من الصحابة من جاء النص بذمِّهم، أو الشهادة لهم بالنار
بعد بيان فضل الصحابة وثناء الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم هناك شبهة يحتج بها الجهال وأهل الضلال، وهي: أن من الصحابة من جاء النص بذمِّهم، أو الشهادة لهم بالنار، وأن منهم من شارك في الفتن التي جرت في عهد علي رضي الله عنه، وبالتالي لا يشملهم المدح والثناء الذي جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. قلت: الجواب عن هذا وبالله التوفيق من وجهين: إجمالاً وتفصيلاً: فأما إجمالاً: فالله تعالى أثنى عليهم، وهو يعلم تعالى ما سوف يقع منهم، ومع ذلك أثنى ربنا عليهم. وأما تفصيلاً: فهؤلاء الذين تقدم ذكرهم ينقسمون إلى قسمين: الأول: من جاءت النصوص بذمهم أو الشهادة لهم بالنار. الثاني: من لابس الفتن التي وقعت في عصرهم. فأما القسم الأول: فالذين جاء النص بذمهم أو الشهادة لهم بالنار ستة وهم: 1- الحكم بن أبي العاص الأموي. 2- الرجل الذي كذب على الرسولصلى الله عليه وسلم وزعم أن الرسولصلى الله عليه وسلم كساه حُلّة، وأنه أمره أن يحكم في حي من بني ليث في دمائهم وأموالهم. 3- الوليد بن عقبة بن أبي معيط. 4- أبو الغادية الجهني. 5- كركرة غلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي غلّ الشملة. 6- الرجل الذي تزوج زوجة أبيه. * * * 1_ فأما الحكم بن أبي العاص فثبت أن الرسولصلى الله عليه وسلم لعنه ، فقد أخرج أحمد (2/163) قال: ثنا ابن نمير ثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوساً عند النبيصلى الله عليه وسلم، وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني، فقال صلى الله عليه وسلم ونحن عنده: «ليدخلن عليكم رجل لعين»، فوالله ما زلت وجلاً أتشوّف داخلاً وخارجاً حتى دخل فلان ـ يعني: الحكم - . وأخرجه البزار - كما في «كشف الأستار» (1625)- : ثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ثنا ابن نمير به، وعنده: الحكم بن أبي العاص. وقال: لا نعلم هذا بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد. اهـ . قلت: وهذا إسناد صحيح، وقال الهيثمي (1/112) : رجاله رجال الصحيح. وأخرجه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (1/318) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا عثمان بن حكيم ثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو به. والأول أصح؛ لأن ابن نمير أتقن من عبد الواحد بن زياد، مع أن هذا الاختلاف لا يؤثر كثيراً على ثبوت الخبر؛ لأن شعيباً صدوق، وقد سمع من جده عبد الله بن عمرو. ويظهر أن هذا الحديث جاء من طريق آخر، فقد ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/243) بنحوه، ثم قال: رواه كله الطبراني(1) ، وحديثه مستقيم، وفيه ضعف غير مبين، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ . وذكره أيضاً في الموضع الأول (1/112)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه رجلاً لم يسم. وذكره بلفظ آخر بنحو الأول، وقال: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أحمد (4/5) قال: ثنا عبد الرزاق ثنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير - وهو مستند إلى الكعبة -، وهو يقول: ورب هذه الكعبة، لقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاناً وما ولد من صلبه. وأخرجه البزار (2197) - وهو في «كشف الأستار» (1623) -: ثنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق به: لعن الحكم وما ولد له. قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، ورواه محمد بن فضيل أيضاً عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير ثنا به علي بن المنذر. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (13/121) من طريق محمد بن فضيل وأحمد بن بشير وأبي مالك الجنبي كلهم عن إسماعيل به. وأخرجه أيضاً (13/221) : ثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا ابن فضيل عن ابن شبرمة عن الشعبي به . وأخرجه أيضاً (13/118): ثنا الحسن بن العباس الرازي ثنا محمد بن حميد ثنا هارون بن المغيرة عن عمرو بن أبي قيس عن يزيد بن أبي زياد عن البهي عن ابن الزبير به بنحوه. وقال الحاكم (4/481): ثنا ابن نصير الخلدي ثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين ثنا إبراهيم بن منصور ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن سوقة عن الشعبي به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه . اهـ . قال الذهبي: الرشديني ضعفه ابن عدي. قلت: أحمد بن رشدين مختلف فيه ، والإسناد الأول صحيح وصححه الذهبي في «تاريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين» (ص: 368) . وجاء هذا الحديث من طرق أخرى لكنها لا تخلو من كلام ([2]) ، فمثله مع ثبوت اللعن من الرسول صلى الله عليه وسلم له يُشك في إسلامه، فضلاً عن صحبته. قال ابن الأثير في «أسد الغابة» (2/34) : وقد روي في لعنه ونفيه(1) أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبيصلى الله عليه وسلم مع حلمه وإغضائه على ما يكرهه ما فعل ذلك الأمر إلا لأمر عظيم . اهـ . قلت: ويؤيد ما قاله ابن الأثير أن الرسولصلى الله عليه وسلم لم يلعن أحداً من المنافقين بعينه ـ فيما أعلم ـ، ولم ينف أحداً بعينه خارج المدينة إلا المخنثين عندما أمر بإخراجهم خارج المدينة، والله أعلم. ولذلك قال أبو محمد بن حزم في «الإحكام» (6/83) : وكان بها (2) أيضاً من لا يرضى حاله كهيت المخنّث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة.ا.هـ. وقد ذكر الهيثمي حديث لعنه تحت: باب منه في المنافقين كما في «مجمع الزوائد» (1/109)، ولم يذكره البخاري في «التاريخ الكبير» مع الصحابة فيمن اسمه الحكم، بل لم يذكره مطلقاً تحت هذا الاسم، وعندما ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/120) لم ينص على أن له صحبة كما يفعل ذلك كثيراً فيمن كانت له صحبة، وإنما نقل عن أبيه: أنه أسلم يوم الفتح، وقدم على النبيصلى الله عليه وسلم فطرده من المدينة، فنزل الطائف حتى قبض في خلافة عثمان. اهـ . ونص آخرون على صحبته، وهذا فيه نظر كما تقدم، ومن يستدل بهذا على أن الصحابة ليسوا كلهم عدول لا شك أنه مخطئ في هذا الخطأ البيّن. * * * 2_ وأما الرجل الذي كذب على النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أنه كساه حلّة، فالجواب عنه: أن خبره لا يصح، وعلى فرض صحته فيقال: إن هذا الرجل الذي فعل ذلك لم يثبت إسلامه فضلاً عن صحبته. قال أبو العباس ابن تيمية في «الصارم المسلول» (ص: 171) : وللناس في هذا الحديث قولان: أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك، قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني... ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله، ولهذا قال: «إن كذباً علّي ليس ككذب على أحدكم»... ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبراً كذب فيه، كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله، ويبيِّن ذلك أن الكذب بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لمّا جاءه} [العنكبوت: 68] . بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثماً من المكذِّب له، ولهذا بدأ الله به... فالكاذب على الرسول كالمكذب له... وأيضاً فإن تعمّد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السَّفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذه نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح. وأيضاً فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان ... عالماً بكذب نفسه كفر بالاتفاق، فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئاً لم يوجبه، أو حرّم شيئاً لم يحرمه، فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك... فإذ كذب الرجل عليه متعمداً، أو أخبر عنه بما لم يكن، فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه، إذ لو كان كمالاً لوجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر. واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرّق بين الذي يكذب عليه مشافهة، وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فهذا إنما كذب على ذلك الرجل، ونسب إليه ذلك الحديث. فأما إن قال: هذا الحديث صحيح أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالماً بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه ... وعجّل عقوبته ليكون ذلك عاصماً من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين ونحوهم. وأما من روى حديثاً يعلم أنه كذب فهذا حرام، كما صح عنه أنه قال: «من روى عني حديثاً يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر... القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلّظ عقوبته، لكن لا يكفر ولا يجوز قتله؛ لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له، ومن قال هذا فلابد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمناً لعيب ظاهر، فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاماً يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة - مثل: حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات - فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهراً، ولا ريب أنه كافر حلال الدم. وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث: بأن النبيصلى الله عليه وسلم علم أنه كان منافقاً فقتله لذلك لا للكذب، وهذا الجواب ليس بشيء... قلت: ثم بيَّن ضعفه، ثم قال: لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا، وهو أن هذا الرجل كذب على النبيصلى الله عليه وسلم كذباً يتضمن انتقاصه وعيبه؛ لأنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكّمه في دمائهم وأموالهم، وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ، ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها، ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكّماً في الدماء والأموال. ومعلوم أن النبيصلى الله عليه وسلم لا يحلل الحرام، ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه، ونسب النبيصلى الله عليه وسلم إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خالياً بها، وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين، وهذا طعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعيب له. وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة، وهو المقصود في هذا المكان، فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين. ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه، ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم لما تعارض وجوب طاعة الرسول، وعظم ما أتاهم به هذا اللعين. ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم، ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء، وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه، وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به، والأغراض في الغالب إما مال أو شرف، كما أن المسيء إنما يقصد ـ إذا لم يقصد مجرد الإضلال ـ إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم، أو تحصيل الشهوات الظاهرة، وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفر كَفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله. اهـ . وقـال المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (ص: 273) : وراويه عن ابن بريدة صالح بن حيان وهو ضعيف، له أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى، وفي كل منهما ضعف، راجع: «مجمع الزوائد» (1/145). وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سوّلت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة، لعله يتمكن من الخلوة بها، ثم يفر، إذ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبيصلى الله عليه وسلم سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن ينزلوا الرجل محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه... ، وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبيصلى الله عليه وسلم غير متهم بالنفاق، ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبيصلى الله عليه وسلم . اهـ . فتبيّن أن إسلامه لم يثبت فضلاً عن صحبته، والله أعلم. * * * 3- وأما الوليد بن عقبة وأنه هو الذي نزل فيه قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} [الحجرات: 6] ، فهذا لم يثبت بإسناد صحيح بيّن وإن كان ذهب إلى هذا جمع من المفسرين، وخالفهم في ذلك بعض أهل العلم، وقد جاء ما يعارض هذا. أخرج أبو داود في «السنن» (4181): ثنا أيوب بن محمد الرقي ثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح رؤوسهم، قال: فجيء بي إليه وأنا مخُلَّق، فلم يمسني من أجل الخلوق . وأخرجه أحمد (4/32): ثنا فياض بن محمد الرقي عن جعفر به، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/100) من طريق أحمد(1) به، وقال قبله: وأما الوليد بن عقبة فإنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل إليه فحرم بركتهصلى الله عليه وسلم، ثنا بصحة ما ذكرته .. ثم ذكر الحديث السابق. وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (564): ثنا علي بن ميمون العطار ثنا خالد بن حيان عن جعفر ، والطبراني في «الكبير» (22/151): ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي به، وثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا علي بن معبد الرقي ثنا خالد بن حيان به، وثنا مقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر عن ثابت عن عبد الله الهمداني(2) أبي موسى عن الوليد بن عقبة، وأبو نعيم في «المعرفة» (6511): ثنا محمد بن محمد ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أحمد بن حنبل ثنا فياض بن محمد الرقي، وثنا محمد بن محمد ثنا الحضرمي ثنا عبيد بن يعيش ثنا يونس بن بكير قالا: ثنا جعفر(1) به. وأخرجه البخاري في «التاريخ الأوسط» (1/116): ثنى محمد بن عبد الله العمري ثنا زيد بن أبي الزرقاء ثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عن الوليد به. ثنى عبيد بن يعيش ثنا يونس عن حفص عن ثابت به. ثنا الوليد بن صالح عن فياض الرقي عن جعفر ثنا ثابت به. اهـ . كذا وقع في طبعتين(2) : (عن حفص)، ولعل الصواب: (جعفر) كما تقدم عن أبي نعيم في «المعرفة». وأخرجه البيهقي في «السنن» (6/55) من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (2/319): ثنا علي بن الحسن الحراني ثنا عمر بن أيوب عن جعفر عن ليث(3) بن الحجاج عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى عن الوليد به. ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي به. وقال: فلم يذكر له موسى في هذه الرواية أصلح. اهـ . كذا، والمطبوعة فيها أخطاء كثيرة، والمقصود من هذا الكلام مفهوم، وهو عدم ذكر موسى في الإسناد أصح، كما تقدم في الأسانيد السابقة، وقد نبه على هذا الطبراني(4) كما تقدم. وفي «تهذيب الكمال»: عبد الله أبو موسى الهمداني، روى عن الوليد بن عقبة، وقيل: عن أبي موسى الأشعري عن الوليد بن عقبة وهو وهم .اهـ . فإن كان المقصود بأبي موسى الأشعري هو الهمداني فهذا ممكن، وأشعر وهمدان يلتقون في زيد بن كهلان، وإن كان المقصود بأبي موسى الأشعري هو الصحابي فهذا خطأ، ولعله تصحيف أو سبق قلم، وتقدم ذكر الاختلاف، ولم أقف على وقوع الأشعري في أسانيد هذا الخبر. وإسناد هذا الخبر رجاله ثقات خلا الهمداني، فجعفر بن برقان ثقة خرّج له مسلم والأربعة والبخاري في «الأدب المفرد»، وإنما تكلم في حديثه عن الزهري، وهذا ليس منها، وثابت بن حجاج وثقه ابن سعد وأبو داود، وروى عن زيد بن ثابت وأبي هريرة وعوف بن مالك من الصحابة، وروى عن بعض التابعين، ومنهم عبد الله بن سيدان وهو من كبار التابعين. وأما عبد الله بن الهمداني أبو موسى فذكره البخاري (5/224) وقال: لا يصح حديثه. وذكره في «الضعفاء الصغير» (199) ، وقال أيضاً: لم يصح حديثه. وقال في «التاريخ الأوسط» ـ المطبوع باسم الصغير ـ (1/116) بعد أن ذكر حديثه: وقال بعضهم: أبو موسى الهمداني وليس يعرف، أبو موسى ولا عبد الله(1) ، وقد خولف: ثني محمد بن الحكم ثنا ابن سابق ثنا عيسى بن دينار ثني أبي سمع الحارث بن ضرار قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بَعثُه الوليد، فنزلت: {إن جاءكم فاسق بنبأ} [الحجرات:6] . اهـ . وذكره العقيلي في «الضعفاء» (2/319) وذكر قول البخاري، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وفي هذا الباب رواية من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا. اهـ . وذكره ابن عدي في «الكامل» (4/1550) ، وذكر قول البخاري فيه ثم قال: وعبد الله الهمداني لم ينسب ولا أعرفه إلا هكذا . اهـ . وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (3/631): وقالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صبياً ، يدل أيضاً على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة بني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة .. ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل: (إن جاءكم) نزلت في الوليد... ا.هـ قلت: ثم ذكر بعض ما جاء في ذلك من الآثار. وقال في كتابه «الكنى» (2/1250) : أبو موسى الهمداني روى عنه عبد الله الهمداني، وعبد الله وأبو موسى الهمداني ليسا بمعروفين، ومنهم من يقول الهمداني في أبي موسى . اهـ . وقال أبو القاسم ابن عساكر في «تاريخه» (17/872) : هذا حديث مضطرب الإسناد، لا يستقيم عند أصحاب التواريخ أن الوليد كان يوم فتح مكة صغيراً، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ساعياً. قلت: عبد الله الهمداني أبو موسى من التابعين، إما من كبارهم - وهو الأقرب؛ لأن الراوي عنه من الطبقة الوسطى من التابعين - أو من الوسطى، وأما ما جاء من الاضطراب في اسمه، أو ما وقع في بعض الأسانيد: عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى، فهذا خطأ، وتقدم كلام العقيلي والطبراني في ذلك، وهذا هو الصحيح كما وقع في أكثر الأسانيد. وعبد الله الهمداني ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح» (5/208)، ونقل عن أبيه أنه قال عنه: لا بأس به. اهـ . وترجم له في قسم الكنى من «كتابه» (9/438)، وسكت عنه: وتقدم أن أبا داود أخرج حديثه وسكت عنه، وقد قال: وما سكت عنه فهو صالح ، وصحح له الحاكم هذا الحديث كما تقدم، وأما ذكر العقيلي(1) وابن عدي له فالذي يبدو أنهما تابعا البخاري في ذلك؛ لأنهما لم ينقلا سوى قول البخاري كما تقدم. وأما البخاري فيظهر من كلامه أنه أعلّ هذا الخبر بعلتين هما: جهالة عبد الله الهمداني، وأن هذا الخبر جاء ما يخالفه، وهو ما ذكره كما تقدم. والخبر الذي ذكر فيه دينار والد عيسى فيه جهالة، ولم يوثقه إلا ابن حبان كما في ترجمته، وقال ابن المديني: عيسى معروف، ولا نعرف أباه . اهـ . وتفرد بالرواية عنه ابنه ، وفي هذا الخبر أنه سمع الحارث بن ضرار، وهذا عندي فيه شيء من النظر وذلك أن ديناراً كأنه يصغر عن هذا، وهو مولى عمرو بن