معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

عائشة رضي الله عنها: مسلمة أم كافرة؟ ..

عائشة رضي الله عنها: مسلمة أم كافرة؟

بادرني الأخ الشيعي بقوله.. لماذا لا نتصافح؟
أجبته: أولاً -يا أخي- علينا أن نتصارح.. ثم نتصافح بعد ذلك.
قال: ماذا تقصد بكلمتك تلك، علينا أن نتصارح؟
أجبته: كيف أصافحك يا أخي وأنت تشتم وتسب أمي؟
قال: أنا أشتم أمك.. أنا أسُبُّها!! متى كان ذلك؟.. وأين؟.. فأنا لم أرها قط في حياتي ولم أسمع بها، فكيف أشتمها وأسبها؟
قلت: بل تشتمها وتسبها بالليل والنهار، لستَ أنت وحدك، بل كل طائفتك وأهل مذهبك، تشتمونها وتسبونها. أليست (عائشة) بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها هي (أم المؤمنين) بنص القرآن الكريم؟..
ألم يقل القرآن في محكم التنزيل عنها وعن بقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن أمهات المؤمنين: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [الأحزاب:6].
هل تجرؤ على القول بأنها ليست من أمهات المؤمنين وترد على الله رب العالمين؟ فإنك إن ردَدْتَ على الله فقد كفرت كفراً صريحاً وخرجت من ملة الله وأصبحت من المرتدين عن دين رب العالمين.. ولا يقبل منك صرفاً ولا عدلاً ومصيرك يوم القيامة إلى النار وبئس القرار. فقد أجمع علماء الإسلام (سُنِّيُهم وشيِعيُّهُم) بأن الرادّ على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ه كافر مرتد، لا يُزوّجُ من بنات المسلمين ولا يورَّث ولا يُصلي عليه حين موته ولا يُدفن في مقابر بالمسلمين وهو في الآخرة من الخاسرين.
نحن أهل السنة والجماعة نعتبر (عائشة) رضي الله عنها من أمهات المؤمنين، وتصديق بكلام ربّ العالمين، فهي رضي الله عنها خيارٌ من خيار، وصدّيقة من نسل صدّيق.
أما أنتم الشيعة فإنكم تُكفّرونها وتلعنونها وتسبونها بالليل والنهار وتقولون فيها وعنها قولاً عظيماً ومنكراً.
قال: وماذا نقول عنها؟.
قلت: ألستم تقولون عنها بأن عائشة امرأة كافرة.. وخائنة -وفاجرة- وداعرة، تمارس الرذيلة وتحض عليها وتنشرها بين الناس؟
وهذه كتب علمائكم وأشرطتهم السمعية والبصرية تذكر ذلك وتنشره بين الناس.
وعوام الشيعة وجُهَّالهم يرددون هذه الأقوال الفاجرة في شأن عائشة رضي الله عنها في كل محفل وفي كل مناسبة وخاصة في مناسبة عاشوراء.
ولكن دعني أسألك أيها الأخ الشيعي الكريم: هل ترضى لنفسك أن تتزوج بامرأة فاجرة.. وخائنة، بل وداعرة تمارس الدعارة والرذيلة بين الناس وتنشرها بين المسلمين؟
قال: كلا، وألف كلا.. هذا لا يكون على الإطلاق. فأنا رجل شريف ولا أتزوج إلا بامرأة شريفة، نظيفة وعفيفة، ومؤمنة.
قلت: هل أنت أشرف وأتقي وأنقى من محمد صلى الله عليه وسلم؟.
قال: حاشا لله، وشتان بين الثرى والثريا، هو رسول الله المصطفى، وأنا عبد من عباد الله أرجو عفو الله ورحمته.
قلت: الشيء الذي لا ترضاه لنفسك كيف ترضاه لرسولك صلى الله عليه وسلم؟ كيف بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأطهرهم وأتقاهم لربه ودينه أن يتزوج بامرأة شأنها الفجور والكفر والدعارة والخيانة؟! أنت لا ترضى هذا الأمر لنفسك.. فكيف ترضاه لنبيك عليه أفضل الصلاة والسلام؟
بل.. كيف يرضى الله عز وجل أن يختار لخاتم أنبيائه ورسُله، امرأةً فيها كل هذه الصفات القبيحة والمرذولة؟
كلا، يا أخي، نحن أهل السنة لا يمكن أن نفكر بهذه الطريقة.. ولا يمكن أن نردد هذه الأباطيل الفاجرة.. بل ولا يمكن أن تخطر على بال أحدنا قط، إننا بمجرد التفكير بذلك، نشعر بعِظَم الإثم والفسوق، نحن نقول عن السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وابنة الصديق رضي الله عنها إن الله قد برّأها من فوق سبع سماوات، وأنزل في شأنها سورة النور، ليُعلن عفتها وطهارتها وبراءتها، حيث قال عز وجل من قائل: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)) [النور:11-12].
الله عزّ وجل يبرئها وأنتم الشيعة تتهمونها في عرضها رضي الله عنها فأنتم تشتركون في هذا الإفك المبين مع أهل النفاق والمنافقين في الأولين. زعيمكم في هذا الإثم هو عبد الله بن سلول المنافق، الذي توعّده الله بالعذاب العظيم.
إنكم -أيها الشيعة- تقرؤون القرآن الكريم ولا تعقلونه أو إنكم تفهمون ولكنكم تُؤوّلونه وتُفسِّرونَه وفق أهوائكم المريضة وقلوبكم الحاقدة، وقد ورد في الإنجيل: (إذا فسد الملح فبماذا يُملّح؟ وإذا كان النور الذي في قلبك ظلاماً فكيف يكون الظلام إذن؟).
ولو كنتم عقلاء لقلتم ما قاله الله عز وجل: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26].
فالله تعالى لا يختار لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم إلا أطهَر وأفضل الزوجات رضوان الله عليهن أجمعين.
إن مصدر كراهيتكم لأم المؤمنين، السيدة عائشة، وهو قتالها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في موقعة (الجمل)، وقد اتخذتم من هذه الواقعة سبباً في تكفير السيدة عائشة وكل منْ كان معها ووقف إلى صَفّها.
مع أن الله تبارك وتعالى ذكر في سورة الحجرات: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الحجرات:9].
فالمؤمنون قد يتقاتلون، وقد يقتل بعضهم بعضاً، ولكنهم يبقون على الإيمان والإسلام بدليل هذه الآية الكريمة، واسمع معي - أيها الأخ الشيعي- تمام هذه الآية ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الحجرات:10].
فالخالق الكريم سماهم بالمؤمنين، وأنتم تعتبرون عائشة ومَنَ معها كافرين؟ أنُصدِّق ربّ العالمين ومُنزل الكتاب المبين.. أم نصدقكم ونصدق علماءكم، أو أنّ مصلحةً دنيوية (معنوية أو مادية) حَدَثْ بهم أن يسوقوكم إلى طريق يأباه الله ورسوله. لاشك أن المؤمن الحق يُصدق الله وكلامه وقرآنه العزيز.
فما قولك -أيها الأخ الشيعي الكريم- فيما سمعته مني؟..
قال بل نُصدَّقُ كلام الله رب العالمين.
نعم.. لا يمكن أن نتصور بعد الذي ذكرته لي أن يختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم امرأة (كافرة.. أو فاجرة.. أو خائنة) ليتزوجها، وهو النبي الطاهر والمطهر.. إن هذا الأمر مخالف لمنطق الإيمان والإسلام، ومُجافٍ للشرف والمروءة والخُلِقِ الكريم الذي يَتّصف به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .
جيل مثالي.. ولكنه كافر.. ومرتد..!
سألت هذا الأخ الشيعي الفاضل هذا السؤال: لو تخيّلنا -مجرد- تخيُّل أن جامعة ما في هذا العالم قد طُلب منها أن تُعِدَّ عدداً كبيراً من طلبتها وطالباتها يَربّون على مئة ألف، لقضيةٍ (مصيرية) وخطيرة وسوف ينبني عليها لا مصيرُ الأمة فقط.. بل مصير العالم كله.
وقد أعدّت هذه الجامعة مشروعاً متطوراً جداً.. وخطيراً لتدريس هؤلاء الطلاب من الذكور والإناث.. واختارت لهم خبرة الأساتذة في الجامعة.. بل أفضلهم على الإطلاق.. فقام هذا الأستاذ بتنفيذ هذا المشروع المتطور والخطير بحذافيره لم يحِدْ عنه قيد أنملة.. بل كان هو القُدوةَ والأسوة في تنفيذ هذا المشروع طوال ثلاثة وعشرين عاماً متواصلة يدرسُ هؤلاء الطلاب النجباء الأذكياء دون انقطاع بالليل والنهار، في الحِلَّ والسفر ويُدخلهم في سلسلة تجارب عميقة وخطيرة وبعيدة الأثر، وكان هو -دائماً- في المقدمة، فقد شمر عن ساعد الجد، وبذل الغالي والرخيص وضحى بنفسه وماله ووقته من أجل إنجاح هذا المشروع وإنجاح طلبته وطالباته طوال هذه الفترة.. وبعد هذه الفترة الطويلة لم ينجح من هؤلاء الطلبة والطالبات وهم (مائة ألف) أو يزيدون، لم ينجح منهم إلا ثلاثة أو أربعة من الطلاب فقط.
والسؤال المهم الآن: منْ هو الفاشل في هذا الرسوب الرهيب؟ وعلى من تقع المسؤولية في هذا الإخفاق الكبير؟.. هل هو الأستاذ الذي لم يستطع أن يرفع طلبته وطالباته إلى مستواه أو قريباً من مستواه؟.. أم هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لم يحققوا النتيجة المرتجاة منهم؟ أم أن السبب يرجع إلى المشروع نفسه الذي يصعُب تنفيذه وتطبيقه على أرض الواقع؟.
إن هناك ثلاثة احتمالات، لا رابع لها: إما السبب هو الأستاذ؟! أو السبب يرجع إلى الطلبة، والاحتمال الثالث هو في صعوبة المشروع والمنهاج المطلوب تنفيذه.
ما رأيك وقولك - أيها الأخ الشيعي الكريم- منْ يرجع إلى السبب وعلى من تقع مسؤولية الفشل؟.
قال: نستطيع أن نقول: إن الأستاذ هو السبب في هذا الفشل الرهيب، فعليه تقع المسؤولية في أصلها وأساسها.
قلت: هذا ما تقوله الشيعة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، تلميحاً لا تصريحاً، والبعض منهم صرح بهذا الأمر، فالشيخ الدكتور (أحمد الوائلي) في محاضرة له في البحرين سنة 1980م، في كلية الخليج للتكنولوجيا، ذكر (أن ثلاثاً وعشرين سنة لا تكفي لتربية جيل، ولهذا جاء الحسين عليه السلام ليكمل تربية هذا الجيل)..
حاشا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المزاعم الكاذبة، وهي تطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وتطعن في القرآن الكريم نفسه، حيث يقول عز من قائل في شأن النبي وصحابته الكرام: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].
أليس النبي الكرام صلى الله عليه وسلم هو الذي بعثه الله في الأميين؟ أليس الأميون هم العرب في ذلك الوقت ومنهم وفيهم (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وحفصة وعائشة.. الخ)؟.
