الكاتب : طه الدليمي ..
ماذا قال الإمامية في حق الصحابة؟
بُغض الصحابة، وشتمهم، وتكفيرهم، والطعن في أخلاقهم وأعراضهم، وأعراض أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى حد يرتجف القلم من تسطيره موضوع شائع في أوساط الإمامية، يتعبدون الله به ويلهجون بترديده بكرة وأصيلا! لأنهم يعتبرونه عقيدة لازمة لا يصح إيمانهم إلا بها، فإن (ولاءهم) لـ(أهل البيت) لا يعتبر عندهم إلا بـ(البراءة) من أعدائهم الذين هم الصحابة – حسب ادعائهم - والقاعدة التي يستندون إليها تقول: (لا ولاء إلا ببراء).
ومصادرهم المعتبرة عندهم -وكتبهم بعامة- تعج بالطعن بهم وتكفيرهم، وادعاء ردتهم بعد وفاة رسول الله. أو أنهم كانوا منافقين من الأساس. والواقع يشهد بذلك بما لا مزيد عليه.
ولولا أن البعض([1]) منهم يماري أحياناً في هذا - لا سيما إذا أحرج في وسائل الإعلام العالمية أو السنية، أو في بعض الكتب الدعائية طبقاً لعقيدة (التقية) - لما كان هنالك من حاجة لذكر بعض أقوالهم في هذا الباب لاشتهاره لدى العام والخاص. اللهم
إلا البعض ممن لم يخالطهم، أو ليس عنده اطلاع على كتبهم وحقيقة اعتقادهم.
المصادر والكتب الإمامية التي تطعن بالصحابة (رضي الله تعالى عنهم) لا تعد ولا تحصى! والأمر مفروغ منه.. فأكتفي بمصدر واحد هو من أمهات المصادر الإمامية المعتمدة والمشتهرة، هو (بحار الأنوار) للمجلسي. والكتاب ومؤلفه غنيان عن التعريف.
هذه قطرات أو عينات من ذلك المستنقع الكبير-مستنقع الطعن بالصحابة، المترشح من تلك (البحار) المظلمة النتنة. ويكفي أن تعلم أن فيه أبواباً معنونة بـ(تكفير الصحابة) صراحة !! منها: (باب[18] في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة رسول الله (ص) وغصب الخلافة وظهور جهل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين)/ص53، (باب[20] كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم، وفضل التبري منهم ولعنهم)/ص145 من المجلد (30)([2]). والمجلد في (707) من الصفحات المخصصة لتكفير الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم)، والطعن فيهم. هذا عدا ما ورد من ذلك في بقية مجلدات الكتاب البالغة أكثر من مائة مجلد!!!
-
إرشاد القلوب بحذف الإسناد مرفوعا إلى عبد الرحمن بن غنم الأزدي ختن معاذ بن جبل و حين مات كانت ابنته تحت معاذ بن جبل، و كان أفقه أهل الشام و أشدّهم اجتهادا، قال مات معاذ بن جبل بالطاعون، فشهدت يوم مات و الناس متشاغلون بالطاعون، قال و سمعته حين احتضر و ليس في البيت غيري و ذلك في خلافة عمر بن الخطاب، فسمعته يقول ويل لي ويل لي. فقلت في نفسي أصحاب الطاعون يهذون و يقولون الأعاجيب. فقلت له أ تهذي. قال لا، رحمك اللّه. قلت فلم تدعو بالويل و الثبور. قال لموالاتي عدوّ اللّه على وليّ اللّه. فقلت له من هم. قال موالاتي عتيقا و [رمع] على خليفة رسول اللّه و وصيّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقلت إنّك لتهجر. فقال يا ابن غنم و اللّه ما أهجر، هذان، رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقولان لي يا معاذ أبشر بالنار.أنت و أصحابك. أفليس قلتم إن مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو قتل زوينا الخلافة عن عليّ بن أبي طالب (ع) فلن تصل إليه، فاجتمعت أنا و عتيق و [رمع] و أبو عبيدة و سالم، قال قلت متى يا معاذ. قال في حجّة الوداع، قلنا نتظاهر على عليّ (ع) فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قلت لهم أنا أكفيكم قومي الأنصار فأكفوني قريشا، ثم دعوت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى هذا الذي تعاهدنا عليه بشر بن سعيد و أسيد بن حصين فبايعاني على ذلك، فقلت يا معاذ إنّك لتهجر، فألصق خدّه بالأرض فلمّا زال يدعو بالويل و الثبور حتى مات. فقال ابن غنم ما حدّثت بهذا الحديث يا ابن قيس بن هلال أحدا إلّا ابنتي امرأة معاذ و رجلا آخر، فإنّي فزعت ممّا رأيت و سمعت من معاذ. قال فحججت و لقيت الذي غمّض أبا عبيدة و سالما فأخبراني أنّه حصل لهما ذلك عند موتهما، لم يزد فيه حرفا و لم ينقص حرفا، كأنّهما قالا مثل ما قال معاذ بن جبل، فقلت أَوَلم يقتل سالم يوم التهامة. قال بلى، و لكنّا احتملناه و به رمق. قال سليم فحدّثت بحديث ابن غنم هذا كلّه محمد بن أبي بكر، فقال لي اكتم عليّ و اشهد أنّ أبي قد قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت عائشة إنّ أبي يهجر. قال محمد فلقيت عبد اللّه بن عمر في خلافة عثمان و حدّثته بما سمعت من أبي عند موته فأخذت عليه العهد و الميثاق ألّا يكتم عليّ. فقال لي ابن عمر اكتم عليّ، فواللّه لقد قال أبي مثل ما قال أبوك و ما زاد و لا نقص، ثم تداركها ابن عمر بعد و تخوّف أن أخبر بذلك عليّ بن أبي طالب عليه السلام لما علم من حبّي له و انقطاعي إليه، فقال إنّما كان يهجر. فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بما سمعته من أبي و ما حدّثني به ابن عمر. فقال عليّ (ع) قد حدّثني بذلك عن أبيك و عن أبيه و عن أبي عبيدة و سالم و عن معاذ من هو أصدق منك و من ابن عمر. فقلت و من ذاك يا أمير المؤمنين. فقال بعض من حدّثني. فعرفت ما عنى، فقلت صدقت، إنّما ظننت إنسانا حدّثك، و ما شهد أبي و هو يقول ذلك غيري. قال سليم قلت لابن غنم مات معاذ بالطاعون فبما مات أبو عبيدة. قال مات بالدّبيلة، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت هل شهد موت أبيك غيرك و أخيك عبد الرحمن و عائشة و عمر. قال لا. قلت و هل سمعوا منه ما سمعت. قال سمعوا منه طرفا فبكوا. و قال هو يهجر، فأمّا كلّ ما سمعت أنا فلا، قلت فالذي سمعوا ما هو. قال دعا بالويل و الثبور، فقال له عمر يا خليفة رسول اللّه لم تدعو بالويل و الثبور. قال هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معه عليّ بن أبي طالب يبشّراني بالنار، و معه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، و هو يقول قد وفيت بها و ظاهرت على وليّ اللّه فأبشر أنت و صاحبك بالنار في أسفل السافلين، فلمّا سمعها عمر خرج و هو يقول إنّه ليهجر قال لا و اللّه لا أهجر أين تذهب. قال عمر كيف لا تهجر و أنت ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ قال الآن أيضا أو لم أحدّثك أنّ محمّدا و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لي وأنا معه في الغار إنّي أرى سفينة جعفر و أصحابه تعوم في البحر، فقلت أرنيها، فمسح يده على وجهه فنظرت إليها، و أضمرت عند ذلك أنّه ساحر، و ذكرت لك ذلك بالمدينة، فأجمع رأيي و رأيك أنّه ساحر، فقال عمر يا هؤلاء إنّ أباكم يهجر فاكتموا ما تسمعون عنه لئلا يشمت بكم أهل هذا البيت، ثم خرج و خرج أخي و خرجت عائشة ليتوضئوا للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له لمّا خلوت به يا أبة قل لا إله إلااللّه، قال لا أقولها و لا أقدر عليها أبدا حتى أرد النار فأدخل التابوت، فلمّا ذكر التابوت ظننت أنّه يهجر، فقلت له أيّ تابوت. فقال تابوت من نار مقفل بقفل من نار فيه اثنا عشر رجلا، أنا و صاحبي هذا، قلت عمر. قال نعم، و عشرة في جبّ من جهنّم عليه صخرة إذا أراد اللّه أن يسعر جهنّم رفع الصخرة. قلت أ تهذي. قال لا و اللّه ما أهذي، و لعن اللّه ابن صهاك هو الذي أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي فَبِئْسَ الْقَرِينُ، ألصق خدّي بالأرض، فألصقت خدّه بالأرض([3])، فما زال يدعو بالويل و الثبور حتى غمّضته، ثم دخل عمر عليّ، فقال هل قال بعدنا شيئا فحدّثته. فقال يرحم اللّه خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، اكتم هذا كلّه هذيان، و أنتم أهل بيت يعرف لكم الهذيان في موتكم. قالت عائشة صدقت، ثم قال لي عمر إيّاك أن يخرج منك شيء ممّا سمت به إلى عليّ بن أبي طالب (ع) و أهل بيته. قال قال سليم قلت لمحمد من تراه حدّث أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، إنّه يراه في كلّ ليلة في المنام و حديثه إيّاه في المنام مثل حديثه إيّاه في اليقظة و الحياة، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي في نوم و لا يقظة و لا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة. قال سليم فقلت لمحمد فمن حدّثك بهذا. قال عليّ. فقلت قد سمعت أنا أيضا منه كما سمعت أنت، قلت لمحمد فلعلّ ملكا من الملائكة حدّثه. قال أ و ذاك قلت فهل تحدّث الملائكة إلّا الأنبياء. قال أ ما تقرأ كتاب اللّه و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبيّ و لا محدّث. قلت أنا أمير المؤمنين محدّث. قال نعم، و فاطمة محدّثة، و لم تكن نبيّة، و مريم محدّثة و لم تكن نبيّة، و أمّ موسى محدّثة و لم تكن نبيّة، و سارة امرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة و لم تكن نبيّة، فبشّروها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ. قال سليم فلمّا قتل محمد بن أبي بكر بمصر و عزّينا أمير المؤمنين، جئت إلى أمير المؤمنين عليه السلام و خلوت به فحدّثته بما أخبرني به محمد بن أبي بكر و بما حدّثني به ابن غنم. قال صدق محمد رحمه اللّه، أما انّه شهيد حيّ مرزوق، يا سليم إنّي و أوصيائي أحد عشر رجلا من ولدي أئمّة هدى مهديّون محدّثون. قلت يا أمير المؤمنين و من هم. قال ابني الحسن و الحسين، ثم ابني هذا و أخذ بيد عليّ بن الحسين عليهم السلام و هو رضيع ثم ثمانية من ولده واحدا بعد واحد، و هم الذين أقسم اللّه بهم فقال وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ، فالوالد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا، و ما ولد يعني هؤلاء الأحد عشر وصيّا صلوات اللّه عليهم. قلت يا أمير المؤمنين يجتمع إمامان. قال لا، إلّا و أحدهما صامت لا ينطق حتى يهلك الأول.
