أن تلقيب الرسول صلى الله عليه وسلم لـ أبي عبيدة بأمين هذه الأمة مطعن له
زعمهم أن تلقيب الرسول صلى الله عليه وسلم لـ أبي عبيدة بأمين هذه الأمة مطعن له، ولا مدح فيه، وقالوا في سبب هذا اللقب: إن جماعة من الصحابة تآمروا فيما بينهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يردوا الخلافة إلى بني هاشم أبداً -يريدون بذلك حرمان علي وذريته منها- وكتبوا في ذلك صحيفة، ودفنوها في جوف الكعبة، وكان كاتب هذه الصحيفة هو أبو عبيدة بن الجراح، وهو الذي ذهب بها إلى مكة ودفنها في جوف الكعبة، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مؤامرتهم، فقال لـ أبي عبيدة: «أنت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم»([1]). ووجه هذا القول -كما يزعمون-: أن المتآمرين ائتمنوه على الصحيفة وأودعوها عنده، وأرسلوه إلى مكة نائباً عنهم كي يدفنها في جوف الكعبة. قاله البياضي والكاشاني والبحراني والتستري والجزائري والشيرازي([2]). ولم يكتف الشيعة بهذا، بل وصفوه بأنه من أعداء آل محمد([3]). وأحد المعينين لـ أبي بكر الصديق على اغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب([4]) واستشهد هاشم الحسيني على هذه المزاعم بكلام المستشرق هنري لامنس([5])، حيث يقول: [إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وليد مفاجأة وارتجال، وإنما كان وليد مؤامرة سرية مجرمة، حيكت أصولها ورتبت أطرافها بإحكام وإتقان، وإن أبطال هذه المؤامرة أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ومن أعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة...إلخ]([6]). مناقشة هذه الدعوى: إن زعم الشيعة أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي عبيدة بن الجراح: (أمين هذه الأمة) طعن فيه: زعم باطل لا تساعدهم عليه اللغة، ولا المناسبة، ولا واقع الحال؛ فالأمين لغة: هو الثقة الرضي، وإضافته إلى الأمة تدل على انه مرضي من الأمة جميعاً، وثقة عندهم، وهذا لا يتماشى مع قصة الصحيفة التي افتروها؛ فإنها أفادت أنه ثقة عند جماعة قليلين هم المتواطئون على كتابة الصحيفة على حد زعم الشيعة. وقد تنبه الشيعة إلى هذا التناقض فغيروا لفظ الحديث الصحيح ليوافق أهواءهم، فوضعوا بدل (أمين هذه الأمة): (أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم)، وهذا كذب متعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن المناسبة تبطل دعواهم؛ فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: «إن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة»([7]) ولا يصح أن يرسل معهم ليعلمهم أمور الدين من عنده ليس بأمين. وأخرج البخاري ومسلم أيضاً من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهماقال: «جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً، حق أمين، حق أمين، قال: فاستشرف لها الناس قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح»([8]) ويعني بالناس في قوله: (فاستشرف لها الناس) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تطلعوا للولاية ورغبوا فيها حرصاً على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي([9])، حتى إن عمر رضي الله عنه قال: (ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها)([10]). ولقد عرف الصحابة لـ أبي عبيدة هذا الفضل، فقد روى أحمد بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح فاستخلفته وما شاورت فيه، فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله»، وفي رواية: «لو استخلفت أبا عبيدة بن الجراح، فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: رب! سمعت نبيك وهو يقول: إنه أمين هذه الأمة»([11]). أما استشهاد هاشم الحسيني بكلام المستشرق لامنس على إثبات هذه الدعوى، فهو استشهاد باطل، فما كان لأعداء الإسلام أن يكونوا شهداء على المسلمين، ولا ريب أن المستشرقين اعتمدوا على مصادر الشيعة اعتماداً كبيراً في إلقاء الشبه والتشكيك في الدين، ومن ثم إعطاء الفكرة المشوهة والمحرفة عن الفكر الإسلامي الأصيل.
([1])صحيح البخاري (5/ 100)، ك. المناقب، باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وصحيح مسلم (4/ 1881)، ك. الفضائل، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح. ([2]) تقدمت هذه الدعوى مع تفنيدها (ص:1115)، والملاحظ أن لفظ الحديث الذي أوردوه مخالف تمام الاختلاف للفظه الصحيح. ([3]) انظر: الصراط المستقيم للبياضي (1/ 296، 3/ 154)، وعلم اليقين للكاشاني (2/ 658)، وتفسير الصافي له (2/ 570)، والبرهان للبحراني (4/ 187)، والصوارم المهرقة للتستري (ص:77-78)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/ 340، 343)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:302-303( ([4]) الكشكول لحيدر الآملي (ص:160). ([5]) السقيفة لسليم بن قيس (ص:76). ([6]) مستشرق بلجيكي المولد، فرنسي الجنسية، من علماء الرهبان اليسوعيين، درس في إنجلترا، واستقر في بيروت، وبها مات عام (1937م) وقد بلغت مصنفاته باللغة العربية (127) كتاباً، منها: الحكام الثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة. الأعلام للزركلي (8/ 99-100)، ومنوعات الكلية الشرقية (4/ 1910(. ([7]) سيرة الأئمة لهاشم الحسيني (ص:281) وانظر: نفس المصدر (ص:285، 286( ([8]) صحيح مسلم (4/ 1881)، ك. الفضائل، باب فضائل أبي عبيدة. ([9]) صحيح البخاري (5/ 100)، ك. المناقب، باب مناقب أبي عبيدة، وصحيح مسلم (4/ 1882)، ك. الفضائل، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه. ([0]) فتح الباري لابن حجر (7/ 93-94( ([10]) فتح الباري لابن حجر. وانظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري (2/ 347( ([10]) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 742-743). وانظر: مسند أحمد (1/ 18)، والمستدرك للحاكم (3/ 268(.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video