التحقيق فيما نسب إلى الأخيار من الأخبار ودفع الشبه التي تثار
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد .. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، يجب علينا كمسلمين معرفة أمر هو في غاية الأهمية في حق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فبعد الإستعانة بالله وحده سبحانه وتعالى نقول: أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أناس مسلمين مؤمنين بالله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبجميع ما أمروا بالإيمان به من الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حق الإيمان على حقيقته، كما وأنهم حقاً وحقيقة قوم عدول ثقات وصادقين وهم في غنى عن تعديل وتوثيق وثناء ومدح أي أحدِ من البشر بعد أن اغناهم الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم به. فالأمر المهم الذي هو في غاية الأهمية كما سبق أن هؤلاء الصحابة الأجلاء العظام الكرام رضي الله عنهم أجمعين بشر غير معصومين من كبائر الذنوب وصغائرها وقد يقع من أحدهم الذنب كما وقع لماعز بن مالك الاسلمي رضي الله عنه وقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، كما ويجوز على الصحابة رضي الله عنهم الاجتهاد فهم قوم مجتهدون قد يصيبون وقد يخطئون في اجتهادهم ،، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعثه الله عزوجل إلى قوم مسلمين مؤمنين كاملين في أخلاقهم ولكنه بعثه الله عزوجل إلى قوم غير مسلمين ولا مؤمنين بل كانوا في ضلال مبين غير كاملين في أخلاقهم فيهم نقص كثير. قال الله سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة : 2])/ وقال أيضاً: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ [البقرة : 151]). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما بعثت لاتمم مكارم وفي رواية (صالح) الأخلاق) وقال أيضاً: (.. إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً) – حسنه الألباني في صحيح الجامع، فمن الطبيعي أن يصدر منهم أخطاء ومن الطبيعي أن يعلمهم الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأخطاءهم ويرشدهم الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصواب حتى تزكى نفوسهم على الإيمان والطاعة لله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم في إطار التعليم، وخير مثال على ما وقع منهم وهو رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا كان خطأً فنهاهم الله عزوجل عن ذلك وحذرهم لينتهوا فانتهوا رضي الله تبارك وتعالى عنهم. فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم يقع منهم الخطأ فهم قوم غير معصومين، ولكن العجب من قوم ينكرون علينا قولنا في أن الصحابة رضي الله عنهم ثقات عدول صادقين، فيقولون منكرين علينا أنتم تدعون أن الصحابة معصومين عند قولكم أنهم ثقاة عدول في حين هم يريدون ويطلبون من الصحابة رضي الله عنهم كما سبق أن يكونوا معصومين فلا يقبلون وقوع الخطأ منهم فيقولون منكرين، صحابي يخطأ أو مستفهمين منكرين صحابي كيف يخطأ؟ وكأن الصحابي رضي الله عنه معصوم من الخطأ. نعم، الصحابة لا يدانيهم في إيمانهم وتقواهم وطاعتهم وعبادتهم وأفعالهم واقوالهم وأخلاقهم ومعاملاتهم أحد ممن جاء بعدهم ولا يقاس بهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه . فهم صدر الإسلام رضي الله عنهم وحماته وناشري علومه بصدق وحفظ وأمانة ولهم من السبق في الأمور كلها ولهم من الحسنات ما يذهب السيئات باذن الله تعالى الذي قال في كتابه القرآن العظيم: (.. إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ .. [هود : 114]، ولكن كما سبق، يجب معرفة أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين غير معصومين قد يخطئون. فالصحابي قد عرف به أهل العلم من أهل السنة والجماعة بتعريفات لا حاجة لنا إلى تكراره هنا، خشية الإطالة، فمن رغب في الوقوف على تعريف الصحابي فعليه بكتب أهل العلم في هذا الشأن، ومثاله كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله. وكذلك فضائلهم فإنه قد جاء في حقهم من الآيات والروايات الصحيحة ما يغني عن أي قول آخر في مدحهم والثناء عليهم. وقد جاء في كتب الشيعة الاثني عشرية أنفسهم ما يدل على فضائلهم صريحاً كما في خطب نهج البلاغة[1] لا سيما ما جاء في فضل أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه ومدحه والثناء عليه صريحا (لله بلاء فلان فقد قوم الأود وداوى العمد . خلف الفتنة وأقام السنة . ذهب نقي الثوب ، قليل العيب . أصاب خيرها وسبق شرها . أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه . رحل وتركهم في طرق متشعبة) - نهج البلاغة، الخطبة رقم: 228. الذي قال فيه إبن أبي الحديد الشيعي المعتزلي شارح نهج البلاغة: (وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب ، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبى الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر) – أنظر: شرح نهج البلاغة، لإبن أبي الحديد، 12/ 3. وهذا النص وحده حقيقة ويقيناً كافٍ شافٍ وافٍ في أن ينسف ضلالهم وباطلهم في حق أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه نسفا ويهدم ما بنوه من أقوال وأحكام ومثالب ضالة مضلة في حقه هدما. لذا وقف أحد اساطينهم شارح نهج البلاغة المدعو بميثم البحراني متسائلا متحيرا مما استيقنته نفسه من نص قول علي رضي الله عنه: (وأعلم أنّ الشيعة قد أوردوا هنا سؤالا فقالوا : إنّ هذه الممادح الَّتي ذكرها عليه السّلام في حقّ أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة . فإمّا أن لا يكون هذا الكلام من كلامه عليه السّلام أو أن يكون إجماعنا خطأ) – شرح نهج البلاغة، لميثم البحراني، 4 /98. ولكن هؤلاء القوم سرعان ما يرجعون على أعقابهم بعد ظهور الحق لهم ووضوحه عندهم ليكون شأنهم شأن أولئك القوم الذين قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم، ردو وارفضوا - وهذا ليس بغريب عنهم فإنهم الرافضة - هذا النص من علي وانصروا رأيكم ومذهبكم الباطل الضال الزائغ عن الحق والحقيقة والصدق والصواب. نعم، الحق أن إجماعكم يا معشر الشيعة الاثني عشرية ليس خطأ فحسب، بل هو باطل وضلال وكذب وافتراء وزيغ عن الحق والحقيقة والصدق والصواب. نعم هكذا أنطق الحق كل متعصب عنيد غبي بليد، يرى آيات ربه تتلى عليه فيضل مستكبراً كأنه لم يسمعها، مع أن هذا النص من نهج البلاغة وحده كاف شافٍ وافٍ في أن يراجعوا أنفسهم ويتفكروا في أمرهم ويصححوا من سيرهم ونهجهم وعقاءدهم فيما بقي لهم من عمرهم قبل أن يلقوا ربهم وهم على ضلالهم وباطلهم، ولكن كما قال ربنا جل وعلا: (.. فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46])، وقوله: (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً ..[مريم : 75].. ). فأين المفر يا معشر الشيعة الاثني عشرية من هذا النص في حق أمير المؤمنين الفاروق عمر ، فوالله الذي لا إله إلا هو ليس لكم منه أي مفر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "العقيدة الواسطية" عن أصول أهل السنة والجماعة في حق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين : ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغُيِّر عن وجهه. والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم خير القرون وأن المُدَّ مِن أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور. ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.
فأما الآن فإلى تحقيق أخبار هؤلاء الأخيار ودفع شبه تثار .. وللحديث تتمة ..
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video