حوار هادئ مع صديقي الشيعي
الإهداء إلى الأخ الحبيب: السيد (أبو فرح)، صاحب الرجولة والشهامة، والخلق الكريم، والأيادي البيضاء... وإلى الأخ العزيز الأستاذ: وليد (أبو حلمي)، رمز المبادئ السامية، والعطاء المستمر في عالم الحرية والدفاع عنها... وإلى الأخ الكريم السيد: سمير (أبو العبد)، عنوان الصدق والوفاء في عالم الرجال، ودنيا المال والأعمال... وإلى الأخت العزيزة: مريم (أم فيصل)، صاحبة النبع الصافي، والعطاء المثمر، والفكر النيّر في ميادين القضاء والمحاماة... وإلى الأخت الجليلة: غادة (أم مشهور)، نجمة الليل، ونسيم الصباح، وعنوان الطّهر، والشرف، والعفاف... إلى كل هذه النجوم الزاهرة... أهدي هذا الكتاب. عمر الشمري المقدمة هذه الدنيا.. وهذه الحياة مهما طالت فإنها قصيرة، وقصيرة جداً، ومهما اتسعت فإنها ضيقة.. وضيقة جداً، ثم تنتهي بعد كل التجارب والخبرات التي يكسبها الإنسان.. وتنتهي بالموت المحتوم الذي كتبه الله على كل حي: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30]. وحينها يتقرر مصير هذا الإنسان: إمّا إلى الجنة، وإمّا إلى النار -والعياذ بالله- ولو كانت هذه الدنيا باقية لأحدٍ لبقيت لخير البشر صلى الله عليه وسلم، الذي خيَّره ربه عز وجل بين البقاء في الدنيا يحوز كل كنوزها، وثرواتها، أو اللحاق بالرفيق الأعلى، فقال عليه الصلاة والسلام (بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى). إن الحياة كما هو معلوم، فيها سُبُل كثيرة، ومُغريات وفيرة، والعاقل من سلك السبيل الذي ينتهي به إلى الجنة وإن كان صعباً، وأن يترك السبيل الذي ينتهي به إلى النار، وإن كان سهلاً ميسوراً([1]). وعليه فمن العبث والجنون والتفاهة أن تضيع أعمارنا وليالينا وأيامنا فيما لا ينفعنا لا في ديننا، ولا في دنيانا، بل والأكثر حمقاً وتفاهة هو الذي يقضي كل أو جُلَّ حياته وهو يعتقد أنه على الخلق المبين، والصراط المستقيم، وغيره على الباطل والضلال دون أن يقف وقفة صادقة مع نفسه وذاته ليسألها: هل صحيح أن ما أنا عليه من دين ومذهب، هو حقاً - الدينُ والمذهبُ الذي ارتضاه الله عز وجل لي؟.. أم أن الأمر غير ذلك؟ وعليه فالواجب عليّ أن أبحث وأن أنقب وأن أسال حتى أصل إلى الحق وجوهر الحقيقة التي يرتضيها الله تبارك وتعالى، وعندها أكون قد وصلت إلى برِّ الأمان، وشاطئ السلام. وهذا الكتاب.. ما هو إلا محاورة (فكرية) ومناظرة (عقلية) ومناقشة (منطقية)، صيغت على شكل أسئلة فكرية وعقلية واستنباطات منطقية، قصدتُ بها وجه الله تبارك وتعالى، ثم نفع إخواني المسلمين من سُنة وشيعة في كل مكان.. وتحت كل سماء. وهي محاورة.. ودعوة صادقة لكل أخ شيعي، وكل أخت شيعية، يطلبون الحق ويتبعون الهداية، بعيداً عن أقوال وأفعال علماء الشيعة الإمامية وبعيداً - أيضاً- عن أحداث التاريخ الماضية وما حدث فيها ومن خلالها من أمورٍ كانت فاجعة في تاريخ الإسلام والمسلمين ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:134]. إن مشكلة الإنسان -كل إنسان- في كل زمان ومكان، وفوق كل أرض وتحت كل سماء، هي وراثة الدين عن الآباء والأجداد دون تفكير أو تمحيص أو دراسة، أو حتى دون سؤال ونقاش في أغلب الأحيان والأوقات. وكثيراً ما كنت أسمع من بعض المسلمين من ينتقد (طائفة الهندوس) وهم عبدةُ البقر والحجر والشجر، وكيف سلم هؤلاء وهم يعدون بمئات الملايين.. كيف أسلموا عقولهم وقلوبهم لكهنة الديانة الهندوسية، وفيهم الطبيب والمهندس والمحامي والعالم والأستاذ الجامعي؟.. كيف أعطوا عقولهم وسلّموها لحفنة من الكهنة والدجالين والمشعوذين؟. والحق يقال: إن هذا المسلم لو سأل نفسه وذاته نفس السؤال لوجد نفس الإجابة. إذ كيف يسلم المسلم العاقل، عقله