زعمهم أن عبد الرحمن بن عوف عمل على صرف أمر الخلافة عن علي بن أبي طالب
يزعم الشيعة الإثنا عشرية أن عبد الرحمن بن عوف كان من أعداء آل محمد[1]، وأنه كان من المعينين لـ أبي بكر على اغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب[2]. ثم عمل بعد ذلك على صرفها عن علي لما جعل عمر بن الخطاب أمر الخلافة شورى بين ستة أحدهم علي، ومال إلى صهره عثمان وتظاهر على علي مع من حضر فأرغموه على مبايعة عثمان، فبايع تحت سلطان التهديد والتخويف، ويرى الشيعة أن فعل عبد الرحمن هذا كان نتيجة تواطئه مع بعض الصحابة على ألا يصير الأمر إلى بني هاشم أبداً -كما تقدم- فقد ذكر صاحب نهج البلاغة أن علياً رضي الله عنه قال حاكياً عن عمر رضي الله عنه: حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكنني أسففت إذ أسفـّوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن...[3]. والذي مال إلى صهره هو عبد الرحمن بن عوف -كما زعم الشيعة - فقد ذكر ابن طاوس والكاشاني وابن ميثم البحراني وعبد الحسين الموسوي أن الذي مال لصهره هو عبد الرحمن بن عوف، كانت بينه وبين عثمان مصاهرة[4]، واستدلوا على ذلك بروايات ذكروها في كتبهم وفي غيرها، منها: ما رواه الطبري بإسناد فيه أبو مخنف، وهشام الكلبي[5] أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما خرج من عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدما طعن وجعل الأمر شورى في الستة، [تلقاه العباس بن عبد المطلب فقال له علي: عدلت عنا، فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان - وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف[6]، فـ سعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليهما عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لأرجو إلا أحدهما[7]. ومنها: ما رواه المفيد في كتابه الجمل أن عبد الرحمن بن عوف لما صفق يده على يد عثمان نهض أمير المؤمنين ع وقال: مال الرجل إلى صهره ونبذ دينه وراء ظهره[8], -وفي رواية- قال لـ عبد الرحمن بن عوف: حركك الصهر[9] وبعثك على ما صنعت، والله ما أملت منه إلا ما أمل صاحبك من صاحبه.[10]. وزعم الشيعة أن عبد الرحمن بن عوف هدد علياً بالقتل إن لم يبايع عثمان ؛ فقد ذكر المرتضى أن البلاذري روى في كتابه عن الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف في إسناد له: إن أمير المؤمنين ع لما بايع عبد الرحمن عثمان كان قائماً فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلا أضرب عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فيقال: إن علياً ع خرج مغضباً فلحقه أصحاب الشورى فقالوا له: بايع وإلا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان...[1]، وذكر أن علياً قال لـ عبد الرحمن بن عوف: يا ابن عوف ! ليس هذا أول ما تظاهرتم علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن[12]. مناقشة هذه الأقوال: إن هذه الأقوال التي أوردها الشيعة كلها من تلفيقهم؛ فرواة أسانيدها أمثال أبي مخنف، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام منهم، وما نسبوه إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أقوال كلها محض افتراء عليه؛ فـ عبد الرحمن لم يبايع لـ عثمان حتى سأل عنه الناس كلهم فوجدهم لا يعدلون به أحداً، وروى البخاري بسنده أن عبد الرحمن بن عوف قال لـ علي: إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان[13]، وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قد قام باستطلاع سري لمعرفة رأي الناس؛ حيث خرج متلثماً، فكان لا يسأل أحداً عن رأيه فيمن يكون الخليفة بعد عمر إلا ويقول: عثمان[14]، وهذا الاستطلاع الواسع ينفي نفياً قاطعاً أية شبهة تُدَّعى ضد عبد الرحمن بن عوف، وهو يثبت نزاهته وحرصه الشديد على تأدية المهمة الموكلة إليه، وتبليغ الأمانة التي لزمت عنقه. ولقد كانت بيعة عثمان مرضيه عند الناس جميعهم لم يتخلف عنها أحد، ولم يتسخطها مستخط، بل اجتمعوا عليه راضين به محبين له، وقد بايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد، والمسلمون[15]، فكيف يقال: إن عبد الرحمن مال إليه لأنه صهره فآثره على غيره. أما دعواهم أن عبد الرحمن بن عوف لما رأى امتناع علي عن مبايعة عثمان هدده بالقتل فدعوى باطلة؛ إذ أنه لم يرد ولا دليل واحد في كتب أهل السنة يؤيدها، والشيعة قد زعموا أن علياً عارض الصحابة ورفض أن يبايع عثمان بعد أن أجمع الناس على بيعته، وهذا كذب عليه، فإنه كان المبايع الثاني لـ عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف[16]، وكان يقول عن عثمان: عثمان كان خيرنا وأفقهنا[17]، ولو كان عارضهم بعد اجتماعهم على عثمان وخرج عليهم وأراد أن يفرق جماعتهم لجاز لهم قتله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان»، وفي لفظ: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»[18] ولكن علياً رضي الله عنه لم يشق عصا الطاعة بل أقر بخلافة عثمان وبايعه ووصفه بأنه خير من يصلح لها.
[1]الكشكول لحيدر الآملي ص:160. [2] كتاب السقيفة لسليم بن قيس ص:76. [3] نهج البلاغة للشريف الرضي ص:49. [4] الطرائف لابن طاوس ص:485، وعلم اليقين للكاشاني 2/ 733، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 1/ 260، وكتاب أبو هريرة للموسوي ص:117. [5] تقدم أنهما شيعيان محترفان. [6] ما بين المعترضتين كلام نسبه علي إلى عمر بن الخطاب. [7] تاريخ الطبري 5/ 35 وانظر المصادر الشيعية الآتية: الإرشاد للمفيد ص:276-277، والشافي للمرتضى ص:259، 261، وتلخيص الشافي للطوسي ص:441، وعلم اليقين للكاشاني 2/ 732-733، وإحقاق الحق للتستري ص:246. [8] الجمل للمفيد ص:60. [9] ذكر المرتضى والطوسي أن ابن الكلبي قال: عبد الرحمن زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز وأروى أم عثمان، فلذلك قال: صهره. الشافي للمرتضى ص:261، وتلخيص الشافي للطوسي ص:441. [10] الإرشاد للمفيد ص:277. [11] الشافي للمرتضى ص:260. [12] الشافي للمرتضى ص:259. [13] صحيح البخاري 9/ 140-141، ك. الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس. [14] الإمامة والسياسة للدينوري ص:30. [15] صحيح البخاري 9/ 140-142، ك. الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، والإمامة للأصبهاني ص:299-300. [16] صحيح البخاري 9/ 140-142، ك. الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، والإمامة للأصبهاني ص:299-300. [17] الإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني ص:308. [18] صحيح مسلم 3/ 1479-1480، ك. الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، وسنن أبي داود 4/ 334، ك. السنة، باب في قتل الخوارج، ومسند أحمد 4/ 341
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video