أليس الكتاب هو القرآن الكريم والحكمة هي السنة النبوية؟ إلا أن يكون كما عند بعضكم أن قرآنكم غير قرآننا، وعليه لا يقبلون ما في القرآن الكريم.
إذن نستطيع أن نقول: إن الأستاذ العظيم: وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
والطلبة: هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
والمشروع أو المنهاج: هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. فهذا الأستاذ الكريم والمعلم العظيم صلى الله عليه وسلم قام بتنفيذ هذا المنهاج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه -أي- القرآن، نفَّذه بكل دقة على نفسه وعلى غيره، وبفضل هذا النبي الكريم وهذا القرآن العظيم، وقبل ذلك.. وبعد ذلك بتوفيق الله عز وجل أظهر الله عز وجل للعالم وللناس خير أمة ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:10].
وصفات هذه الأمة كما قال الله تعالى: ((تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110].
هؤلاء الصحابة الكرام من ذكور وإناث، زكّاهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وعلّمهم الكتاب والحكمة وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس.
فالله تبارك وتعالى يزكيهم وأنتم -أي الشيعة- تُكفّرونهم وتدنسونهم، والله تبارك وتعالى علمهم الكتاب والحكمة وأنتم تعتبرونهم ضُلالاً وجُهّالاً، فمن نصدق الله عز وجل، أم الشيعة وعلماءهم؟.
إن المسلم الحق.. والمؤمن الحق إنما يُصدق كلام الله؛ لأنه الحق المطلق فماذا يكون كلام علمائكم المناقض عندئذ؟!.
لقد مَنَّ الله على صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم بالهداية والتزكية وألزمهم كلمة التقوى رضوان الله عليهم أجمعين، واسمع معي أيها الأخ الشيعي قوله تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [آل عمران:164].
وقال كذلك: ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)) [الفتح:26].
واقرأ معي -أيها الأخ الشيعي الكريم- قول إمامكم وإمامنا أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب رضي الله عنه) في "نهج البلاغة" المتفق عليه عند الشيعة الإمامية، حيث يقول رضي الله عنه، عن الصحابة الكرام: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يُشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غُبراً، وقد باتوا سُجَّداً وقياماً، يراوحون بين جباهم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكب المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكِر الله هَملتْ أعينهم حتى تبتلَّ جيوبهم، ومادوا كما تميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب)([1]).
ويقول أيضاً: (أولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم ونعضَّ الأيدي على فراقهم)([2]).
هذا ما يقوله القرآن الكريم.. وهذا ما قاله الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه، فما هو قول الشيعة وعلمائهم؟
إن الشيعة يقولون.. إن الصحابة كلهم قد ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولم يبق على الإيمان والإسلام إلا عدد قليل وهم: (سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر).
وفي روايات أخرى عند الشيعة، عَدُّوهم سبعةً فقط.
إن منطوق -قولكم أيها الشيعة- إن محمداً صلى الله عليه وسلم عجز وفشل في تربية هذه الأمة التي بعثه الله فيها، وإلا فكيف بهذه الأعداد الضخمة من الصحابة الكرام كلهم يكفرون ويرتدون.. ومتى؟ وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.
فهل يقول بهذا المنطق إنسان عاقل، فضلاً عن مسلم عاقل؟.. وقد أوردتُ لك بعض الآيات الكريمات والبيّنات في مدح الله لهم والثناء عليهم، ثم مدح وثناء الإمام علي رضي الله عنه ولكن اقرأ معي ما يقوله إمامكم (الخميني) في كتابه (كشف الأسرار، ص114). حيث يقول: (أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعةٍ لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهّل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله، التي تدلُّ على خلافة علي عليه السلام وعلى إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا على وجه دائم، بحيث يبقى هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلى يوم الدين، تهمة التحريف التي يُوجَّهونها إلى اليهود والنصارى إنما هي ثابتة عليهم).
هذا ما يقوله (الخميني) عن صحابة النبي عليه السلام، وهو ينقل ويكور أقوال سلفه من مشايخ وعلماء الشيعة الإمامية.
ولو سألنا -أيا الأخ الشيعي الكريم- اليهود من هم أفضلُ الناس في مِلّتِكم؟
لقالوا: إنهم أصحاب موسى.
ولو سألنا النصارى: من هم أفضل الناس في ملتكم وفي أمتكم؟.
لقالوا: إنهم حواريو عيسى.
ولكن لو سألنا الشيعة: من هم أسوأ الناس في نظركم وعقيدتكم؟
لقالوا: إنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
إن القضية في واقع الحال (صورتان متضادتان لنتائج وجهود النبي الأعظم) بأبي هو وأمي، بين أهل السنُّة والجماعة، وبين الشيعة الإمامية. صورة مشرقة وجميلة وطيبة.. وصورة أخرى معاكسة لها.
والمتضادان لا يجتمعان في أمر واحد، فإما نور وإما ظلام، إما حق، وإما باطل، والحكم القرآن، فإما القرآن محرَّف، وإما مُحكَمّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والعاقلُ يختار لنفسه، وكل العيب بحقه أن يكون ذّنَباً أو إمّعة لا يدري إلى أين يُساق، أو يُسحب.
-------------
([1]) نهج البلاغة، ص(340) طبعة دار البلاغة، لبنان.
([2]) نهج البلاغة.
من فتح البلاد.. وحرر العباد؟
سألت الأخ الشيعي، السؤال الثالث وهو: أيها الأخ الكريم: مَن هُمُ الذين فتحوا البلاد وحرروا العباد في فارس والشام ومصر والمغرب وفي أذربيجان وأرمينية.. وغيرها من الدول والممالك؟.
أليس الذي قام بهذه الفتوحات هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس هم الذين أسقطوا عرش كسرى وقيصر وأدخلوا الأمم والشعوب في هذا الدين العظيم (الإسلام).
أم أن الذين قاموا بهذا الفتح العظيم ليسوا هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم؟ وإنما أمم أخرى لا نعرفها.. ولم نسمع عنها.
أو ليس أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد وجّه خالد بن الوليد رضي الله عنه لمحاربة أهل الردة في جزيرة العرب، ثم وجهه لحرب الفرس والروم، وبعده جاء الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليستكمل فتح بلاد الفرس ويدخل المسلمون في زمنه (إيوان كسرى) وبعدها يتم فتح بلاد الشام ومصر وليبيا، ويدخل الفاروق رضي الله عنه القدس الشريف ويتسلم مفاتحها من كبار رجال الدين النصراني، وهو الذي يكتب العهدة العمرية الموجودة إلى اليوم.
ثم جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه ذو النورين ليستكمل ما قام به عمر في فتح بقية البلاد وخاصة بلاد ما وراء النهر، ولولا الفتنة التي حصلت بين المسلمين في عهد الإمام علي رضي الله لتم استكمال فتح بقية البلاد.. وتحرير العباد.
إن الشيعة الإمامية أنفسهم يعترفون بأن الصحابة الكرام هم الذين قاموا بهذه الفتوحات كلها، ولكنهم يقولون: إن ذلك تم بفضل توجيهات الإمام علي عليه السلام، ونحن أهل السنة نقول: وليكنْ ذلك كذلك، بفضل توجيهات الإمام علي، وأنه كان يُشير على الخلفاء الذين سبقوه في الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان، وكانوا هم يستشيرونه ويسألونه ويأخذون برأيه رضي الله عنه.
وهنا سؤال مهم يجب طرحه وهو: إذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد ارتدوا.. وقد كفروا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يرضى الإمام علي بأن يكون وزيراً ومستشاراً لأبي بكر ولعمر ولعثمان؟ وقد عَلِم كُفرهم وارتدادهم ومفارقتهم لملة الإسلام والإيمان.
قد يقال في هذا الصدد بأن يوسف عليه السلام كان وزيراً لملك مصر، ويوسف عليه السلام مسلم ومؤمن، وحاكم مصر وثني كافر ومع ذلك رضي أن يكون وزيراً لهذا الكافر. غير أن الله تبارك وتعالى قد ذكر السبب الذي من أجله أصبح يوسف وزيراً ومستشاراً لملك مصر، إذ قال عز من قائل: ((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)) [يوسف:54].
لقد اختاره الملك بعدما علم وعرف صدقه وأمانته وطُهره وعفافه. وكان هذا الاختيار الموفق سبباً في إنقاذ مصر من الجفاف والمجاعة.
أما في شأن الإمام على رضي الله عنه فإنه ووفق آراء الشيعة الإمامية ومروياتهم التاريخية كان هو الإمام والخليفة المنصوص عليه من قِبَلِ الله تعالى، ثم من قبل رسوله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك تمّ سرقة الخلافة منه وذهبت إلى أبي بكر الصديق ثم إلى عمر الفارق، ثم إلى عثمان، رضي الله عنهم؟
كيف يرضى لنفسه رضي الله عنه أن يكون مستشاراً وناصحاً وأميناً لثلاثة من الخلفاء المرتدين، والكافرين والعاصين لأمر الله ورسوله؟ أليس في هذا تناقض بيّن وواضح؟.
ناهيك عن أن قياس علي رضي الله عنه على يوسف عليه السلام باطل؛ لأن يوسف عليه السلام عمل مستشاراً مطلوباً مستخلصاً، وهو كتبي يُحَبِّذ ذلك، ليوصل دعوته، أما علي رضي الله عنه فهو يعلم أن المرتدين لا ينصحون ولا يُهادنون، إذ هناك حكم شرعي بشأنهم إما أن يستطيع إنفاذه فيهم، أو يعتزلهم.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، هؤلاء الصحابة الذين كفروا وارتدوا عن الإسلام، كيف يحملون الإسلام ويُوصلونَه إلى غيرهم من الأمم والشعوب، وهم -أي الصحابة- رجعوا إلى الكفر والزندقة والجاهلية؟ إن منطق الأشياء يقول: (إن فاقد الشيء لا يعطيه) كان من المفترض على هؤلاء الصحابة أن يدعوا تلك الأمم وتلك الشعوب إلى الجاهلية الرعناء وليس إلى الإسلام العظيم.
نحن يا أخي الشيعي لا نقول بهذا المنطق ولا نفكر على هذا النحو، نحن نقول: إن علياً كان وزيراً مخلصاً ومستشاراً أميناً للخلفاء الثلاثة ولكل الصحابة الكرام، والصحابة الكرام هم الذين فتحوا البلاد.. وهم الذين حرروا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وعلى أكتافهم قام هذا الدين العظيم وبفضلهم بعد فضل الله انتشر الإسلام في ربوع الأرض.
وهذه هي قبورهم في تلك الأراضي البعيدة عن جزيرة العرب، شاهدة على صدقهم وإخلاصهم وتفانيهم في حمل رسالة هذا الدين للعالمين.
هل الشيعة الإمامية هم الذين فتحوا فارس والشام ومصر وبلاد ما وراء النهر؟ أم أنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إني أسال هذا السؤال لكل أخ شيعي عاقل ومنصف، يطلب الحق ويرجو الحقيقة.
(إن من البلاء أن يسكت العاقلُ وأن يتكلم الجاهل، ولكن القبة الصماء لا تُرجع غير الصدي).