-
أقول وجدت الخبر في كتاب سليم عن أبان عن سليم عن عبد الرحمن بن غنم.. و ذكر الحديث مثله سواء.
-
بيان هذا الخبر أحد الأمور التي صارت سببا للقدح في كتاب سليم، لأنّ محمدا ولد في حجّة الوداع كما ورد في أخبار الخاصّة و العامّة فكان له عند موت أبيه سنتان و أشهر، فكيف كان يمكنه التكلّم بتلك الكلمات، و تذكر تلك الحكايات. و لعلّه ممّا صحّف فيه النساخ أو الرواة، أو يقال إنّ ذلك كان من معجزات أمير المؤمنين عليه السلام ظهر فيه. و قال بعض الأفاضل رأيت فيما وصل إليّ من نسخة هذا الكتاب أنّ عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند موته. والحقّ أنّ بمثل هذا لا يمكن القدح في كتاب معروف بين المحدّثين اعتمد عليه الكليني و الصدوق و غيرهما من القدماء، و أكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأصول المعتبرة، و قلّ كتاب من الأصول المتداولة يخلو عن مثل ذلك. قال النعماني في كتاب الغيبة بعد ما أورد من كتاب سليم أخبارا كثيرة ما هذا لفظه.. كتابه أصل من الأصول التي رواها أهل العلم و حملة حديث أهل البيت عليهم السلام و أقدمها، لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب إنّما هو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام و المقداد و سلمان الفارسي و أبي ذرّ و من جرى مجراهم ممّن شهد رسول اللّه و أمير المؤمنين عليهما السلام و سمع منهما، و هو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها و تعول عليها([4]).
-
عن الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال قلت له أسألك عن فلان وفلان. قال فعليهما لعنة اللّه بلعناته كلّها، ماتا و اللّه كافرين مشركين باللّه العظيم([5]).
-
عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام إنّ صفيّة بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها عمر غطّي قرطك، فإنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تنفعك شيئا، فقالت له هل رأيت لي قرطا يا ابن اللخناء. ثم دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته بذلك فبكت، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس. فقال ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في علوجكم، لا يسألني اليوم أحد من أبواه.. إلّا أخبرته، فقام إليه رجل فقال من أبي يا رسول اللّه. فقال أبوك غير الذي تدعى له، أبوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال من أبي يا رسول اللّه. قال أبوك الذي تدعى له. ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع، لا يسألني عن أبيه. فقام إليه عمر فقال أعوذ باللّه يا رسول اللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، اعف عنّي عفا اللّه عنك، فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ... إلى قوله ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ([6]).
-
قال علي بن إبراهيم في قوله لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال يعني يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام و آثام كلّ من اقتدى بهم، و هو قول الصادق صلوات اللّه عليه و اللّه ما أهريقت محجمة من دم، و لا قرعت عصا بعصا، و لا غصب فرج حرام، و لا أخذ مال من غير حلّه، إلّا و وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العالمين شيء([7]).
-
وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ.. قال الأوّل يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا. قال أبو جعفر عليه السلام يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول عليّا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني الثاني لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يعني الولاية وَ كانَ الشَّيْطانُ وهو الثاني لِلْإِنْسانِ خَذُولًا([8]).
1- سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام في يوم بيعة أبي بكر لست بقائل غير شيء واحد أذكّركم باللّه أيّها الأربعة يعنيني و الزبير و أبا ذرّ و المقداد أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول إنّ تابوتا من نار فيهاثنا عشر رجلا، ستة من الأوّلين و ستة من الآخرين في جبّ في قعر جهنّم في تابوت مقفل، على ذلك الجبّ صخرة إذا أراد اللّه أن يسعّر جهنّم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاستعاذت جهنّم من وهج ذلك الجبّ، فسألناه عنهم و أنتم شهود، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمّا الأوّلون فابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون الفراعنة، و الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، و رجلان من بني إسرائيل بدّلا كتابهما و غيّرا سنّتهما، أمّا أحدهما فهوّد اليهود، و الآخر نصّر النصارى، و إبليس سادسهم، و الدّجال في الآخرين، و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتك يا أخي، و التظاهر عليك بعدي هذا.. و هذا حتى عدّدهم و سمّاهم. فقال سلمان فقلنا صدقت نشهد إنّا سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله([9]).
- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قال الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار من شدّة حرّه، سأل اللّه أن يأذن له أن يتنفّس فأذن له، فتنفّس فأحرق جهنّم. قال و في ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ أهل تلك الجبّ من حرّ ذلك الصندوق، و هو التابوت، و في ذلك التابوت ستة من الأوّلين و ستة من الآخرين، فأمّا الستة من الأوّلين فابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار، و فرعون موسى، و السامريّ الذي اتّخذ العجل، و الذي هوّد اليهود، و الذي نصّر النصارى، و أمّا الستّة من الآخرين فهو الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع و صاحب الخوارج و ابن ملجم. وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ، قال الذي يلقى في الجبّ يقبّ فيه([10]).
بيان الأعرابيان الأول و الثاني اللّذان لم يؤمنا باللّه طرفة عين([11]).
- عن جعيد همدان، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام إنّ في التابوت الأسفل من النار ستة من الأوّلين و ستة من الآخرين، فأمّا الستّة من الأوّلين فابن آدم الذي قاتل أخيه، و فرعون الفراعنة، و السامريّ، و الدجّال، كتابه في الأوّلين، و يخرج في الآخرين و هامان، و قارون، و الستة من الآخرين فنعثل، و معاوية، و عمرو بن العاص، و أبو موسى الأشعري.. و نسي المحدّث اثنين.
بيان المنسيان الأعرابيان الأوّلان بشهادة ما تقدّم و ما سيأتي([12]).
- [تفسير العياشي] عن أبي بصير، قال يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب، بابها الأول للظالم و هو زريق، و بابها الثاني لحبتر، و الباب الثالث للثالث، و الرابع لمعاوية، و الباب الخامس لعبد الملك، و الباب السادس لعسكر بن هوسر، و الباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتّبعهم.
بيان سيأتي أنّ عسكر اسم جمل عائشة، و يحتمل أن يكون كناية عن بعض ولاة بني أميّة كأبي سلامة، و يحتمل أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بني العبّاس.
- [تفسير العياشي] عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، قال هو الثاني، و ليس في القرآن شيء (وقال الشيطان) إلّا و هو الثاني.