الحارث ولد الحارث وليس الحارث ، والحارث قديم، ولعله مات في عهد الرسولصلى الله عليه وسلم، أو في صدر عهد الخلفاء الراشدين؛ لأنه لم يذكر له خبر سوى هذه القصة ـ فيما أعلم ـ، فلعله مات قديماً، فيبعد أن ديناراً سمع منه، وإلا يكون دينار من كبار التابعين، وهذا بعيد. ومما يدل على صِغَر دينار أن أبا داود (2322) روى من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود .. فلعل هذا يدلّ على تأخره؛ لأنه روى عن ابن مسعود بواسطة، فلو كان من كبار التابعين لروى عنه مباشرة، مع أن ابن مسعود تأخر قليلاً، فقد توفي في خلافة عثمان، وإن كان هذا لا يلزم ولكن يُستأنس به هنا. وأيضاً أن عيسى ابنه متأخر، فقد روى عنه وكيع وابن المبارك وأبو نعيم؛ لأن وكيعاً وابن المبارك توفيا قرب المائتين، وأما أبو نعيم فتوفي سنة 217هـ . ومما يؤيد هذا أن الخبر الذي رواه عن الحارث فيه مواضع كأن ديناراً لم يسمع منه، وذلك أن فيه: فلما جمع الحارث الزكاة .. فظن الحارث .. فالله أعلم. ثم أيضاً هذا الحديث رواه أحمد وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2353) وابن أبي حاتم - كما في «تفسير ابن كثير» (7/371) - والطبراني في «الكبير» (3395) ومطين(1) - كما في الإصابة (1/281) - وأبو نعيم في «المعرفة» (2081)، كلهم من طريق محمد بن سابق ثنا عيسى به. ولعل محمد بن سابق تفرد به، وهو إن كان خرّج له الشيخان ولكن فيه بعض الكلام، قال يعقوب بن شيبة: كان شيخاً صدوقاً وليس ممن يوصف بالضبط للحديث، وضعفه ابن معين وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وذكر في ترجمته حديثاً أخطأ فيه، وقد تفرد به، وقال ابن المديني عن هذا الحديث: منكر. فإن كان ابن سابق تفرد به فهذا الخبر فيه نظر، وتكون هذه علة أخرى، ولذلك قال ابن منده - كما في «تاريخ ابن عساكر» (17/873) - : هذا حديث غريب، لم نكتبه إلا من هذا الوجه، وقد روي من وجوه أخر . اهـ . والوجوه الأخر يقصد بها الشواهد التي جاءت بمعنى هذا الحديث، ولا يصح منها شيء. ولعل خبر عبد الله الهمداني عن الوليد(1) أقوى من هذا الخبر وحده، وإن كان جاء ما يشهد لهذا الخبر، ولكن كلها لا تصح، وهذا الخبر من أحسنها، كما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (7/370) . وأما ما قال أبو عمر ابن عبد البر من كون هذا الحديث مضطرب، فهذا فيه نظر كما تقدم، وأنه ليس بمضطرب ، وأما جهالة أبو موسى الهمداني فتقدم الكلام عليها. وأما قوله: إن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم ، فهذا من كلام أهل السير، وليس له إسناد فيما أعلم. وأما قوله: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن آية {إِن جَاءكُم فَاسِقٌ} نزلت فيه، فالجواب عن ذلك: أن أهل العلم مختلفون في ذلك، وإن كان أكثـرهم ذهب إلى ذلك، ولكن خالفهم غيرهم، ومنهم: أبو عبد الله الحاكم -كما تقدم نقل كلامه-، وأبو بكر الخطيب، فقال - كما في «تاريخ ابن عساكر» (17/870) ترجمة الوليد - : أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه وهو طفل صغير، وكان أبوه من شياطين قريش. وقال أبو نصر بن ماكولا نحو ذلك . اهـ .(2) فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والله تعالى أعلم. وقد أخرج عبد بن حميد في «تفسيره» - كما في «الدر المنثور» (7/557) - عن الحسن أن رجلاً أتى النبيصلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني فلان ـ حياً من أحياء العرب، وكان في نفسه عليهم شيء ـ قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله، فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن الوليد .. وذكر قصة طويلة. وهذا الخبر لا يصح أيضاً، والشاهد منه أن في الخبر لم يذكر من الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم . * * * 4- وأما أبو الغادية الجهني، فثبت أنه قتل عمار بن ياسر رضي الله عنهما ، فقد أخرج عبد الله بن أحمد (4/76) من طريق ابن عون عن كلثوم بن جبر قال: كنا بواسط عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فإذا عنده رجل يقال له: أبو الغادية، فذكر قصة قتله لعمار. وأخرجه البخاري في «الأوسط» (1/189) من طريق ابن عون به ، وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (3/260) قال: أخبرنا عفان بن مسلم أخبرنا حماد بن سلمة أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي الغادية بالقصة . وأخرج الطبراني في «الكبير» (22/363): ثنا علي بن عبد العزيز وأبو مسلم الكشي قال: ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا ربيعة بن كلثوم ثنا أبي قال: كنت بواسط... فذكر قصة قتله لعمار(1). وأخرجه أيضاً (22/364): ثنا أحمد بن داود المكي ثنا يحيى بن عمر الليثي ثنا عبد الله بن كلثوم بن جبر قال: سمعت أبي، فذكر القصة بنحو ما تقدم. أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1120): ثنا إبراهيم بن الحجاج السامي ثنا مزيد(2) بن عامر الهنائي نا كلثوم بن جبر قال: كنت بواسط ... فذكر ما تقدم. وأخرجه البخاري في «الأوسط» (1/188): ثنا حرمي بن حفص ثنا مرثد بن عامر به، و(1/271): ثنا قتيبة ثنا مرثد به. قلت: هذه القصة تدور على كلثوم بن جبر، وقد وثقه الجمهور، وقال النسائي عنه: ليس بالقوي، والإسناد إلى كلثوم صحيح، وقد جاء من طرق عنه كما تقدم. وتابعه عند ابن سعد أبو حفص، ولا أدري من هو؟ وهناك جمع ممن يكنّى بهذه الكنية، ولكن لم أقف على أحد منهم، وذُكر أنه يروي عن أبي الغادية، وعنه حماد بن سلمة(3). وأما الشهادة له بالنار: فقد أخرج أحمد (4/198): ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي الغادية قال: قتل عمار فأُخبر عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله، قال: إنما قال: قاتله وسالبه. أخرج هذا ابن سعد في «الطبقات» بنفس الإسناد كما تقدم، وهذا صحيح إلى أبي الغادية كما تقدم، لكن قوله: فأخبر عمرو بن العاص … هل يرويه أبو الغادية عن عمرو أو هو من رواية كلثوم بن جبر عن عمرو بن العاص؟ فإن كان الأول فهو صحيح كما تقدم، وإن كان الثاني، وهو الأقرب؛ لأن فيه: فأُخبر عمرو، وفيه أيضاً: قيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله، كأن هذا يفيد أن أبا الغادية لا يرويه عن عمرو، ولذلك قال الذهبي في «السير» (2/544): إسناده فيه انقطاع. ولعله يقصد بالانقطاع هو ما تقدم؛ لأن كلثوم بن جبر لا يعرف له سماع من عمرو، وإنما يروي عن صغار الصحابة، ومن تأخرت وفاته منهم، بل يروي عن التابعين، وأبو الغادية يظهر أنه ممن تأخرت وفاته؛ لأن البخاري في «تاريخه» ذكر أبا الغادية فيمن مات ما بين السبعين إلى الثمانين، وذكره أيضاً فيمن مات ما بين التسعين إلى المائة، ولذلك قال أبو الفضل ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (2/520) : وعُمِّر عمراً طويلاً . اهـ . وكلثوم صرح بسماعه من أبي الغادية كما تقدم. طريق آخر: قال ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (803): ثنا العباس بن الوليد النرسي ثنا معتمر بن سليمان سمعت ليثاً يحدث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أتى عمرو بن العاص رجلان يختصمان في أمر عمار وسلبه، فقال: خلياه واتركاه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اللهم أولعت قريش بعمار، قاتل عمار وسالبه في النار». وأخرجه الطبراني في «الكبير» من طريق ليث كما في «مجمع الزوائد» (9/297) فقد قال الهيثمي: وقد صرح ليث بالتحديث، ورجاله رجال الصحيح. اهـ . وليث هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف، وقد اختلط، وضعفه أكثر أهل العلم، ولكن يكتب حديثه. أما من جهة المتن فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وقد أخرج هذا الحديث الحاكم في «المستدرك» (3/387) عن محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن مجاهد به. قال الحاكم: تفرد به عبد الرحمن بن المبارك، وهو ثقة مأمون، عن معتمر عن أبيه، فإن كان محفوظاً فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وإنما رواه الناس عن معتمر عن ليث عن مجاهد . اهـ . قلت: الصواب هو أنه من رواية ليث عن مجاهد، وأما رواية عبد الرحمن بن المبارك فهي خطأ من جهتين: 1_ أن الأكثر رووه عن معتمر عن ليث كما قال الحاكم(1). 2_ أن عبد الرحمن سلك الجادة في حديث معتمر، فرواه عن أبيه لأن كثيراً ما يروي معتمر عن أبيه، ومن المعلوم عند الحفاظ أن من خالف الجادة يقدم على من سلكها؛ لأن هذا يدل على حفظه. وأما من حيث المتن: فقد جاءت هذه القصة من طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو من روايته هو، ومن رواية أبيه وليس فيها: قاتل عمار وسالبه في النار. فقد أخرج أحمد (2/164، 206): ثنا يزيد أنا العوام ثني أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنبري(2) قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقتله الفئة الباغية ..». وأخرجه ابن سعد (3/253) والبخاري في «التاريخ» (3/39) والنسائي في «الخصائص» (164) كلهم من طريق يزيد به. وقال الذهبي في «المعجم المختص بالمحدثين من شيوخه» (ص: 96) - بعد أن رواه -: إسناده جيد؛ فإن الأسود هذا وثقه ابن معين. اهـ . ورواه البخاري في «التاريخ» (3/39) والنسائي في «الخصائص» (165) وأبو نعيم في «الحلية» (7/198) كلهم من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن العوام عن رجل من بني شيبان عن حنظلة بن سويد به. قلت: الإسناد الأول أقرب لأمرين: 1ـ شعبة قد يخطئ في الأسماء كما هو معروف. 2ـ أن يزيد بن هارون معه في هذا الخبر زيادة علم؛ لأنه سمّى شيخ العوام بخلاف شعبة، مع أن هذا الاختلاف ليس بالكبير، والرجل الذي من شيبان هو العنزي السابق، وشيبان وعنزة يلتقيان في أسد بن ربيعة بن نزار، وشيبان داخلة في عنزة الآن ـ فيما أعلم ـ؛ لأن أكثر ربيعة داخلة الآن تحت عنزة، ولعل هذا من قديم جداً، كما قد يدل عليه قول شعبة: رجل من بني شيبان(1)، وجاء منسوباً إلى عنزة في رواية يزيد بن هارون، مع أن هذا المكان ليس موضع الكلام على هذا الإسناد وتحقيقه، وإنما المقصود بيان مخالفة الروايات لرواية ليث بن أبي سليم. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (3/253): أنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن الحارث قال: إنني لأسير مع معاوية في منصرفه عن صفين بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: «ويحك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية»، فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا ؟. وأخرجه أحمد (2/206) من طريق الأعمش به، والنسائي في «الخصائص» (166- 168)، وذكر الاختلاف في هذا الحديث، وجاء نحو هذه القصة من طرق أخرى ([3]) . والشاهد مما تقدم أن هذه الطرق ليس فيها ما جاء في رواية ليث، إلا ما جاء في رواية أخرجها الطبراني في «الكبير» من حديث عبد الله بن عمرو، وفيها مسلم الملائي، وهو ضعيف قاله الهيثمي في «المجمع» (9/297) . حديث آخر: قال ابن سعد في «الطبقات» (3/251) : أخبرنا إسحاق بن الأزرق أخبرنا عوف بن الأعرابي عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت النبيصلى الله عليه وسلم يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية». قال عوف: ولا أحسبه إلا قال: وقاتله في النار. اهـ . قلت: هذه الزيادة لا تصح، بل هي منكرة لأمرين: 1ـ أن هذا الحديث جاء من طرق كثيرة من غير طريق عوف الأعرابي من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمة، عند مسلم وأحمد والطيالسي وابن سعد والبيهقي في «السنن» و«الدلائل» والنسائي في «الكبرى» والطبراني في «الكبير» وأبو يعلى وابن حبان والبغوي في «مسند علي بن الجعد» والبغوي صاحب «شرح السنة» وليس فيها هذه الزيادة. بل أخرج الطبراني في «الكبير» (23/363) من حديث عثمان بن الهيثم وهوذة بن خليفة كلاهما عن عوف به، وليس فيه هذه الزيادة. والحديث أيضاً جاء عن صحابة آخرين، ولا أعلم أنه جاء فيه هذه الزيادة. 