منزلة النبي صلى الله عليه وسلم.. ومنزلة الأئمة الأطهار
سألت الأخ الشيعي أيهم أفضل في نظركم - أيها الشيعة الإمامية- النبي صلى الله عليه وسلم أم الأئمة الأطهار من آل بيت الكرام رضي الله عنهم.
قال: من المؤكد أن النبي هو الأفضل والأحسن والأرفع، فهو صاحب الرسالة الإلهية، وهو حامل الدعوة الإسلامية وداعيها الأول، وهو الذي عليه أنزل القرآن الكريم، وهو.. وهو الخ.
قلت: جميل ما نقوله، وهو الحق، بارك الله فيك. ولكن الشيعة تقول كلاماً غير هذا الذي تقوله وتذكره لي.
إن الشيعة تقول: إن طاعة الأئمة واجبة كطاعة الرسل، وإنّ الأئمة معصومون مثل الأنبياء، وإنّ المؤمن بالأئمة المعصومين من أهل الجنة وإن كان ظالماً أو فاسقاً أو فاجراً وإن درجة الأئمة كدرجة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن الأئمة لهم الخيار والحق في تحليل الأشياء وتحريمها، وتماماً كالنبي صلى الله عليه وسلم وإن مكانتهم ومنزلتهم عند الله مثل منزلة ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم وهم أفضل وأرفع منزلة عند الله من جميع الرسل والأنبياء، وهم يتمتعون بعلم (ما كان وما يكون)([1]).
وعلى الأئمة تُعرض أعمال العباد في الليل والنهار، وإن الملائكة تأتيهم وتتنزل عليهم وإنهم يملكون الدنيا والآخرة، فيعطون من شاؤوا ما شاؤوا، وهم لا يموتون، إلا بإذنهم وباختيارهم.. إلى آخر هذه المزاعم الكاذبة التي لا يصدقها العقل السليم ولا الذوق الرفيع، وهي في عمومها جملة من الخرافات والأساطير ليس إلا.
واقرأ معي ما يقوله: (الخميني) في شأن الأئمة، في كتابه (الحكومة الإسلامية) حيث يقول: (فإن لأئمتنا مقاماً محموداً ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، لا يبلغه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، وإنهم كانوا قبل خلق هذا العالم أنواراً مُحْدَقة بعرش الله، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله).
وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل).
وقال في موضع آخر من كتابه هذا: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن لا تخصُّ جيلاً خاصاً وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومصر إلى يوم القيامة يجب تنفيذها واتباعها) وأنه لا يُتصوَّرُ فيهم (أي الأئمة) السهو والغفلة).
هذا ما يقوله الخميني) وهو في الواقع يكرر ويردد ما قاله علماء الشيعة السابقون والسؤال المهم لك.. ولكل أخ شيعي عاقل: إذا كان للأئمة كل هذه المكانة والمنزلة، وإذا كان لهم القدرة والسيطرة والهيمنة على جميع ذرات الكون.
وأن لهم الخلافة التكوينية، فلماذا لم يستخدموا هذه القدرة المطلقة في تغيير أحداث التاريخ ومجريات الوقائع لتكون في صالحهم؟.. من مِثل جعل الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي وأبنائه من بعده، ما داموا هم المسيطرون والمهيمنون على كل شيء في هذا الكون.. وعلى ذراته، ألم يكن باستطاعتهم تغيير كل شيء بكلمة منهم وبإشارة من أيديهم وفقاً لخلافتهم التكوينية - التي يقول بها الخميني تغيير كل شيء بكلمة منهم وبإشارة من أيديهم وفقاً لخلافتهم التكوينية التي يقول بها الخميني ومن سار على نهجه ودربه.
فقد كان بإمكان الإمام علي رضي الله عنه أن يبدّل ويعكس أحداث التاريخ فيبايعه الصحابة الأكرمون رضي الله عنهم بدل مبايعتهم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فيجعل الخلافة المنصوصة عليه من الله ورسوله، فيه وفي ذريته من بعده غير أن هذا الأمر لم يحصل ولم يحدث قط، فلم يتول الخلافة إلا علي وابنه الحسن رضي الله عنهما. أما بقية الأئمة فلم يتولوا الخلافة طوال حياتهم.
بل.. إن الإمام علي بن أبي طالب ذكر في نهج البلاغة، وهو الكتاب المعتمد عند الشيعة: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنِ أو بدعة ردُّوه إلى ما خرج منه، فإنّ أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاّه الله تعالى ما تولى)([2]) انتهى.
فأين هي (الخلافة التكوينية) التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون؟ فهؤلاء الأئمة - في نظر الشيعة- ومعتقدهم، فعّالون لما يشاؤون، غير أننا نراهم يعجزون عن تحقيق هذا الأمر الخطير لصالحهم، مع كونه -أي الإمامة- ركن من أركان الإيمان عند الشيعة الإمامية.
والآن.. نأتي إلى قضية أخرى ذات أهمية يقول بها الشيعة ويذكرها علماؤهم في كتبهم ودراساتهم وأبحاثهم العلمية والفقهية، وهي مسألة معرفة (الغيب) والاطلاع على المستقبل، فقد أورد الكليني في كتابه (الكافي) باباً بعنوان (إن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وإنه لا يخفي عليهم شيء) وهذا كله نقيض قوله تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا.إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)) [الجن:26،27]. ونحن لا ننكر أن يطلع الله بعض عباده الصالحين على شيء من غيبه، كرامة له، ولكنا ننكر أن يكون هذا هو الأصل في حق أيّ مخلوق وهو الأساس.
والنبي نفسه عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله عز وجل، وهذا بنص القرآن الكريم: ((قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)) [الأنعام:50].
ويقول: ((وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)) [الأعراف:188].
فهؤلاء الأئمة يعلمون الغيب المكنون، ويعلمون الظاهر والباطن ويطلعون على المستقبل وأحداثه ووقائعه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب.. والأئمة يعلمون، فهم في هذه الحالة أفضل وأرفعُ مكانة ومنزلة عند الله ثم عند الناس من النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يعلم الغيب ويطلع على الحاضر والمستقبل هو بلا شك أفضل وأحسن ممن لا يطلعُ على هذه المغيبات.
ومن لديه القدرة على الخلق والإبداع والتصوير وتحريك الأفلاك والأجرام والذرات، واستجابة دعوة الداعي إذا دعاه - كما يفعل الشيعة في دعوة أئمتهم- في المصابات والمحن والمُلمّات هو وبلا شك أفضل وأحسن ممن ليست لديه هذه القدرة والقادر أفضل من العاجز باتفاق العقلاء وأصحاب الفطرة السليمة.
قال الأخ الشيعي: نعم هذا صحيح، فمن يعلم الغيب ويطلع على المستقبل هو الأفضل قطعاً، والقادر أرفع منزلة من العاجز، والعالم أفضل وأحسن من الجاهل.
قلت: إذا سلّمنا بهذه المسألة، فأرجو أن ننتقل إلى (محور) آخر من محاور النقاش والمناظرة - بارك الله فيك-.
-----------
([1]) الأصول من الكافي (1/260) طبعة دار صعب ودار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان 1401هـ.
([2]) كتاب "نهج البلاعة" ص (322) طبعة دار الحديث، القاهرة.
الإمامة.. أين نجدها في القرآن الكريم؟
سألت الأخ الشيعي عن أهم قضية في مذهب الشيعة الإمامية، وهي قضية الإمامة.. وهل هي ركن من أركان الدين والإسلام ولا يصحُّ إيمان المؤمن إلا بها؟ فقال: نعم.. الإمامة ركن أساس من أركان الدين والإيمان والإسلام؟
وعليها مناط الدين كله، ولا يصح إيمانُ المسلم إلا بالاعتقاد بها.
قلت: أين أجد ذلك في كتاب الله؟ أرجو أن تدلني على آية واحدة صريحة وواضحة لا غموض فيها ولا تأويل - أي قطعية الدلالة، وقطعية الثبوت؟
قال: هناك عدد من الآيات في القرآن الكريم تتحدث عن الإمامة.. قلت: أكررُ سؤالي عليك؟ أطلب منك آيات بيّنات وصريحات تنص على إمامة علي بن أبي طالب وأبنائه وأحفاده، يقرؤها المسلم فيستدل على (الإمام) المنصوص عليه من الله تبارك وتعالى.
قال: كلا، لا يوجد نصٌّ واضح وصريح، ولكن توجد هناك تلميحات ولفتات عامة نستنبط منها حكم الإمامة.
قلت: إن أمركم عجيب وغريب أيها الشيعة.. تقولون إن الإمامة ركن أساس من أركان الإسلام والإيمان. ولا يصح إيمان المسلم إلا بها ثم لا تدلّونها على موضع واحد.. واحد فقط في القرآن الكريم يُصرّح بإمامة علي وأبنائه وأحفاده رضوان الله عليهم، كيف يصح هذا الأمر؟.
لقد تحدث القرآن عن أمور أقل شأناً من مسألة الإمامة كـ (الحيض) و(الرضاعة) و (الطلاق) الخ. ولم يذكر.. ولم يصرح في موضع واحد... واحد فقط عن قضية خطيرة، ينبني عليها مصيرُ الإنسان المسلم يوم القيامة، وينبني عليها أمر الإسلام والمسلمين، وهي ركن أساسُ، كما تقولون ثم لا تجدها في كتاب الله، فهل مسألة الحيض والنفاس، والزواج والطلاق، أهمُ وأخطر من الإمامة التي يدور عليها وحولها مناط الدين كله - كما تزعمون؟.
نحن -يا أخي الكريم- لا نقول بهذا الأمر، ولا نقول: إن الله تبارك وتعالى (نصَّ) على ولاية وإمامة علي وأولاده وأحفاده من بعده، كلا، ولا نقول بهذا قطعاً وإطلاقاً، بل نقول عنهم: إنهم أئمة التقوى والهدى والإرشاد والتعليم والجهاد والدعوة والتضحية في سبيل الله، وإنهم منارات هدى، شأنهم في هذا الأمر كشأن بقية صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وليس من أيّ ذِكر لاختصاص الإمام علي وأولاده وأحفاده من نسل الإمام الحسين رضي الله عنه حصراً بالولاية والوصاية التي يقول بها الشيعة الإمامية، فليس هناك نص صريح في اختصاص هؤلاء الرجال من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم (بالإمامة) التي لا يصح إيمانُ المسلم إلا بها، وإذا أنكرها أصبح من أهل النار وبئس القرار.
وأحب أن أذكر في هذا المقام: أن المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لو اختاروا وبايعوا (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه لما كان هناك أي إشكال ولا اعتراض، فعلي رضي الله عنه لا يقل وزناً عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه فهم من أهل السابقة في الإسلام، وهم من المهاجرين الأوائل رضوان الله عليهم أجمعين وعلى بقية صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عنهم: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].
إذن لا إشكال ولا اعتراض لو تم اختيار علي بن أبي طالب لمنصب الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو تأتّى لنا دراسة اجتماع السقيفة وتنادي الأنصار للاجتماع عقب خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحدوث ما يُسمى بالفراغ السياسي ودعوتهم لاختيار خليفة لعلمنا علم اليقين أن الخلافة ليس فيها نصُّ على فلان أو فلان وإنما هي اختيار وتشاور على من يصلح لها ومن ثم بيعته من الناس، وليس فيها توريث أو نصُّ من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يُصدّقه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نُهج البلاغة: (ولقد بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان..).