- [تفسير العياشي] عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا و سبعين كبلا، فينظر الأول إلى زفر في عشرين و مائة كبل و عشرين و مائة غلّ، فينظر إبليس فيقول من هذا الذي أضعفه اللّه العذاب و أنا أغويت هذا الخلق جميعا. فيقال هذا زفر. فيقول بما جدر له هذا العذاب. فيقال ببغيه على عليّ عليه السلام. فيقول له إبليس ويل لك أو ثبور لك، أ ما علمت أنّ اللّه أمرني بالسجود لآدم فعصيته و سألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد و أهل بيته و شيعته فلم يجبني إلى ذلك، و قال إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ و ما عرفتهم حين استثناهم إذ قلت وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ فمنيت به نفسك غرورا، فيوقف بين يدي الخلائق فيقال له ما الذي كان منك إلى عليّ و إلى الخلق الذين اتّبعوك على الخلاف. فيقول الشيطان و هو زفر لإبليس أنت أمرتني بذلك. فيقول له إبليس فلم عصيت ربّك و أطعتني. فيردّ زفر عليه ما قال اللّه إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ... إلى آخر الآية.
بيان قوله عليه السلام فيردّ زفر عليه.. ظاهر السياق أن يكون قوله إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ كلام إبليس، فيكون كلام زفر ما ذكر قبل تلك الآية من قوله إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً و ترك اختصارا، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما يجري بين [فلان] و بين أتباعه، فيكون المراد بالردّ عليه الردّ على أتباعه، أو يكون (عليهم) فصحّف، و لعلّه سقط من الكلام شيء، و في بعض النسخ لم تكن كلمة (ما) في (ما) قال اللّه، و لعلّه أقرب، و على تقديره يمكن أن يقرأ فيردّ على بناء المجهول و الظرف بدل من زفر، فتكون الملة
بيان للجملة السابقة.
- [تفسير العياشي] عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً. قال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال اللّهمّ أعزّ الدين بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام، فأنزل اللّه وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يعنيهما.
- [تفسير العياشي] عن محمد بن مروان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال قلت له جعلت فداك، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب. فقال يا محمّد قد و اللّه قال ذلك، و كان عليّ أشدّ من ضرب العنق، ثم أقبل عليّ فقال هل تدري ما أنزل اللّه يا محمّد. قلت أنت أعلم جعلت فداك. قال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان في دار الأرقم فقال اللّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأنزل اللّه ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يعنيهما([13]).
- عن ابن فرقد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ... الآية. فقال هذا مثل ضربه اللّه لرقيّة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي تزوّجها عثمان بن عفّان. قال و قوله وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ. يعني من الثالث و عمله. و قوله وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. يعني بني أميّة.
- عن الحسين بن مختار، عنهم عليهم السلام في قوله تعالى وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، الثاني. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ، قال العتل الكافر العظيم الكفر، و الزنيم ولد الزنا([14]).
- البرسي، في مشارق الأنوار عن محمد بن سنان، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر يا مغرور إنّي أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد أمّ معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا، يدخل بذلك الجنّة على رغم منك، و إنّ لك و لصاحبك الذي قمت مقامه صلبا و هتكا تخرجان عن جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فتصلبان على أغصان جذعة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاك. فقال عمر و من يفعل ذلك يا أبا الحسن (ع). فقال قوم قد فرّقوا بين السيوف و أغمادها، فيؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم عليه السلام و يأتي جرجيس و دانيال و كلّ نبيّ و صدّيق، ثم يأتي ريح فينسفكما في اليمّ نسفا.
و قال عليه السلام يوما للحسن يا أبا محمد أ ما ترى عندي تابوت من نار يقول يا عليّ استغفر لي، لا غفر اللّه له.
و روي في تفسير قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى هذه الحمير. فقال أمير المؤمنين عليه السلام اللّه أكرم من أن يخلق شيئا ثم ينكره، إنّما هو زريق و صاحبه في تابوت من نار في صورة حمارين، إذا شهقا في النار انزعج أهل النار من شدّة صراخهما([15]).
- عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ما حرّم اللّه شيئا إلّا و قد عصي فيه، لأنّهم تزوّجوا أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من بعده فخيرهنّ أبو بكر بين الحجاب و لا يتزوّجن أو يتزوّجن، فاخترن التزويج فتزوّجن. قال زرارة و لو سألت بعضهم أ رأيت لو أنّ أباك تزوّج امرأة و لم يدخل بها حتى مات، أتحلّ لك إذن. لقال لا، و هم قد استحلّوا أن يتزوّجوا أمّهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإنّ أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مثل أمّهاتهم([16]).
- [تفسير العياشي] المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن جعفر بن محمد و أبي جعفر عليهما السلام في قول اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى.. إلى آخر الآية، قال نزلت في عثمان، و جرت في معاوية و أتباعهما. - [تفسير العياشي] عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى.. لمحمّد و آل محمّد عليهم الصلاة و السلام، هذا تأويل، قال أنزلت في عثمان.
-[تفسير العياشي] عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى... إلى قوله لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا قال صفوان أي حجر وَ الَّذِينَ ُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ. قال فلان و فلان و فلان و معاوية و أشياعهم.
-[تفسير العياشي] عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ قالحقيق على اللّه أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما([17]).
ماذا قال الله تعالى في حق الصحابة؟
ذلك نموذج لما قاله الإمامية في حق الصحابة! فلننظر: ماذا قال الله تعالى فيهم؟
جاء في صريح آيات القرآن ما لا يمكن رده أو تأويله من ثناء على الصحابة y والشهادة لهم بصدق الإيمان. سواء منهم من آمن من قبل الفتح أو بعده. هذا بعضها:
النص على وجوب اتباعهم والتمسك بهم شرطاً لرضوان الله عزّ وجل
يقول تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الأْوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأْنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ{ (التوبة/100).
وفي المقابل حذر من مخالفتهم، وتوعد بالنار من أخذ بغير سبيلهم فقال: }وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً{ (النساء/115). ولم يكن المؤمنون الذين حذر الله من مخالفتهم في هذه الآية عند نزولها سوى المهاجرين والأنصار الذين صرح الله تعالى بوجوب اتباعهم في الآية الأولى شرطا لرضاه.
وليس هؤلاء السابقين الأولين المؤمنين من المهاجرين والأنصار قلة. كما يحاول أن يصوره الإمامية. بل هم كثيرون جداً. كما أخبر الله تعالى فقال: }وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنْ الأْوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنْ الآْخِرِينَ{ (الواقعة/10-14). كما أن أصحاب اليمين في المهاجرين والأنصار كثيرون. وذلك ما أخبر الله به فقال: }ثُلَّةٌ مِنْ الأْوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الآْخِرِينَ{ (الواقعة/39-40).
سابقو الأمم السالفة
ولا يمكن حمل هذه الآيات على سابقي الأمم السالفة كاليهود والنصارى لأنهم في
كل أمة قلة، وليسوا (ثلة) كما وصفهم القرآن الكريم. وذلك ثابت فيه وواضح لمن تدبر
ما قصه الله علينا من أعمالهم وأخلاقهم ومعاملتهم لأنبيائهم عليهم السلام. فـ(السابقون) في أول كل أمة ليسوا كثيرين. إلا في أمة الإسلام فإنهم (ثلة من الأولين).
فهذا نبي الله نوح عليه السلام يخبر الله تعالى عنه فيقول: }حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ { (هود:40). وكذلك أتباع إبراهيم عليه السلام.
وتأمل ما أخبرنا الله تعالى عن أوائل أمة موسى عليه السلام فقال تعالى: }فلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ{ الشعراء/61 (أصحاب موسى) هكذا جاء اللفظ عاما دون استثناء، ولذلك أفرد موسى عليه السلام نفسه بالمعية حين رد عليهم قولهم، فقال: }كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ{ الشعراء/62، ولم يقل: (ان معنا ربنا سيهدينا) كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم }لصاحبه لا تحزن إن الله معنا{. فشركه معه في المعية.
ولما عبروا البحر وقد أنجاهم الله تعالى من فرعون لتوهم و }أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{ الأعراف/138.
بل عبدوا العجل في غيابه! ولم ينكر عليهم سوى هارون عليه السلام. لكنهم لم يطيعوه. فلما دعا بالمغفرة والرحمة }قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَِخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ الأعراف/151، فخص نفسه وأخاه هارون فقط !
ولما سار إلى الأرض المقدسة وأمرهم بدخولها: }قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ{ ولم يستجب له إلا رجلان، رجلان فقط !! كما أخبر الله تعالى بقوله: }قَالَ رَجُلاَنِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ{ لكنهم قالوا جازمين: }يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{ فقال موسى وهو يعتذر إلى الله ويشكو من (قلة) الأعوان: }رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{ وهذا يعني أنه لم يكن في قوم موسى عليه السلام إلا اثنان يمكن أن يوصفا بـ(السابقين). وأن البقية فاسقون. فلا يصح أن يكونوا معنيين بقوله تعالى: }ثُلَّةٌ مِنْ الأْوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الآْخِرِينَ{. ولذلك عمهم الله تعالى جميعاً بالعقاب فقال: } فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{ (المائدة:20-26).
