الفارق
(بين قول الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه الله، وقول زرارة بن أعين، في الإمام جعفر الصادق رحمه الله)
ذكر الإمام الذهبي رحمه الله عن الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه الله أنه قال : "أملى علي جعفر بن محمد الحديث الطويل ـ يعني : في الحج ـ ثم قال : وفي نفسي منه شيء، مجالد أحب إلي منه"[1]. قلت : أولاَ : الإمام يحي رحمه الله إمام سنيٌ أثريٌ سلفيٌ بحت، حريص على موافقة الصواب، وملازمة الإتباع، وصون الشرع من الخطأ، وخطر الإبتداع، كما ظهر لنا فيما نقله الإمام الذهبي من أقوال أهل العلم فيه عند ترجمته له. ثانياَ : قوله في شخص الإمام جعفر الصادق رحمه الله : "وفي نفسي منه شييء، مجالد أحب إلي منه". لما بلغه حتماً عن الإمام جعفر الصادق رحمه الله، من إفتراءات الكذابين عليه، ونسبتها إليه، فظن الإمام يحيى أنها من عقائد وأحكام وأقوال الإمام جعفر، فتكلم في شخصه بما رأيت. وهذا لا شك من خطأ الإمام يحي غير المتعمد في حق جعفر الذي وصفه الذهبي : "بأنه من زلقات الإمام يحيى، بل أجمع أئمة هذا الشأن على أن جعفراً أوثق من مجالد، ولم يلتفتوا إلى قول يحيى". ولكن إذا علمنا بحجم الكذب الذي نسب إلى الإمام جعفر رحمه الله وبحجم الكذبة عليه، لعذرنا الإمام يحيى رحمه الله . يقول شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله : إن جعفراَ كُذب عليه ما لم يُكذّب على أحد، لأنه كان فيه من العلم والدين، ما ميزه الله به، وكان هو وأبوه (أبو جعفر)، وجده علي ابن الحسين من أعيان الأئمة علماَ وديناَ، ولم يجيء بعد جعفر مثله في أهل البيت"[2]. فالإمام يحيى رحمه الله محب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا لاشك فيه ولاريب، وما قوله في الإمام جعفر رحمه الله ذاك، إلا من منطلق ما سبق ذكره آنفاً. فهذا الإمام زين العابدين علي رحمه الله جد الإمام جعفر الصادق، يقول فيه الإمام يحيى : "كان أفضل هاشمي أدركته"[3]. فيا ترى، لماذا لم يقل فيه ما قاله في حفيده الإمام جعفر رحمه الله؟ لأنه حتماً، لم يبلغه عنه مثل ما بلغه عن الإمام جعفر رحمه الله. فالمسألة عند أهل العلم مسألة دين، لا يجوز أن يداهن فيه أحد عندهم كائناً من كان. ولكن مع هذا نقول : لابد من التحري والتثبت عما ينسب إلى من مثل الإمام جعفر رحمه الله. والإمام يحيى أهله - أي أهل التحري والتثبت - لذا انتهى إلى أن الامام جعفر، صادق غير كذوب، مما يدل على أن الإمام يحيى قد تحرى عما ينسب إليه وتثبت. قال الذهبي في رده لقول الإمام يحيى : "قلت : هذه من زلقات يحي القطان، بل أجمع أئمة هذا الشأن على أن جعفراً أوثق من مجالد، ولم يلتفتوا إلى قول يحي . وقال إسحاق بن حكيم : قال يحيى القطان : جعفرٌ ما كان كذوباً. فهذا عن الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه الله. فماذا عن زرارة بن أعين ؟ روى الكشي تحت ترجمة زرارة بن أعين : عن ابن مسكان، قال سمعت زرارة يقول : رحم الله أبا جعفر وأما جعفر فإن في قلبي عليه لفتة ! فقلت له وما حمل زرارة على هذا؟ قال حمله على هذا لأن أبا عبدالله أخرج مخازيه[4]. قلت : هذا هو الفارق بين قول الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه الله، وبين قول زرارة بن أعين في شخص الإمام جعفر الصادق رحمه الله. فزرارة، قوله في الإمام هو من منطلق أن الإمام أخرج مخازيه، فأخذته الحمية الجاهليه، فتكلم على ضوئها في الإمام متعمداَ الإساءة إليه، مع علمه بصدق الإمام في نفسه يقيناَ، وبكذب نفسه وافترائه عليه . فقول زرارة ليس كقول يحيى رحمه الله في شخص الإمام جعفر رحمه الله، فلا مقارنة بينهما أصلاَ، ولا يستويان مثلاَ . فتنبه. 4/ ربيع الأول /1439هـ الموافق 22/ 11 /2017م
[1] سير أعلام النبلاء، للذهبي، 5/148.
[2] مجموع الفتاوى، لإبن تيمية، 11/581.
[3] سير أعلام النبلاء، للذهبي ، 4/ 208.
[4] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، للطوسي، 1/357
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video