2ـ أن عوفاً شك في هذه الزيادة كما تقدم، فكل هذا مما يبين نكارة هذه الزيادة وعدم صحتها. طريق آخر: أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (3/259) والحاكم في «المستدرك» (3/385،386) من طريق محمد بن عمر - وهو الواقدي - ثني عبد الله(1) بن الحارث عن أبيه عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عمرو بن العاص أنه قال لمن اختصم في قتل عمار: والله إن يختصمان إلا في النار. اهـ . وهذا موقوف، ومحمد بن عمر كما تقدم هو الواقدي. والخلاصة أن الحديث المرفوع وهو «قاتل عمار في النار» في ثبوته نظر، والله أعلم. وأما قصة قتل عمار من قبل أبي الغادية فهذا ثابت، ولا شك أن هذا ذنب كبير، ولكن لم يقل أحد إن الصحابة لا يذنبون ولا يقعون في الكبائر، بل قال تعالى عن آدم عليه السلام: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه: 121] ، وقال تعالى عن الأبوين: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23]، إلى غير ذلك. * * * 5_ وبهذا يجاب عن كركرة الذي كان على ثُقل النبي صلى الله عليه وسلم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو في النار». فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها. أخرجه البخاري في «صحيحه» (2074). وكذلك من وقع منهم في الزنى أو شرب الخمر أو أصحاب الإفك يجاب عنهم بما تقدم . * * * 6_ وأما الرجل الذي تزوج بامرأة أبيه فهذا لم يثبت أنه مسلم، قال أبو العباس بن تيمية - كما في «مجموع الفتاوى» (20/91) - : حديث أبي بردة بن نيار لما بعثه النبيصلى الله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه، فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله، فإن تخميس المال دل على أنه كان كافراً لا فاسقاً، وكفره بأنه لم يحرم ما حرّم الله ورسوله ا.هـ . * * * وأما ما يتعلق بصفين وما جرى بين علي رضي الله عنه ومن معه ومعاوية رضي الله عنه ومن معه. فأقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى بين كل شيء نحتاج إليه في ديننا. قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3] . وأخـرج أحمد (4/126) وابـن ماجه (43) وابـن أبي عاصم في «السنة» (33) و (48) و (56) و (1078) والطبراني في «الكبير» (18/619) وفي «مسند الشاميين» (2017) والآجري في «الشريعة» (88) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (2/181) ، كلهم من حديث معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك .. » وهو حديث صحيح. وأخرج مسلم في «صحيحه» (2892) من حديث علباء بن أحمد ثني أبو زيد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا. وأخرج البخاري (6604) ومسلم (2891) كلاهما من حديث الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه. هذا لفظ مسلم. ومن هذه الأشياء التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك لن أذكر إلا ما جاء عن الرسولصلى الله عليه وسلم في بيان هذه القضية، وحكم من وقع فيها، بإذن الله تعالى، ولن أذكر قال فلان أو فلان، إلا ما كان تعليقاً على الأحاديث، فأذكر ما جاء عن أهل العلم مما يبين الحديث. فأقول: لا شك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه أولى بالحق من غيره، أخرج مسلم (1065) وغيره من حديث القاسم بن الفضل الحداني ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق». وأخرج أيضاً من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد به، ولفظه: «تكون في أمتي فرقتان، فتخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق». وأخرج أيضاً من حديث حبيب بن أبي ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد به، ولفظه: «يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق». قال أبو زكريا النووي في «شرحه على مسلم» (7/168): هذه الروايات صريحة في أن علياً رضي الله عنه كان هو المصيب المحق، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية رضي الله عنه كانوا بغاة متأولين، وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون عن الإيمان ولا يفسقون، وهذا مذهبنا. ا هـ . وقال أبو العباس ابن تيمية - كما في «الفتاوى» المجموعة له (4/467) - : فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين: علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه، على حق ، وأن علياً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. ا هـ . وذكر نحو هذا ابن العربي في «العواصم» (ص: 307) الطبعة الكاملة . وقال أبو الفداء ابن كثير في «البداية» (1) (10/563): فهذا الحديث من دلائل النبوة؛ لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة، أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن علياً هو المصيب، وإن كان معاوية مجتهداً في قتاله له، وقد أخطأ، وهو مأجور إن شاء الله، ولكن علياً هو الإمام المصيب إن شاء الله تعالى، فله أجران. ا هـ . قلت: ويوضح الحديث السابق ما رواه البخاري (3609) ومسلم (2214) كلاهما عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان، فيكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة». وأخرج البخاري (3608) من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان، دعواهما واحدة» ، وأخرجه أيضاً (7121) من طريق أبي الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. فهذا الحديث يبين الحديث السابق. قال أبو الفداء ابن كثير في «البداية» (9/192): وهاتان الفئتان، هما: أصحاب الجمل وصفين، فإنهما جميعاً يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة ا. هـ . وقال أبو الفضل ابن حجر في «الفتح» (6/616): والمراد بهما من كان مع علي ومعاوية لما تحاربا بصفين، وقوله «دعواهما واحدة» أي: دينهما واحد؛ لأن كلاً منهما يتسمى بالإسلام، أو المراد كلاً منهما كان يدعي أنه المحق. ا هـ . قلت: قوله: «أو المراد أن كلاً منهما ..» هذا بعيد جداً، وذلك لأنه ما من طائفتين يقتتلان في قديم الدهر وحديثه إلا وكل واحدة من الطائفتين تدعي أنها على الحق، فعلى هذا القول لا يكون للحديث فائدة(1)؛ لأن هذا شيء واضح لا يحتاج إلى توضيح، وإنما الصواب ما قاله ابن كثير كما هو ظاهر. ومما يؤيد الحديث السابق(2) ما رواه البخاري (2812) من حديث خالد عن عكرمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»(3) . وأخرجه مسلم (2915) من حديث أبي سعيد عن أبي قتادة، و(2916) من حديث أم سلمة، وجاء من طرق أخرى خارج الصحيح. ومما يوضح ما تقدم أيضاً ما رواه البخاري (2704) من حديث الحسن البصري قال: لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي إلى جنبه ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وأخرجه أيضاً (3629) و(3746) و(7109) . وهذا الحديث فيه منقبة كبيرة للحسن، وأنه سيد ومن سيادته تنازله عن الخلافة، وفيه أيضاً وصف للطائفة الذين مع الحسن، ومع معاوية بالإسلام، وهذا الحديث يتضمن منقبة وثناء على معاوية، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم مدح فعل الحسن وتنازله عن الملك لمعاوية، ولو كان معاوية ليس أهلاً للملك لما مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الصلح الذي فيه تنازل الحسن عن الملك. قال أبو