما يخرج من رأسه فلا أعتقد أن يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل لسان الميزان (5/100)
أما روايته عن ابن مخنف فقد بين رحمه الله في مقدمة تاريخه موقفه من رواية أبي مخنف و غيره .
فقال رحمه الله :
( وليعلم الناظر في كتابنا هذا ان اعتمامه في كل ما أحضرت ذكره مما شرطت اني راسمه فيه ، أنما هو على
ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه و الآثار التي أنا مسندها إلى روايتها فيه ..
إلى إن قال :
فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه , أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لا يعرف له وجهاً من الصحة , ولامعنىً من الحقيقة , فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا , و إنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا , و إنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا ويضاف إلى هذا ان منهج عدداً من المحدثين الرواية عن بعض المهتمين و المجاهيل والضعفاء لعرف حالهم و حال مروياتهم وقد تكلمنا على ذلك
ولااظن ان من اتهمه بالغلوا في التشيع وانتحال مذهب الرفض الاويقصد بن جرير الطبري الشيعي
قال الذهبي عنه :
(رافضي له تواليف , منها كتاب الرواة عن أهل البيت رماه بالرفض عبدالعزيز الكتاني ).
لأنه وافقه باسمه و اسم أبيه و كنيته و لقبه ومعاصرته وكثرة تصانيفه.فلايستبعد الاشتباه به
نظرة عامة لمنهج الامام ابن كثير في كتابة وتدوين تاريخ الخلافة والفتن:
لااظن ان منهجه يختلف كثيرا في نقل الروايات التاريخية وخاصة الروايات الضعيفة الا ان ابن كثيركان مقلا من الروايات المشكوكة لكن لايعني ذلك خلو كتابه منها لكن وجودها ليس بالقدر نفسه التي وجدت به في تاريخ الامام الطبري بل اننا نستطيع ان نقول انه تأثر في ذكر حوادث القرون الأولى من تاريخ الإسلام بتاريخ الطبري وابن الأثير اللذين جعلهما مثلاً له و نموذجاً سار عليه . ومن يتتبع تاريخ ابن كثير يجد أن مؤرخنا اتبع في كل قسم من أقسام كتابه منهج و ترتيب المؤرخين القدامى الذين استقى منهم مواد تاريخه ،
وقد غلب على ابن كثير منذ أول كتابه إلى نهاية السيرة النبوية أثر الحديث وأسلوبه ومنهجه ، فالتزم بالرواية بالأسانيدواحيانا كان يقوم بيان درجة الحديث دون نقد السند للحكم على الأحاديث والروايات على طريقة علماء عصره ، من اسند فقد ابرأ
وادخل في تاريخه بعض الروايات الضعيفة وأخبار واهية ، وخاصة في أخبار الماضين ،
و حوادث الجاهلية و هواتف الجان و ما جاء في دلائل النبوة ومن بعض الأخبار التي تناقض العقل والسنن الكونية وليست لها قيمة تاريخية أو سند علمي أو اعتبار ديني في الشريعة .
والحقيقة أن ابن كثير كان يشعر في كثر من الأحيان أن ما يرويه هو من هذيانات المؤرخين وخرافاتهم .. لكنه يذكره اتباعاً للمؤرخين السابقين للرد والتنبيه عليه .. و يقدم ابن كثير عذره في مثل هذه الأماكن قائلاً : ( لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفسير و غيرها من التواريخ وأيام الناس ، لما تعرضنا لسقاطتها وركاكتها ومخالفتها للمعقول والمنقول ) . البداية والنهاية (1/114 ) و (5/96 – 97 ) .