شجاعة علي.. وكسر ضلع فاطمة
سألت الأخ الشيعي الكريم: ما قولك في الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي شجاعته وبطولته التي سارت بها الركبان وأصبحت مضرباً للأمثال وقد سطّرها أهل التاريخ في كتبهم وأدبياتهم، وتغنى بها شعراء العربية طوال 14 قرناً من الزمان.. ماذا تقول في هذا الإمام العظيم؟.
قال: الإمام علي بن أبي طالب بطل الأبطال وإمام الشجعان، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج فاطمة الزهراء، والكل يعرف من هو علي بن أبي طالب؟ والكل يعرف شجاعته وبطولته في تاريخ الإسلام والمسلمين.
قلتُ: هذا حسن فالإمام علي رضي الله عنه حقاً هو كذلك.. بل وأكثر من ذلك، غير أني أحب أن أسالك سؤالاً واحداً فقط، ماذا تفعل لو بصق أحدهم في وجه زوجتك وأم أولادك.. وضربها ظلماً وتعسفاً، ماذا تُراك ستفعلُ حينها تجاه هذا الإنسان؟.
هل ستسكت عن هذا الضيم.. وهذا العدوان الذي لا مبرر له.. أم إنك سوف تنتقم لعرضك وعرض زوجتك؟.
قال: لو حدث هذا لقمتُ بتأديبه وضربه.. بل وتكسيره بكل عنف وقوة، بل وقد يصل الأمر إلى حد قتله. إذ كيف أسكتُ على هذا الضيم وهذا العدوان، دون أن يغلي الدم في عروقي؟.
قلت: هذا للأسف الشديد، ما تقولونه في حق إمامكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ألستم تزعمون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهب إلى بيت علي ليجبره على بيعة الصديق رضي الله عنه فلما لم يجده، ووجد زوجته (فاطمة) بنت النبي رضوان الله عليها، خلف باب البيت فقام (بالضغط) عليها وهي بين الباب والجدار فكسر ضلعها وأجهض جنينها (محسن) ثم حرّق عليها الدار، أليس هذا ما تقوله كتبكم وعلماؤكم؟.
يا أخي العزيز.. أنت لا ترضى هذا لنفسك، فكيف ترضاه لإمامك علي بن أبي طالب وهو الإمام الشجاع والبطل الصنديد؟.
أخي لو حدث هذا الشيء (لفاسق) في عصرنا هذا لثأر لكرامته وشرف زوجته، بل إن الشاعر في الجاهلية كان يقول:
أصونُ عِرضي بمالي لا أبدده لا بارك الله بعد العرض بالمال
فكيف بأمير المؤمنين وبطل الأبطال علي بن أبي طالب، أن يسكت ويخضع وبكلِّ ذل وخنوع على ضرب زوجته وإحراق بيته وإجهاض جنينه؟ ومن هي هذه الزوجة؟ إنها (فاطمة الزهراء) ريحانه النبي صلى الله عليه وسلم وحبيبته إلى قلبه رضوان الله إن هذا السكوت، وهذا الصمت المطبق لا يدل على شجاعة الإمام علي بل يدل على جنينه وخنوعه وخوفه، وهو موقف أقرب إلى (الدياثة) منه إلى (الشجاعة).
ونحن أهل السنة والجماعة لا نقول بهذا الرأي.. ولا نؤمن بهذا الأمر ولا نعترف به ولا نصدقه أبداً، فهذا مما يقدح في رجولة الرجل. أيّا كان هذا الرجل فضلاً عن كونه إماماً للمسلمين.. ولكن أهل التشيع من الإمامية يطعنون فيه رضي الله عنه، بتبنّيهم هذه (الأكذوبة) التاريخية التي اخترعها (الوضّاعون) الشيعة في كتبهم ليثيروا بها عواطف العامة من الشيعة وليحرضوهم على كراهية وبُغضِ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاروق هذه الأمة.
إنكم تقولون وتبررون سكوت الإمام علي عن قضية الخلافة التي -كما تزعمون - اغتصبها أبو بكر الصديق منه، هو اهتمامه الأول والأخير (بوحدة المسلمين) وعدم اختلافهم وتفرقهم، مع كونها -أي الخلافة والإمامة كما تقولون- حقّ من حقوقه التي نصّ الله عليها من فوق سبع سماوات والنبي صلى الله عليه وسلم أكد عليها يوم (غدير خم).
إذن ما هو المبرر على هذا السكوت الفظيع.. وهذا الصمت المطبق الذي لا يرضاه الإنسان الشريف لنفسه ولا لغيره؟ فكيف بعلي بن أبي طالب بطل الإسلام وصنديده؟؟
عمر عدو علي.. ولكنه زوج ابنته
سألت الأخ الشيعي هذا السؤال: هل تزوّج ابنتك وحبيبتك لعدوك؟ قال: كلا، ولا يمكن أن أزوج ابنتي وحبيبتي لعدوي، مهما كانت الأسباب والظروف حتى ولو تعرضت لشتى الضغوط المادية والنفسية.
قلت: هذا الشيء الذي لا ترضاه لنفسك، ولا لابنتك.. ترضاه لإمامك علي بن أبي طالب ولابنته أم كلثوم رضي الله عنها وأرضاه.
قال: وكيف هذا؟.
قلت: تذكرون في كتبكم أن الإمام علي قد زوج ابنته وكريمته أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، لأعدى أعدائه، زوّجها لعمر بن الخطاب في نظركم يا معشر الشيعة؟.
إنه العدو الأكبر لعلي ولكل الأئمة الأطهار وللشيعة الإمامية في كل تاريخهم.
إنه السبب الأول والأخير في ضياع الخلافة من علي وذهابها لأبي بكر الصديق، وهو ليس عدواً فقط بل كافر ومرتد وظالم، وهو أشد كفراً من إبليس نفسه، وهو في الدرك الأسفل من نار جهنم والشيعة الإمامية تتقرب إلى الله بلعنه في ليلهم ونهارهم.
وسؤالي هو: هل يجوز لمسلم أن يزوج ابنته لكافر مرتد مصيره إلى النار وبئس القرار.
إن علماء السنة والشيعة متفقون على عدم صحة مثل هذا الزواج، أي زواج مسلمة بكافر، إذن كيف رضي ووافق الإمام علي أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (الكافر المرتد) في نظركم؟.
إن المبرر الوحيد الذي يذكره علماء الشيعة الإمامية في هذه المسألة هو ما رواه أبو جعفر الكليني في فروع (الكافي)([1]).
حيث نقل عن جعفر الصادق رضي الله عنه، أنه قال في ذلك الزواج: (إن ذلك فرج غصبناه)([2]).
ونحن نسألُ قائل هذا الكلام: هل تزوج عمر أم كلثوم زواجاً شرعياً أم اغتصبها غصباً؟.
إن الكلام المنسوب إلى الصادق عليه السلام واضح المعنى، فهل يقول أبو عبدالله مثل هذا الكلام الباطل عن ابنة علي رضي الله عنه.
ثم لو كان عمر اغتصب أم كلثوم، فكيف رضي أبوها أسدُ الله (ذو الفقار) وفتى قريش بذلك؟.
وقد جاء -اليوم- بعض علماء الشيعة ليشكك في صحة هذه الرواية -أي زواج عمر بأم كلثوم مع أنها ثابتة في كتبكم، واسمع معي ما قاله (الطوسي) في كتابه (تهذيب الأحكام)([3]). (ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة، لا يدري أيهما هلك قبل ولم يورّث أحدهما من الآخر وصلي عليهما جميعاً.
والحق.. إن عمر بن الخطاب تزوج من أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب وأنجب منها زيداً ابن عمر، وقد بارك الإمام هذا الزواج.. وهذه المصاهرة، وقد اعترف بهذا الزواج محدّثو الشيعة.
فقد روى الكليني: عن معاوية بن عمار بن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: بل حيثُ شاءت، إن علياً صلوات الله عليه، لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته)([4]).
يقول السيد: (مصطفى حسيني طباطبائي) في كتاب (حل الاختلاف بين الشيعة والسنة في مسألة الإمامة) ص47: (إن هذا التزويج منصوص عليه في "الإرشاد" للشيخ المفيد، و "التهذيب" للشيخ الطوسي، و"وسائل الشيعة" للحر العاملي، وغيرها من كتب الحديث عند الشيعة).
-------------
([1]) الكافي في فروع (2/ 141) طبعة الهند.
([2]) انظر "إعلام الورى بأعلام الهدى" للطبرسي. طبعة دار المعرفة - لبنان، ص (204) وجاء فيه "وأما أم كلثوم فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب وقال أصحابنا: إنه عليه السلام إنما زوّجها منه مدافعة كثيرة وامتناع شديد واعتلال عليه بشيء حتى ألجأته الضرورة إلى أن ردّ أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوّجها إياه".
([3]) تهذيب الأحكام الطوسي (2/380) كتاب الميراث، طبعة طهران.
([4]) الكافي في الفروع، باب المتوفي عنها زوجها المدخول بها أين تعتدُّ؟ (2/311) طبعة الهند.
تسمية الأبناء بأسماء الأعداء!!
سألت الأخ الشيعي: هل بالإمكان تسمية أولادك وبناتك بأسماء ألدَّ أعدائك، ممن سلبوِك حَقّك.. وضربوا زوجتك وأحرقوا بيتك وأجهضوا جنينك، وهم فضلاً عن ذلك كفرة ومرتدون عن دين الله، ومصيرهم إلى النار وبئس القرار.
قال: لا، وألف لا، لا يمكن أن يحدث هذا الأمر، فكيف أختار لأولادي وبناتي أسماء أعدائي؟ مع كون الأسماء لا مشاحة فيها.. ولا عيب، إنما العيب كل العيب فيمن يحملها.. وليس في الأسماء ذاتها.
قلت: جميل ما تقوله وما تذكره، فلا مشاحة في الأسماء، فقد نقول عن هذا الإنسان أنه جميل ولكنه في الحقيقة قبيح وعن هذا إنه حسن ولكنه (سيئ).. وهكذا.. ولكن الأمر الغريب في شأنكم -أيها الشيعة- أن الأسماء التي ارتضاها الأئمة الكرام لأبنائهم وبناتهم ترفضون أنتم تسمية أولادكم بها وبناتكم، لا لشيء إلا لكونها أسماء لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهي مرتبطة بمحبة أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة، وربما يعجب ويتفاجأ كثير من عامة الشيعة اليوم عندما يطّلعون على حقيقة مخفية عنهم لزمن طويل، أخفاها علماء الشيعة وخطباء المنابر الحسينية.
هذه الحقيقة هي: أن الأئمة الأطهار رضي الله عنهم قد سموا أبناءهم وبناتهم بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ولم يجدوا في هذا الشيء غضاضة، بل هو كل الحب وكل التقدير وكل الاعتزاز، وهي الشخصيات المرتبطة ذهنياً عند الشيعة الإمامية بالنفاق والكفر والارتداد والانقلاب على الأعقاب.