أين هؤلاء من أهل بدر؟! الذين قال قائلهم: (يا رسول الله امض لما أمرك الله فوالله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: }اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون{ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). وقال آخر: (امض لما أمرك الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك). فنصرهم الله تعالى نصراً مؤزراً حتى سمى يوم بدر بيوم الفرقان الذي فرق بين الحق والباطل. وأورثهم ديار الكافرين وأموالهم. وأنزل فيهم قوله الشريف في أول سورة الأنفال: }وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ{ الأنفال/11. وأنزل الملائكة تقاتل معهم تأييداً لهم: } إذ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا {. وكلهم آمنوا وثبتوا فلم ينهزم منهم أحد. وأنزل فيهم في أواخرها قوله: }هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم{. وقوله: }إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض {. وقوله: }والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاؤلئك منكم{.
وأما أمة عيسى عليه السلام فلم يكن فيهم من الأتباع الخلَّص إلا اثنا عشر رجلاً! ارتد واحد منهم هو يهوذا الإسخريوطي!! فما بقي منهم إلا أحد عشر. وهذا العدد لا يمكن وصفه بـ(الثلة). فليسوا هم المعنيين بقوله تعالى: }ثلة من الأولين وقليل من الآخرين{.
ولقد صدر من هؤلاء الحواريين أمور تدل على أنهم لم يتخلصوا تماماً من طبيعتهم
المادية اليهودية. مثل طلبهم من نبيهم عليه السلام مائدة تنزل من السماء، دليلاً على صدقه.
كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: }إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ{ المائدة/112،113. وتأمل قولهم: }هل يستطيع ربك{ ! وقولهم: }وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا{. أما أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا نعرف أحداً منهم أسلم بسبب خارقة سماوية سوى هذا القرآن. لقد كان عمر رضي الله عنه من أشد الناس عداوة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكنه ما أن سمع مطلع سورة (طه) حتى خشع لها ودمع وآمن. وقال: (دلوني على محمد حتى أسلم على يديه). دون أن يطلب مائدة ولا غيرها!
إن أولئك السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، هم الذين ندعو الله في كل قراءة لسورة الفاتحة أن يلحقنا بهم. ويهدينا صراطهم: }إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ{. وذلك مصداقاً لقوله تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ{ التوبة/100. وقوله: }وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراًً{ النساء/115.
المهاجرون والأنصار خيرة الأمة التي هي خيرة الأمم
إن قوله تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الأْوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ{ (التوبة/100). يستلزم أفضلية هؤلاء السابقين من المهاجرين والأنصار على بقية أجيال الأمة. لأنهم المأمور باتباعهم والاقتداء بهم. إذ لا يستقيم في العقول اقتداء الفاضل بالمفضول. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ([18]). وقال تعالى يخاطبهم جميعاً y : }كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ{ (آل عمران/110). ولم تكن الأمة حين نزول هذه الآية غيرهم.
وقال كذلك وهو يخاطبهم: }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً – إلى قوله تعالى - وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ{ (البقرة/143).
ولقد كان الله تعالى يَعِد اليهود والنصارى وجميع الأمم الماضية بمجيء هذه الأمة،
وأولها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وذلك ثابت في قوله تعالى: }ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِْنْجِيلِ{ (الفتح/29). فهم القدوة والمثل الأعلى الذي كان الله يضربه لتلك الملل.
المهاجرون والأنصار هم المؤمنون حقاً
قال تعالى: }وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ (الأنفال/74).
وقال: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيباً{ (الفتح/18).
وقال عنهم: }فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً{ (الفتح/26). فهم أهل التقوى وأحق الناس بها.
إيمان الصحابة مراد من الله إرادة قدرية لا ترد
قال تعالى يخاطبهم: }وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِْيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (الحجرات/7،8).
تأمل كيف ختم الله كلامه السابق بوصف نفسه بأنه (عليم حكيم). أي عليم بمن يستحق فضله. ولأنه حكيم فهو لا يضعه إلا في المحل الذي يستحقه. فهذا التحبيب والتزيين للإيمان في قلوبهم. وتكريه ما يضاده من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن موضوعاً في تلك القلوب عبثاً بل قد علم أنهم أهل له. وأحق الناس به
المهاجرون والأنصار أحق الناس بوصف (الصادقون) و(المفلحون)
قال تعالى: }لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ{. ثم أكمل عن الأنصار فقال: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإْيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ{ (الحشر/8،9).
وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ{ (التوبة/119). وهذه نزلت
بسبب الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. لكنهم صدقوا -فلم يعتذروا- وأقروا بتقصيرهم. فأنجاهم الله بصدقهم. و زاد فشرفهم بأمر المؤمنين باتباعهم. فكيف بسواهم ممن وصفهم الله بأنهم: }أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ{ ؟!
وجوب الاستغفار لهم وحرمة تتبع أخطائهم
قال تعالى بعد الآيتين السابقتين من سورة الحشر. اللتين مدح فيهما المهاجرين والأنصار: }وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإْيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ (الحشر/10).
إن الاستغفار لهم يتناقض مع التنقير عن أخطائهم، وتتبع زلاتهم. فكيف بالكذب عليهم. واختلاق التهم وإلصاقها بهم ؟! إن ذلك حرام مع غيرهم. فكيف به معهم وقد أوصى الله بالاستغفار لهم ؟!! بل أمر بذلك رسوله فقال: }فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأْمْرِ{ (آل عمران/159).
وتحريم حمل الغل في القلوب يتناقض مع الحقد عليهم. بل جعل الله ذلك من دلائل الكفر وعلامات الكافرين ! فقال: }ليغيظ بهم الكفار{ (الفتح/29).
الصحابة كلهم في الجنة
قال الله تعالى يخاطب جمعهم: }لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{ (الحديد/10). }واللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ{ (آل عمران/9). كما أخبر هو عن نفسه. ولقد قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ{ (الأنبياء/101). أي عن النار. والصحابة قسمان قسم أسلم قبل الفتح، وقسم أسلم بعده. وكلا القسمين موعود بدخول الجنة، والنجاة من النار بنص القرآن.
أمهات المؤمنين
قال تعالى: }النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ{ (الأحزاب/6).
فالمؤمن: أمهاته زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأبوه رسول الله. وإخوانه المهاجرون والأنصار، المعنيين بدعائه: }رَبنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ{ (الحشر/10). وهذا هو بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فمن طعن بزوجة من زوجات النبي، فهو مطرود من نسب الإيمان. فإنه لو كان مؤمناً لما طعن بـ(أمهات المؤمنين). لأن الولد لا يطعن بأمه.
وهذه الأمومة أمومة حقيقية. تترتب عليها حقوق الاحترام والإجلال والفخر بالانتساب. فهل هناك أمهات اشرف من نساء اختارهن رسول الله ؟ بل اختارهن الله تعالى. فقال لنبيه : }لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً{ (الأحزاب:52). وقال عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: }فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا{ (الأحزاب: من الآية37).
وقال في أفضلينهن على نساء العالمين: }يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنّ{ (الأحزاب/32). حتى إنه تعالى حرم على المؤمنين الزواج منهن. كما يحرم على الولد الزواج بأمه. مع أن ذلك حلال مع غيرهن. فقال: }وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً{ (الأحزاب/53).
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يؤذيه كل ما يمكن أن يسيء إلى أزواجه، من قول أو عمل. إلى الحد الذي أمر الله به المؤمنين أن لا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب فقال: }إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ{ (الأحزاب/53).
فكيف بالطعن بهن أو سبهن أو وصفهن بما لا يليق! والله تعالى يقول بعد تلك الآية بقليل: }إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا{ (الأحزاب/57).
ثم يوصي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبتعد عما يمكن أن يعرضه لألسنة الناس، حتى يتجنب ما يؤذيه. فقال: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ{ (الأحزاب/59).
ثم قال تعالى بعدها مباشرة: }لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ{ (الأحزاب/60). إشارة إلى ما كان يشيعه أولئك عن زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزينب. وقد كانت زوجة لمتبناه زيد. وقد مر ذكر ذلك في السورة نفسها في الآية (37). فجعل الكلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أزواجه من شيمة المنافقين وأمثالهم. وأوصى المؤمنين أن لا يكونوا أمثالهم. أو أولئك }الَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا{ (الأحزاب/69). أي لا يكونن محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أهله بينكم، كما كان موسى عليه السلام في أهله بين بني إسرائيل. الذين اتهموه في رجولته. وما يتبع ذلك من التعرض لأهله.
