أن قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ .. الآية نزل فيه
زعمهم أن قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] نزل فيه. فقد أسند العياشي إلى أبي عبد الله الصادق قوله في تفسير هذه الآية: ذهب علي أمير المؤمنين فآجر نفسه على أن يستقي كل دلو بتمرة يختارها، فجمع تمراً فأتى به النبي عليه وآله السلام، وعبد الرحمن بن عوف على الباب، فلمزه؛ أي وقع فيه، فأنزلت هذه الآية: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:79] إلى قوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80].[1]. مناقشة الدليل: إن هذه الآيات نزلت في المنافقين، ودليل ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما بسندهما عن أبي مسعود[2] قال: «لما أُمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل[3] بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ [التوبة:79]»[4]وفي تعيين الرجل الذي جاء بأكثر مما جاء به أبو عقيل، قال المفسرون: إنه عبد الرحمن بن عوف ؛ فقد أسند الطبري وغيره إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير هذه الآية: «جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءه رجل من الأنصار بنصف صاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع»[5] وهو قول جمهور المفسرين[6]. وبعض الشيعة ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في أبي عقيل، وذكر سخرية المنافقين منه، ولكنه أعرض عن ذكر عبد الرحمن بن عوف[7]، مع أن بعضهم ذكر أن عبد الرحمن بن عوف كان من المسارعين في الإنفاق في غزوة تبوك[8]. وهذه الآية نزلت في المتصدقين في غزوة تبوك[9]. وهكذا اتضح أن سبب نزول هذه الآية من مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، ولكن الشيعة جعلوه من مساوئه فبدلوا قولاً غير الذي قيل لهم.
[1]تفسير العياشي 2/ 100. وانظر: الصافي للكاشاني 1/ 719، والبرهان للبحراني 2/ 148، وبحار الأنوار للمجلسي 9/ 323. [2] هو عقبة بن عمر البدري، أنصاري خزرجي، مات بعد سنة أربعين. الإصابة لابن حجر 2/ 490-491. [3] الأنصاري، صحابي مختلف في اسمه، يعرف بصاحب الصاع. الاستيعاب لابن عبد البر 4/ 130، والإصابة لابن حجر 4/ 136. [4] صحيح البخاري 6/ 129، ك. التفسير، باب قوله: الذين يلمزون المطوعين، وصحيح مسلم 2/ 706، ك. الزكاة، باب الحمل أجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المصدق. [5] وقد أسند الطبري نحواً من هذه الرواية إلى عبد الرحمن بن عوف، وأبي عقيل الأنصاري، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ويحيى بن أبي كثير، وابن زيد, وغيرهم. جامع البيان للطبري 10/ 194-198، وانظر: الاستيعاب لابن عبد البر 4/ 130-131، وسيرة ابن هشام 4/ 196، والمعجم الكبير للطبراني 1/ 90، وأسباب النزول للواحدي ص:293، وتفسير ابن كثير 2/ 375-376، والدر المنثور للسيوطي 3/ 263، ودر السحابة للشوكاني ص:252 -وقد أشار إليه-. [6] جامع البيان للطبري 10/ 194-198. [7] تفسير القمي 1/ 302. وانظر: تفسير الصافي للكاشاني 1/ 717، والبرهان للبحراني 2/ 148. [8] إعلام الورى للفضل بن الحسن الطبرسي ص:129. [9] سيرة ابن هشام 4/ 196.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video