وفؤاده لعلماء يشكلونه وفق معتقداتهم وتصوراتهم وآرائهم؟.. حينها يَصحُّ فيه ما صَحَّ في أتباع الديانة الهندوسية. إن للنشأة الأسرية دوراً أساسياً في تشكيل عقولنا وقلوبنا وتصوراتنا عن الكون والحياة والإنسان.. وعن الدين والمذهب والمعتقد. وقد صدق الأستاذ (محمد سالم الخضر) صاحب كتاب: "ثم أبصرت الحقيقة" حينما قال: (إن الدين والمذهب بالنسبة لكثير من المسلمين اليوم كأثاث المنزل أو كالأموال والأراضي.. وَرِثّوه عن آبائهم وأجدادهم.. وهم على خطاهم سائرون.. هذا إن لم يكن الدين في حياتهم أقل من الدينار والدرهم ومتاع الدنيا الزائل. بالأمس كانت الأمم السابقة المكذبة للرسل تُجابه الحق الذي جاءت به الرسُل قائلة: ((قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ)) فكان وهؤلاء المتعصبين لباطلهم الجاهلين لحقيقة أمرهم هو ((إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)) [الزخرف:24]. المشهد يتكرر، لكن ليس بين رسل الله وبين قوم كفار وثنيين، وإنما بين كلمة حق وبين متعصبين ألفوا ما وجدوا عليه آباءهم، فردّوا الحق وتشبثوا بالباطل)([2]). إن عموم أهل السنة والجماعة.. وعموم أهل التشيع الإمامي (وغيرهم) إنما ورثوا مذهبهم عن الآباء والأجداد، وليس عن علم وفهم ودراسة، ومن هنا يظهر منطق التعصب الأعمى للمذهب.. ويختفي منطق العقل والتسامح. ثم يأتي دور البيئة والمحيط الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان ويحيا فيه، فيكون بالغ التأثير في روح هذا الإنسان وتصوراته، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة ((وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا)) [نوح:26-27]. نعم.. إن للبيئة والمحيط الاجتماعي والأسري دوراً بارزاً في تشكيل عقول الأفراد، وخاصة في فترة النشأة الأولى في الطفولة والصغر، لا يخرج عن هذا التأثير المسلم والكافر، السنيُّ والشيعي، العربي والأعجمي، الأبيض والأسود، من في الشرق ومن في الغرب. غير أن هناك أفراداً من شتى المذاهب والأديان ينفكّون من أسْرِ وجاذبية المحيط والعائلة فيبدؤون في البحث عن الحق والحقيقة في مظانها، فإذا ما وصلوا إليها اهتبلوها واعتنقوها (بقوة وحزم) ولم يُفرِّطوا فيها؛ لأنهم إنما وصلوا إليها عن طريق العلم والبحث والدراسة والتقصي. وقد رأيت بعيني.. وسمعت بأذني، العشرات من الأوروبيين والأمريكان ممن تخلصوا من ثقل الواقع المُعاش.. والمحيط الاجتماعي الجاذب.. والتنشئة الأسرية الآسرة، ممن اعتنقوا الإسلام عن طريق البحث والدراسة والمناقشة، فمنّ الله عليهم بالهداية، بعد طول بحث ودراسة.. فلماذا لا يكون المسلم سنيّاً كان أم شيعياً مثل هؤلاء الأمريكان والأوروبيين في البحث والتقصي عن الحق والحقيقة والهداية الربانية؟ إن المسألة تحتاج إلى إرادة نافذة.. وعزم قوي.. وعقل متفتح. وإني لأرجو من الله تبارك وتعالى أن يجعل من كتابي هذا نبراساً وطريقاً لكل أخ شيعي.. وأخت شيعية، يطلب الحق.. ويبحث عن الحقيقة، بعيداً عن الموروثات السابقة.. والمؤثرات اللاحقة.. وأن يجعل له القبول بين الناس. وقد بدأت فكرة هذا الكتاب حينما ناظرت أحد الأفاضل من شيعة المملكة العربية السعودية، قبل سنوات في مسألة (المذهبية) بين أهل السنة والشيعة وذلك على شكل ونمط أسئلة طرحتها عليه. فما كان منه في ختام المناقشة والمناظرة إلا التسليم للحق الذي سمعه. وفقه الله تعالى وإياي للحق والصواب، وهدانا للأخذ بالكتاب والسنة -اللهم آمين-. عمر الشمري - عمان "الأردن" - 15/4/2005م --------------- ([1]) من مقدمة كتاب حسين الموسوي (لله ثم للتاريخ). ([2]) كتاب "ثم أبصرت الحقيقة"، ص (11،12).
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video