وبيَّن الله في السورة نفسها أنه لن يقبل عذر من طعن في أزواج نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، تاركاً القرآن والسنة. ومتبعاً قول السادة والكبراء -إذا لم يتب ومات على ذلك- كما قال: }يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا { (الأحزاب/66،70). وهل الطعن في أزواج النبي والقول فيهن بما لا يليق من القول السديد ؟ أم من المنكر الشديد ؟!
تخيل نفسك -وأنت تسب عائشة أو حفصة رضي الله عنهما- التفتَّ فإذا أنت
برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليك ويسمع كلامك.. ما هو موقفك في تلك اللحظة؟ أم ما هو موقفه منك ؟!!
سيدات نساء العالمين
يقول تعالى: }يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ{ (الأحزاب/32). أي ليس هناك من جماعة من النساء مطلقاً أفضل منكن. بشرط التقوى. فإذا ثبتت التقوى في حقهن، ثبتت أفضليتهن على نساء العالمين عبر العصور والدهور. دون استثناء. وليس ذلك بكثير على نساء أفضل الأنبياء والمرسلين، والخلق أجمعين. على نساء اختارهن الله ورسوله. واخترن الله ورسوله !!
أما التقوى ثابتة لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بنص الكتاب العظيم. ذلك أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، على الحياة الدنيا وزينتها. بعد نزول آيات التخيير وهي: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا{ (الأحزاب/ 28،29). فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وتركن الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها. و كان هذا الاختيار صادقاً. بدليل أنه لم يكن ثمة ما يرغبهن بالبقاء مع النبي، ويصبرهن على معاناة شظف العيش معه، سوى صدق الإيمان، وحقيقة التقوى. ولأن هذا الاختيار قائم على التقوى. استحق قبول الله تعالى له. فكرمهن بسببه. وذلك بقوله: }لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ{ (الأحزاب/52).
وهذا التكريم من جهتين:
1- منعه صلى الله عليه وآله وسلم من الزواج عليهن.
2- ومنعه من تطليق واحدة منهن، ليتزوج أخرى بدلها. وذلك من أجل أن يبقين له زوجات دائميات. ليس في الدنيا فحسب. وإنما في الآخرة أيضاً. ولذلك منع المؤمنين من التزوج بهن من بعده فقال: } وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا{ (الأحزاب/53). وجعلهن بمقام الأمهات لكل مؤمن بقوله: }النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ{ (الأحزاب/6).
هذا بعض ما ورد في فضل أمهات المؤمنين من آيات تركنا أكثرها طلباً للاختصار.
صورة المجتمع الإسلامي على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لو تتبعنا آيات سورة (التوبة) - الآية 98 وما بعدها - لوجدنا ما يمكن أن يرسم لنا صورة للمجتمع الإسلامي على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
* فهناك قبائل الأعراب المتناثرة في الصحراء حول المدينة. وهؤلاء قسمان: قسم منافق وقسم مؤمن: }وَمِنَ اْلأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ (98،99).
* وفي داخل المدينة المهاجرون والأنصار. وهؤلاء قسمان: السابقون الأولون. والذين لحقوا بهم من بعد واتبعوهم بإحسان من عموم المهاجرين والأنصار.
وهؤلاء ليس من شرط فضلهم أن لا يقترفوا ذنباً أو يرتكبوا تقصيراً. بل الصحابة بشر يجري عليهم ما يجري على بني آدم من لوازم الضعف والنقص المركب فيهم. فقد تجد منهم من يغلبه ضعفه أحياناً فيتخلف عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأبي لبابة بن عبد المنذر، وبعض الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بلا عذر. وهم حوالي عشرة نفر. لما بلغهم ما نزل في المخلفين أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد. وأقسموا أن لا يحل وثاقهم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فتركهم حتى نزلت الآية بقبول توبتهم: }وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ (التوبة:102). (خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً) وهو جهادهم في سبيل الله قبل هذه الغزوة. (وَآخَرَ سَيِّئاً) وهو تخلفهم عن هذه الغزوة، وإيثارهم الراحة والدعة. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) وهو قبول توبتهم. فأطلقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فطلبوا منه أن يأخذ أموالهم صدقة. طهرة لهم وكفارة عن ذنوبهم. فنزل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) تنمي بها حسناتهم وأموالهم. (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ادع لهم واستغفر لهم. (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) طمأنينة ورحمة لهم.
ومن هؤلاء المتخلفين من قال عنهم: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ). وهم الثلاثة الذين
خلِّفوا. وهم: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية. تخلفوا تكاسلاً، ورغبة في الراحة. وهؤلاء لم يعتذروا عند رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأبي لبابة وجماعته. بل قالوا: لا عذر لنا. فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باجتنابهم إلى أن نزلت التوبة عليهم: }لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ{ (117-119).
إذن المجتمع النبوي فيه أعراب حول المدينة. وفيه مهاجرين وأنصار (سابقون ولاحقون) داخل المدينة.
* وبينهم منافقون.
وهم قلة قليلة. لا تمثل المجتمع المدني. بل المجتمع المدني يمثله المهاجرون والأنصار الذين قال الله عنهم: }وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (التوبة:100).
وقال: }لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{ (التوبة:117). وكانوا أكثر من ثلاثين ألفاً على رأسهم وأفضلهم من نزلت في حقه آية الغار تشخصه وتخصه وحده بالفضل مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فماذا فعل الإمامية ؟
جاءوا إلى آيات المنافقين فأسقطوها على المهاجرين والأنصار ظلماً وتعسفاً. مع أن الآيات وصفت كل فريق بما يناسبه. ويَفصِله عن غيره!
لقد وصفت الآيات المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك. ووصفتهم بالكسل عـن
الصلاة والإنفاق وغيرها من الأوصاف. خذ مثلاً قوله تعالى فيهم: }الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ (التوبة:67). كيف تسقط هذه الآية على مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة. وهم الذين جهزوا الجيش. الذي سمي بجيش العسرة، لشدة الحال والضيق والعسرة وقلة المال ؟! فبادر هؤلاء وأمثالهم ينفقون إنفاق من لا يخشى الفقر. ليجهزوا ذلك الجيش العرمرم المتوجه لغزو إحدى الدولتين العظميين في ذلك الزمان: دولة الرومان في الشام.
لقد جاء أبو بكر بماله جميعاً. فلما سأله رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: ماذا أبقيت لأهلك ؟ أجابه: أبقيت لهم الله ورسوله! وكذلك فعل ابن عوف! وجاء عمر بنصف أمواله.
أما عثمان رضي الله عنه فتبرع بألف بعير وفرس سوى الذهب الذي ملأ به حجر
رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم. فجعل الرسول يقلبه بكفيه ويقول: (ما ضر عثمان ما فعل بعدها).
أفهؤلاء يوضعون في صف المنافقين الذين }يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ{ والذين }لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ"{ ؟!
أم يوضعون في صف من قال الله فيهم: }لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (التوبة:88-89).وقال: }وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (التوبة:100). وقال: }لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{ (التوبة:117). }مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ{ (القلم:36-38).
مئات الآيات في فضل الصحابة
هذا وقد جاء في الكتاب مئات من الآيات المحكمات في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تركناها تجنباً للإطالة. و في ما أوردناه لغنية وبلاغ لكل طالب حق.
أما الزائغون فلن ينتفعوا بشيء. ولو جئتهم بألف دليل ودليل! لأن الأمر كما قال سبحانه: }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ{ (فصلت/44).
لمحة عن كيفية اتباع الشيعة المتشابهات في تجريح الصحابة
يترك الإمامية هذه الآيات المحكمات والتي تعد بالمئات ليلهثوا جاهدين وراء المتشابهات أو ما اختلقوا من روايات وزوروا من تواريخ وحكايات وأقاصيص مخترعات. فإذا عرضت لهم تلك النصوص، صاروا يلوون أعناقها، ويطوعونها قسراً كي تتلاءم مع ما يريدون. وإليه يرمون.
وحتى لا أطيل في هذا الموضوع أضرب مثالاً واحداً. ليقاس عليه بقية الأمثلة. إلا وهو سورة (الفتح).
سـورة الفتـح
نزلت هذه السورة العظيمة تعليقاً على ما تم في الحديبية من صلح وما سبقه من أحداث أهمها بيعة الرضوان تحت الشجرة. وكان ذلك حين بايعه ألف وخمسمائة من أصحابه على القتال أو الموت في سبيل الله بعد ما أشيع أن عثمان رضي الله عنه قتلته قريش وقد ذهب يبلغها رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وسبب ذلك كله مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام y قاصدين أداء العمرة. وقد تخلف عنهم المنافقون، وضعاف الإيمان من الأعراب وأشباههم خوفاً من قريش التي ظنوا أنها ستبيد المسلمين. كما أخبر تعالى عنهم بقوله: }بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُوراً{ (الفتح/12).
