الإشارة إلى ما هو شرع وبدعة وشرك في الزيارة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإن الغرض من زيارة القبور في شرع الإسلام هو الإتعاظ والإعتبار لأنها تذكر المسلم المؤمن بالآخرة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تذكر الآخرة) – رواة الترمذي وصححه الألباني. وقال أيضاً: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) – رواة إبن ماجه وصححه الألباني. وقد شرع لنا نحن المسلمين المؤمنين عند هذه الزيارة الشرعية الدعاء للمسلمين الميتين المقبورين كما علمنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ( .. السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون انتم لنا فرط ونحن لكم تبع أسأل الله العافية لنا ولكم) - أخرجه مسلم، بدون لفظ : انتم لنا فرط ونحن لكم تبع، وهي عند أحمد والنسائي وصححه الألباني.
فهذه هي الزيارة الشرعية وهذا هو الغرض منها شرعاً وهذه هي شرعية الدعاء لساكنيها من المسلمين المؤمنين عند زيارة القبور، وهي زيارة شرعية واحدة لا تتعدد، وهي المطلوبة منا والمرغوبة والمستحبة لنا لا غير. وأما عن سبب تقسيم أهل العلم من أهل السنة والجماعة للزيارة إلى ثلاثة أقسام بإضافة الزيارة البدعية والزيارة الشركية إلى جانب الزيارة الشرعية التي سبق الكلام حولها آنفا، فإنما هو من باب بيان ما يقوم به الناس عند القبور من البدع والشركيات لا من باب أن هاتين الزيارتين شرعيتين إلى جانب الزيارة الشرعية، كلا. فالزيارة الشركية هي أن يقصد المرء المقبرة أو القبر لطلب قضاء حاجة من الميت المقبور سواء كان هذا الميت المقبور نبياً أو ولياً أو إماماً أو من عرف بالصلاح والاستقامة، فيطلب منه الرزق والشفاء منه مباشرة بأن يقول: يا نبي أو يا ولي أو يا إمام أو يا أيها الصالح الفلاني ارزقني أو إشفني أو إدفع عني الضر أو نجني أو اغثني .. إلخ، فهذا لا شك ولا ريب في أنه يعد شركاً في الكتاب والسنة وإجماع من يعتد بقوله، ومن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع (الزيارة الشركية) فعليه بما كتبه أهل التوحيد أهل السنة والجماعة في محله. وأما الزيارة البدعية فهي كالزيارة السابقة ولكن يدعوا فيها الزائر بالقول: يا نبي أو يا ولي أو يا إمام أو يا أيها الصالح الفلاني أدعوا الله لي أن يرزقني أو يشفيني أو ينجيني أو يغيثني .. إلخ، فهذا لا شك ولا ريب أيضاً في أنه يعد بدعة في الكتاب والسنة وإجماع من يعتد بقوله، ولا يعرف عن أحد من السلف أنه فعل هذا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن أن يفعله عند قبر غيره. فهذا أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه لم يأتي لا هو ولا غيره من الصحابة ولا أحد من أهل البيت لا علي ولا العباس رضي الله عنهم أجمعين إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطلب الإستسقاء ليدعو الله عزوجل لهم ليسقوا بل العكس خلافه حيث توجه أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه إلى الحي ليدعو الله عزوجل لهم جمعيا بما فيهم هذا الحي نفسه ألا وهو العباس رضي الله عنه ليستسقوا، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون. وما كانوا يستسقون به عليه الصلاة والسلام بعد موته ولا عند قبره ولا عند قبر غيره، ولو كان ذلك خيرًا لسبقنا إليه عمرُ رضي الله تعالى عنه ومن معه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فقد روى الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في (تاريخه) [65/112]، بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم بن عامر الخبائري: (أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفعُ إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه ورفع الناسُ أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابةٌ في الغرب كأنها تُرْس، وهبت لها ريح فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم). وروى ابن عساكر أيضًا بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس، فقال ليزيد بن الأسود أيضا: قم يا بكاء (زاد في رواية: فما دعا إلا ثلاثا حتى أمطروا مطرًا كادوا يغرقون منه). فهذا معاوية رضي الله عنه أيضًا لا يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لما سبق، ولم يحد عن سيرة من كان قبله من إخوانه من الصحابة وأهل البيت رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين. وأما من يقول: إني أطلب الدعاء منه ليدعو لي لأجل صلاح هذا الميت وتقواه وطاعته لله عزوجل ومقامه الرفيع عنده سبحانه وتعالى. فأقول: هل ينفعك دعاء هذا الميت الصالح لك بأن يرضى الله عنك مثلاً إذا كان الله عزوجل لا يريد أن يرضى عنك أبداً؟ يا ترى هل ينفعك؟ هل يكره الله عزوجل على فعل ما لا يريد هذا الميت الصالح؟ لا شك ولا ريب أنه لا يكره الله عزوجل أحد حتى ولو كان الميت نبي فضلاً عن غيره، لأن الله عزوجل لا مكره له. فهذا نوح عليه السلام سأل الله عزوجل أن ينجي إبنه من الغرق لأن إبنه من أهله، فهل نجاه من الغرق أم كان من المغرقين؟ لا شك أنه كان من المغرقين، لأن الله عزوجل لم يرد نجاته، ونوح عليه السلام لا يكره الله عزوجل على أمر لا يريده، لأن الله عزوجل لا مكره له، لذا قال الله عزوجل له: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود : 46]). إذاً هو عمل غير صالح ولو كان إبنه صالحاً في نفسه، صالحاً في عمله، صالحاً في اعتقاده، مطيع لله عزوجل ولرسوله نوح عليه السلام لنجا بنفسه بإذن الله تعالى لأن الله عزوجل أراد نجاته كما أراد نجاة نوح عليه السلام ومن معه. إذاً نجاة العبد يكون أولاً : بصلاح العبد في نفسه، وثانياً : بدعاءه لنفسه، وثالثاً: برضى الله عزوجل عنه، وإن لم يدعو له أحداً من الأحياء فضلاً عن أن يكون من الأموات. فعلى هذا، لماذا يعدل المسلم المؤمن إلى بدعة فيفعلها ويتمسك بها وهي لم ترد عن أحد ممن زكاهم الله عزوجل ومدحهم واثنى عليهم؟ فيا ترى لو كانت هذه البدعة أصلها من الدين دين الإسلام يتدين بها ويتقرب بها إلى الله عزوجل هل نحن نكون أسبق إليها وأحرص عليها من السلف الصالح من القرون الثلاثة المفضلة وعلى رأس القرون الثلاثة المفضلة الصحابة وعلى رأس الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين؟ لا شك في أننا لا نكون كذلك. إذاً على المسلم المؤمن أن يشتغل بنفسه فيصلحها ويزكيها بتقوى الله عزوجل وطاعته وعبادته حق التقوى والطاعة والعبادة متبعاً في ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق الإتباع على فهم سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين. فحينها لا يحتاج إلى أحد سوى الله عزوجل متحرياً مواطن الاستجابة ليدعوه ويرجوه ويتضرع إليه مباشرة دون واسطة أحد من خلقه.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video