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله قد سمى أبناءه بأبي بكر وعمر([1])، وهم إخوة الحسن والحسين رضي الله عنهم([2]).
ثم جاء بعده الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه فسمى أبناءه بأبي بكر وعمر، وكذلك فعل الإمام الحسين رضي الله عنه.
أما الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) فقد سمى أحد أبنائه باسم عمر([3]). وكذلك صنع الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) حيث سمى إحدى بناته عائشة([4]). وكذلك صنع الإمام علي بن موسى (الرضا) حيث سمى ابنته بعائشة وكذلك فعل الإمام علي بن محمد الهادي فسمي ابنته عائشة.
كل هذه الحقائق مذكورة ومسطورة في كتب الشيعة الإمامية.
فهل أنتم - يا شيعة اليوم - أتقى وأفضل من أئمتكم المعصومين رضي الله عنهم؟!.
وهل أنتم أكثر ورعاً منهم.. وهل صحيح -والحال هذه- أنكم تقتدون بأئمتكم الأطهار في كل شيء في الصغيرة والكبيرة في (الدين، والخلق والأسماء).
إن خطباء المنبر الحسيني يتحدثون عن فاجعة (الطف) ومأساة (كربلاء) في كل مناسبة دينية وخاصة في واقعة كربلاء، وعاشوراء، حيث يتحدثون عن التفاصيل الدقيقة في هذه المأساة التاريخية.. وبالتفصيل المُمِل.
يذكرون أسماء وبطولات وتضحيات من سقطوا شهداء في هذه الفاجعة إلى جانب الإمام الحسين (الشهيد) رضوان الله عليهم جميعاً.
غير أن هؤلاء الخطباء ويا للغرابة والعجب يصدّون ويعرضون عن ذكر أسماء أبناء الإمام علي بن أبي طالب... وإخوة الإمامين الحسن والحسين، لكون هذه الشخصيات تحمل أسماء أبي بكر وعمر وأسماء بقية أبناء الأئمة ومن كان معهم وفي صحبتهم، ومنهم أبو بكر بن علي، وأبو بكر بن الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب.
هذه الشخصيات الكريمة تُهمل إهمالاً تاماً.. وكأن لا وجود لها.. وكأنها لم تكن مع الإمام الحسين في واقعة الطف ومأساة كربلاء في جهاده واستشهاد إنهم يذكرون الأسماء التالية فقط:
أولاً: أولاد الإمام علي بن أبي طالب، وهم (الحسين، وجعفر، ومحمد) ويهملون ذكر أسماء (أبو بكر بن علي وعمر بن علي وعثمان بن علي) إخوة الإمام الحسين رضي الله عنه.
ثانياً: ويذكرون استشهاد أولاد الحسين، وهم: علي الأكبر، وعبد الله.
ثالثاً: ويذكرون استشهاد أولاد الحسين، وهم: عبد الله بن الحسن، والقاسم بن الحسن) ويهملون.. ويصدُّون عن ذكر (أبي بكر بن الحسن).
رابعاً: ويذكرون استشهاد أولاد عقيل بن أبي طالب، وهم: جعفر، وعبد الله) ويهملون ذكر (عبد الرحمن بن عقيل).
ونحن نسأل: لماذا يهمل خطباء المنبر الحسيني ذكر هذه الأسماء الكريمة؟! أليس هؤلاء هم أبناء الأئمة - المعصومون- في زعمكم؟.. ألم يمنّ الله عليهم بالشهادة في سبيله وهم في معية الإمام الحسين؟.
إن السبب واضح ومعروف، فهذه الشخصيات الكريمة تحمل أسماء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: (أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن) والشيعة لا تطيق سماع هذه الأسماء، حتى ولو كانت أسماء أبناء الأئمة الأطهار.
ولهذا.. يندر أن نجد في المجتمعات الشيعية الآن اسم أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة وعبد الرحمن، وطلحة والزبير.. الخ.
وتكاد تكون هذه الأسماء الكريمة معدومة في المجتمعات الشيعية الحاضرة في إيران ودول الخليج العربية، وفي العراق وفي سورية ولبنان وفي الهند والباكستان.
فالشيعة الإمامية يتشاءمون ويتطيرون من ذكر هذه الأسماء الكريمة مع أن أئمتهم المعصومين قد سموا بها أولادهم وبناتهم.
ولا أدري.. هل شيعة اليوم أكثر ورعاً وتقوى لله من أئمتهم المعصومين وأكثر إخلاصاً وإيماناً منهم - اللهم لا، وألف لا..
قد تقول لي.. إن التسميات كانت من باب التقية، ليخلصوا من شرور أولئك المعتدين - على حقوق آل البيت والأئمة، فأقول: إن هذا يتعارض تماماً مع الإيمان الذي يحمله آل البيت في صدورهم، ومع صفاتهم الفذة من رجولة وشجاعة وسوى ذلك من صفات الرجال، فعيب بحقّ الشيعة انتقاصهم، ونعتهم بما يخالف حقيقة ما كانوا عليه.
إنه - يا أخي الشيعي- الحقد الأسود على هؤلاء الصحابة، حتى وصل بكم إلى حد التشاؤم والترفع عن تسمية أولادكم وبناتكم بأسماء هؤلاء الكرام من صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ورد في الإنجيل وكما ذكرت سابقاً: (إذا فسد الملح فبما يُملّح.. وإذا كان النور الذي في قلبك ظلاماً، فكيف يكون الظلام إذن).
وورد كذلك: (وهل نجني من الشوكِ العنب)؟.
وهذه القضية تجعلني أحدثك.. عن قضية أخرى لا تقل عنها أهمية، وهي كذلك يهملها علماء الشيعة وكتُّابهم وأهل التاريخ والأدب عندهم. وهي عدم اهتمام الشيعة بالسيرة النبوية المطهّرة.
ففي الوقت الذي نجد فيه آلاف المؤلفات والكتب في سيرة الأئمة الأطهار.. وسيرة بقية آل البيت رضي الله عنهم لا نجد المؤلفات والكتب التي تؤرخ لسيرة خير المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، وإذا وجدنا، فإننا نجد مقتطفات وملخصات للسيرة النبوية، ومن النادر أن نجد من خطباء المنبر الحسيني من يتحدث في السيرة النبوية، ومن يدرّسها للطلبة في المساجد والحسينيات، بل وحتى في الحوزات العلمية. وكأن سيرة الإسلام العظيم والمشرف ما هي إلا سيرة هؤلاء الأئمة الكرام.
هل تعرف السبب -أيها الأخ الشيعي الكريم - إن السبب واضح، فكون هذه السيرة.. السيرة النبوية تشتمل على سيرة الصحابة الكرام ومنهم أبو بكر وعمر، وعلماء الشيعة، لا يطيقون ذكر أسمائهم وتضحياتهم في سبيل الله، وفي سبيل الإسلام، فكيف يذكرونهم وهم يُكفرونهم.. ويصفونهم بأقبح الأوصاف.
إنها حالة نفسية.. وحالة عقلية مرضية، ترفض أن تذكر سيرة من تعتبرهم كفرة مرتدين.. من أهل النفاق، وهم في نهاية المطاف من حزب الشيطان.
واقرأ معي ما قاله الشيخ (عبد الحسين بن المظفر) المعروف عندكم بأبي ذر زمانه، في كتابه (الشافي في شرح أصول الكافي)([5]).
(إن هؤلاء العارفين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، الذين أضلّهم الشيطان؛ لأنهم مالوا عن الحجة الواضحة، والسُبل المنيرة، بإطاعتهم غير أهل بيت العصمة، إذ الميول عنهم ميول عن حزب الشيطان).
يذكر الأستاذ(عيادة أيوب الكبيسي) في كتابه القيم: (صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب والسنة)([6]).
ومن أعجب ما قرأته عن الشيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
هو ما كتبه محمد الخالصي الشيعي في رسالته إلى الشيخ محمد بهجت البيطار، المؤرخة في 26/ربيع الأول 1382هـ إذ يقول: (لم أذكر الصحابة بخير لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه، بمخالفتي كتابه وسنته في مدح من ذمَّة الكتابُ والسُّنَّة، والإطراء علي من قبح أعماله القرآن المجيد، والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وغاية ما كنتُ أكتبه وأقوله هو أن كتاب الله وسنة نبيه لم تذكر الصحابة بخير، ولا تدل على فضل لهم لأنهم صحابة).
إذن كيف يدرسُ ويُدرِّسُ الشيعة الإمامية سيرة هؤلاء الصحابة إذ يخافون كما ذكر الخالصي أن يتعرضوا لسخط الله وعذابه؟.
وهذا إمامكم (الخميني) يكتب في وصيته الأخيرة: (إنني أقولها بجرأة: إن شعب إيران بجماهيره المليونية في العصر الحاضر، هو أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشعب الكوفة والعراق على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما، فأهلُ الحجاز وكذلك المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يطيعونه، وبذرائع شتى يتهربون من القتال حتى إن الله تعالى أنّبهم في آيات من سورة التوبة وأوعدهم بالعذاب: بل وافتروا عليه حتى دعا عليهم كما يروى.
وبالنسبة لأهل العراق والكوفة فلطالما آذوا أمير المؤمنين وتمردوا على طاعته وشكواه منهم معروفة مشهورة، ومسلمو العراق والكوفة هم الذين فعلوا بسيد الشهداء عليه السلام ما فعلوا، ومن لم يلحقه وِزْرُ المشاركة المباشر في قتل سيد الشهداء فهو إما فارُّ من المعركة أو قاعد حتى وقعت جريمة التاريخ، فيما نرى أي فداءٍ وتضحيات يندفع لتقديمها بشوقٍ شعبُ إيران عامة، وقواته المسلحة جيشاً وحرساً وقوات درك)([7]).
وهل يملك المسلم إلا أن يقول أمام هذه المقارنات: (سبحانك هذا إفك عظيم).
لهذه الأسباب، ولغيرها أعرض علماء الشيعة وخطباؤهم عن الحديث عن السيرة النبوية المطهرة وهي التي تمثل تاريخ الإسلام في صفحاته المضيئة والمشرقة.
ويحسن في هذا السياق أن نُورده ما ذكره موسى الموسوي في كتاب الثورة البائسة: (إن الخميني جاء وأبوه من الهند، ولا يُعلم له نسبُ سوى ذلك، فما اللغز في ذلك؟).
الله اعلم([8]).
--------------
([1]) كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، ص(203)، طبعة دار المعرفة، لبنا.
([2]) المصدر السابق، ص (212).
([3]) المصدر السابق، ص (357).
([4]) المصدر السابق، ص (301).
([5]) (2/49-50).
([6]) (ص:289).
([7]) الوصية ص(5-6).
([8]) كتاب الثورة البائسة.
الله يترضى.. والشيعة يلعنون؟؟
ثم تعال معي أيها الأخ الشيعي العزيز، إلى قضية أخرى في مسألة الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
لقد ترضى الله تبارك وتعالى عن هؤلاء الصحابة، وأنزل رضاه ومدحه لهم في كتابه العزيز ليتلوه الناسُ إلى يوم القيامة، حيث قال عزّ من قائل: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) [الفتح:18].
وقوله: ((وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74].
وقوله جلت قدرته: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].