أما المؤمنون - الذين آمنوا بربهم ووثقوا بوعده فتوكلوا عليه - فقد لبوا نداء نبيهم، دون أن يستجيبوا إلى ما يعتمل في النفس من مخاوف أو يخطر من ظنون. فكان ما كان من أحداث جسام. حتى إذا تم الصلح ورجعوا إلى المدينة نزلت هذه السورة أثناء الطريق. وفيها ما فيها من عظيم الثناء عليهم.
انقسمت السورة في فضلها قسمين اثنين: قسم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقسم لصحابته:
فقوله تعالى: }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك
ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزا{ (الفتح/1-3) هذا لرسول الله.
فما لصحابته معه ؟ قال تعالى بعدها مباشرة: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا{ (الفتح/4،5).
ثم تذكر السورة فريقاً ثالثاً تخلف فلم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأزمة. خوفاً وظنَّ السوء. فقال تعالى بعدها مباشرة: }وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا{ (الفتح/6).
هؤلاء الذين جاءوا - بعد أن رجع المؤمنون سالمين - يعتذرون قائلين: }شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً{ (11-12). وتعود السورة إلى الحديث عن رسول الله وصحابته. والثناء عليهم بعكس أوصاف المنافقين وأفعالهم. حتى تنتهي النهاية نفسها. فتكون الخاتمة كالفاتحة: }هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإْنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ (الفتح/28-29).
فهل هناك أعظم وأجمل وأروع من هذا الثناء والتوثيق والتعديل؟!!
فانظر كيف اتبع المخلفون والذين في قلوبهم مرض والناكثون المارقون سبيـل
المتشابه، ليبطلوا – بظنهم - ذلك كله. ويطعنوا في خير جيل وعد الله به البشرية في التاريخ كله ؟!
الحرف الذي نسف سورة بكاملها !
ترك هؤلاء السورة كلها. ثم جاءوا إلى حرف واحد منها متشابه ليبنوا عليه أوهامهم وأفكارهم. قالوا: إن الحرف (من) في آخر آية من السورة للتبعيض. فيكون الثناء والوعد للبعض. لا للكل!
وهؤلاء البعض كم عددهم؟ ألف، ألفان؟ أم أكثر؟ أم أقل؟ ثم من هؤلاء؟
ثلاثة نفر: سلمان والمقداد وأبو ذر. وفي رواية: خمسة.
فقط ؟!
فقط.
وماذا نقول لليهود والنصارى وهم ينتظرون ميلاد ذلك الجيل الموعود على مر الحقب والتواريخ ؟!!
قولوا ما تقولون. فليس ذلك من شأننا.
وهكذا غلفت هذه السورة بالكامل. وكفنت ووضعت على الرف.
ولو قال تعالى: (محمد رسول الله وأهل بيته معه أشداء على الكفار..وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً). لقالوا: هذا دليل صريح على إمامة علي وعصمته وأحد عشر من ذريته!
وللعقلاء الأزكياء نقول:
إن الآية ذكرت للأصحاب مجتمعين، هذا الصفات مجتمعة:
- أشداء على الكفار
- رحماء بينهم
- تراهم ركعاً سجداً
- يبتغون فضلاً من الله ورضوانا
- سيماههم في وجوههم من أثر السجود
وباقي الصفات نتركها تبرعاً.
فنقول: هل يمكن لجمع اتصف بهذه الصفات كلها مجتمعة أن يكون بعضهم في النار، وبعضهم في الجنة!!
إضافة إلى أن السورة امتلأت بالثناء عليهم. كما في قوله تعالى: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً{ (الفتح/18). والفتح القريب هو فتح خيبر. فالإثابة بالفتح كانت على خمسة فقط ؟! أم أن خمسة فقط هم الذين فتحوا خيبر ؟! وهذا الجمع الذي يعد بالمئات منافقون!
كيف ينصر الله جيشاً أغلبه منافقون؟! إذن لماذا لم ينصر الله موسى عليه السلام ويدخله الأرض المقدسة ومعه أخوه هارون واثنان مخلصان ؟! ولا بد أن يكون معه آخرون مؤمنون، وإن كانوا ضعاف الإيمان.
ولماذا سجن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أبا محجن الثقفي وقد تغنى بالخمر – وقيل شربها - في القادسية ؟!!
ومن هؤلاء (المؤمنون) الذين عيَّر الله بهم المنافقين فقال: }بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا{ (الفتح /12). ومدحهم أعظم المدح فقال: }فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا { (الفتح/26)؟ ثلاثة فقط ؟!
لقد رجع المؤمنون من الحديبية – وقد فازوا بجائزة هذه السورة - فرحين أشد الفرح. ولم يكن يخطر ببالهم أن هذه الجائزة ليست لهم. وأنهم لا يستحقون إلا الغضب
واللعن. وأنهم والمخلفين سواء! إذن علام خرجوا معه. وتحملوا هذه المخاطر؟!
ولم يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من ذلك. حتى خلف من بعد ذلك خلوف فازوا بفهم هذه الآيات.. فهماً لم يدركه رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه المقربون!
لقد وصف الله صحابة نبيه - وهم (الأمة) حين نزول الآية - فقال: }كنتم خير أمة أخرجت للناس{ (آل عمران/110). وإن أمة تعد بعشرات الآلاف ليس فيها من
الخيِّرين إلا بضعة نفر، لا يمكن وصفها بأنها خير أمة، بل هي شر أمة.
إن أقل ما تستحق به أمة هذا الوصف، أن يغلب خيارها على شرارها. فكيف إذا كان الأخيار - على قول الإمامية - لا يكادون يوجدون!
وبشَّر تعالى اليهود والنصارى والأمم كلها، بمجيء هذا الجيل الموعود. وضرب لهم الأمثال في التوراة والإنجيل. لكن وعد الله وبشارته - على رأي الإمامية - لم تتحقق. لأن جيلاً ليس فيه إلا خمسة نفر صالحون. يستحيي من الفخر به أحد من الخلق. فكيف بالخالق القادر العظيم! أهكذا تكون بشارة العظيم؟! }مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{ (القلم/36).
لو عاملنا الأنبياء كما عامل الإمامية الصحابة
لو اتبعنا أسلوب الإمامية في طعنهم بالأصحاب عن طريق تصيد شبهات الألفاظ وتضخيم الأخطاء. وطبقنا ذلك على الأنبياء عليه السلام لما بقي لنا إيمان، ولا سلم لنا رسول! واليك البرهان على ما أقول:
إبراهيم الخليل عليه السلام
قال تعالى: }وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآْفِلِين * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ { الأنعام/75-78.
لو أن هذه الآيات نزلت في حق أبي بكر الصديق لقالوا:
كيف يصلح أبو بكر للإمامة وقد كان مشركاً متحيراً! فمرة يقول عن الكوكب هذا ربي. ومرة يتخذ القمر إلها. وأخرى يتخذ الشمس كذلك. حتى قال:} لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{. فهو يشهد على نفسه أنه من الضالين المشركين غير المهتدين فهو إذن من الظالمين. والإمامة لا تصلح للظالمين. لأن الله يقول: }وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ{ (البقرة/124)!!
موسى عليه السلام
تأمل ما حكاه الله عن موسى عليه السلام :
1. قتل نفساً بغير نفس
}وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {(القصص/14-16). ثم لم يف بما وعد وأخذ على نفسه من عهد، بل نسي وكاد أن يكرر الفعل نفسه في اليوم الثاني! كما قال تعالى: }فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأْمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأْرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ{ القصص/19. حتى إن فرعون عيَّره بفعلته، وأنكر لذلك أمر نبوته فقال: }وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ{ الشعراء/19-20 وهذا إقرار من موسى على نفسه بأنه فعل ما فعل وهو من الضالين.
ولو كانت الآية في حق أبي بكررضي الله عنه لتوسعوا في معنى الضلال، وقالوا هو الكفر الأكبر والشرك المطلق. ولقالوا: إنه قاتل ومتهور وظالم. وكل ذلك جاء في النص. فكيف يكون إماما للمسلمين وخليفة على المؤمنين والله يقول: }لا ينال عهدي الظالمين{!!
2. الخوف والهرب وأمور أخرى
قال تعالى مخاطباً موسى عليه السلام وقد هرب من بين يديه خوفاً من الحية التي كانت عصا: }إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ{ النمل/10-11 ولو كان ذلك في حق أبي بكر لقالوا: إنه جبان وعديم الإيمان. وهل يمكن لإنسان أن يخاف من شيء في حضرة الرحمن؟ وما ذلك إلا لظلمه. تأملوا قول الله: (إلا من ظلم)! فلولا ظلمه لما خاف أما قال تعالى: }سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً{ آل عمران/151…الخ. والله تعالى يقول: } لاينال عهدي الظالمين{ أي (الإمامة).