وهذا يدل على حبه للجمع والاستقصاء ، فيجمع في كل موضوع يطرقه جميع ما عثر عليه بوسائله ،وقد اعتمد على التلخيص والاختصار والنقل بالمعنى عن مصادره لان الفترة التي اراد ان يؤرخ لها طويلة وتعدد الموضوعات التي اهتم بذكرها ، وتنوع المصادر وكثرتها ، فاستوعب ابن كثير ما جاء في الحوادث عند المؤرخين قبله ، ثم سردها ملخصاً على لسانه في سياق واحد متماسك مع الاشارة الى المصادر التي استقى منها
وهذا التساهل عند هؤلاء الائمة في الروايات التاريخية بخلاف منهجهم في الروايات الحديثية لان في الثانية تبنى الأحكام و تقام الحدود ، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع ، و من هنا تحرز العلماء –رحمهم الله – في شروط من تأخذ عنه الرواية .بخلاف طريقتهم في نقل الاخبار التاريخية فهي وإن كانت مهمة – لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة – إلا أنها لا تمحص كما يمحص الحديث ، و من هنا فلا بد من مراعاة هذا القياس و تطبيقه على الإخباريين .ويستثنى من ذلك اذاكان المروي متعلقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بأحد من الصحابة رضي الله عنهم ، فإنه يجب التدقيق في رواته والاعتناء بنقدهم و يلحق بهذا ما إذا كان الأمر متعلقاً بثلب أحد من العلماء والأئمة ممن ثبتت عدالته أو تنقصهم و تدليس حالهم على الناس – لأن كل من ثبتت عدالته لا يقبل جرحه حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه ، كما قال ابن حجر في التهذيب (7/273)
كذلك إذا كان الأمر يتعلق بقضية في العقيدة أو موضوع شرعي كتحليل و تحريم ، فإنه لابد من التثبت من حال رواته ومعرفة نقلته ، ولا يؤخذ من هذا الباب إلا من الثقات الضابطين وقضيتنا التي نبحث فيها انماهي من هذا الباب لانها تمس العقيدة في الدرجة الاولى لان الصحابة هم نقلة الشرع اليناوالمساس بهم وانتقاصهم انماهو امر من العقيدة كمانعتبره نحن اهل السنة والجماعة
واما الروايات التاريخية التي لاتمس الصحابةاوالعقيدة اوالشريعة فلانستطيع ان نلزم انفسنا او الاخرين في اتباع منهج الحفاظ والمحدثين في روايتها ونقداسانيدها
يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه دراسات تاريخية (ص 27) : "أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير ، و الخطر الناجم عنه كبير ، لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تُعامل معاملة الأحاديث ، بل تم التساهل فيها ، و إذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوّة سحيقة بيننا ، و بين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع .. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية ، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا "
مقاييس ينبغي الأخذ بها عنددراسة روايات تاريخ الصحابة
– عدم إقحام الحكم على عقائد ومواقف الرجال بغير دليل في ثنايا سرد الأعمال ، إذ أن الحكم على أقدار الناس يجب أن يكون قائماً على حسن الظن حتى يثبت خلاف ذلك
– عدم تجاوز النقل الثابت إلى إيراد الظنون والفرضيات وكثيراً ما تلحّ على المرء في هذا شهوة الاستنتاج ودعوى التحليل ،فيبدأ بايراد الظنون والفرضيات وقد أمرنا الشرع أن تكون شهادتنا يقينية لا استنتاجية فيما نشهد من حاضرنا ، ففي الآية { إلا من شهد بالحلق وهم يعلمون } ، فكيف بمن يشهد بالظن والهوى فيمن أدبر من القرون ؟؟!
– الإسلام له منهجه في الحكم على الرجال والأعمال ، فهو يأمر بالشهادة بالقسط وعدم مسايرة الهوى في شنآن أو في محبة ، ويأمر باتباع العلم لا الظن ، وتمحيص الخبر والتثبت فيه لئلا يصاب قوم بجهالة لافرق في هذه النظرة بين نظرتنا للشيعة او السنة او المعتزلة او المذاهب الباطلة او حتى الكافرة ، وهذا في حق كل الناس ، لافرق في هذه النظرة بين نظرتنا للشيعة او السنة او المعتزلة او المذاهب الباطلة او حتى الكافرة فكيف بخير القرون ؟؟!
– العبرة بكثرة الفضائل : فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، وكذلك من غلبت فضائله هفواته اغتفر له ذلك ، وفي هذا الصدد يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : وإنما العبرة بكثرة المحاسن . السير ( 20 / 46 )وقريب من هذا ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 8 / 412 ) : العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية .
– إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد وانتزاع سوء الظن من عقلية المؤرخ الصادق إذ نحن لا نعصم فرداً أو مجتمعاً ، إلا أن يكون نبياً أو رسولاً ، ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر ، يجوز عليهم الخطأ والسهو والنسيان ، وإن كانوا من كبار الصحابة وأجلائهم ، إلا أنه ينبغي إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد
– مراعاة ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة لذلك فانه يلزم دارس التاريخ أن يدرس الظروف التي وقعت فيها أحداثه ، والحالة الاجتماعية والاقتصادية التي اكتنفت تلك الأحداث ، حتى يكون حكمه أقرب إلى الصواب
انظرمنهج كتابة التاريخ لابي عبدالله الذهبي.