وقوله عز من قائل: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
والآيات في هذا المقام عديدة وكثيرة، وكلها تثني وتمتدح وتترضي على هؤلاء الكرام رضوان الله عليهم.
فكيف يترضى الله تبارك وتعالى عليهم، وأنتم يا معشر الشيعة الإمامية تسبونهم وتطعنون فيهم وتحطون من قدرهم؟ وهم الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه.
أما علماء الشيعة فماذا يقولون عن هؤلاء الكرام الذين حملوا راية الإسلام إلى أقطار الأرض في الشرق والمغرب، والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
أُحبُّ أورد ذلك - أخي الكريم - نصّين من نصوص وأقوال علمائكم، أحدهما من الأقدمين وهو شيخكم (الكليني) في كتابه (الكافي) والآخر من المعاصرين وهو (الخميني) في كتابه (كشف الأسرار).
حيث يقول الأول: (الكليني) عن أبي بكر وعمر، ما نصه (.. إن الشيخين أبا بكر وعمر فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([1]).
وأما الثاني: (الخميني) فقد قال بكل صراحة ووضوح: (إن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، بل وأكثر من ذلك إنهم غيّروا أحكام الله وحلّلوا حرام الله، وظلموا أولاد الرسول، وجهلوا قوانين الرب وأحكام الدين)([2]).
فانظروا إلى ما يقوله القرآن الكريم عن الصحابة الكرام، وإلى ما يقوله علماء الشيعة عنهم.
القرآن يترضى عليهم، والشيعة يسبونهم ويلعنونهم، فمن نصدق؟ من المؤكد أن المسلم والمؤمن والمتقي إنما يصدق الله رب العالمين.
واسمع معي -يا أخي الكريم- هذه الحادثة.. وهذه القصة التي أوردها أحد علماء الشيعة الإمامية وهو (مصطفى حسيني طباطبائي) في كتابه (حل الاختلاف بين الشيعة والسنة في مسألة الإمامة)([3]).
عن إبراهيم بن قدامة بن حاطب عن أبيه عن علي بن أبي الحسين، الملقب بزين العابدين قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم -أي طعنوا فيهم- فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني أأنتم المهاجرون الأولون ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8].
قالوا: لا قال: فأنتم ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9].
قالوا: لا.
قال: أما أنتم، فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال عز وجل فيهم ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] أخرجوا، فعل الله بكم، أي: شتمهم.
----------------
([1]) روضة الكافي (8/346).
([2])كشف الأسرار الخميني، ص(110).
([3]) ص (38،37،36).
الإفراط في الحب.. والإفراط في البغض
قلت: للأخ الشيعي وأنا أساله: هل تعرف ما هي مشكلتك... ومشكلة طائفتك؟.
قال: لا، لا أعرف، فما هي المشكلة في رأيك ونظرك؟.
قلت: إن مشكلتك.. ومشكلة الشيعة تتلخص في جملة واحدة وهي: (الإفراط في الحب، والإفراط في الكراهية والبغض) وهي مشكلة يعاني منها كل البشر وليس الشيعة فحسب.
فمن نحبه فهو (قديس) ومن نكرهه فهو إبليس، وليست هناك منطقة وسط. إما الإفراط في حب الأشخاص.. والرجال إلى حد (القداءة) و(التقديس)، وإما الكراهية والبغض فيهم وفي أشخاصهم والحط من أقدارهم إلى حد التدنيس).
وهذا ما فعله اليهود والنصارى في نظرتهم إلى السيد المسيح عليه السلام، فاليهود كرهوه.. ورفضوا دعوته وتآمروا على قتله، ووصفوه بأنه ابن زنا، ووالدته - حاشاه وحاشاها - عليهما السلام، غير أن كراهيتهم للسيد المسيح أعمتهم عن الانصياع للحق الذي جاء به السيد المسيح عليه السلام ومازال اليهود وإلى يوم يبغضونه ويسبونه، ويتهمون والدته عليها السلام بكل الأوصاف القبيحة والسيئة.
أما النصارى فهم على العكس من ذلك تماماً، لقد وصل حبهم للسيد المسيح عليه السلام إلى حد التقديس والتأليه واعتباره ابناً لله تبارك وتعالى - حاشا لله أن يكون له ابن وولد - غير أن هذا الحب قد أعماهم عن (بشريته) عليه السلام، وفي كلتا الحالتين هناك خلل في التفكير وفي التصور، تؤدي على خلل في العقيدة والاعتقاد.
والشيعة الإمامية أصابهم ما أصاب اليهود والنصارى في هذه المسألة العقدية، فهم يفرطون في حب الأئمة الأطهار إلى حد الغلو والتقديس ويبالغون في كراهية الصحابة الكرام إلى حد الاحتقار والتدنيس.
وخذ مثالاً على هذا الغلو والتقديس في شأن الأئمة رضوان الله عليهم جاء في "بحار الأنوار"([1])، للمجلسي هذه الرواية المكذوبة عن الإمام الصادق رضي الله عنه أنه قال: (والله لقد أعطينا علم الأولين والآخرين، فقال رجل من أصحابه " جُعلت فِداك أعندكم علم الغيب؟ فقال له: ويحك إني أعلم ما في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ويحكم وسِّعوا صدوركم، ولتبصر أعينكم، وَلُتع قلوبكم، فنحن حجةُ الله تعالى في خلقه، ولن يسع ذلك إلا صدر كل مؤمن قوي، قوته كقوة جبال تهامة إلا بإذن الله، والله لو أردتُ أن أحصي لكم كل حصاة عليها أخبرتُكم وما من يوم وليلة إلا والحصى تَلِدُ إيلاداً، كما يلد هذا الحلق، والله لتتباغضون بعدي حتى يأكل بعضكم بعضاً).
وفي الكافي([2]) للكليني عند عبد الله بن بشر عن أبي عبد الله أنه قال: (إني لا علم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون..).
فهل رأيت غُلواً أكبر وأكثر من هذا الغلو، وهذا الانحراف في التصور والاعتقاد؟.
فأئمتكم -يا أخي الكريم - يعتقدون أنهم يعلمون الغيب، ويعلمون ما في أصلاب الرجال، وما في أرحام النساء، ويعلمون ما في السماوات وما في الأرض، ويعلمون ما في الجنة وما في النار، ويعلمون ما كان وما يكون، بل إن هؤلاء الأئمة يخلقون الخَلْق ويصورون كل شيء في هذه الدنيا، فماذا تركتم لله تبارك وتعالى بعد كل هذا الغلو؟.
إن هذا الداء القديم.. (داء الإفراط والتفريط) الذي أصابكم هو نفسه الذي أصاب اليهود والنصارى من قَبلكم، فأصابكم بالعمى وضبابية الرؤية وعدم إدارك الحق المبين.
إن هذا الداء المميت قد أشار إليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال لأصحابه: (لا تطروني([3]) كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله) رواه البخاري.
نعم.. لقد أصابكم داء الأمم السابقين من يهود ونصارى، فأفرطتم في حب وتقديس آل البيت رضوان الله عليهم حتى أوصلتموهم إلى مقام ومرتبة (الألوهية) و(الربوبية) وأما (الخوارج) وهي الفرقة -الدموية- الضالة، فقد أبغضت الإمام علي حتى قتلته رضوان الله عليه.
أما أهل السنة والجماعة فقد التزموا جانب الحق والصواب في قضية الحب والبغض، دون إفراط أو تفريط ودون غلو أو انحراف، فليس عندنا نحن أهل السنة والجماعة، أشخاص معصومون أو مقدسون، اللهم إلا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم وحده فيما يبلّغه عن ربه عز وجل، وبقية الخلق يصيبون ويخطئون، والمعصوم من عصمه الله تبارك وتعالى، وإنما أنا عبد الله ورسوله..
--------------
([1]) كتاب (نجار الأنوار) (26/27،28).
([2]) الأصول من الكافي (1/261).
([3]) أي: لا تعظموني كما عظمت النصارى عيسى بن مريم إلهاً أو ابن إليه، وإنما أنا عبد الله ورسوله.
الاتباع الأعمى لعلماء الدين
إن أحد أبرز المظاهر التي يعاني منها المجتمع الشيعي في كل أقطار العالم، هو قضية المرجعية، فكون الإنسان الشيعي لا تصح عباداته ولا ممارساته الدينية الأخرى إلا بتقليده لإحدى المرجعيات الدينية جعلته لا يستطيع الخلاص والانفكاك من جاذبية وتأثير المرجع الديني مهما كان مستوى هذا (المقلد) العلمي والثقافي والاجتماعي.
فالتقليد والاتباع للمرجع العلمي الديني مبدأ أساسي في حياة الإنسان الشيعي، فالفتوى التي يصدرها المرجع الديني تعتبر ملزمة لأتباعه الذين يقلدونه في الصغيرة والكبيرة من أمور دينهم بل وفي شتى أمور دنياهم أيضاً.
فالطبقية والتراتبية الدينية مسألة معروفة ومشهورة في المجتمع الديني في مرتبة (القداسة) الموجودة عند النصارى وخاصة الكاثوليك منهم ولهذا وجدنا من كُتّاب الشيعة وعلمائهم في العراق والخليج من يكتب ويسطر ويدبّج المقالات العديدة في تقديس آية الله العظمى السيد (السيستاني) ومن قبله آية الله العظمى السيد الخوئي، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم كثير.
ومنذ عهد الصفويين في إيران وانتشار المذهب الشيعي فيها بالقوة والعنف والإرهاب، أصبح للمرجع الديني القدح المعلي في الطائفة والمجتمع الشيعي وما زال هذا التأثير وهذه المكانة موجودة للعالم والمرجع الشيعي إلى يومنا هذا.
هذا التأثير وهذه المكانة وهذه الميزة تجعل كلمة المرجع الديني الشيعي كلمة لها قداستها وأهميتها القصوى في نفس وروح وقلب الإنسان الشيعي فلا يستطيع هذا الإنسان أن يرد أو يناقش أو يناظر العالم والمرجع الديني، وكيف يناقشه أو يرد عليه وهذا المرجع يمثل الإمام الغائب والمختفي (المهدي المنتظر) وهو وكيله في الأمة وفي الطائفة الشيعية الإمامية؟.
من هنا نستطيع في أن نفهم وأن نعرف سبب اتباع عموم الشيعة لعلمائهم ومراجعهم فالرادُّ عليهم كالرادّ على الإمام، والراد على الإمام كالرادّ على رسول الله، والراد على رسول الله كالرادّ على الله.
ومن هذا المنطلق لا يجرؤ الإنسان الشيعي على مناقشة المرجع الديني أو الرد عليه، وكل ما عليه هو الاتباع والانصياع والخضوع.
إنه في الواقع والحقيقة الاتباعُ الأعمي، والانصياع الأعمى لهذا العالم الشيعي أو ذاك، فهو في واقع الأمر كالتلميذ بين يدي أستاذه الجاهل الذي يقول له: أطفئ سراج عقلك واتبعني.. هكذا دون مناقشة ودون تفكير ودون علم أو وقفة صادقة.