ليس هذا فقط. وإنما جاء في حقه قوله تعالى: }رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ – إلى قوله - وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ – إلى قوله - ففَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ{ (الشعراء/12-21) وصاحب الذنب غير معصوم. و(الإمامة) لا تكون إلا للمعصومين. ولو أسقطنا هذه الآيات الكريمة على أبي بكر رضي الله عنه، ولم تكن نازلة في حق نبي الله موسى عليه السلام لأشبعوه شتماً وطعناً وتجريحاً وقالوا: انظروا إلى خوفه وجبنه وفراره خوفاً من القتل! كيف يكون مثل هذا (إماما)؟!
وهذا الذي أقوله يقين وليس ظناً: فإن قوماً جاءوا إلى قوله تعالى حكاية عن قول نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه : }لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا{ التوبة/40 فحرفوا (الحزن) إلى (الخوف). وقالوا: أبو بكر جبان خاف على نفسه وكان يرتعد من الخوف والنبي يهدئه ويطمئنه. وبنوا على ذلك حكايات وأساطير. مع أن الحزن شيء والخوف شيء آخر. كيف إذن لو نزل مثل هذا الكلام في حق أبي بكر؟!
لقد صرح الله تعالى بنسبة الخوف إلى موسى عليه السلام. وجاءت آيات أخرى تنهى بعض الأنبياء عن الخوف مثل خطاب الملائكة للوط عليه السلام : }لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ{ العنكبوت/33 وبعضها ينهى عن الحزن مثل خطاب الله تعالى لنبيه محمدصلى الله عليه وآله وسلم: }وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ{ النحل/127. فلماذا يُذم أبو بكر على أشياء ثبتت في حق الأنبياء؟ مع أن آية الغار ليس فيها ذكر للخوف! أليس هذا هو عين الكيل بمكيالين؟!! أيذم أبو بكر لأنه حزن. ولا يذم من هو أفضل منه للسبب نفسه ؟! أليس الفاضل أولى بالقدح من المفضول؟ وأن حسنات الأبرار سيئات المقربين؟!
هل هذا سوء فهم أم سوء قصد ؟!
لكن لأن الأنبياء عليهم السلام متفق على صلاحهم، فالكلام عليهم واضح البطلان. لذلك سكتوا عنهم. بيد أن سنة الله واحدة، وقانونه واحد. فالأمر الذي يكون في حق أبي بكر سيئة لا بد أن يكون في حق سواه كذلك. لا سيما إذا كان نبياً يستحق الوصف بالأولى. كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : }وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا{ الإسراء/73-75. ثم تأمل ما قال الله في حق موسى عليه السلام: }وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأْلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ{ الأعراف/150. وماذا في الألواح غير كلام الله؟! فكيف يلقيها موسى وهو كليم الله؟! إن الواجب الشرعي يحتم علينا أن نتأول له هذا الفعل بما لا يخدش نبوته. والسؤال ماذا كانوا سيقولون لو أن أبا بكر هو المعني بهذا الكلام؟ أي كانت في يده ألواح القرآن فألقاها وأخذ برأس علي أو عمر يجره إليه؟!
وماذا تتوقع أن يقولوا لو كان في هذه الآية اسم أبي بكر بدل موسى: }وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ{ الأعراف/155 وظاهر الكلام يمكن أن يحمل على أنه اعتراض، ونسبة للفتنة إلى جناب الرب، وأن العبد مسير لا مخير. وهو احتجاج بالقدر!! فإذا أضاف إلى ذلك طلب الرؤية تم فساد اعتقاد أبي بكر وظهر بطلان (إمامته) أليس هو الذي قال: }رب أرني أنظر إليك{!
ولو رحنا نستقصي جميع المواقف التي جاءت في القرآن عن موسى عليه السلام لوجدنا فيها منافذ شتى للتسلل! خذ مثلاً رحلته مع الخضر عليه السلام. وقس عليها. ماذا لو كان أبو بكر فيها بدل موسى؟!
يونس عليه السلام
من المعلوم في القرآن أن نبي الله يونس عليه السلام عاقبه الله تعالى حين ترك قومه فابتلعه الحوت. وكان ما كان مما قصه الله في كتابه، حتى إن الله تعالى نهى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من التأسي به فقال: }فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ{ القلم/48. ولو كان أبو بكر صاحب الحوت لقيل: كيف يكون مثل هذا (إماماً) والله ينهى عن التشبه أو الإقتداء به؟! والإمام يجب أن يكون معصوماً، وهذا قد ارتكب ذنباً عاقبه الله عليه أشد العقوبة. أليس هو القائل: }سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ{ الأنبياء/87؟! وهذا نص من الله في كونه من الظالمين. والله تعالى يقول: }لا ينال عهدي الظالمين{. إذن لا يصلح صاحب الحوت (للإمامة) ! ليس هذا ببعيد على من تمسك بأول هذه الآية: }إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا{ آل عمران/155 وقطعوا أخرها: }وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ{ ، وعن مثيله قوله تعالى: }وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{ (آل عمران:152) كل ذلك من أجل أن يتوصلوا إلى ذم أناس من أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم صرح الله بنفسه أنه عفا عنهم. فكيف لو عاقبهم على ذنبهم كما عاقب نبيه الكريم يونس عليه السلام؟!
ولجاءوا إلى قوله تعالى عن يونس عليه السلام: }فظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ{ الأنبياء/87 وقالوا: إن أبا بكر فاسد العقيدة. ما بالكم بإنسان يشك في قدرة الله؟ والشك في القدرة الإلهية كفر. كيف يكون (إماماً) على الأمة؟! ولو جئتهم بألف دليل ودليل على أن اللفظ هنا ليس المقصود به القدرة، وإنما التضييق والعقوبة. أي ظن أن لن نضيق عليه بالعقوبة- لما كفوا عما يقولون لأن السبب كامن في سوء القصد، وليس في سوء الفهم.
لـوط عليه السلام
حكى الله تعالى عن لوط عليه السلام أنه قال لقومه حينما جاءوا يريدون ضيفه: }هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ{ هود/78. ولو كانت القصة في أبي بكر رضي الله عنه لوضعت لها روايات وشققت لها قصص وحكايات للطعن في أخلاقه وعرضه وشرف بناته وأهل بيته. كل ذلك من أجل سلبه الأهلية في تولي أمر المسلمين وإمامة المتقين.
آدم وبقية الأنبياء (عليهم السلام)
وقِس على ذلك بقية الأنبياء كأبينا آدم عليه السلام الذي صرح الله تعالى بخطيئته في عدة مواضع من القرآن حتى قال: }وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى{ طه/121
ولو كان هذا في حق أبي بكر لهللوا له وكبروا وحكموا له بدخول جهنم قطعاً بلا
شك. أليس الله يقول: }فَكُبكبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ{الشعراء:94/95. ويقول: }وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبعُهُمْ الْغَاوُونَ{ الشعراء/224. ولحكموا أنه من أتباع إبليس. أليس الله يقول: }إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ{ الحجر/42. والآية الأولى سمته غاويا وعاصيا. فماذا تريدون بعد من دليل على كونه من أتباع إبليس؟ فكيف تتخذون مثل هذا إماما؟!
خير البشر أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم
الأصل في الاستدلال أن يستند أولاً إلى المحكم الذي لا شك فيه. ليكون هو القاعدة والأساس الذي يرد إليه ما تشابه مما خالف أو ظُن أنه كذلك. وهذا في الأحكام الاعتقادية والفقهية وغيرها. ومنها الحكم على الأشخاص.
أما الحكم على شخص ما من خلال الشبهات وترك المحكمات فهذا منهج فاسد لا يوصل إلى الحقيقة.
إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مثال واضح على ما أقول:
إن مئات من الأدلة القطعية المحكمة تشهد على سمو أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم وصدق دعوته ونبوته. لكن هذا كله لم ينفع مع من اتبع ذلك المنهج الفاسد في النظر إلى صورة خير البشر أبي القاسم محمد عليه افضل الصلاة والسلام! لقد بدت صورته الزاهية المشرقة مشوهة في نظر أولئك التائهين حتى قالوا: إن محمدا رجل لا هم له إلا النساء وسفك الدماء! أليس هو الذي تزوج ذلك العدد الهائل من النساء مع انه حرمه على أصحابه؟! إن هذا يدل على شهوانيته وانشغاله الزائد بالحب والمرأة والجنس. واحتجوا برواية ساقطة ترويها بعض الكتب (المائعة) شبيهة برواية داود عليه السلام والقائد أوريا التي وردت في التوراة المزورة. ملخصها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى زينب فبهت لجمالها فتعلق قلبه بها وهام بحبها هياما حمله على تطليقها من زوجها زيد الذي هو ابنه بالتبني. ثم تزوجها من بعده! وركبوا هذا الإسفاف على الآية التي تحدثت عن اصل موضوع زواجه صلى الله عليه وآله وسلم بزينب رضي الله عنها. والتي تقول: }وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ{ الأحزاب/37 قالوا: أخفى حبها وافتتانه بها ونيته المبيتة في السعي في تطليقها والزواج منها خشية كلام الناس. وهذا معنى قوله في الآية نفسها: }وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ{ الأحزاب/37 إن هذا السخف الذي وقع فيه بعض المستشرقين ومن لف لفهم مستندين إلى ما روته بعض الكتب التي تجمع بين الغث والسمين أقرب إلى التصديق عند من لا يؤمن بنبوة محمدصلى الله عليه وآله وسلم من قول بعض السفهاء: إن أبا بكر كان يخرج رجله من الغار عسى أن يراه المشركون الذين تجمعوا هناك كي يدخلوا ويقتلوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ! وإن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إنما أخذ أبا بكر معه كي يأمن شره حتى لا يشي به !