الفضل ابن حجر في «الفتح» (6613) تعليقاً على هذا الحديث: وفي هذه القصة من الفوائد: علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة، وفيها رد على الخوارج الذي يكفرون علياً ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين، ودلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب. ا هـ . وقول ابن حجر: ودلالة على رأفة معاوية .... إلى آخر هذا، أخذه من ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على الحسن عند ما تنازل عن الملك لمعاوية كما تقدم. وسيرة معاوية رضي الله عنه، عندما تولى الملك تشهد بقوة نظره في تدبير الملك، وحسن سياسته. ومما يؤيد هذا ما رواه البخاري (7222 و7223) ومسلم (1821) من حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش، وهذا لفظ مسلم. وأخرجه أيضاً (1821) من طريق حصين عن جابر ولفظه:«إن هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». وفي لفظ عنده من طريق سماك عن جابر: «لايزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: «كلهم من قريش»، وفي لفظ عنده من طريق الشعبي عن جابر: «لايزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة». وأخرج أيضاً (1822) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لايزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش». فظاهر هذا الحديث يدخل فيه معاوية رضي الله عنه، وذلك أنه قرشي، وتولى الملك، وكان الدين في زمنه عزيزاً منيعاً، فهذا الحديث ينطبق عليه، خاصة في رواية الشعبي وسماك عن جابر «لايزال هذا الأمر ـ وفي رواية: الإسلام ـ عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» فظاهر هذه الرواية أن هذه العزة والمنعة من أول خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أبو بكر رضي الله عنه إلى اثني عشر خليفة، فيكون معاوية داخلاً فيهم، وخاصة أن معاوية بويع من جميع المسلمين، وسمي هذا العام بعام الجماعة كما هو معلوم. فعلى هذا الحديث أن معاوية خليفة شرعي، وأن الدين كان في زمنه عزيزاً منيعاً، وهذا لحكمه بالشرع وتطبيقه للسنة، وإلا لما كان الدين عزيزاً منيعاً، والله تعالى أعلم. وأقول أيضاً:إن معاوية هو أكبر طائفته ومعه عمرو بن العاص ومع ذلك فقد أثنى عليهما الرسول صلى الله عليه وسلم ثناء خاصاً، فقال عن معاوية: «اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به»، والأصل في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مستجاب . وأخرج البخاري (2924) من طريق عمير بن الأسود العنسي عن أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا»، وأول جيش غزا البحر من المسلمين كان بقيادة معاوية، وهذه منقبة عظيمة له، ومعنى «أوجبوا» أي وجبت لهم الجنة. ومن مناقبه اتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم له كاتباً. وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه: فأخرج أحمد (4/203) والنسائي في «الكبرى» (8301) وابن حبان (7092) وابن عساكر في «تاريخه» (13/502 و503) وابن أبي عاصم في «الآحاد» (796) كلهم من طريق موسى بن علي قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمرو بن العاص يقول: فزع الناس بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتفرقوا، فرأيت سالماً احتبى سيفه فجلس في المسجد، فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني وسالماً وأتى الناس، فقال: «أيها الناس، ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟». وهذا إسناد صحيح، وقد جاء له شاهد: أخرج أحمد في «المسند» (2/304 و327 و353 و354) والنسائي في «الكبرى» (8300) وابن سعد في «الطبقات» (4/191) وأبو نعيم في «المعرفة» (4997 و6535) والجورقاني في «الأباطيل» (171) وابن عساكر في «تاريخه» (13/502) والطبراني في «الكبير» (22/177) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (795)، كلهم من حديث حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابنا العاص مؤمنان: عمرو ، وهشام». هذا الإسناد لا بأس به وفيه غرابة، وقد صححه الحاكم في الموضع الأول على شرط مسلم، وقال الجورقاني: هذا حديث حسن مشهور. ا هـ . وجاءت نصوص أخرى بهذا المعنى، ولا شك أن هذه منقبة كبيرة بالشهادة له من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان. فهذا بعض ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القضايا، ولا شك أن الواجب على المسلم أن يقبل ويسلم بكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا مقتضى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولا يكون مؤمناً إلا بذلك، ومقتضى هذا(1) ولازمه محبة أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم، والثناء عليهم، والاستغفار لهم، وعدم مسبتهم، لا العكس، وهو الكلام في بعضهم، والتفتيش عن بعض عيوبهم، والقدح في نفر منهم، والتقليل من مكانتهم، والتنزيل من علو مرتبتهم، ويكون هذا ديدنه، وهذا الفعل هو هجيراه ومطلبه، ويبدي ويعيد في هذه المسألة، ويرى الصغير كبيراً، ويتبع هواه، ويعمل بما دل عليه الباطل ويرضاه. ولذلك قال محمد بن إبراهيم بن الوزير في «العواصم» (3/221) : والكلام فيما شجر بين الصحابة مما كثر فيه المراء والعصبية، مع قلة الفائدة في كثير منه. فنعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، ومن الطغيان بعد الإيمان، وأسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا محبة صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم، والاستغفار لهم، والإقرار بعلو مكانتهم، آمين ا.