وعلى ضوء هذا تعرَّض ويتعرض كل من يخرج على المذهب الشيعي الإمامي إلى الأذى والإقصاء والنبذ والهجوم والتشنيع والقدح في علمه وسمعته، وقد يصل الأمر إلى حد القتل، كما حدث مع العديد من أفاضل الشيعة ممن رفضوا هذه الانحرافات وخرجوا على هذه الخرافات، بعد ما منّ الله عليهم بالهداية والتوفيق ولزوم جماعة أهل السنة والجماعة وترك مذهب الرفض.. من أمثال السيد آية الله (البرقعي) حفيد الإمام الرضا، وصاحب كتاب (كسر الضم) والذي انتقد فيه كتاب الكافي للكليني ونقضه من أساسه.
وكذلك السيد الأستاذ أحمد الكسروي صاحب كتاب "الشيعة والتشيع" والأستاذ السيد موسى الموسوي صاحب كتاب الشيعة والتصحيح وكتاب الثورة البائسة" والأستاذ أحمد الكتاب، صاحب كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، والذي نقض وأنكر فيه وجود الإمام المهدي المنتظر، والسيد الراحل آية الله العظمى أبو الحسن الأصفهاني، والسيد حسين الموسوي صاحب كتاب (لله.. ثم للتاريخ) وهناك عدد آخر من علماء الشيعة ومن أساتذتهم ممن هداهم الله فرفضوا كل أباطيل وأساطير التشيع (الصفوي) الدموي والإرهابي.
فقد تم قتل: الإمام البرقعي، ونجل الإمام أبو الحسن الأصفهاني، كما تم قتل السيد أحمد الكسروي والسيد حسين الموسوي رحمهم الله جميعاً وغفر لهم.
أما السادة موسى الموسوي وأحمد الكاتب فقد تعرضنا للضرب والتهديد والأذى والاتهام بالعمالة (للوهابية).
وأخيراً.. فقد تعرض السيد آية الله العظمى محمد حسين فضل الله إلى الله الأذى وإلى تشويه السمعة وإسقاط المرجعية عنه واتهامه بالعمالة لوكالة المخابرات الأمريكية، فتم الهجوم عليه من فوق المنابر الحسينية والمآتم، وألفوا فيه الكتب من نظائر كتاب (الحوزة العلمية ترد على الانحراف..) وهكذا..
إنه يا صاحبي الشيعي الإرهاب والتعصب الأعمى في أبشع صوره وأشكاله، وهو يذكرنا بإرهاب الدولة (الصفوية) والتي حكمت إيران في فترة ماضية، وقامت بذبح وقتل وإرهاب ملايين السنة من أهل إيران وإرغامهم على الدخول في مذهب التشيع الإمامي (الصفوي) حدث هذا في إيران.
وحدث هذا في العراق، أثناء حكم الدولة الصفوية في العصر الحديث.
إن هذا الإرهاب يذكرنا في واقع الحال بدولة الإرهاب الكبرى (أمريكا). وربيبتها (إسرائيل) حيث قال زعيمها ورئيسها جورج بوش الابن، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: (مَنْ ليس معنا.. فهو ضدنا) هكذا بكل صراحة ووقاحة.
نعم.. لقد أضحي مذهب التشيع الإمامي الإثناء عشري، في حقيقته تشيّعاً صفوياً وليس تشيعاً علوياً، كما ذكر المفكر الشيعي الشهير والحرّ (الدكتور على شريعتي) في كتابه الموسوم. (التشيع العلوي.. والتشيع الصفوي).
نعم.. يحمد للشيعي احترامه لمرجعيته، والتزامه ما يصدر عنها، وفي هذا نوع من فلاح إذا كان على بصيرة وعدم تعطيل المنحة الربانية الكبيرة "العقل" وقد دعا القرآن الكريم كل البشرية للتفكر والتعقل والتبصر والتدبر، لا إلى تقليد أعمى، كما مر آنفاً أطفئ سراج عقلك واتبعني "بل توظف" منحة ربك فيما يُرضى ربك فليس كل متبوع معصوماً إلا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام..
دعوة صادقة.. للتقريب بين السنة والشيعة
أمتنا الإسلامية تضم اليوم عدداً كبيراً من المذاهب الفكرية والمدارس الفقهية، والأعراق الجنسية والألسنة، بل وفي المذهب الواحد هناك عدد من المدارس الفقهية، وبينها اختلافات عديدة في الأحكام وفي الآراء الاجتهادية.
ونستطيع أن نعطي أمثلة من واقع المذهب السني، وهو أكبر المذاهب الإسلامية وأكثرها انتشاراً وعدداً، حيث إن هناك أقطاراً عربية وإسلامية لا يعرف إلا مذهباً واحداً، كالمغرب العربي الكبير الذي يعتنق أهله مذهب الإمام مالك في أحكامه الفقهية السنية الأربع (الحنفية) والمالكية والشافعية والحنبلية).
كما أن المذهب الحنفي هو أكثر المذاهب السنية انتشاراً في تركيا والباكستان والهند وإندونيسياً وفي الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي (السابق).
وفي الماضي القريب كان الخلاف محتدماً بين أتباع هذه المذاهب، حتى وصل الخلاف إلى حد عدم الصلاة خلف بعضهم بعضاً، والتعبد في مساجد بعضهم بعضاً وحتى في الحرمين المكي والنبوي كان الأذان يرفع وتقام الصلاة على أساس المذاهب السنية الأربعة.
أضف إلى ذلك أن الاختلاف تعدى المسائل الفقهية إلى قضايا الزواج والمصاهرة، ففي بعض البلاد العربية كان الحنفي يرفض تزويج ابنته من الشافعي، والعكس صحيح، وكان الحنبلي لا يصلي وراء المالكي، مع أن الأئمة الأربعة الكبار، كان بعضهم تلميذ بعض.. غير أن الخلاف حدث بين اتباعهم.
واليوم.. يبدو أن اتباع المذاهب السنية لم يعودوا يهتمون بالمذهبية الفقهية بقدر اهتمامهم بالدليل الشرعي المأخوذ من الكتاب والسنة. وخاصة الشباب المتدين منهم، حيث تجاوز الجميع المسألة المذهبية.. وحتى فقهاء المذهب الواحد قد يفتي بعضهم على أساس المذاهب السنية الأخرى، متجاوزاً في ذلك مدرسته الفقهية.
فها هو فضيلة الشيخ الدكتور (يوسف القرضاوي) يأخذ من كل المذاهب السنية إذا وجد أن رأيها أصوب وأسلم، مع أن مذهبه هو (الحنفي)، وقس على ذلك بقية الفقهاء المعاصرين، إذ لم يعد الخلاف المذهبي يشكل مشكلة عندهم كما كان في الماضين بل إن المسائل كلها ترجع إلى الدليل الشرعي المنبثق من الأصلين الكبيرين (الكتاب والسنة).
وكذلك الأمر عند الشيعة.. حيث انقسموا بدورهم إلى مذاهب فكرية ومدرسية، فهناك المدرسة (الإمامية) الإثنا عشرية، وهي الأكبر والأعم عند الشيعة في العالم، ثم هناك المدرسة (الزيدية) في اليمن، والمدرسة الإسماعيلية في شبه القارة الهندية وفي بعض بلاد الشام.
وحتى في المذهب الشيعي الواحد هناك أكثر من مدرسة فقهية. خذ مثلاً المذهب الإمامي الموجود في دول الخليج العربية وفي جمهورية إيران الإسلامية، فإن اتباعه ينقسمون إلى أصوليين وأخباريين، وقد يضاف إليهم فرقة (الشيخية) الموجودة في بعض مناطق الإحساء والعراق.
وقد وصل الخلاف بينهم في الماضي إلى حد التناحر والتشهير والاتهام، حتى جاء الشيخ (يوسف البحراني) وحاول أن يوفق بين المدرستين في أحد كتبه المعروفة والمشهورة، وسار على دربه عدد كبير من فقهاء الإمامية بعد ذلك.
وكما حدث عند أهل السنة والجماعة، فقد تجاوز اتباع الإمامية الخلاف المذهبي والفقهي، وأصبح الأغلب والأعم عندهم هم أصحاب المدرسة الأصولية، وخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية التي تسترشد بالمدرسة الأصولية وهناك خاصة يتفرّد بها الشيعة، وخاصة الإمامية منهم حيث يرجعون في مسائل عباداتهم وشؤون حياتهم إلى المرجع العلمي والفقيه المستكمل للشرائط، وهي (الأعلمية، والنزاهة، والعدالة..الخ).
أما الخلاف بين السنة والشيعة، فهو ليس خلافاً في الفروع (فقط) كما يظن البعض، بل قد يصل إلى (الأصول) فهو ليس خلافاً في مسألة فقهية فرعية كقضية (زواج المتعة) التي يعتبرها الشيعة مباحة، ويعتبرها السنة محرمة، فهذه ليست بالمسألة الكبيرة التي تستحق الوقوف عندها كثيراً وطويلاً، فكلا الفريقين له أدلته الشرعية في هذه المسألة، ولكن القضية الأهم هي مسألة (الأصول) فالشيعة مثلاً يعتبرون الإمامة المنصوص عليها مسألة جوهرية في المذهب الإمامي، فالإمام (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه وأبناؤه حتى الإمام الثاني عشر، هؤلاء كلهم منصوص عليهم بالإمامة من الله تبارك وتعالى، وهي ركن من أركان المذهب.
والسنة في المقابل لا يعتبرون (الإمام) ركناً من أركان الدين، كما أن الإمام (علياً) وأبناءه غير منصوص عليهم من الله، ولكنهم يعتبرونهم من أئمة الدين الفضلاء، أصحاب المكانة والنسب الشريف، وهم من أهل بيت النبوة، ولهم كل تعظيم وتبجيل، ولكنهم لا يختصون بالإمامة المنصوص عليها، كما هو عند الشيعة، بل ويذهبون إلى حد تفضيل (أبي بكر) وعمر وعثمان على الإمام علي، وهذا الأمر معروف، ومشهور عندهم.
وكذلك بالنسبة لقضية (عصمة الأئمة) التي يعتقد بها الشيعة ويعتبرونها من مسلمات المذهب الإمامي، حيث يأخذون بأقوال الأئمة ويعتبرونها في مقام أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتشريع عندهم توقف عند اختفاء الإمام (المهدي) في غيبته الكبرى.
أما السنة فلا يؤمنون بعصمة الأئمة ولا يعتقدون بها، فالمعصوم هو النبي وحده، والدين قد اكتمل عند مفارقته هذه الحياة، عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا التصور في مسألة العصمة ألقى بظلاله على قضية أخرى، حدث فيها اختلاف واضح بين الفريقين، وهي قضية (الجرح والتعديل) في علوم الحديث، الخاصة برواة الحديث النبوي الشريف، وبالإمكان أن نسمي هذا المصطلح بلغتنا المعاصرة بمسألة المعايير أو التقويم والتقييم، الخاصة برجال الحديث بمن فيهم الصحابة الذين صاحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورووا الأحاديث العديدة في شتى شؤون الحياة والدين.