ولا شك في أن هذه الآية لو كانت في أبي بكر لكان لهم معه شأن آخر! إن أول طعن يوجهونه إليه في أخلاقه حتى يوصلوه إلى أسفل الدركات، ولن تسلم عقيدته وأصل إيمانه. إنه لا يخشى الله بل يخشى الناس أنه من الذين }يخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً{ النساء/77. وهذا هو النفاق والشرك فكيف يتخذ صاحبه (إماماً)؟!
ولو نزل في أبي بكر قوله تعالى: }لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ{ التحريم/1 لقالوا: أبقي شك بعد هذا القول الصريح في أن هذا الرجل لا يقيم لشرع الله وزناً! إنه يحلل ويحرم بهواه! تصوروا رجلاً يحرم ما أحل الله إرضاءً لزوجته! كيف تتخذونه (إماماً)؟!
ويؤيد هذا قوله تعالى: }تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآْخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ الأنفال/67-68. وهذا صريح –طبقا لطريقة الإمامية في التفكير- في إرادة أبي بكر الدنيا على الآخرة. لكن لما كانت الآيات نازلة في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أخذ الفداء من أسرى بدر بدلاً من قتلهم لم يتعرضوا لها بذكر. يقول تعالى: }مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأْرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآْخِرَةَ…{ الأنفال/67-69.
إن هذا الأسلوب المقلوب الذي لو طبقناه في حق الأنبياء عليهم السلام لما سلمت لواحد منهم نبوته! لهو الأسلوب الذي طبقه الرافضة في حق الأصحاب رضي
الله عنهم توصلاً إلى إسقاطهم وعزلهم عن الدور الذي أراده الله لهم.
ولا أظن منصفاً يقـارن بين الفريقين إلا ويراجع نفسه وحساباته من جديد فـي
موقفه من خيرة البشر بعد الأنبياء عليهم السلام أولئك }الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ الأنفال/74
لو عاملنا علياً معاملة القرآن للأنبياء
والعكس صحيح. فلو نسبنا بعض ما جاء عن الأنبياء عليهم السلام في القرآن إلى علي ووضعنا ذلك على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم. دون أن نشير أن هذا جاء في القرآن مضافاً للأنبياء لقال الإمامية: ألم نقل أنكم تبغضون علياً وأهل البيت؟! ولأنكروا إلى حد الاستحالة أن يصدر ذلك عن علي.
فلو قلنا مثلاً: إن علياً نظر مرة إلى الكوكب فقال: هذا ربي. ومرة إلى القمر. وثالثة إلى الشمس. وفي كل مرة يتوهم أن هذا هو ربه حتى اهتدى إلى الرب الحقيقي، لقال الإمامية: إنكم تسبون علياً.
ولو قلنا: أن علياً قال: }مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ{.
ولو قلنا: إن علياً قتل رجلاً ظلماً فقال: }هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ{.
ولو قلنا: جاء في الحديث: أن علياً عصى ربه فغوى (إشارة إلى آدم عليه السلام). ولو قلنا: إن علياً ضرب ابنه الحسن أو الحسين. وصار يجره من لحيته ورأسه. ويعنفه ويلومه (إشارة إلى موسى وهارون).
ولو قلنا: إن نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمر علياً رضي الله عنه بأمر فلم ينفذه خشية الناس. حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (أتخشى الناس والله أحق أن تخشاه). (إشارة إلى زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زينب المذكور في سورة (الأحزاب).
وأن علياً رضي الله عنه حرم على نفسه بعض ما أحل الله من أجل أن يرضي زوجته. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة زوجتك؟
ولو قلنا: إن علياً أرسله رسول الله في غزوة فانتصر على عدوه وأخذ بعضهم أسرى. لكنه أطلقهم وأخذ مقابلهم مالاً. فقال له رسول الله معنفاً: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ولولا أنك اجتهدت والمجتهد معذور لعاقبتك عقاباً عظيماً). (إشارة إلى ما نزل في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سورة الأنفال من أخذه الفداء عن الأسرى).
ولو قلنا: إن علياً أركض الخيل يوماً عصراً. وشغله حبها، والنظر إليها وهـي
تتسابق فيما بينها. حتى فاتته صلاة العصر.
ولو قلنا: إن علياً غضب يوماً فألقى المصحف أو القرآن من يده.
لو قلنا هذا أو بعضه، لقال لنا الإمامية: أيها الكفرة الحاقدون المفترون! لماذا تطعنون في علي وتبغضونه إلى هذا الحد؟!
مع أن هذا كله ذكره القرآن عن الأنبياء عليهم السلام.
لقد رفع الإمامية علياً فوق منازل الأنبياء. ونزلوا بالصحابة تحت مستوى البشر الأسوياء!!
([1]) في لقاء تلفزيوني بثته قناة (الجزيرة) الفضائية مع أحمد الوائلي. أنكر هذا أن الشيعة يسبون الصحابة! وتحدى – وهو يتقي بلا شك - أن يثبت له أحد ذلك من خلال المصادر المعتمدة، أو ينقل قولاً بذلك لأحد العلماء المعتبرين. وادعى أن هذا قد يكون له وجود في بعض الكتب التي لا يصح الاحتجاج بها عليهم لأنها لمؤلفين غير معروفين أو معتبرين !!!
([2]) أما المكتوب على قرص الحاسوب (CD ) المنشور بعنوان (نور –2) فإن الباب المخصص لتكفير أبي بكر وعمر وعثمان (الثلاثة) رضي الله عنهم كتب هكذا: (باب…). مما يشهد لعدم أمانتهم العلمية. وخوفهم من هذه العقائد الكفرية أن تعرف عنهم على نطاق واسع غير محسوب.
ملاحظة/
ما مكتوب من استشهادات هنا من كتاب (البحار) هو صورة طبق الأصل لما موجود على القرص المذكور، استنسختها عن طريق الحاسوب. مع وجود الكتاب لدي، وهو بتحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي /دار الرضا / بيروت-لبنان. لهذا لم أجرِ عليها أي تصحيحات إملائية، أو تغييرات في شكل الخط وترتيبه بما يتوافق وبقية الكتاب.
([3]) هل تعلم أن محمد بن أبي بكر الصديق كان عمره يوم وفاة أبيه أقل من سنتين! فكيف لقن أباه (لا إله إلا الله)؟! وكيف استطاع تغميض عينيه وإلصاق خده بالأرض؟! فضلاً عن مخاطبته والفهم عنه!!!
([4]) بحار الأنوار 30/ 127-134
([5]) 30/ 145
([6]) 30/ 146
([7]) 30/ 149
([8]) أيضاً
([9]) 30/ 405-406
([10]) 30/ 406-407
([11]) 30/ 407-409
([12]) 30/ 409
([13]) 30/ 232-235، وهذا يشمل كل ما صدِّر بعبارة [تفسير العياشي] بعد الهامش السابق.
([14]) 30/257-258
([15]) 30/ 276-277
([16]) 30/ 213-214
([17]) 30/ 214-215. والكتاب يفيض بمثل هذا القذر ! وهو مثال لما يكتبه الإمامية الاثنىعشرية ويعتقدونه في الصحابة الكرام. رضي الله تعالى عنهم. ولعن من أبغضهم وطعن فيهم إلى يوم الدين. علماً أن ما مكتوب يتفاوت في شدته. وليس كتاب (البحار) أشدها في قذارته وكفره !! بل هناك ما هو أقذر وأكفر !!! انظر مثلاً ما سطره اللعين عالم سبيط النيلي في كتابه (الشهاب الثاقب المحتج بكتاب الله على الناصب). المنشور باسم مستعار هو أبو علي السودائي. والكتاب متداول في أوساط الشيعة. وصاحبه موثق. و(الناصب) المحتج عليه هو… أحمد الكاتب صاحب كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) الذي خرج على طائفته أخيراً بإنكار أسطورة (المهدي) فقط. فأنا استشهدت بكتاب من درجة الوسط ، حتى أكون منصفاً ومتوازناً !!!!
([18]) رواه البخاري.