هـ. * * * وأما ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم في الجمل: فالأمر فيهم أوضح، وأبين مما جرى في صفين، وذلك أن الزبير وطلحة رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وعائشة هي أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، وهم لم يخرجوا لطلب الملك أو المشاقة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وإنما خرجوا من أجل المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، والإصلاح بين الناس. أخرج الإمام أحمد في «المسند» (6/97): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح كلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «أيتكن تنبح عليها الكلاب الحوأب»، فقال لها الزبير: ترجعين ! عسى الله أن يصلح بك الناس. وأخرجه أحمد (6/52): ثنا يحيى عن إسماعيل به، ولفظه : فقالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله عز وجل ذات بينهم. وهذا إسناد صحيح، وقال ابن كثير في «البداية» (9/187) عن الإسناد الأول: على شرط الشيخين، ولم يخرجوه . ولذلك قال أبو محمد ابن حزم في «الفصل» (4/158) عن الذين خرجوا إلى البصرة، وهم من تقدم: قد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها، أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافاً عليه، ولا نقضاً لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلماً، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم، فبينوا(1) عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدافع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بُدئ بها بالقتال، واختلط الأمر اختلاطاً لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه، فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها، ورجع الزبير وترك الحرب بحالها، وأتى طلحة سـهم غاير وهو قائم لا يدري حقيقة ذلك الاختلاط، فصادف جرحاً في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف، ومات من وقته رضي الله عنه، وقتل الزبير رضي الله عنه بوادي السباع على أقل من يوم من البصرة، فهكذا كان الأمر ا.هـ . * * * فصــل كثر كلام أهل العلم بالأمر بالسكوت عما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم، بل نُقل الإجماع على ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار - حجازاً وعراقاً ومصر وشاماً ويمناً- فكان من مذهبهم ...الترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله، والكف عما شجر بينهم. اهـ . ورواه اللالكائي في «السنة» (321) وأبو العلاء الهمداني في «ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف» (ص:90 ، 91) . قلت: ودليل هذا هو قوله تعالي: {والذين جآؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر 10]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تسبوا أصحابي ..»، وقد تقدم . وأخرج عبد الرزاق في «الأمالي» (51): ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذ ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا». وهذا إسناد صحيح إلا أنه مرسل، وقد جاء من طرق أخرى: فأخرجه الطبراني في «الكبير»( 10448): ثنا الحسن بن علي الفسوي ثنا سعيد بن سليمان ثنا مسهر بن عبد الملك الهمداني عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود به. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (4/108) وقال: غريب من حديث الأعمش، تفرد به مسهر ا.هـ . وهذا لا يصح، مسهر اختلف فيه، قال أبو داود: أما الحسن(1)بن علي الخلال فرأيته يحسن الثناء عليه، وأما أصحابنا لا يحمدونه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (9/197) وقال: يخطئ ويهم. وقال ابن عدي في «الكامل» (6/2449): أخبرنا أبو يعلى ثنا الحسين بن حماد الوراق ثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع ثقة. ا.هـ . وقال النسائي: ليس بالقوي. قال البخاري: فيه بعض النظر. وذكره ابن عدي في «الضعفاء» (6/2449)، وبعد أن ذكر له خبرين قال: ولمسهر غير ما ذكرت وليس بالكثير ا.هـ . قلت: مسهر فيه ضعف، وهذا الضعف ليس بالشديد؛ لأن من تكلم فيه كالبخاري قال: فيه بعض النظر، والنسائي قال: ليس بالقوي، فكيف وهناك من قوّاه؟ ولذلك حسن العراقي هذا الإسناد، فقال: رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن. ا.هـ . من المغنى ( ص: 78) . قلت: ولكن تفرده بهذا الخبر عن الأعمش مع الكلام فيه يضعف هذا الخبر. وقد جاء هذا الحديث من طريق آخر عن ابن مسعود ولكنه ضعيف جداً، وجاء أيضاً من حديث ابن عمر وثوبان، ولكنها ليست بشيء، وروى أبو موسى المديني - كما في «أسد الغابة» (3/200) - من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله بن عبد الغافر ـ وكـان مولى للنبي صلى الله عليه وسلم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القرآن فقولوا: كلام الله عز وجل غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر». وذكر ذلك ابن حجر في «الإصابة» (2/337) وعزاه إلى أبي موسى من طريق علي بن محمد المنجوري عن حماد به، وقال: في إسناده محمد بن علي الحناحاني، ذكره الحاكم فقال: أكثر أحاديثه مناكير، وأخرجه ابن منده من غير طريقه مختصر، لكنه قال: عبيد بن عبد الغافر. اهـ . قلت: علي بن محمد(1) ذكره ابن حبان في «الثقات» (8/466) ونسبه: المنجوراني، وقال: يروي عن شعبة وأبي جعفر الرازي، روى عنه عبد الصمد بن الفضل وأهل بلده. اهـ . وذكره السمعاني في «الأنساب» وذكر أن ابن حبان ذكره وسكت. وآخر هذا الخبر قطعاً لا يصح، وإنما هو من كلام أهل العلم، ولكن كما تقدم أنه جاء من غير طريق محمد بن علي كما ذكر ابن حجر. وروى الإمام أحمد في «الفضائل» (19): ثنا وكيع ثنا جعفر ـ يعني: ابن برقان ـ عن ميمون بن مهران قال: ثلاثة ارفضوهن: سب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والنظر في النجوم، والنظر في القدر. وهذا إسناد صحيح، وميمون تابعي، وإن كان هذا من كلامه، ولكن مثل هذا الكلام من حيث الأصل لا يقال من قبل الرأي. وهذه الأخبار لعل بعضها يقوي بعضاً، وإن كانت لا ترقى إلى درجة الثبوت، ولذلك قال أبو الفرج ابن رجب في «فضل علم السلف على الخلف» (ص: 26)- بعد أن ذكر حديث ابن مسعود- : وقد روي من وجوه متعددة في أسانيدها مقال. اهـ . ولكن معناها صحيح، وتقدم ذكر النصوص التي تدل على هذا مما سبق، ويقويها الإجماع الذي ذكره أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وهما من كبار أهل العلم في زمانهما، كما هو معلوم. ومعنى «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ..» وقول أهل العلم بهذا معناه: عدم الكلام والقدح فيهم، وليس معناه عدم ذكر ما جرى مثلاً في صفين أو الجمل، فإن هذا أولاً أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم هو تاريخ، ولذلك ذكره ودونه أهل العلم، بل وألفت المؤلفات الخاصة في ذلك، وأطال الكلام في ذلك ابن جرير وابن كثير وابن حجر وغيرهم من أهل العلم، ولكن لم يبنوا على هذا القدح في الصحابة والطعن فيهم، والله تعالى أعلم. وكتب عبد الله بن عبد الرحمن السعد 16/3/1421هـ
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video