فأهل السنة يعتبرون كل الصحابة (عدولاً) في أخذهم للحديث وفي روايته. ولا أريد أن أدخل في تعريف من هو الصحابي؟ ولكن مما هو جدير بذكره أن هذا التعريف قد حدث فيه نظر واختلاف بين السنة والشيعة، فكلا الفريقين قد يُزكّي قسماً من الصحابة لا يزكيهم القسم الآخر، بمن فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وأبو هريرة على سبيل المثال وليس الحصر. وبما أن كتب الأحاديث قد تضمنت روايات جاءت عن طريق هؤلاء الرجال أو عن غيرهم، فإن الشك قد وقع فيها، ولذلك نرى أهل السنة والجماعة لا يأخذون بأحاديث (الكليني) إلا إذا وافقت الأحاديث التي وجدت في كتبهم الصحاح، وكذلك يفعل الشيعة الإمامية في عدم أخذهم بكتب الإمام (البخاري) والإمام (مسلم) وغيرهم، إلا إذا وافقت ما هو موجود عندهم.
وهذا بدوره انعكس على عدد كبير من مسائل الفقه والحديث، والسبب هو الاختلاف في معايير التقويم أو (الجرح والتعديل) الخاصة برجال الحديث ورواته.
وتبدو المسألة هنا أقل خطراً من مسألة (تحريف القرآن) التي جرى عليها نقاش طويل ومناظرات عديدة في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث يتهم أهلُ السنة والجماعة، الشيعة الإمامية بالقول بتحريف القرآن من خلال الكتب والتفاسير التي ألفها علماء الشيعة وذكروا فيها نموذج من هذا التحريف المزعوم، من مثل كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب)، للنووي الطبرسي.
وإن كان غالبية المسلمين اليوم من سنة وشيعة يقولون بعصمة (الكتاب الكريم) من التحريف والتبديل.
وإذا نظرنا إلى مسائل التعبد (كالصيام) مثلاً نجد أن أحد أسباب الخلاف يرجع إلى طبيعة اللغة العربية، فكلمة (إلى) أدت إلى وقوع خلاف في قضية.
الفطر بعد الصيام، حيث فهم أهل السنة والجماعة من هذه الكلمة عند تفسيرهم للآية الكريمة: ((أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة:188]. على أنها حدّية، أي بمجرد غياب الشمس يحدث الفطر. أما الشيعة فقد فهموا منها أنها (غاية) ولابد من دخول الغاية في المْغيّا، بمعنى أنه لابد من دخول جزء من الليل (حوالي ربع ساعة بعد غياب الشمس)، عندها يصبح الفطر واجباً، وقس على ذلك بقية المسائل الفقهية من مثل مسألة الوضوء أو الطهر والحيض، وهذا اختلاف علمي مصدره الاجتهاد في فهم النص القرآني المقدس.
وأنا أعتقد أن الشيعة لا يحبون أن يخالفوا السنة، وكذلك السنة لا يحبون أن يخالفوا الشيعة في هذه القضايا العلمية. فالاختلاف في فهم النص الإلهي واقع لا محالة.
من هنا أقول، إذا ابتعدنا عن المسائل التي تفرقنا، فإن بإمكان أبناء الطائفتين أن يتعاونوا وأن يتفقوا على الحد الأدنى من القضايا التي تخصهم، والتي تشكل نوعاً من التقريب، ومنها على سبيل المثال.
أولاً: إن ما حصل من حروب دامية في عصر الصحابة الكرام لسنا مسؤولين عنه -نحن أبناء الحاضر- فقد قال الله لنا جمعياً: ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:134].
فإذا حصل اتفاق في هذا الأمر، فإننا نقفز خطوة إلى الأمام في عوامل التقريب بين السنة والشيعة.
ثانياً: كلا الفريقين لا يحب الفساد الإداري أو المالي أو الأخلاقي في مجتمعات المسلمين، إذن نتعاون على مكافحة هذه الظواهر المرضية، التي تدمر خصائص الإنسان وحياته المستقبلية.
ثالثاً: الوقوف صفاً واحداً أمام الأخطار المحدقة بنا جميعاً كمسلمين في هذه المنطقة من العالم، فإن أعداء الله ورسوله، وأعداء الإسلام والإنسانية لا ينظرون لنا على أننا (سنة وشيعة) بل على كوننا مسلمين تجمعنا عقيدة واحدة ولهذا نبهنا الكريم في سورة الأنفال إلى هذه القضية الحاسمة بقوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)) [الأنفال:73].
فلابد من الوحدة والتعاون على نشر الإسلام والدعوة إليه في هذا العالم المضطرب، وهي خطوة ثالثة في مسألة التقريب.
رابعاً: الدعوة إلى الحوار البناء بين اتباع المذهبين الكريمين، والابتعاد عن مسائل التشنج والعصبية والطائفية التي لا تزيدنا إلا فرقة واختلافاً وتناحراً، ويكيفنا ما حصل أيها السادة في العهدين العثماني، والصفوي من حروب مزقت اللحمة الإسلامية فإن الحوار مبدأ إسلامي أصيل، ومن العار علينا أن نرى حوارات مثمرة بين اتباع الكنائس المختلفة والمذاهب النصرانية العديدة، ويصعب علينا -نحن أبناء الإسلام- أن نتحاور فيما بيننا، لهذا أدعو إلى كل أنواع ومستويات الحوار، الفردية منها والجماعية، وحول جملة القضايا والمسائل المُختَلَفْ عليها. وهنا يأتي دور علماء الدين قبل غيرهم من عامة الناس، فهم القدوة الحسنة في هذا الشأن.
خامساً: الدعوة إلى تبني قضايا حقوق الإنسان وكرامة الإنسان أيّاً كان مذهبه وعرقه ولسانه، بعيداً عن الطائفية والانتقائية والتحيز والشللية،والدعوة كذلك إلى حرية التعبير والتفكير والنقد البناء، وهي ومسائل أمرنا الله بصيانتها والمحافظة عليها، وهو القائل سبحانه وتعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ)) [الإسراء:70].
كل بني آدم، دون تفريق ودون تمييز بين جنس أو لون أو طائفة.
سادساً: العمل على النهوض بالبلاد العربية والإسلامية ككل، بعيداً عن أجواء الطائفية البغيضة والتجزيئية والتمزق، ورفض كل صور الإرهاب وأشكاله، والابتعاد تماماً عن والعنف المضاد؛ لأنه يجر بلادنا الإسلامية إلى بحور الدم التي لا قرار لها ولا نهاية.
سابعاً: زرع مبدأ التسامح والإنسانية أثناء التعامل بين أبناء المذهبين الكبيرين، فالمسلم أخو المسلم، أحبَّ أم كره، والمؤمنون كلهم إخوة كما ذكر القرآن الكريم، وهم أهل دين واحد ونبي واحد وقبلة واحدة، ولنا في موقف أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه خير أسوة وقدوة عندما لم يبادر بقتال الخوارج الذين خرجوا عليه، فقال لهم: (لا نمنعكم من الصلاة في مساجدنا ولا نمنعكم من الفيء ولا نبادركم بقتال حتى تبادرونا)، فلما سفك الخوارجُ الدم الحرام، وشهروا سيوفهم في وجوه المسلمين، أصبح لزاماً على أمير المؤمنين قتالهم، والأخذ على أيديهم، وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك، حتى سقط شهيداً على يد أحد الخوارج المارقين.
ثامناً: لابد من تعزيز الثقة بين اتباع المذهبين، فلا يمكن أن يحدث تقارب إذا لم يكن هناك نوع من الثقة المتبادلة والمبنية على أساس المصارحة والصدق، فلا يُخوّن أحدنا الآخر، ولا يتهمه أو يشكك في نياته، فإن النيات موطنها القلوب، والله أعلم بها حتى من أصحابها، وما لنا إلا الظاهر، والمطلوب منا اليوم المصارحة أولاً، ثم المصارحة والمصافحة ثانياً.
وإن وجود الثقة المتبادلة أمر أساسي لمبدأ التقريب بين السنة والشيعة.
وأذكر في هذا المقام حواراً دار بين حكيم صيني وتلميذه، حيث سأل التلميذ معلمه، فقال: قل لي أيها المعلم الصالح، على ماذا تقوم الدول؟.
فقال الحكيم: تقوم الدول على ثلاثة أمور: على الجيش، ثم العمل، ثم الثقة.
قال التلميذ: إذا أردنا أن نتخلى عن أمرٍ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة فعن أي منها نتخلى؟.
قال الحكيم: نتخلى عن الجيش.
قال: وإذا أردنا أن نتخلى عن أمرٍ ثانٍ، فعن أيهما نتخلى؟.
قال الحكيم: نتخلى عن الأعمال - ولكن أيها التلميذ النجيب لا يمكن أن نتخلى عن الثقة وتبقى الدولة قائمة، فإن الناس إنما يتعايشون ويتعاملون بما لديهم من ثقة متبادلة وحب.
وهذا الشيء يصدق علينا نحن أتباع هذين المذهبين الكريمين في منطقتنا العربية والإسلامية، ومن نافلة القول أن علينا أن ننظر إلى مصلحة أوطاننا أولاً، ومصلحة أبنائنا ثانياً، ومصلحة أمتنا ثالثاً، وقبل ذلك وبعد ذلك مصلحة ديننا وإسلامنا الذي أكرامنا الله به، ثم إننا جميعاً ركاب سفينة واحدة، إذا انخرق قعرها لم ينج من في أعلاها من الغرق.
إنها دعوة صريحة وصادقة ومخلصة لأبناء أمتنا العربية والإسلامية للنظر إلى عوامل التقريب، والعمل على تأسيس مستقبل أكثر رحابة وأكثر تسامحاً وأكثر ثقة، وأن نتعاون على ما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
والله أسأل أن يأخذ بأيدينا جميعاً نحو سُبُل الخير والسلام لنا ولأوطاننا ولأمتنا العربية والإسلامية العظيمة.
الخاتمة
وبعد.. إن مصير الإنسان وكل إنسان إنما هو معلق بهذا الدين العظيم وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وليس وفق ما جاء به علماء الأديان والمذاهب والملل والنحل، ولن ينفع الإنسان أي إنسان في كل زمان ومكان أن يقول أمام الله رب العالمين يوم القيامة ((وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)) [الأحزاب:67-68].
إن قضية الاعتقاد مسألة خطيرة، وجليلة؛ لأنها مسألة مصير في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لن تكون المسيرة، مسيرة الإنسان في الحياة صحيحة وسليمة، إذا كان التصور في أساسه خاطئاً في الاعتقاد.. وخاطئاً في العبادة.. وخاطئاً في الحكم على الآخرين. أما في الآخرة فإن القضية أهم وأخطر؛ لأنها قضية مصير، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
فيا أيها الشيعي الحُر والعاقل والمنصف.. هذه حقائق علمية، وقواعد فكرية وعقلية وأسس منطقية أحببت أن أضعها بين يديك لعل الله عز وجل يوفقك للأخذ بها والتفكير فيها ملياً، من دون تعصب أو تزمت أو تشدد لموروث الآباء والأجداد، أو تأثر بالبيئة الأسرية والمحيط الاجتماعي الذي نشأت فيه، فالمسؤولية فردية في أصلها وأساسها ((وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)) [الإسراء:13-14].
هذه كلمات أخ محب وناصح يرجو لإخوته الشيعة الخير.. كل الخير.. في زمنٍ قلّ فيه المحبون والناصحون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

عدد مرات القراءة:
9345
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :